صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 144 - 151

26

26

المنَاسَبَة: لما حكى عن المشركين تقليدهم الأعمى للآباء، ذكر هنا إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام، الذي يفتخر به العرب وينتسبون إليه، وتبرءه من قومه ومن عبادة الأوثان، للمقارنة بين الهدى والضلال، وبين منطق العقل السديد، ومنطق الهوى والتقليد.

اللغَة: ﴿بَرَآءٌ﴾ مصدر بمعنى بريء أي متبرىء يقال: تبرأتُ من الأمر أي تخليت منه بالكلية ﴿عَقِبِهِ﴾ ذريته ونسله قال ابن شهاب: العقب: الولدُ وولد الولد ﴿سُخْرِيًّا﴾ أي مسخرًا في العمل مستخدمًا فيه ﴿مَعَارِجَ﴾ مصاعد ومراقي جمع مِعْراج وهو ما يصعد عليه الإِنسان كالدرج ونحوه ﴿يَظْهَرُونَ﴾ يرتقون ويصعدون ﴿زُخْرُف﴾ زينة من ذهب وفضة وغيرهما ﴿يَعْشُ﴾ يُعرض وأصله من عشيَ البصرُ إذا ضعف قال الخليل: العشو هو النظر ببصر ضعيف.

التفسِير: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ أي واذكر يا محمد حين قال إبراهيم الخليل لأبيه وقومه المشركين إنني بريءٌ من هذا الأوثان التي تعبدونها من دون الله ﴿إِلاَّ الذي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ أي لكنْ ربي الذي خلقني وأنشأني من العدم فإِنه يرشدني إلى الدين الحق، ويهديني إلى طريق السعادة ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي وجعل إبراهيم هذه الكلمة كلمة التوحيد باقيةً في ذريته فلا يزال فيهم من يوحِّد الله ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي رجاء أن يرجع إلى الإِيمان من الشرك منهم من قال مجاهد: «وجعلها كلمة» يعني «لا إله إلا الله» لا يزال في ذريته من يقولها إلى ايوم الدين ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤلاء وَآبَآءَهُمْ﴾ أي بل متعتُ أهل مكة وآبائهم وهم من عقب إبراهيم بالإِمداد في العمر والنعمة، فاغتروا بالمهلة واشتغلوا بالتنعم واتباع الشهوات عن كلمة التوحيد ﴿حَتَّى - ﷺ َ - ﷺ َ mp;﴾

﴿1648 - ; جَآءَهُمُ الحق وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ أي حتى جاءهم القرآن ورسولٌ ظاهر الرسالة، مؤيدٌ بالمعجزات الباهرة من عند الله قال الإِمام الفخر: وجه نظم الآية أنهم لما عوَّلوا على تقليد الآباء، ولم يتفكروا في الحجة، اغتروا بطول الإِمهال وإِمتاع الله إياهم بنعيم الدنيا فأعرضوا عن الحق ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق قَالُواْ هذا سِحْرٌ﴾ أي ولمَّا جاءهم القرآن لينبههم من غفلتهم، ويرشدهم إلى التوحيد، ازدادوا

144

عتوًا وضلالًا فقالوا عن القرآن إنه سحر ﴿وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ أي ونحن كافرون به، لا نصدّق أنه كلام الله قال أبو السعود: سمَّوا القرآن سحرًا وكفروا به واستحقروا الرسول عليه السلام، فضمُّوا إلى كفرهم السابق معاندة الحق والاستهانة به ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ أي وقال المشركون: هلاَّ أُنزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير في مكة أو الطائف!! قال المفسريون: يعنون «الوليد بن المغيرة» في مكة أو «عُروة بن مسعود الثقفي» في الطائف.

. استبعدت قريش نزول القرآن على محمد وهو فقير يتيم، واقترحوا أن ينزل على أحد الرؤساس والعظماء، ظنًا منهم أن العظيم هو الذي يكون له مال وجاه، وفاتهم أن العظيم هو الذي يكون عند الله عظيمًا، وهم يعتبرون مقياس العظمة: الجاه والمال، وهذا رأي الجاهلين في كل زمانٍ ومكان، أما مقياسُ العظمة الحقيقة عند الله تعالى وعند العقلاء، فإنما هو عظمة النفس، وسُموُّ الروح، ومَنْ أعظمُ نفسًا وأسمى روحًا من محمد بان عبد الله عليه الصلاة والسلام ُ! ﴿ولهذا ردَّ تبارك وتعالى عليهم بقوله ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؟ أي أهم يمنحون النبة ويخصَّون بها من شاءوا من العباد، حتى يقترحوا أن تكون لفلان الغني، أو فلانٍ الكبير من الناس؟ ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي - ﷺ َ - ﷺ َ mp;﴾

﴿1649 - ;لْحَيَاةِ الدنيا﴾ أي نحن بحكمتنا جعلنا هذا غنيًا وهذا فقيرًا، وفاوتنا بينهم في الأموال والأرزاق، وإِذا كان أمر المعيشة وهو تافه حقير لم نتركه لهم بل تولينا قسمته بأنفسنا، فكيف نترك أمر النبوة وهو عظيم وخطير لأهوائهم ومشتهياتهم﴾ ! قال في التسهيل: كما قسمنا المعايش في الدنيا كذلك قسمنا المواهب الدينية، وإِذا كنا لم نهمل الحظوظ الحقيرة الفانية، فأولى وأحرى ألا نُهمل الحظوظ الشريفة الباقية ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أي فضلنا بين الخلق في الرزق والعيش، وجعلناهم مراتب: هذا غني، وهذا فقير، وها متوسط الحال ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أي ليكون كلٌ منهم مسخرًا للآخر، ويخدم بعضهم بعضًا، لينتظم أمر الحياة قال الصاوي: إن القصد من جعل الناس متفاوتين في الرزق، لينتفع بعضهم ببعض، ولو كانوا سواءً في جميع الأحوال لم يخدم أحدٌ أحدًا، فيفضي إلى خراب العالم وفساد نظامه وقال أبو حيانن: وقوله تعالى: ﴿سُخْرِيًّا﴾ بضم السين من التسخير بمعنى الاستخدام، لا من السخرية بمعنى الهزء، والحكمة هي أن يترفق بعضهم ببعضٍ، ويصلوا إلى منافعهم، ولو تولَّى كل واحدٍ جميع أشغاله بنفسه ما أطاق ذلك، وضاع وهلك، وفي قوله ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا﴾ تزهيدٌ في الإِكباب على طلب الدنيا، وعونٌ على التوكل على الله، وقال قتادة: تلقى ضعيف القوة، قليل الحيلة، عييَّ اللسان وهو موسَّع عليه في الرزق، وتلقى شديد الحيلة، بسيط اللسان وهو مقتَّر عليه في الرزق، وقال الشافعي:

ومن الدليل على القضاء وكونِه ... بؤسُ اللبيب وطيبُ عيشِ الأحمق

﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي وإِنعامه تعالى عليك بالنبوة خيرٌ مما يجمع الناسُ من حطام الدنيا الفاني، ثم بيَّن تعالى حقارة الدنيا ودناءة قدرها عند الله فقال ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً﴾

145

﴿وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ﴾ أي ولولا أن يرغب الناسُ في الكفر إذا رأوا الكافر في سعة من الرزق، ويصيروا أمةً واحدة في الكفر، لخصصنا هذه الدنيا بالكفار، وجعلنا لهم القصور الشاهقة المزخرفة بأنواع الزينة والنقوش، سقفها من الفضة الخالصة ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ أي وجعلنا لهم مصاعدَ وسلالم من فضة عليها يرتقون ويصعدون ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا﴾ أي ولبيوتهم أبوابًا من قضة وسررًا من فضة، زيادةً في الرفاهية والنعيم ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ أي على تلك الأسرَّة الفضيَّة يتكئون ويجلسون ﴿وَزُخْرُفًا﴾ أي وجعلنا لهم زينةً من ستور ونمارق ونقوش وقال ابن عباس: ﴿زُخْرُفًا﴾ ذهبًا أي جعلنا لهم سقفًا وأبوابًا وسررًا من فضة وذهب ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحياة الدنيا﴾ أي وما كل ذلك النعيم العاجل الذي نعطيه للكفار، إلاّ شيء يُتمتع به في الحياة الدنيا الزائلة الحقيرة ﴿والآخرة عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي والجنةُ وما فيها من أنواع الملاذ والنعم التي يقصر عنها البيان، هي خاصة بالمتقين لا يشاركهم فيها أحد قال المفسرون: والآياتُ سِيقتْ لبيان حقارة الدنيا وقلة شأنها، وأنها من الهوان بحيث لولا الفتنة لخصَّ بها الكفارين، فجل بيوت الكفرة ودرجها وسقوفها من ذهب وفضة، وأعطى الكافر كل ذلك النعيم في الدنيا لعدم حظه في الآخرة، ولكنه تعالى رحيم بالعباد فلذلك أغنى بعض الكفار وأفقر بعضهم، وأغنى بعض المؤمنين وأفقر بعضهم وفي الحديث

«لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها جرعة ماء» قال الزمخشري: فإِن قلت: فحين لم يوسّع على الكفارين للفتنة التي كان يؤدي إليها التوسعة عليهم، من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها، فهلاَّ وسَّع على المسلمين ليطبق الناس على الإِسلام؟ قلتُ التوسعةُ عليهم مفسدة أيضًا لما تؤدي إليها من دخول الناس في الإِسلام لأَجل الدنيا وذلك من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبَّر، حيث جعل الفريقين أغنياء وفقراء، وغلَّب الفقر على الغنى ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ا ;لرحمن﴾ أي ومن يعرض ويتعام ويتغافل عن القرآن وعبادة الرحمن ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ أي نهيء ونيسّر له شيطانًا لا ينفك عن الوسوسة له والإِغواء كقوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: 83] ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ فهو له ملازم ومصاحب له لا يفارقه ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السبيل﴾ أي وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الكفار الضالين عن طريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ أي ويحسب الكفار أنهم على نور وبصيرة وهدايةٍ من أمرهم ﴿حتى إِذَا جَآءَنَا﴾ أي حتى إذا جاء الكافر مع قرينه وقد ربط بلسلسةٍ واحدة ﴿قَالَ ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين﴾ أي قال الكافر لقرينه: يا ليت بيني وبينك مثل ما بين المشرق والمغرب قال الطبري: وهذا من التغليب كما يقال: القمران، والعمران، والأبوان، فغلَّب ههنا المشرق عل المغرب ﴿فَبِئْسَ القرين﴾ أي فبئس الصاحب أنت لأنك كنت سببًا في شقائي بتزينك الباطل لي قال أبو سعيد الخدري: إذا بُعث الكافر زُوّد بقرينه من الشياطين، فلا يفارقه حتى

146

يصير به إلى النار ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ﴾ أي ولن ينفعكم ويفيدكم اشتراككم في العذاب، ولن يخفف ذلك عنكم شيئًا بسبب ظلمكم، فإِن لكل واحد نصيبه الأوفر منه قال في التسهيل: المراد أنه لا ينفعهم اشتراكهم في العذاب، ولا يجدون راحة التأسي التي يجدها المكروب في الدنيا إذا رأى غيره قد أصابه مثل ما أصابه لأن المصيبة إذا عمَّت هانت، فدفع تعالى ذلك التوهم بأن اشتراكهم في العذاب، لا يخفِّف عنهم البلاء ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِي العمي وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي فأنت يا محمد تقدر أن تسمع هؤلاء الكفار الذين هم كالصُّم والعُمي، ومن كان في ضلالٍ واضح؟ ليس لك ذلك فلا يَضِقْ صدرك إن كفروا قال المفسرون: والآية تسلية للنبي ﷺ َ فقد كان يجتهد في دعائهم إلى الإِيمان، ولا يزدادون إلاَّ تعاميًا عن الحق وطغيانًا وضلالًا ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾ أي إن عجلنا وفاتك قبل الانتقام منهم، فإِنا سننتقم منهم بعد وفاتك ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الذي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ﴾ أي أو نرينَّك يا محد العذاب الذي وعدناهم به في حياتك فإِنا قادرون عليهم فهم في قبضتنا لا يفوتوننا قال ابن عباس: قد أراه الله ذلك يوم بدر وقال ابن كثير: المعنى لا بدَّ أن ننتقم منهم ونعاقبهم في حياتك أو بعد وفاتك، ولم يقبض الله تعالى رسوله حتى أقرَّ عينه من أعدائه، وحكَّمه في نواصيهم ﴿فاستمسك بالذي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ أي فتمسكْ يا محمد بالقرآن الذي أوحيناه لك ﴿إِنَّكَ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي فإِنك على الحق الواضح والطريق المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ أي وإِن هذا القرآن لشرفٌ عظيم لك ولقومك من قريش، إذ أُنزل بلغتهم وعلى رجلٍ منهم وسوف تسألون عن شكر هذه النعمة قال في التسهيل: والذكرُ هنا بمعنى الشرف، وقومُ النبي ﷺ َ هم قريشٌ وسائر العرب، فإِنهم نالوا بالإِسلام شرف الدنيا والآخرة، ويكفيك أن فتحوا مشارق الدنيا ومغاربها وصارت فيهم الخلافة والملك، وهذا القرآن شرفٌ لكل من تبعه، وهذه الآية نظير قوله تعالى

﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 10]؟ ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ﴾ هذا على سبيل الفرض، وفي الكلام محذوف أي إن كنت يا محمد شاكًا في أمر التوحيد فسلْ من سبقك من الرسل ﴿أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرحمن آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾؟ أي هل هناك أحدٌ من الرسل دعا لعبادة غير الله؟ ولاآية كقوله تعالى ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: 94] قال أبو السعود: والمراد بالآية الاستشهاد بإِجماع الأنبياء على التوحيد، والتنبيه على أنه ليس ببدع ابتدعه حتى يُكذَّب ويُعادى وقال أبو حيان: ويظهر أن الخطاب للسامع، والسؤال هنا مجاز عن النظر في أديان الأنبياء، هل جاءت عبادة الأوثان في ملةٍ من مللهم؟ وهذا كما يساءل الشعراء الديار والأطلال، ومنه قولهم: سل الأرض من شقَّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإِنها إن لم تجبك حوارًا أجابتك اعتبارًا، وهذا كله من باب المجاز.

147

46

المنَاسَبَة: لما طغت قريش على الرسول ﷺ َ في أمر النبوة، بسبب أنه فقيرٌ عديم المال والجاه، واختاروا أن يتنزَّل القرآن على رجلٍ كثير المال عظيم الجاه، ذكر تعالى قصة «موسى مع فرعون» ليشير إلى أن المنطق العناد والطغيان واحد، فقد سبقهم فرعون إلى التجبر بماله وسلطانه، وفرضَ قبول دعوة الحق بحجة أنه أكثر مالًا وجاهًا من موسى، فردت الآيات الكريمة هذه الشبهة السقيمة بالحجة والبرهان.

اللغَة: ﴿يَنكُثُونَ﴾ نكث العهد: نقضه ﴿مَهِينٌ﴾ حقير لا قدر له ولا مكانة ﴿آسَفُونَا﴾ أغضبونا وغاضونا ﴿سَلَفًا﴾ قُدْوة ﴿يَصِدُّونَ﴾ بكسر الصاد بمعنى يضجّون ويصيحون، وبضمها بمعنى الإِعراض ومنع الناس عن الإِيمان قال الجوهري: صدَّ يصُدُّ صديدًا أي ضجَّ، وقيل إنه بالضم من الصدود وهو الإِعراض، وبالكسر من الضجيج، وقال الفراء: هما سواء ﴿تَمْتَرُنَّ﴾ الامتراء: الشك، امترى في الأمر شكَّ فيه، والمريةُ: الشكُ.

سَبَبُ النّزول: عن مجاهد قال: إن قريشًا قالت إن محمدًا يريد أن نعبده كما عبد النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ .

التفسِير: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَآ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ أي واللهِ لقد أرسلنا موسى بالمعجزات الباهرة الدالة على صدقه إلى فرعون وقومه الأقباط ﴿فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ أي

148

فقال له موسى: إني رسول الله إليك، أرسلني لأدعنك وقومك إلى عبادة الله وحده ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ أي فلما جاءهم بتلك الآيات الباهرة الدالة على رسالته ضحكوا سخريةً واستهزاءً به قال القرطبي: إِنما ضحكوا منها ليوهموا أتباعهم أن تلك الآياتِ سحرٌ، وأنهم قادرون عليها، قال تعالى ﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ أي وما نريهم آية من آيات العذاب كالطوفان، والجراد، والقُمَّل إلا وهي في غاية الكبر والظهور، بحيث تكون أوضح من سابقتها قال الصاوي: والمعنى إلا وهي بالغة الغاية في الإِعجاز، بحيث يظن الناظر إليها أنها أكبر من غيرها ﴿وَأَخَذْنَاهُم بالعذاب لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي عاقبناهم بأنواع العذاب الشديد، لعلهم يرجعون عما هوعليه من الكفر والتكذيب ﴿وَقَالُواْ ياأيه الساحر ادع لَنَا رَبَّكَ﴾ أي وقالوا لما عاينوا العذاب ياأيها الساحرُ ادع لنا ربك ليكشف عنا هذا البلاء والعذاب ﴿بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ أي بالعهد الذي أعطاك إياه من استجابة دعائك ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ أي لنؤمِنن بك إن كشف عنا العذاب بدعائك قال المفسرون: ليس قولهم ﴿ياأيه الساحر﴾ على سبيل الانتقاص، وإنما هو تعظيم في زعمهم، لأن السحر كان عِلم زمانهم، ولم يكن مذمومًا، فنادوه بذلك على سبيل التعظيم قال ابن عباس: معناه يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيمًا يوقرونه ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العذاب إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ أي فلما رفعنا عنهم العذاب بدعوة موسى، إذا هم ينقضون العهد ويصرون على الكفر والعصيان ﴿ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ أي نادى فرعون رؤساء القبط وعظماءهم، لما رأى الآيات الباهرة من موسى وخاف أن يؤمنوا ﴿قَالَ ياقوم أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي﴾؟ أي قال مفتخرًا متبجحًا: أليست بلادُ مصرَ الواسعة الشاسعة ملكًا لي؟ وهذه الخُلجان والأنهار المتفرعمة من نهر النيل تجري من تحتي قصوري؟ قال القرطبي: ومعظمها أربعة: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تينس وكلها من النيل وقال قتادة: كانت جنانها وأنهارها تجري من تحت قصره ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾؟ أفلا تبصرون عظمتي وسعة ملكي، وقلة موسى وذلته؟ ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ﴾ أي بل أنا خيرٌ من هذا الضعيف الحقير الذي لا عزَّ له ولا جاه ولا سلطان، فهو يمتهن نفسه في حاجاته لحقارته وضعفه؟ يعني بذلك موسى عليه السلام ﴿وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ أي لا يكاد يفصح عن كلامه، ويوضّح مقصوده، فكيف يصلح للرسالة؟ قال أبو السعود: قال فرعون ذلك افتراءً على موسى، وتنقيصًا له عليه السلام في أعين الناس، باعتبار ما كان في لسانه من عُقدة، ولكنَّ الله أذهبها عنه بدعائه

﴿واحلل عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ [طه: 2728] ﴿فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾ أي فهلاَّ ألقى الله إليه أسورةً من ذهب كرامةً له ودلالة على نبوَّتاه! ﴿قال مجاهد: كانوا إذا أرادوا أن يجعلوا رجلًا رئيسًا عليهم سّوروه بسوارين وطوقوه بطوق من ذهبٍ علامة لسيادته ﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ الملائكة مُقْتَرِنِينَ﴾ أي أو جاءت معه الملائكةُ يكتنفونه خدمةً له وشهادة بصدقه قال أبو حيان: لما﴾

149

﴿وصف فرعون نفسه بالعزة والمُلك، ووان بينه وبين موسى عليه السلام، ووصفه بالضعف وقلة الأعوان، اعترض فقال: إن كان صادقًا فهلاَّ ملَّكه ربُه وسوَّره وجعل الملائكة أنصاره﴾ ! ﴿فاستخف قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ أي فاستخفَّ بعقول قومه واستجهلهم لخفة أحلامهم، فأطاعوه فيما دعاهم إليه من الضلالة ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ لأي إنما أجابوه لفسقهم وخروجهم عن طاعة الله ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ﴾ أي فلما أغضبونا وغاظونا انتقمنا منهم بأشد أنواع العقاب ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي فأغرقنا فرعون وقومه في البحر أجمعين فلم نبق منهم أحدًا قال المفسرون: اغتر فرعنن بالعظمة والسلطان والأنهار التي تجري من تحته، فأهلكه الله بجنس ما تكبر به هو وقومه وذلك بالغرق بماء البحر، وفيه إشارة إلى أن من تعزَّز بشيء أهلكه الله به ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلآخِرِينَ﴾ أي جعلنا قوم فرعون قُدوةً لمن يعدهم من الكفار في استحقاق العذاب والدمار، ومثلًا يعتبرون به لئلا يصيبهم مثل ذلك قال مجاهد: سلفًا لكفار قريش يتقدمونهم إلى النار، وعظة وعبرةً لمن يأتي بعدهم ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ أي ولمَّا ذُكر عيسى بن مريم في القرآن وضُرب المثلُ بالآلهة التي عُبدت من دون الله إذا مشركو قريش يضجون وترتفع أصواتُهم بالصياح قال المفسرون:

«لما قرأ رسول الله ﷺ َ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] قال ابن الزبعرى: أهذا لنا أم لجميع الأمم؟ فقال عليه السلام: هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم فقال: قد خصمتك وربِّ الكعبة؟ أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود يعبدون عزيرًا؟ وبنو فلان يعبدون الملائكة!! فإِن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، فسكت عليه الصلاة والسلام ُ انتظارًا للوحي، فظنوا أنه أُلزم الحجة فضحك المشركون وضجوا وارتفعت أصواتهم فأنزل الله ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101]» قال القرطبي: ولو تأمل ابن الزبعرى الآية ما اعترض عليها، لأنه تعالى قال ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ولم يقل «ومنْ تعبدون» وإِنما أراد الأصنام ونحوها مما لايعقل، ولم يرد المسيح ولا الملائكة وإِن كانوا معبودين ﴿وقالوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ أي أآلهتنا خيرٌ أم عيسى؟ فإِن كان عيسى في النار فلتكنْ آلهتنا معه ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا﴾ أي ما قالوا هذا القول لك إلاَّ على وجه الجدل والمكابرة لا لطلب الحقِّ ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ أي بل هم قوم شديدو الخصومة واللجاج بالباطل قال في التسهيل: أي ما ضربوا لك هذا المثال إلا على وجه الجدل، وهو أن يقصد الإِنسان أن يغلب من يناظره، سواء غلبه بحقٍ أو بباطل، فإِن ابن الزبعرى وأمثاله ممن لا يخفى عليه أن عيسى لم يدخل في قوله تعالى ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ولكنهم أرادوا المغالطة فوصفهم الله بأنهم قوم خَصِمون ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ أي ما عيسى إالا عبد كسائر العبيد أنعمنا عليه بالنبوة وشرفناه بالرسالة، وليس هو إلهًا ولا ابن إله كما زعم النصارى ﴿إِوَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لبني إِسْرَائِيلَ﴾ أي

150

وجعلناه آيةً وعبرةً لبني إسرائيل، يستدلون بها على قدرة الله تعالى، حيث خُلق من أمٍ بلا أب قال الرازي: أي صيرناه عبرةً عجيبة كالمثل السائر حيث خلقناه من غير أب كما خلقنا آدم ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي الأرض يَخْلُفُونَ﴾ أي ولو أردنا لجعلنا بدلًا منكم ملائكةً يسكنون في الأرض يكونون خلفًا عنكم قال مجاهد: ملائكة يعمرون الأرض بدلًا منكم ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ أي وإِن عيسى علامة على قبل الساعة قال ابن عباس وقتادة: إن خروج عيسى عليه السلام من أعلام الساعة لأن الله ينزله من السماء قبيل قيام الساعة، ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أي فلا تشكُّوا في أمر الساعة فإنها آتية لا محالة وفي الحديث

«يوشك أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكمًا مقسطًا ...» الحديث ﴿واتبعون هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي وقل لهم يا محمد: ابتعوا هُداي وشرعي، فإِن هذا الذي أدعوكم إليه دينٌ قيّم وطريق مستقيم ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي لا تغتروا بوساوس الشيطان، واحذروا أن يصدكم عن اتباع الحق، فإِنه لكم عدوٌ ظاهر العداوة، حيث أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنه لباس النور ﴿وَلَمَّا جَآءَ عيسى بالبينات قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بالحكمة﴾ أي ولما جاء عيسى بالمعجزات وبالشرائع البينات الواضحات، قال قد جئتكم بما تقتضيه الحكمة الإلهية من الشرائع ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الذي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أيوجئتكم لأبين لكم ما اختلفتم فيه من أمور الدين قال ابن جزي: وإِنما قال ﴿بَعْضَ الذي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ دون الكل، لأن الأنبياء إِنما يبيّنون أمور الدين لا أمور الدنيا وقال الطبري: يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ أي فاتقوا اللهَ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوا أمري فيما أبلغه إليكم من التكاليف ﴿إِنَّ الله هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ أي إن الله جلا وعلا هو الربُ المعبود لا ربَّ سواه فأخلصوا له الطاعة والعبادة قال ابن كثير: أي أنا وأنتم عبيد له، فقراء إليه، مشتركون في عبادته وحده ﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي هذا التوحيد والتعبد بالشرائع، طريق مستقيم موصلٌ إلى جنات النعيم.

151