صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 219 - 227

13

13

المنَاسَبَة: لمَّا دعا تعالى إِلى مكارم الأخلاق ونهى عن مساوئها، وحذَّر المؤمنين من بعض الأفعال القبيحة، دعا الناس هنا جميعًا للتعارف والتآلف ونهاهم عن التفاخر بالأنساب، ثم بيَّن صفات المؤمن الكامل.

اللغَة: ﴿يَلِتْكُمْ﴾ ينقصكم ﴿قَبَآئِلَ﴾ جمع قبيلة وهي الجماعة التي يربطها حسبٌ أو نسبٌ، وهي أخصُّ من الشعب، لأن الشعب الجمع العظيم المنتسبون إلى أصل واحد، فالشعب يجمع القبيلة، والقبيلة تجمع البطون والأفخاذ ﴿يَرْتَابُواْ﴾ يشكُّوا والريب: والشكُ ﴿يَمُنُّونَ﴾ المنُّ: الامتنان على الشخص والاعتداد عليه بفعل المعروف، وأصله في اللغة القطع ومنه ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 6] .

سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: جاءت بنو أسدٍ إلى رسول الله ﷺ َ فقالوا يا رسول الله: أسلمنا، وقاتلتك العرب ولم نقاتلك، أخذوا يمنون عليه فنزلت الآية الكريمة ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ. .﴾ الآية.

التفسِير: ﴿ياأيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى﴾ الخطاب لجميع البشر أي نحن بقدرتنا خلقناكم من أصلٍ واحد، وأوجدناكم من أب وأم فلا تفاخر بالآباء والأجداد، ولا اعتداد بالحسب والنسب، كلكم لآدم وآدمُ من تراب ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لتعارفوا﴾ أي وجعلناكم شعوبًا شتى وقبائل متعددة، ليحصل بينكم التعارف والتآلف، لا التناحر والتخالف قال مجاهد: ليعرف الإِنسان نسبه فيقال فلان بن فلان من قبيلة كذا، وأصل تعارفوا تتعارفوا حذفت إحدى التاءين تخفيفًا قال شيخ زاده: والمعنى إن الحكمة التي من أجلها جعلكم على شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض ولا ينسبه إلى غير آبائه، لا أن نتفاخر بالآباء والأجداد، والنسبُ وِإن كان يُعتبر عرفًا وشرعًا، حتى لا تُزوج الشريفة بالنبطيّ، إلا أنه لا عبرة به عند ظهور ما هو أعظم قدرًا منه وأعز، وهو الإيمان والتقوى، كما لا تظهر الكواكب عند طلوع الشمس ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ أي إنما يتفاضل الناس بالتقوى لا بالأحساب والأنساب، فمن أراد شرفًا في الدنيا ومنزلةٌ في الآخرة فليتق الله كما قال ﷺ َ: «من سرَّه أن يكون أكرم الناس فليتَّق الله» وفي الحديث «الناسُ رجلان:

219

رجل برٌّ تقيٍ كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي هيّن على الله تعالى» ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أي عليمٌ بالعباد، مطلع على ظواهرهم وبواطنهم، يعلم التقي والشقي، والصالح والطالح ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى﴾ [النجم: 23] . ﴿قَالَتِ الأعراب آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا﴾ أي زعم الأعراب أنهم آمنوا قل لهم يا محمد: إنكم لم تؤمنوا بعد، لأن الإِيمان تصديقٌ مع ثقة واطمئنان قلب، ولم يحصل لكم، وإِلا لما مننتم على الرسول بالإِسلام وترك المقاتلة، ولكنْ قولوا استسلمنا خوف القتل والسبي قال المفسرون: نزلت في نفرٍ من بني أسد، قدموا المدينة في سنةٍ مجدبة، وأظهروا الشهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله ﷺ َ: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كم قاتلك بنو فلان وفلان، يريدون الصَّدقة ويمنّون على الرسول، وقد دلت الآية على الإِيمان مرتبةً أعلى من الإِسلام، الذي هو الاستسلام والانقياد بالظاهر ولهذا قال تعالى ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي ولم يدخل الإِيمان إلى قلوبكم ولم تصلوا إلى حقيقته بعد، ولفظةُ «لمَّا» تفيد التوقع كأنه يقول: وسيحصل لكم الإِيما عند اطلاعكم على محاسن الإِسلام، وتذوقكم لحلاوة الإِيمان قال ابن كثير: وهؤلاء الأعراب المذكورون في هذه الآية ليسوا منافقين، وإِنما هم مسلمون لم يستحكم الإِيمان في قلوبهم، فادَّعوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه فأدبوا في ذلك، ولو كانوامنافقين كما ذهب إليه البخاري لعُنفوا وفُضِحوا ﴿وَإِن تُطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ أي وإن أطعتم الله ورسوله بالإِخلاص الصادق، والإِيمان الكامل، وعدم المنِّ على الرسول لا ينقصكم من أجوركم شيئًا ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي عظيم المغفرة، واسع الرحمة، لأن صيغة «فعول» و«فعيل» تفيد المبالغة.

. ثم ذكر تعالى صفات المؤمنين الكُمَّل الصادقين في إِيمانهم فقال ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ أي إنما المؤمنون الصادقون في دعوى الإِيمان، الذين صدَّقوا الله ورسوله، فأقروا لله بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، عن يقين راسخ وإِيمان كامل ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾ أي ثم لم يشكوا ويتزلزوا في إيمانهم بل ثبتوا على التصديق واليقين ﴿وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ أي وبذلوا أموالهم ومهجهم في سبيل اله وابتغاء رضوانه ﴿أولئك هُمُ الصادقون﴾ أي أولئك الذين صدقوا في ادعاء الإِيمان. . وصف تعالى المؤمنين الكاملين بثلاثة أوصاف: الأول: التصديق الجازم بالله ورسوله الثاني: عدم الشك والارتياب الثالث: الجهاد بالمال والنفس، فمن جمع هذه الأوصاف فهو المؤمن الصادق ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ الله بِدِينِكُمْ﴾ الاستفهام للإِنكار والتوبيخ أي قل يا محمد، أتخبرون الله بما في ضمائركم وقلوبكم؟ ﴿والله يَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي وهو جل وعلا العليم بأحوال جميع العباد، لا تخفى عليه خافية لا في السموات ولا في الأرض ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي واسع العلم رقيب على كل شيء، لا يعزب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ أي يعدون إِسلامهم عليك يا محمد منَّة، يستوجبون عليها الحمد والثناء ﴿قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ﴾ أي قل لهم لا تمتنوا عليَّ بإِسلامكم،

220

فإن نفع ذلك عائد عليكم ﴿بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي بل للهِ المنةُ العظمة عليكم، بالهداية للإِيمان والتثبيت عليه إن كنتم صادقين في دعوى الإِيمان ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض﴾ أي يعلم ما غاب عن الأبصار في السموات والأرض ﴿والله بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي مطَّلع على أعمال العباد، لا تخفى عليه خافية.

. كرَّر تعالى الإِخباربعلمه بجميع الكائنات، وإحاطته بجميع المخلوقات، ليدل على سعة علمه، وشموله لكل صغيرة وكبيرة، في السر والعلن، والظاهر والباطن.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الاستعارة التمثيلية ﴿لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] شبَّه حالهم في إيداء الرأي وقطع الأمر في حضرة الرسول بحال ملكٍ عظيم تقدَّم للسير أمامه بعض الناس وكان الأدب يقضي أن يسيروا خلفه لا أمامه، وهذا بطريق الاستعارة التمثيلية.

2 - التشبيه المرسل المجمل ﴿وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 2] لوجود أداة التشبيه.

3 - الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ﴿أولئك هُمُ الراشدون﴾ بعد قوله ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان﴾ [الحجرات: 7] وهذا من المحسنات البديعية.

4 - المقابلة بين ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وبين ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: 7] .

5 - الطباق ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] .

6 - جناس الاشتقاق ﴿وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ [الحجرات: 9] .

7 - التشبيه التمثيلي ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: 12] مثَّل للغيبة بمن يأكل لحم الميت، وفيه مبالغات عديدة لتصوير الاغتياب بأقبح الصور وأفحشها في الذن.

8 - طباق السلب ﴿آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ .

9 - الاستفهام الإِنكاري للتوبيخ ﴿أَتُعَلِّمُونَ الله بِدِينِكُمْ﴾ .

10 - التشبيه البليغ ﴿إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] أصل الكلام المؤمنون كالإِخوة في وجوب التراحم والتناظر، فحذف وجه الشبه وأداة التشبيه فأصبح بليغًا مع إفادة الجملة الحصر.

تنبيه: سورة الحجرات تسمى سورة «الأخلاق والآدب» فقد أرشدت إلى مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال، وجاء فيها النداء بوصف الإِيمان خمس مراتٍ، وفي كل مرة إرشاد إلى مكرمة من المكارم وفضيلة من الفضائل، وهذه الآداب الرفيعة نستعرضها في فقرات:

أولًا: وجوب الطاعة والانقياد لأوامر الله ورسوله وعدم التقدم عليه بقول أو رأي ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] .

221

ثانيًا: احترام الرسول وتعظيم شأنه ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي. .﴾ [الحجرات: 2] .

ثالثًا: وجوب التثبت من الأخبار ﴿ياأيها الذين آمنوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا. .﴾ [الحجرات: 6] .

رابعًا: النهي عن السخرية بالناس ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِّنْهُمْ. .﴾ [الحجرات: 11] .

خامسًا: النهي عن التجسس والغيبة وسوء الظن ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اجتنبوا كَثِيرًا مِّنَ الظن﴾ [الحجرات: 12] الآية.

لطيفَة: سئل بعض العلماء عما وقع بين الصحابة من قتال فقال «تلك دماءٌ قد ظهَّر الله منها أيدينا فلا نلوّث بها ألسنتنا، وسبيل ما جرى بينهم كسبيل ما جرى بين يوسف وإخوته» .

222

ق

1

اللغَة: ﴿مَّرِيجٍ﴾ مختلط قال ابن قيبة: مرج الأمر ومرج الدين اختلط، وأصله أن يقلب الشيء ولا يستقر يقال: مرج الخاتم في يدي إِذا قلق للهزال ﴿فُرُوجٍ﴾ شقوق وصدوع جمع فرج وهو الشقُّ ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ طوال بسق الشيء بُسوقًا إذا طال ﴿نَّضِيدٌ﴾ متراكب بعضه فوق بعض ﴿لَبْسٍ﴾ حيرة وشك واضطراب ﴿عَيِينَا﴾ عجزنا يقال: عيي به يعيا أي عجز عنه ﴿رَقِيبٌ﴾ حافظ شاهد على أعمال الإِنسان ﴿عَتِيدٌ﴾ حاضر مهيأ قال الجوهري: العتيد الشيء الحاضر المهيأ ومنه ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا﴾ [يوسف: 31] وفرسٌ عتد معدٌّ للجري ﴿حَدِيدٌ﴾ حادٌّ نافذ.

التفسِير: ﴿ق﴾ الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن، وللإِشارة إلى أن هذا الكتاب المعجز منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية ﴿والقرآن المجيد﴾ قسمٌ حذف جوابه أي أقسم بالقرآن الكريم، ذي المجد والشرف على سائر الكتب السماوية لتبعثنَّ بعد الموت قال ابن كثير: وجواب القسم محذوب وهو مضمون الكلام بعده وهو إثبات النبوة، وإِثبات المعاد وتقديره إِنك يا محمد لرسول انَّ البعث الحق، وهذا كثير في القرآن وقال أبو حيان: والقرآنُ مقسم به، والمجيد صفته وهو الشريف على غيره من الكتب، والجواب محذوفٌ يدل عليه ما بعده تقديره: لقد جئتهم منذرًا بالبعث فلم يقبلوا ﴿بَلْ عجبوا أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ أي تعجب المشركون من إِرسال رسول

224

إِليهم من البشر يخوفهم من عذاب الله ﴿فَقَالَ الكافرون هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أي فقال كفار مكة: هذا شيءٌ في منتهى الغرابة والعجب والإِظهار في موضع الإِضمار لتسجيل جريمة الكفر عليهم، والآية إِنكار لتعجبهم مما ليس بعجب، فإِنهم قد عرفوا صدق الرسول وأمانته ونصحه، فكان الواجب عليهم أن يسارعوا إلى الإِيمان لا أن يعجبوا ويستهزئوا، ثم أخبر تعالى عن وجه تعجبهم فقال ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ أي أئذا متنا واستحالت أجسادنا إِلى تراب هل سنحيا ونرجع كما كنَّا؟ ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي ذلك رجوع بعيد غاية البعد، مستحيل حصوله ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ﴾ أي قد علمنا ما تنقصه الأرض من أجسادهم، ما تأكله من لحومهم وأشعارهم ودمائهم إِذا ماتوا، فلا يضل عنا شيءٌ حتى تتعذَّر علينا الإِعادة ﴿وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أي ومع علمنا الواسع عندنا كتاب حافظ لعددهم وأسمائهم وما تأكله الأرض، وهو اللوح المحفوظ الذي يحصي تفصيل كل شيء ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ إِضراب إِلى ما هو أفظع وأشنع من التعجب وهو التكذيب بالقرآن العظيم أي كذبوا بالقرآن حين جاءهم، مع سطوع آياته، ووضوح بيانه ﴿فَهُمْ في أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي فهم في أمرٍ مختلط مضطرب، فتارة يقولون عن الرسول إِنه ساحر، وتارةً يقولون إِنه شاعر، وتارة يقولون إِنه كاهن، وهكذا قالوا أيضًا عن القرآن إِنه شحر، أو شعر، أو أساطير الأولين إِلى غير ذلك.

. ثم ذكر تعالى دلائل القدرة والوحدانية الدالة على عظمة رب العالمين فقال ﴿أَفَلَمْ ينظروا إِلَى السمآء فَوْقَهُمْ﴾ أي أفلم ينظروا نظر تفكر واعتبار، إِلى السماء في ارتفاعها وإِحكامها، فيعلموا أن القادر على إِيجادها قادر على إعادة الإِنسان بعد موته؟ ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ أي كيف رفعناها بلا عمد وزيناها بالنجوم ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ أي ما لها من شقوق وصدوع ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا﴾ أي والأرض بسطناها ووسعناها ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ أي وجعلنا فيها جبالًا ثوابت تمنعها من الاضطراب بسكانها ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي وأنبتنا فيها من كل نوعٍ من النبات حسن المنظر، يبهج ويسر الناظر إِليه ﴿تَبْصِرَةً وذكرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ أي فعلنا ذلك تبصيرًا منا وتذكيرًا عن كمال قدرتنا، لكل عبد راجع إلى الله متفكر في بديع مخلوقاته ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السمآء مَآءً مُّبَارَكًا﴾ أي ونزلنا من السحاب ماءً كثير المنافع والبركة ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحصيد﴾ أي فأخرجنا بهذال الماء البساتين الناضرة، والأشجار المثمرة، وحبَّ الزرع المحصود، كالحنطة والشعير وسائر الحبوب التي تحصد ﴿والنخل بَاسِقَاتٍ﴾ أي وأخرجنا شجر النخيل طوالًا مستويات ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي لها طلعٌ منضود، منظمٌ بعضه فوق بعض، قال أبو حيان: يريد كثرة الطلع وتراكمه وكثرة ما فيه من الثمر، وأول ظهور الثمر يكون منضَّدًا كحب الرمان، فما دام متلصقًا بعضه ببعض فهو نضيد، فإِذا خرج من أكمامه فليس بنضيد ﴿رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾ أي أنبتنا كل ذلك رزقًا للخلق لينتفعوا به ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا﴾ أي وأحيينا بذلك الماء أرضًا جدبة لا ماء فيها ولا زرع فأنبتنا فيها الكلأ والعشب ﴿كَذَلِكَ الخروج﴾ أي كما أحييناها بعد موتها كذلك نخرجكم أحياء بعد موتكم قال ابن كثير: وهذه الأرض الميتة كانت هامدة، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج من أزاهير وغير ذلك مما يحار الطرف

225

في حسنها، وذلك بعد ما كانت لا نبات بها فأصبحت تهتز خضراء، فهذا مثال للبعث بعد الموت، فكما أحيا الله الأرض الميتة كذلك يحيي الله الموتى. . ثم ذكَّر تعالى كفار مكة بما حلَّ بمن سبقهم من المكذبين إنذارًا لهم وإِعذارًا فقال ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي كذَّب قبل هؤلاء الكفار قوم نوح ﴿وَأَصْحَابُ الرس﴾ أي وأصحاب البئر وهم بقية من ثمود رسُّوا نبيَّهم فيها أي دسُّوة فيها ﴿وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ سمَّاهم إِخوانه لأنه صاهرهم وتزوج منهم ﴿وَأَصْحَابُ الأيكة﴾ أي وأصحاب الشجر الكثير الملتف وهم قوم شعيب، نُسبوا إِلى الأيكه لأنهم كانت تحيط به البساتين والأشجار الكثيرة، الملتف بعضُها على بعض ﴿وَقَوْمُ تُّبَّعٍ﴾ قال المفسرون: هو ملكٌ كان باليمن أسم ودعا قومه إلى الإِسلام فكذبوه وهو تُبَّع اليماني ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرسل﴾ أي جميع هؤلاء المذكورين كذبوا رسلهم قال ابن كثير: وإشنما جمع الرسل لأن من كذب رسولًا فإِنما كذب جميع الرسل كقوله تعالى

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين﴾ [الشعرا: 105] ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أي فوجب عليهم وعيدي وعقابي، والآية تسليةٌ للنبي ﷺ َ وتهديد للكفرة المجرمين ﴿أَفَعَيِينَا بالخلق الأول﴾ أي أفعجزنا عن ابتداء الخلق حتى نعجز عن إعادتهم بعد الموت؟ قال القرطبي: وهو توبيخٌ لمنكري البعث، وجوابٌ لقولهم ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ومراده أن ابتداء الخلق لم يعجزنا، والإِعادةُ أسهلُ منه فكيف يُتوهم عجزنا عن البعث والإِعادة ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي بل هم في خلطٍ وشبهةٍ وحيرة من البعث والنشور قال الألوسي: وإِنما نكَّشر الخلق وصف بجديد، ولم يقل: من الخلق الثاني تنبيهًا على استبعاهدم له وأنه خلق عظيم يجب أن يهتم بشأنه فله نبأ عظيم ثم نبه تعالى على سعة علمه وكما قدرته فقال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أي خلقنا جنس الإِنسان ونعلم ما يجول في قلبه وخاطره، لا يخفى علينا شيء من خفايا ونواياه ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد﴾ أي ونحن أقرب إِليه من حبل وريده، وهو عرق كبير في العنق متصل بالقلب قال أبو حيان: ونحن أقرب إِليه قرب علم، نعلم به وبأحواله لا يخفى علينا شيء من خفياته، فكأن ذاته تعالى قريبة منه، وهو تمثيل لفرط القرب كقول العارب: هو مني معقد الإِزار وقال ابن كثير: المراد ملائكتنا أقرب إلى الإِنسان من حبل وريده إليه، والحلول والاتحاد منفيان بالإِجماع تعالى الله تقدَّس، وهذا كما قال في المحتضر ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ولكن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: 85] يريد به الملائكة، ويدل عليه قوله بعده ﴿إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ﴾ أي حين يتلقى الملكان الموكلان بالإِنسان، ملك عن يمينه يكتب الحسنات، وملك عن شماله يكتب السيئات، وفي الكلام حذفٌ تقديره عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فحذف الأول لدلالة الثاني عليه قال مجاهد: وكذَل الله بالإِنسان مع علمه بأحواله ملكين بالليل وملكين بالنهار يحفظان عمله ويكتبان أثره إِلزامًا للحجة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات فذلك قوله تعالى {}

226

﴿عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ﴾ وقال الأولسي: والمراد أنه سبحانه أعلم بحال الإِنسان من كل رقيب، حين يتلقى المتلقليان الحفيظان ما يتلفظ به، وفيه إِيذانٌ بأنه وعَزَّ وَجَلَّ غنيٌّ عن استحفاظ الملكين، فإِنه تعالى أعلم منهما ومطَّلع على ما يخفى عليهما، لكنْ الحكمة اقتضت كتابة الملكين لعرض صحائفهما يوم يقوم الأشهاد، فإِذا علم العبد ذلك مع علمه بإِحاطة الله تعالى بعلمه ازداد رغبةٌ في الحسنات، وانتهاءً عن السيئات ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ أي ما يتلفظ كلمةٌ من خيرٍ أو شر، إِلا وعنده ملك يرقب قوله ويكتبه ﴿عَتِيدٌ﴾ أي حاضر معه أينما كان مهيأٌ لكتابة ما أُمر به قال ابن عباس: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر وقال الحسن: فإِذا مات ابن آدم طويت صحيفته وقيل له يوم القيامة

﴿اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإِسراء: 14] ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ أي وجاءت غمرة الموت وشدته التي تغشى الإِنسان وتغلب على عقله، بالأمر الحق من أهوال الآخرة حتى يراها المكر لها عيانًا ﴿ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي ذلك ما كنت تفر منه وتميل عنه وتهرب منه وتفزع وفي الحديث عن عائشة أن النبي ﷺ َ لمّا تغشاه الموت جعل يمسح العرف عو وجهه ويقول: «سبحان الله إنَّ للموت لسكرات» ﴿وَنُفِخَ فِي الصور ذَلِكَ يَوْمُ الوعيد﴾ أي ونفخ في الصور نفخة البعث ذلك هو اليوم الذي وعد الله الكفار به بالعذاب ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أي وجاء كل إِنسان برًا كان أو فاجرًا ومعه ملكان: أحدهما يسوقه إِلى المحشر، والآخر يشهد عليه بعمله قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد من أنفسهم وهي الأَيدي والأرجل ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24] وقال مجاهد: السائق والشيهد ملكان، ملكٌ يسوقه وملك يشهد عليه ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا﴾ أي لقد كنت أيها الإِنسان في غفلةٍ من هذا اليوم العصيب ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ أي فأزلنا عنك الحجاب الذي كان على قلبك وسمعك وبصرك في الدنيا ﴿فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ﴾ أي فصرَك اليوم قويٌّ نافذ، ترى به ما كان محجوبًا لزوال الموانع بالكلية.

227