صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 237 - 248

38

38

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة ضيف إِبراهيم الذين أُرسلوا لهلاك قوم لوط أتبعه بذكر قصص الأمم الطاغية، فذكر منهم فرعون وجنوده، وعادًا، وثمود، وقوم نوح، تسلية للنبي عليه السلام، وتذكيرًا

237

للأنام بانتقام الله من أعدائه وأعداء رسله، ثم ذكر دلائل القدرة والوحدانية، وختم السورة الكريمة بإِنذار المكذبين الضالين.

اللغَة: ﴿نَبَذْنَاهُمْ﴾ طرحناهم ﴿اليم﴾ البحر ﴿مُلِيمٌ﴾ آتٍ بما يلام عليه ﴿الرميم﴾ الشيء الهالك البالي قال الزجاج: الرميمُ: الورق الجاف المتحطم مثل الهشيم، ورمَّ العظم إِذا بلي فهو رِمَّة ورميم قال جرير يرثي ابنه:

تركْتني حين كفَّ الدهر من بصري ... وإِذْ بقيتُ كعظم الرمَّة البالي

﴿الماهدون﴾ مهدتُ الفراش مهدًا بسطته ووطأته، والتمهيد تسوية الشيء وإِصلاحه ﴿ذَنُوبًا﴾ الذَّنوب: بفتح الذال النصيب من العذاب.

التفِسير: ﴿وَفِي موسى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إلى فِرْعَوْنَ﴾ أي وجعلنا في قصة موسى أيضًا أيةً وعبرة وقت إِرسالنا له إِلى فرعون ﴿بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي بحجة واضحة ودليلٍ باهر ﴿فتولى بِرُكْنِهِ﴾ أي فأعرض عن الإِيمان بموسى بجموعه وأجناده، وقوته وسلطانه قال مجاهد: تعزَّز عدوٌّ الله بأصحابه والغرض أن فرعون أعرض عن الإِيمان بسبب ما كان يتقوى به من جنوده لأنهم كانوا له كالركن الذي يعتمد عليه البنيان ﴿وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ أي وقال اللعين في شأن موسى إنه ساحرٌ ولذلك أتى بهذه الخوارق، أو مجنون ولذلك أدَّعى الرسالة، وإِنما قال ذلك تمويهًا على قومه لا شكًا منه في صدق موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾ أي فأخذنا فرعون مع أصحابه وجنوده ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم﴾ أي فطرحناهم في البحر لما أغضبونا وكذبوا رسولنا ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي وهو آتٍ بم يلام عليه من الكفر والطغيان. . ثم لما انتهى من قصة فرعون أعقبها بذكر قصة عاد فقال ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم﴾ أي وجعلنا في قصة عاد كذلك آية لمن تأمر حين أرسلنا عليهم الريح المدمرة، التي لا خير فيها ولا بركة، لأنها لا تحمل المطر ولا تلقّح الشجر، وإِنما هي للإِهلاك، وهي الريح التي تسمَّى الدبور وفي الصحيح «نُصرت بالصبا وأُهلكت عادٌ بالدَّبور» قال المفسرون: سميت ﴿الريح العقيم﴾ تشبيهًا لهم بعقم المرأة الي لا تحمل ولا تلد، ولما كانتم هذه الريح لا تلقح سحابًا ولا شجرًا، ولا خير فيها ولا بركة لأنه لا تحمل المطر شبهت بالمرأة العقيم ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ أي ما تترك شيئًا مرَّت عليه في طريقها مما أراد الله تدميره وإِهلاكه ﴿إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم﴾ إي إلا جعلته كالهشيم المتفتت البالي قال ابن عباس: ﴿الرميم﴾ الشيء الهالك البالي وقال السدي: هو التراب والرماد المدقوق كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25] قال المفسرون:

238

كانت الريح التي أرسلها الله عليهم ريحًا صرصرًا عاتية، استمرت عليهم ثمانية أثام متتابعة، فكانت تهدم البنيان وتنتزع الرجال فترفعهم إلى السماء حتى يرى الواحد منهم كالطير ثم ترمي به إلى الأرض جثة هامدة

﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] . . ثم أخبر تعالى عن هلاك ثمود فقال ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ أي وجعلنا ثمود أيضًا آية وعبرة ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حتى حِينٍ﴾ أي حين قيل لهم عيشوا متمتعين بالدنيا إلى وقت الهلاك بعد عقرهم للناقة، وهو ثلاثة أيام كما في هود ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 65] ﴿فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أي فاستكبروا عن امتثال أمر الله، وعصوا رسولهم فعقروا الناقة ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة﴾ أي فأخذتهم الصيحة المهلكة صيحة العذاب ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ أي وهم يشاهدونها ويعاينونها لأنها جاءت في وضح النهار قال ابن كثير: وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار وقال الألوسي: إِن صالحًا عليه السلام وعندهم ب الهلاك بعد ثلاثة أيام وقال لهم: تصبح وجوهكم غدًا مصفرة، وبعد غد محمرة، وفي اليوم الثالث مسودَّة، ثم يصبحكم العذاب، فلما رأوا الآيات التي بينها عليه السلام عمدوا إلى قتله فنجاه الله، وفي اليوم الرابع أتتهم الصاعقة وهي نار من السماء وقيل صيحة فهلكوا ﴿فَمَا استطاعوا مِن قِيَامٍ﴾ أي ما قدروا على الهرب والنهوض من شدة الصيحة، بل أصبحوا في ديارهم جاثمين ﴿وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ﴾ أي وما كانوا ممن ينتصر لنفسه فيدفع عنها العذاب. . ثم أخبر تعالى عن هلاك قوم نوح فقال: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ﴾ أي وأهلكنا قوم نوحٍ بالطوفان من قبل إِهلاك هؤلاء المذكورين ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ تعليلٌ للهلاك أي لأنهم كانوا فسقةً خارجين عن طاعة الرحمن بارتكابهم الكفر والعصيان. . ولما انتهى من أخبار هلاك الأمم الطاغية المكذبة، شرع في بيان دلال القدرة والوحدانية فقال ﴿والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ﴾ أي وشيدنا السماء وأحكمنا خلقها بقوةٍ وقدرة قال ابن عباس: ﴿بِأَيْدٍ﴾ بقوة ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي وإِنا لموسعون في خلق السماء، فإِن الأرض وما يحيط بها من الهواء والماء بالنسبة لها كحلقة صغيرة في فلاة كما ورد في الأحاديث وقال ابن عباس: ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ أي لقادرون، من الوسع بمعنى الطاقة ﴿والأرض فَرَشْنَاهَا﴾ أي والأرض مهدناها لتسقروا عليها، وبسطناها لكم ومددنا فيها لتنتفعوا بها بالطرقات وأنواع المزروعات، ولا ينافي ذلك كرويتها، فذلك أمرٌ مقطوع به، فإنها مع كرويتها واسعة ممتدة، فيها السهول الفسيحة، والبقاع الواسعة، مع الجبال والهضاب ولهذا قال تعالى ﴿فَنِعْمَ الماهدون﴾ أي فنعم الباسطون الموسعون لها نحن، وصيغة الجمع للتعظيم ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ أي ومن كل شيء خلقنا صنفين ونوعين مختلفين ذكرًا وأنثى، وحلوًا وحامضًا ونحو ذلك ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي كي

239

تتذركوا عظمة الله فتؤمنوا به، وتعلموا أن خال الأزواج واحد أحد ﴿ففروا إِلَى الله﴾ أي الجأوا إِلى الله، واهرعوا إِلى توحيده وطاعته قال أبو حيان: والأمر بالفرار إلى الله أمرٌ بالدخول في الإِيمان وطاعة الرحمن، وإنما ذكر بلفظ الفرار لينبه على أن وراء الناس عقابًا وعذابًا، وأمرٌ حقه أن يُفر منه، فقد جمعت اللفظة بين التحذير والاستدعاء، ومثله قول النبي ﷺ َ:

«لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك» وقال ابن الجوزي: المعنى اهربوا مما يوجب العقاب من لكفر والعصيان، إلى ما يوجب الثواب من الطاعة والإِيمان ﴿إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ﴾ أي إِني أنذركم عذاب الله وأخوفكم انتقامه ﴿مُّبِينٌ﴾ أي واضحٌ أمري فقد أيدني الله بالمعجزات الباهرات ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ أي لا تشركوا مع الله أحدًا من بشر أو حجر ﴿إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ كرر اللفظ للتأكيد والتنبيه إلى خطر الإِشراك بالله قال الخازن: وإنما كرر اللفظ عند الأمر بالطاعة، والنهي عن الشرك، ليعلم أن الإِيمان لا ينفع إلاّ مع العمل، كما أن العمل لا ينفع إِلا مع الإِيمان، وأنه لا يفوز وينجو عند الله إلاّ الجامع بينهما ﴿كَذَلِكَ مَآ أَتَى الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ هذه تسلية للنبي ﷺ َ أي كما كذبك قومك يا محمد، وقالوا عنك إنك ساحرٌ أو مجنون، كذلك قال المكذبون الأولون لرسلهم، فلا تحزن لما يقول المجرمون ﴿أَتَوَاصَوْاْ بِهِ﴾ أي هل أوصى أولهُم آخرهم بالتكذيب؟ وهو استفهام للتعجب من إجماعهم على تلك الكلمة الشنيعة، ثم أضرب عن هذا النفي والتوبيخ فقال ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي لم يوص بعضهم بعضًا بذلك، بل حملهم الطغيان على التكذيب والعصيان فلذلك قالوا ما قالوا ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فأعرض يا محمد عنهم ﴿فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ﴾ أي فلا لوم عليك ولا عتاب، لأن قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة، وبذلت الجهد في النصح والإرشاد ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين﴾ أي لا تدع التذكير والموعظة فإن القلوب المؤمنة تنتفع وتتأثر بالموعظة الحسنة. . ثم ذكر تعالى الغاية من خلق الخلق فقال ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أي وما خلقت الثقلين الإِنس والجن إِلا لعبادتي وتوحيدي، لا لطلب الدنيا والانهماك بها قال ابن عباس: ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ إِلا ليقروا لي بالعبادة طوعًا أو كرهًا وقال مجاهد: إِلا ليعرفوني قال الرازي: لما بيَّن تعالى حال المكذبين ذكر هذه الآية ليبيّن سوء صنيعهم حيث تركوا عبادة الله مع أن خلقهم لم يكن إِلا للعبادة ﴿مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ﴾ أي لا أريد منهم أن يرزقوني أو يرزقوا أنفسهم أو غيرهم بل أنا الرزَّاق المعطي ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ أي ولا أُريد منهم أن يطعموا خلقي ولا أن يطعموني فأنا الغني الحميد قال البيضاوي: والمراد أن يبيّن أن شأ، هـ مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم، فإِنهم إِنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم، فكأنه سبحانه يقول: ما أريد

240

أن أستعين بهم كما يستعين السادة بعبيدهم، فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي ﴿إِنَّ الله هُوَ الرزاق﴾ أي إنه جل وعلا هو الرزاق، المتكفل بأرزاق العباد وحاجاتهم، أتى باسم الجلالة الظاهر للتخيم والتعظيم، وأكد الجملة بإن والضمير المنفصل لقطع أوهام الخلق في أمور الرزق، وليقوي اعتمادهم على الله ﴿ذُو القوة﴾ أي ذو القدرة الباهرة ﴿المتين﴾ أي شديد القوة لا يطرأ عليه عجزٌ ولا ضعف قال ابن كثير: أخبر تعالى أنه غير محتاج إِليهم، بل هم الفقراء إلى الله في جميع أحوالهم فهو خالقهم ورازقهم، وفي الحديث القدسي

«يا بان آدم تفرَّغ لعبادتي أملأُ صدرك غنى، وإِلا تفعل ملأتُ صدرك شغلًا ولم أسدَّ فقرك» ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ أي فإِن لهؤلاء الكفار الذين كذبوا الرسول ﷺ َ نصيبًا من العذاب مثل نصيب أسلافهم الذين أُهلكوا كقوم نحو وعاد وثمود ﴿فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي فلا يتعجلوا عذابي فإِنها واقع لا محالة مإِن عاجلًا أو آجلًا ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الذي يُوعَدُونَ﴾ أي هلاك ودمار وشدة عذاب لهؤلاء الكفار في يوم القيامة الذي وعدهم الله به.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الطباق ﴿وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ [الذاريات: 19] لأن السائل الطالب، والمحروم المتعفف.

2 - تأكيد الخبر بالقسم وإِنَّ واللام ﴿فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: 23] ويسمى هذا الضرب إنكاريًا، لأن المخاطب منكر لذلك.

3 - أسلوب التشويق والتفخيم ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين﴾ [الذاريات: 24]؟

4 - الاستعارة ﴿فتولى بِرُكْنِهِ﴾ استعار الركن للجنود والجموع لأنه يحصل بهم التقوى والاعتماد كما يعتمد على الركن في البناء أو استعارة للقوة والشدة.

5 - المجاز العقلي ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أطلق اسم الفاعل على اسم المفعول أي ملام على طغيانه.

6 - الاستعارة التبعية ﴿الريح العقيم﴾ شبه إهلاكهم وقطع دابرهم بعقم النساء وعدم حملهن ثم أطلق المشبه به على المشبه واشتق منه العقيم بطريق الاستعارة.

7 - حذف الإِيجاز ﴿قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ [الذاريات: 25] أي أنتم قوم منكرون ومثلها ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: 29] أي أنا عجوز.

8 - التشبيه المرسل المجمل ﴿ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ أي نصيبًا من العذاب مثل نصيب أسلافهم المكذبين في الشدة والغلظة، حذف منه وجه الشبه فهو مجمل.

9 - الإِطناب بتكرار الفعل ﴿مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ للمبالغة والتأكيد.

10 - السجع الرصين غير المتكلف الذي يزيد في جمال الأسلوب ورونقه مثل ﴿والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ. . والأرض فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الماهدون﴾ وهو من المحسنات البديعية.

241

لطيفَة: ذكر أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ ﴿وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: 2223] فقال: يا سبحان الله من الذي أغضب الجليل حتى حلف ﴿ألم يصدقوه في قوله حتى ألجئوه إلى اليمين؟ يا ويح الناس﴾ !

242

اللغَة: ﴿رَقٍّ﴾ الرَّق بالفتح والكسر جلد رقيق يكتب فيه وقال أو عبيدة: الرقُّ الورق وفي الصحاح: الرقُّ بالفتح ما يكتب فيه وهو جلد رقيب ﴿المسجور﴾ الموقد نارًا يقال: سجرت النار أي أوقدتها ﴿تَمُورُ﴾ مار الشيء يمور مورًا إذ تحرك واضطرب، وجاء وذهب، قال جرير:

وما زالت القتلى تمور دماؤها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل

﴿يُدَعُّونَ﴾ يدفعون بشدة عنف، والدَّع: الدفع بشدة وإهانة ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ أنقصناهم ﴿رَهَينٌ﴾ محبوس ﴿السموم﴾ لريح الحارة النافذة في المسام

الطور

1

التفسِير: ﴿والطور وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ أقسم تعالى بجل الطور الذي كلَّم الله عليه وسمى، وأقسم بالكتاب الذي أنزله على خاتم رسله وهو القرآن العظيم المكتوب ﴿فِي رَقٍّ﴾ أي في أديمٍ من الجلد الرقيق ﴿مَّنْشُورٍ﴾ أي مبسوط غير مطوي وغير مختوم عليه قال القرطبي: أقسم الله تعالى بالكتاب المسطور أي المكتوب وهو القرآن يقرأه المؤمنون من المصاحف، ويقرأه الملائكة من اللوح المحفوظ، وقيل يعني بالكتاب سائر الكتب المنزلة على الأنبياء لأن كل كتاب في رقٍّ ينشره

244

أهله لقراءته، والرقُّ ما رٌقّق من الجلد ليكتب فيه ﴿والبيت المعمور﴾ أي وأُقسم بالبيت المعمور الذي تطوف به الملائكة الأبرار، وهو لأهل السماء كالكعبة المشرفة لأهل الأرض، وفي حديث الإِسراء «ثم رفع إِليَّ البيت المعمور، فقلت يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور، يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك، إِذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخر ما عليهم» وقال ابن عباس: هو بيت في السماء السابعة حيال الكعبة أي مقابلها وحذاءها تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة ثم لا يعودون إليه ﴿والسقف المرفوع﴾ أي والسماء العالية المرتفعة، الواقفة بقدرة الله بلا عمد، سمَّى السماء سقفًا لأنها للأرض كالسقف للبيت ودليله ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32] وقال ابن عباس: هو العرش وهو صف الجنة ﴿والبحر المسجور﴾ أي والبحر المسجور الموقد نارًا يوم القايمة كقوله ﴿وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: 6] أي أضرمت حتى تصير نارًا ملتهبة تتأجج تحيط بأهل الموقف ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ هذا جواب القسم أي إن عذاب الله لنازل بالكفارين لا محالة قال ابن الجوزي: أقسم تعالى بهذه الأشياء الخمسة للتنبيه على ما فيها من عظيم قدرته على أن عذاب المشركين حق ﴿مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ أي ليس له دافع يدفعه عنهم قال أبو حيان: والواو الأولى للقسم وما بعدها للعطف، والجملة المقسم عليها هي ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ وفي فإضافته إِلى الرب وإِضافته لكاف الخطاب أمانٌ له ﷺ َ وأن العذاب واقع بمن كذبه، ولفظ واقع أشد من كائن، كأنه مهيأ في مكان مرتفع فيقع على من حلَّ به ﴿يَوْمَ تَمُورُ السمآء مَوْرًا﴾ أي تتحرك السماء وتضطرب اضطرابًا شديدًا من هول ذلك اليوم ﴿وَتَسِيرُ الجبال سَيْرًا﴾ أي تنسف نسفًا عن وجه الأرض فتكون هباءً منثورًا كقوله

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: 105] قال الخازن: والحكمة في مور السماء وسير الجبال، الإِنذارُ والإِعلام بأن لا رجوع ولا عود إلى الدنيا، وذلك لأن الأرض والسماء وما بينهما من الجبال والبحار وغير ذلك إنما خلقت لعمارة الدنيا وانتفاع بني آدمم بذلك، فلما لم يبق لهم عودٌ إليها أزالها الله تعالى وذلك لخراب الدنيا وعمارة الآخرة ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي هلاك ودمار وشدة عذاب للمكذبين أرسلَ الله في ذلك اليوم الرهيب ﴿الذين هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أي الذين هم في الدنيا يخوضون في الباطل غافلون ساهون عما يراد بهم ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أي يوم يُدفعون إلى نار جهنم دفعًا بشدة وعنف قال في البحر: وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيدي الكفار إلى

245

أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ويدفعون بهم دفعًا إلى النار على وجوههم وزجًا في أقفيتهم حتى يردوا إلى النار، فإذا دنوا منها قال لهم خزنتها ﴿هذه النار التي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أي هذه نار جهنم التي كنتم تهزءون وتكذون بها في الدنيا ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ﴾ أي وتقول لهم الزبانية تقريعًا وتوبيخًا: هل هذا الذي ترونه بأعينكم من لعذاب سحرٌ، أم أنتم اليوم عميٌ كما كنتم في الدنيا عميًا عن الخبر والإِيمان؟ قال أبو السعود: وقوله تعالى ﴿أَفَسِحْرٌ هذا﴾ توبيخ لهم وتقريع حيث كانوا يسمون القرآن الناطق بالحق سحرًا فكأنه يل لهم: كنتم تقولون عن القرآن إنه سحر أفهذا العذاب ايضًا سحر أم سُدَّت أبصاركم كما سدَّت في الدنيا؟ ﴿اصلوها فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ﴾ أي قاسوا شدتها فاصبروا على العذاب أو لا تصبروا، وهو توبيخ آخر ﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي يتساوى عليكم الصبر والجزع لأنكم مخلدون في جهنم أبدًا ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي إنما تنالون جزاء أعمالكم القبيحة من الكفر والتكذيب، ولا يظلم ربك أحدًا. . ولما ذكر حال الكفرة الأشقاء ذكر حال المؤمنين السعداء على عادة القرآن الكريم في الجمع بين الترهيب والترغيب فقال ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ أي إن الذين اتقوا ربهم في الدنيا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، هم في الآخرة في بساتين عظيمة ونعيم مقيم خالد ﴿فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي متنعمين ومتلذذين بما أعطاهم ربهم من الخير والكرامة وأصناف الملاذ من مآكل ومشارب، وملابس ومراكب، وغير ذلك من ملاذ الجنة ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الجحيم﴾ أي وقد نجاهم ربهم من عذاب جهنم وصرف فيها من السرور ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿كُلُواْ واشربوا هَنِيئًَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يقال لهم: كلوا واشربوا أكلًا وشربًا هنيًا، لاتنغيص فيه ولا كدر، بسبب ما قدمتم من صالح الأعمال.

. ثم أخبر تعالى عن حالهم عند أكلهم وشربهم فقال ﴿مُتَّكِئِينَ على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ أي جالسين على هيئة المضطجع على سرر من ذهب مكلَّلة بالدر والياقوت، مصطفة بعضها إلى جانب بعض، قال ابن كثير: ﴿مَّصْفُوفَةٍ﴾ أي وجوه بعضهم إلى بعض كقوله ﴿على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47] وفي الحديث «إن الرجل ليتكىء المتكأ مقدار أربعين سنةً ما يتحول عنه ولا يملُّه، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه» ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي وجعلنا لهم قرينات صالحات، وزوجات حسانًا من الحور العين، وهنَّ نساء بيض واسعات العيون من الحَوَر وهو شدة البياض، والعينُ جمع عيناء وهي كبير العين والبياضُ مع سعة العين نهاية الحسن والجمال ﴿والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ أي كانوا مؤمنين وشاركهم أولادهم في الإِيمان ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي ألحقنا الأبناء بالآباء لتقرَّبهم أعينهم وإن لم يبلغوا أعمالهم قال ابن عباس: إن الله عزو جل ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كان لم يبلغها بعمله لترَّبهم عينه وتلا الآية قال الزمخشري: فيجمع الله لأهل الجنة أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين،

246

وبمؤانسة الإِخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم ﴿وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ أي وما نقصنا الآباء من ثواب عملهم شيئًا قال في البحر: المعنى أنه تعالى يُلحق المقصِّر بالمحسن ولا ينقص المسحن من أجره شيئًا ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ أي كل إِنسان مرتهن بعمله لا يُحمل عليه ذنب غيره سواء كان أبًا أو إِبنًا وقال ابن عباس: ارتهن أهل جهنم بأعمالهم، وصار أهل الجنة إلى نعيمهم وقال الخازن: المراد بالآية الكافر أي كل كافر بما عمل من الشرك مرتهن بعمله في النار، والمؤمن لا يكون مرتهنًا بعمله لقوله تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ [المدثر: 3839] . . ثم ذكر ما وعدهم به من الفضل والنعمة فقال ﴿وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي وزدناهم فوق ما لهم من النعيم بفواكه ولحوم من أنواع شتى مما يستطاب ويُشتهى ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ أي يتعاطون في الجنة كأسًا من الخمر، يتجاذبها بعضهم من بعض تلذذًا وتأنسًا قال الألوسي: أي يتجاذبونها تجاذب ملاعبة كما يفعل ذلك الندامى في الدنيا لشدة سرورهم ﴿لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ﴾ أي لا يقع بينهم بسبب شربها هذيان حتى يتكلموا بساقط الكلام، ولا يلحقهم إِثم كما يلحق شارب الخمر في الدنيا قال قتادة: نزّه الله خمر الآخرة عن قاذورات الكلام الفارغ الذي لا فائدة فيه، المتضمن للهذيان والفحش، ووصفها بحسن منظرها وطيب طعمها، فقال

﴿بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات: 4647] ثم قال تعالى ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ أي ويطوف عليهم للخدمة غلمان مماليك خصصهم تعالى لخدمتهم ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ أي كأنهم في الحسن، والبياض، والصفاء اللؤلؤ المصون في الصدف قال القرطبي: وهؤلاء الغلمان قي لهم أولاد المشركين وهم خدم أهل الجنة، وليس في الجنة نصيب ولا حاجة إلى خدمة، ولكنه أخبر بأنهم علىغاية النعيم ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي اقبل أهل الجنة يسأل بعضهم بعضًا عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، تلذذًا بالحديث، واعترافًا بالنعمة ﴿قالوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ في أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي قال المسئولون: إنا كنا في دار الدنيا خائفين من ربنا، مشفقين من عذابه وعقابه ﴿فَمَنَّ الله عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السموم﴾ أي فأكرمنا الله بالمغفرة والجنة، وأجرنا مما نخاف، وحمانا من عذاب جهنم النافذة في المسام نفوذ الريح الحارة الشديدة وهي التي تسمى ﴿السموم﴾ قال الفخر الرازي: والآية إشارة إلى أن أهل الجنة يعلمون ما جرى عليهم في الدنيا ويذكرونه، وكذلك الكافر لا ينسى ما كان له من النعيم في الدنيا، فتزاداد لذة المؤمن حيث يرى نفسه انتقلت من الضيف إلى السعة، ومن السجن إلى الجنة، ويزداد الكفار ألمًاَ حيث يرى نفسه انتقلت من النعليم إلى الجحيم ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أي قال أهل الجنة: إنا كنا في الدنيا نعبد الله ونتضرع إليه، فاستجاب الله لنا

247

فأعطانا سؤالنا ﴿إِنَّهُ هُوَ البر الرحيم﴾ أي إنه تعالى هو المحسن، والمتفضل على عباده بالرحمة والغفران، وهو كالتعليل لما سبق، عن مسروق أن عائشة رضي الله تعالى عنها قرأت هذه الآية ﴿فَمَنَّ الله عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السموم إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ البر الرحيم﴾ فقالت: اللهم مُنَّ علينا وقنا عذاب السموم إنك أنت البر الرحيم.

اللغَة: ﴿رَقٍّ﴾ الرَّق بالفتح والكسر جلد رقيق يكتب فيه وقال أو عبيدة: الرقُّ الورق وفي الصحاح: الرقُّ بالفتح ما يكتب فيه وهو جلد رقيب ﴿المسجور﴾ الموقد نارًا يقال: سجرت النار أي أوقدتها ﴿تَمُورُ﴾ مار الشيء يمور مورًا إذ تحرك واضطرب، وجاء وذهب، قال جرير:

وما زالت القتلى تمور دماؤها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل

﴿يُدَعُّونَ﴾ يدفعون بشدة عنف، والدَّع: الدفع بشدة وإهانة ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ أنقصناهم ﴿رَهَينٌ﴾ محبوس ﴿السموم﴾ لريح الحارة النافذة في المسام

التفسِير: ﴿والطور وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ أقسم تعالى بجل الطور الذي كلَّم الله عليه وسمى، وأقسم بالكتاب الذي أنزله على خاتم رسله وهو القرآن العظيم المكتوب ﴿فِي رَقٍّ﴾ أي في أديمٍ من الجلد الرقيق ﴿مَّنْشُورٍ﴾ أي مبسوط غير مطوي وغير مختوم عليه قال القرطبي: أقسم الله تعالى بالكتاب المسطور أي المكتوب وهو القرآن يقرأه المؤمنون من المصاحف، ويقرأه الملائكة من اللوح المحفوظ، وقيل يعني بالكتاب سائر الكتب المنزلة على الأنبياء لأن كل كتاب في رقٍّ ينشره أهله لقراءته، والرقُّ ما رٌقّق من الجلد ليكتب فيه ﴿والبيت المعمور﴾ أي وأُقسم بالبيت المعمور الذي تطوف به الملائكة الأبرار، وهو لأهل السماء كالكعبة المشرفة لأهل الأرض، وفي حديث الإِسراء «ثم رفع إِليَّ البيت المعمور، فقلت يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور، يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك، إِذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخر ما عليهم» وقال ابن عباس: هو بيت في السماء السابعة حيال الكعبة أي مقابلها وحذاءها تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة ثم لا يعودون إليه ﴿والسقف المرفوع﴾ أي والسماء العالية المرتفعة، الواقفة بقدرة الله بلا عمد، سمَّى السماء سقفًا لأنها للأرض كالسقف للبيت ودليله ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32] وقال ابن عباس: هو العرش وهو صف الجنة ﴿والبحر المسجور﴾ أي والبحر المسجور الموقد نارًا يوم القايمة كقوله ﴿وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: 6] أي أضرمت حتى تصير نارًا ملتهبة تتأجج تحيط بأهل الموقف ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ هذا جواب القسم أي إن عذاب الله لنازل بالكفارين لا محالة قال ابن الجوزي: أقسم تعالى بهذه الأشياء الخمسة للتنبيه على ما فيها من عظيم قدرته على أن عذاب المشركين حق ﴿مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ أي ليس له دافع يدفعه عنهم قال أبو حيان: والواو الأولى للقسم وما بعدها للعطف، والجملة المقسم عليها هي ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ وفي فإضافته إِلى الرب وإِضافته لكاف الخطاب أمانٌ له ﷺ َ وأن العذاب واقع بمن كذبه، ولفظ واقع أشد من كائن، كأنه مهيأ في مكان مرتفع فيقع على من حلَّ به ﴿يَوْمَ تَمُورُ السمآء مَوْرًا﴾ أي تتحرك السماء وتضطرب اضطرابًا شديدًا من هول ذلك اليوم ﴿وَتَسِيرُ الجبال سَيْرًا﴾ أي تنسف نسفًا عن وجه الأرض فتكون هباءً منثورًا كقوله

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: 105] قال الخازن: والحكمة في مور السماء وسير الجبال، الإِنذارُ والإِعلام بأن لا رجوع ولا عود إلى الدنيا، وذلك لأن الأرض والسماء وما بينهما من الجبال والبحار وغير ذلك إنما خلقت لعمارة الدنيا وانتفاع بني آدمم بذلك، فلما لم يبق لهم عودٌ إليها أزالها الله تعالى وذلك لخراب الدنيا وعمارة الآخرة ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي هلاك ودمار وشدة عذاب للمكذبين أرسلَ الله في ذلك اليوم الرهيب ﴿الذين هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أي الذين هم في الدنيا يخوضون في الباطل غافلون ساهون عما يراد بهم ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أي يوم يُدفعون إلى نار جهنم دفعًا بشدة وعنف قال في البحر: وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيدي الكفار إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ويدفعون بهم دفعًا إلى النار على وجوههم وزجًا في أقفيتهم حتى يردوا إلى النار، فإذا دنوا منها قال لهم خزنتها ﴿هذه النار التي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أي هذه نار جهنم التي كنتم تهزءون وتكذون بها في الدنيا ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ﴾ أي وتقول لهم الزبانية تقريعًا وتوبيخًا: هل هذا الذي ترونه بأعينكم من لعذاب سحرٌ، أم أنتم اليوم عميٌ كما كنتم في الدنيا عميًا عن الخبر والإِيمان؟ قال أبو السعود: وقوله تعالى ﴿أَفَسِحْرٌ هذا﴾ توبيخ لهم وتقريع حيث كانوا يسمون القرآن الناطق بالحق سحرًا فكأنه يل لهم: كنتم تقولون عن القرآن إنه سحر أفهذا العذاب ايضًا سحر أم سُدَّت أبصاركم كما سدَّت في الدنيا؟ ﴿اصلوها فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ﴾ أي قاسوا شدتها فاصبروا على العذاب أو لا تصبروا، وهو توبيخ آخر ﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي يتساوى عليكم الصبر والجزع لأنكم مخلدون في جهنم أبدًا ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي إنما تنالون جزاء أعمالكم القبيحة من الكفر والتكذيب، ولا يظلم ربك أحدًا. . ولما ذكر حال الكفرة الأشقاء ذكر حال المؤمنين السعداء على عادة القرآن الكريم في الجمع بين الترهيب والترغيب فقال ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ أي إن الذين اتقوا ربهم في الدنيا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، هم في الآخرة في بساتين عظيمة ونعيم مقيم خالد ﴿فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي متنعمين ومتلذذين بما أعطاهم ربهم من الخير والكرامة وأصناف الملاذ من مآكل ومشارب، وملابس ومراكب، وغير ذلك من ملاذ الجنة ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الجحيم﴾ أي وقد نجاهم ربهم من عذاب جهنم وصرف فيها من السرور ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿كُلُواْ واشربوا هَنِيئًَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يقال لهم: كلوا واشربوا أكلًا وشربًا هنيًا، لاتنغيص فيه ولا كدر، بسبب ما قدمتم من صالح الأعمال.

. ثم أخبر تعالى عن حالهم عند أكلهم وشربهم فقال ﴿مُتَّكِئِينَ على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ أي جالسين على هيئة المضطجع على سرر من ذهب مكلَّلة بالدر والياقوت، مصطفة بعضها إلى جانب بعض، قال ابن كثير: ﴿مَّصْفُوفَةٍ﴾ أي وجوه بعضهم إلى بعض كقوله ﴿على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47] وفي الحديث «إن الرجل ليتكىء المتكأ مقدار أربعين سنةً ما يتحول عنه ولا يملُّه، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه» ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي وجعلنا لهم قرينات صالحات، وزوجات حسانًا من الحور العين، وهنَّ نساء بيض واسعات العيون من الحَوَر وهو شدة البياض، والعينُ جمع عيناء وهي كبير العين والبياضُ مع سعة العين نهاية الحسن والجمال ﴿والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ أي كانوا مؤمنين وشاركهم أولادهم في الإِيمان ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي ألحقنا الأبناء بالآباء لتقرَّبهم أعينهم وإن لم يبلغوا أعمالهم قال ابن عباس: إن الله عزو جل ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كان لم يبلغها بعمله لترَّبهم عينه وتلا الآية قال الزمخشري: فيجمع الله لأهل الجنة أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإِخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم ﴿وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ أي وما نقصنا الآباء من ثواب عملهم شيئًا قال في البحر: المعنى أنه تعالى يُلحق المقصِّر بالمحسن ولا ينقص المسحن من أجره شيئًا ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ أي كل إِنسان مرتهن بعمله لا يُحمل عليه ذنب غيره سواء كان أبًا أو إِبنًا وقال ابن عباس: ارتهن أهل جهنم بأعمالهم، وصار أهل الجنة إلى نعيمهم وقال الخازن: المراد بالآية الكافر أي كل كافر بما عمل من الشرك مرتهن بعمله في النار، والمؤمن لا يكون مرتهنًا بعمله لقوله تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ [المدثر: 3839] . . ثم ذكر ما وعدهم به من الفضل والنعمة فقال ﴿وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي وزدناهم فوق ما لهم من النعيم بفواكه ولحوم من أنواع شتى مما يستطاب ويُشتهى ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ أي يتعاطون في الجنة كأسًا من الخمر، يتجاذبها بعضهم من بعض تلذذًا وتأنسًا قال الألوسي: أي يتجاذبونها تجاذب ملاعبة كما يفعل ذلك الندامى في الدنيا لشدة سرورهم ﴿لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ﴾ أي لا يقع بينهم بسبب شربها هذيان حتى يتكلموا بساقط الكلام، ولا يلحقهم إِثم كما يلحق شارب الخمر في الدنيا قال قتادة: نزّه الله خمر الآخرة عن قاذورات الكلام الفارغ الذي لا فائدة فيه، المتضمن للهذيان والفحش، ووصفها بحسن منظرها وطيب طعمها، فقال

﴿بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات: 4647] ثم قال تعالى ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ أي ويطوف عليهم للخدمة غلمان مماليك خصصهم تعالى لخدمتهم ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ أي كأنهم في الحسن، والبياض، والصفاء اللؤلؤ المصون في الصدف قال القرطبي: وهؤلاء الغلمان قي لهم أولاد المشركين وهم خدم أهل الجنة، وليس في الجنة نصيب ولا حاجة إلى خدمة، ولكنه أخبر بأنهم علىغاية النعيم ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي اقبل أهل الجنة يسأل بعضهم بعضًا عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، تلذذًا بالحديث، واعترافًا بالنعمة ﴿قالوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ في أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي قال المسئولون: إنا كنا في دار الدنيا خائفين من ربنا، مشفقين من عذابه وعقابه ﴿فَمَنَّ الله عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السموم﴾ أي فأكرمنا الله بالمغفرة والجنة، وأجرنا مما نخاف، وحمانا من عذاب جهنم النافذة في المسام نفوذ الريح الحارة الشديدة وهي التي تسمى ﴿السموم﴾ قال الفخر الرازي: والآية إشارة إلى أن أهل الجنة يعلمون ما جرى عليهم في الدنيا ويذكرونه، وكذلك الكافر لا ينسى ما كان له من النعيم في الدنيا، فتزاداد لذة المؤمن حيث يرى نفسه انتقلت من الضيف إلى السعة، ومن السجن إلى الجنة، ويزداد الكفار ألمًاَ حيث يرى نفسه انتقلت من النعليم إلى الجحيم ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أي قال أهل الجنة: إنا كنا في الدنيا نعبد الله ونتضرع إليه، فاستجاب الله لنا فأعطانا سؤالنا ﴿إِنَّهُ هُوَ البر الرحيم﴾ أي إنه تعالى هو المحسن، والمتفضل على عباده بالرحمة والغفران، وهو كالتعليل لما سبق، عن مسروق أن عائشة رضي الله تعالى عنها قرأت هذه الآية ﴿فَمَنَّ الله عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السموم إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ البر الرحيم﴾ فقالت: اللهم مُنَّ علينا وقنا عذاب السموم إنك أنت البر الرحيم.

248