صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 374 - 389

الطلاق

الطلاق

اللغَة: ﴿العدة﴾ المدة التي تحتبس فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها ﴿أَحْصُواْ﴾ اضبطوا بطريق العَدَد ﴿حَسْبُهُ﴾ كافية ﴿وُجْدكم﴾ طاقتكم ووسعكم ﴿ارتبتم﴾ شككتم ﴿كَأِيِّن﴾ كثير ﴿عَتَتْ﴾ تكبرت وتجبرت وأعرضت ﴿نُّكْرًا﴾ منكرًا شنيعًا وفظيعًا ﴿خُسْرًا﴾ خسارًا وهلاكًا.

سَبَبُ النّزول: أروى البخاري أن عبد الله بن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ َ فتغيَّظ رسول الله ﷺ َ ثم قال: ليراجِعْها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإِن بدا له أن يطلِّقها فليطلِّقها طاهرًا قبل أن يمسَّها، فتلك العدة التي أمر بها الله عز وجل.

ب وروي عن أنس قال طلّق رسول الله ﷺ َ حفصة فأتت أهلها فأنزل الله تعالى ﴿يا أيها﴾

374

﴿النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فقيل له: راجعْها فإِنها صوَّامة قوَّامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة.

ج وروي أنه لما نزل قوله تعالى ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء﴾ ﴿البقرة: 228] قال جماعة من الصحابة يا رسول الله: فما عدة لا قرء لها من صغر أو كِبَر فنزلت ﴿واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ. .﴾ الآية.

التفسِير: ﴿ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء﴾ الخطابُ للنبي ﷺ َ والحكم عام له ولأمته، وخصَّ هو بالنداء ﷺ َ تعظيمًا له، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا أي افعل أنت وقومك، فهو نداء على سبيل التكريم والتعظيم قال القرطبي: الخطابُ للنبي ﷺ َ خوطب بلفظ الجماعة ﴿طَلَّقْتُمُ﴾ تعظيمًا وتفخيمًا والمعنى: يا أيها النبي ويا أيها المؤمنون إِذا أردتم تطليق النساء ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي فطلقوهن مستقبلاتٍ لعدتهن، وذلك في الطهر، ولا تطلقوهن في الحيض قال مجاهد: أي طاهرًا من غير جماع لقوله ﷺ َ: «فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسَّها، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يُطلَّق لها النساء» قال المفسرون: وإِنما نُهي عن طلاق المرأة وقت الحيض لئلا تطول عليها العدة فتتضرر، ولأن حالة الحيض منفِّرة للزوج، تجعله يتسرع في طلاقها بخلاف ما إِذا كانت طاهرًا، وكونه لم يجامعها في ذلك الطهر، لئلا يحصل من ذلك الوطء حملٌ، فتنتقل العدة من الحيض لوضع الحمل وفي ذلك ضرر ظاهر ﴿وَأَحْصُواْ العدة﴾ أي اضبطوها وأكملوها ثلاثة أقراء كاملة لئلا تختلط الأنساب ﴿واتقوا الله رَبَّكُمْ﴾ أي خافوا الله ربَّ العالمين، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ أي لا تخرجوهن من مساكنهم، بعد فراقكم لهن إِلى أن تنقضي عدتهن ﴿وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ أي ولا يخرجن من البيوت حتى تنقضي عدتهن، إِلا إِذا قارفت المطلقة عملًا قبيحًا كالزنى فتخرج لإِقامة الحد عليها قال في التسهيل: نهى الله سبحانه وتعالى أن يُخرج الرجلُ المرأة المطلَّقة من المسكن الذي طلقها فيه، ونهاها هي أن تخرج باختيارها، فلا يجوز لها المبيت خارجًا عن بيتها، ولا أن تغيب عنه نهارًا إِلا لضرورة التصرف، وذلك لحفظ النسب وصيانة المرأة، واختلف في الفاحشة التي تبيح خروج المعتدة فقيل: إِنها الزنى فتخرج لإِقامة الحد عليها، وقيل إِنه سوء الكلام مع الأصهار وبذاءة اللسان فتخرج ويسقط حقها من السكنى، ويؤيده قراءة «إِلا أن يفحشن عليكم» ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله﴾ أي وهذه الأحكام هي شرائع الله ومحارمه ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أي ومن يخرج عن هذه الأحكام، ويتجاوزها إِلى غيرها ولا

375

يأتمر بها، فقد ظلم نفسه بتعريضها للعقاب، وأضرَّ بها حيث فوَّت على نفسه إِمكان إِرجاع زوجته إِليه قال الرازي: وهذا تشديدٌ فيمن يتعدى طلاق السنة، ومن يطلق لغير العدة ﴿لاَ تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أي لا تعرف أيها السامع ماذا يحدث اللهُ بعد ذلك الطلاق من الأمر؟ فلعل الله يقلّب قلبه من بغضها إِلى محبتها، ومن الرغبة عنها إِلى الرغبة فيها، فيجعله راغبًا في زوجته بعدما كان كارهًا لها قال ابن عباس: يريد الندم على طلاقها، والمحبة لرجعتها في العدة ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي فإِذا شارفن على انقضاء العدة وقاربن ذلك ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي فراجعوهنَّ إِلى عصمة النكاح مع الإِحسان في صحبتهن كما أمر الله، أو اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهن قال المفسرون: الإِمساك بالمعروف هو إِحسان العشرة وتوفية النفقة، من غير قصد المضارة في الرجعة لتطول عليها العدة، والفراق بالمعروف هو أداء الصَّداق، والمتعة عند الطلاق، والوفاء بالشروط مع توفية جميع حقوقها ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ أي وأشهدوا عند الطلاق أو الرجعة، شخصين من أهل العدالة والاستقامة من تثقون في دينها وأمانتها قال في البحر: وهذا الإِشهاد مندوبٌ إِليه عند أبي حنيفة كقوله تعالى

﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] وعند الشافعية واجبٌ في الرجعة، مندوبٌ إِليه في الفرقة ﴿وَأَقِيمُواْ الشهادة لِلَّهِ﴾ أي اشهدوا بالحق دون تحيز لأحد، خالصًا لوجه الله تعالى من غير تبديل ولا تغيير، ودون مراعاةٍ للمشهود له أو المشهود عليه ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر﴾ أي هذا الذي شرعناه من الأحكام، إِنما ينتفع ويتعظ به المؤمن الذي يخشى الله، ويخاف الحساب والعقاب في الدار الآخرة ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ أي ومن يراقب الله ويقف عند حدوده، يجعل له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ويرزقه من وجه لا يخطر بباله ولا يعلمه قال مجاهد: كنت عند ابن عباس فجاءه رجلٌ فقال: إِنه طلَّق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنه رادها إِليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب أحموقته ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس!! والله تعالى يقول ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ وإِنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك وقال المفسرون: الآية عامة وقد

«نزلت في» عوف بن مالك الأشجعي «أسر المشركون ابنه، فأتى رسول الله ﷺ َ وشكا إِليه الفاقة وقال: إن العدوَّ أسر ابني وجزعتْ أمه فما تأمرني؟ فقال ﷺ َ له: اتق الله واصبر، وآمرك وإِياها أن تستكثروا من قول» لا حول ولا قوة إِلا بالله «ففعل هو وامرأته، فينا هو في بيته إِذ قرع ابنه الباب، ومعه مائة من الإِبل غفل عنها

376

العدو فاستاقها» فنزلت ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي ومن يعتمد على الله، ويثقْ به فيما أصابه ونابه، فإِن الله كافيه قال الصاوي: أي من فوَّض إِليه أمره كفاه ما أهمَّه، والأخذُ بالأسباب لا ينافي التوكل، لأنه مأمور به ولكنْ لا يعتمد على تلك الأسباب، وفي الحديث «لو توكلتم على الله حقَّ توكله لزرقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا» ﴿إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ أي نافذُ أمره في جميع خلقه، يبلغ ما يريد ولا يعجزه شيء قال في التسهيل: وهذا حضُّ على التوكل وتأكيدٌ له، لأن العبد إِذا خلقه، يبلغ ما يريد ولا يعجزه شيء قال في التسهيل: وهذا حضٌ على التوكل وتأكيدٌ له، لأ، العبد إِذا تحقق أن الأمور كلها بيد الله، توكَّل على الله وحده ولم يعوِّل على سواه ﴿قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أي قد جعل اله لكل أمرٍ من الأمور، مقدارًا معلومًا ووقتًا محدودًا، حسب الحكمة الأزلية قال القرطبي: أي جعل لكل شيءٍ من الشدة والرخاء أجلًا ينتهي إِليه. . ثم بيَّن سبحانه حكم المطلَّقة التي لا تحيض لصغرها أو لكبر سنها فقال ﴿واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارتبتم﴾ أي والنسوة اللواتي انقطع حيضهن لكبر سنهنَّ، إِن شككتم وجهلتم كيف عدتهن؟ فهذا حكمهن ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ﴾ أي فعدةُ الواحدة منهن ثلاثة أشهر، كل شهرٍ يقوم مقام حيضة ﴿واللائي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أي وكذلك اللواتي لم يحضن لصغرهن عدتهن ثلاثة أشهر ﴿وَأُوْلاَتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي والمرأة الحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل، سواءً كانت مطلقة، أو متوفى عنها زوجها ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ أي ومن يخضى الله في أقواله وأفعاله، ويجتنب ما حرَّم الله عليه، يسهِّل عليه أمره ويوفقه لكل خير ﴿ذَلِكَ أَمْرُ الله أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ أي ذلك هو حكم الله وشرعه الحكيم، أنزله عليكم أيها المؤمنون لتأتمروا به، وتعملوا بمقتضاه ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرا﴾ أي ومن يتَّق ربه يمح عنه ذنوبه، ويضاعف له الأجر والثواب قال الصاوي: كرر التقوى لعلمه سبحانه وتعالى أن النساء ناقصات عقلٍ ودين، فلا يصبر على أمورهن إِلا أهل التقوى وقال في البحر: لمَّا كان الكلام في أمر المطلقات، وكنَّ لا يطلَّقن إِلا عن بغض أزواجهنَّ لهنَّ، وقد ينسب الزوج إِليها ما يشينها وينفِّر الخُطَّاب عنها، فلذلك تكرر الأمر بالتقوى، وجاء مبرزًا في صورة شرط وجزاء ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل﴾ الآية ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ أي أسكنوا هؤلاء المطلقات في بعض مساكنكم التي تسكنونها، على قدر طاقتكم ومقدرتكم، فإِن كان موسرًا وسَّع عليها في المسكن والنفقة، وإِن كان فقيرًا فعلى قدر الطاقة ﴿وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ أي ولا تضيقوا عليهن في السكنى والنفقة، حتى تضطروهن إِلى الخروج أو الافتداء ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ﴾ أي وإِن كانت المطلَّقة حاملًا ﴿فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي فعلى الزوج أن ينفق عليها ولو طالت مدة الحمل حتى تضع حملها ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أي فإِذا ولدت ورضيت أن ترضع له ولده ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي فعلى الرجل أن يدفع لها أجر الرضاعة، لأن الأولاد ينسبون

377

إِلى الآباء قال في التسهيل: والمعنى إِن أرضع هؤلاء الزوجات المطلقات أولادكم، فآتوهنَّ أجرة الرضاع وهي النفقة وسائر المؤن ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي وليأمر كلٌ منهما صاحبه بالخير، من المسامحة والرفق والإِحسان، قال القرطبي: أي وليْقبل بعضكم من بعض ما أمره به من المعروف الجميل، والمعروف منها: إِرضاعُ الولد من غير أجرة، والمعروف منه: توفيرُ الأجرة عليها للإِرضاع ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ﴾ أي تضايقتم وتشددتم، وعسر الاتفاق بين الزوجين، فأبى الزوج أن يدفع أن يدفع لها ما تطلب، وأبت الزوجة أن ترضعه بأنقص من ذلك الأجر ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى﴾ أي فليستأجر لولده مرضعةً غيرها وهو خيرٌ بمعنى الأمر أي فليسترضعْ لولده مرضعةً أُخرى قال أبو حيان: وفيه عتابٌ للأم لطيف كما تقول لمن تطلب منه حاجة فيتوانى عنها: سيقضيها غيرك، تريد أنها لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم قال الضحاك: إِن أبت الأم أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإِن لم يقبل أُجبرت أمه على الرضاع بالأجر ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ هذا بيانٌ لقدر الإِنفاق والمعنى: لينفقْ الزوج على زوجته وعلى ولده الصغير، على قدر وسعة وطاقته، قال في التسهيل: وهو أمرٌ بأن ينفق كل واحد على مقدار حاله، فلا يكلف الزوج ما لا يطيق، ولا تُضيَّع الزوجة بل يكون الحال معتدلًا، وفي الآية دليلٌ على أن النفقة تختلف باختلاف أحوال الناس يسرًا وعسرًا ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي ومن ضُيّق عليه رزقه فكان دون الكفاية ﴿فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ الله﴾ أي فلينفق على مقدار طاقته، وعلى قدر ما آتاه الله من المال ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ مَآ آتَاهَا﴾ أي لا يكلف الله أحدًا إِلا قدر طاقته واستطاعته، فلا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني قال أبو السعود: وفيه تطييبٌ لقلب المعسر، وترغيبٌ له في بذل مجهوده، وقد أكد ذلك الوعد بقوله ﴿سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ أي سيجعل الله بعد الضيق الغنى، وبعد الشدة السعة والرخاء، وفيه بشارة للفقراء بفتح أبواب الرزق عليهم.

. ثم حذَّر تعالى من عصيانه وتعدي حدوده، وضرب الأمثال بالأمم السابقة فقال ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾ أي وكثير من أهل قرية من الأمم السالفة ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ أي طغت وتمردت على أوامر الله وأوامر رسله ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ أي فجازيناها على عصيانها وطغيانها بأنواع العذاب الأليم، من الجوع والقحط وعذاب الاستئصال ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا﴾ أي عذابًا منكرًا عظيمًا يفوق التصور ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي فذاقت عاقبة كفرها وطغيانها وتمردها على أوامر الله ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ أي وكانت نتيجة بغيها الهلاك والدمار، والخسران الذي ما بعده خسران. . ولّما ذكر ما حلَّ بالأمم الطاغية، أمر المؤمنين بتقوى الله، تحذيرًا من عقابه لئلا يصيبهم ما أصاب أولئك المجرمين فقال ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي هيأ الله لهم في الآخرة عذاب جهنم الشديد المؤبد ﴿فاتقوا الله ياأولي الألباب﴾ أي فخافوا الله واحذروا بطشه وانتقامه يا أصحاب العقول السليمة ﴿الذين آمَنُواْ﴾ أي أنت يا معشر المؤمنين الذي صدقتم بالله ورسوله ﴿قَدْ أَنزَلَ الله﴾

378

﴿إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ أي قد أنزل الله إِليكم وحيًا يتلى وهو القرآنُ الحكيم ﴿رَّسُولًا يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي وأرسل إِليكم رسولًا وهو محمد ﷺ َ يقرأ عليكم آياتِ الله، واضحات جليات، تبيِّن الحلال والحرام وما تحتاجون إِليه من الأحكام قال في البحر: والظاهر أن الذكر هو القرآن، وأن الرسول هو محمد ﷺ َ ﴿لِّيُخْرِجَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ أي ليخرج المؤمنين المتقين، من الضلالة إِلى الهدى، ومن ظلمة الكفر والجهل إِلى نور الإِيمان والعلم ﴿وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾ أي ومن يُصدق بالله ويعمل بطاعته ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي يدخله في الآخرة جنات النعيم، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ أي ماكثين في تلك الجنات جنان الخلق أبدًا لا يخرجون منها ولا يموتون ﴿قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقًا﴾ أي قد طيَّب الله رزقهم في الجنة ووسَّعه لهم، لأن نعيمها دائم لا ينقطع قال الطبري: أي وسَّع لهم في الجنات الرزق، وهو ما رزقهم من المطاعم والمشارب وسائر ما أعدَّ لأوليائه فيها فطيَّبه لهم، وفي الآية معنى التعجب والتعظيم لما رزق الله المؤمن من الثواب.

. ثم أشار تعالى إِلى آثار قدرته، وعظيم سلطانه وجلاله فقال ﴿الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سماوات وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ﴾ أي اللهُ العظيم الكبير هو الذي خلق بقدرته سبع سمواتٍ طباقًا، ومن الأرض كذلك خلق سبع أرضين بعضها فوق بعض بدون فتوق بخلاف السموات ﴿يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ﴾ أي يتنزل وحيُ الله ويجري أمره وقضاؤه بين السموات والأرضين ﴿لتعلموا أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي لتعلموا أن من قدر على خلق ذلك قادر على كل شيءٍ ﴿وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي ولتعلموا أنه تعالى عالم بكل شيء، لا تخفى عليه خافية.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الطباق ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ وكذلك ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ .

2 - الإِظهار في موضع الإِضمار للتهويل ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله﴾ .

3 - الالتفات لمزيد الاهتما ﴿لاَ تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ ورد بطريق الخطاب والأصل أن يكون بطريق الغائب «لا يدري» .

4 - إيجاز الحذف ﴿واللائي لَمْ يَحِضْنَ﴾ حذف منه الخبر أي فعدتهن ثلاثة أشهر أيضًا.

379

5 - تكرار الوعيد للتفظيع والترهيب ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ الآية.

6 - المجاز المرسل ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾ يراد بها أهل القرية من باب تسمية الحال باسم المحل.

7 - الاستعارة اللطيفة ﴿لِّيُخْرِجَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ استعار الظلمات للضلال والكفر، واستعار النور للهدى والإيمان، وهو من روائع البيان، وجلال تعبير القرآن.

8 - السجع المرصَّع كأنه الدر والياقوت مثل ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرًا. . يجعل له من أمره يُسرًا. . ويُعظم له أجرًا. . وكان عاقبةُ أمرهها خُسرًا﴾ الخ وهو من المحسنات البديعية.

380

التحريم

اللغَة: ﴿تَحِلَّةَ﴾ تحليل اليمين بالكفارة ﴿صَغَتْ﴾ مالت عن الحقِّ وزاغت، وأصغى الإِناء أماله ﴿قَانِتَاتٍ﴾ مطيعات من القنوت وهو ملازمة الطاعة مع الخضوع ﴿نَّصُوحًا﴾ خالصة صادقة، والتوبةُ النَّصوح هي التي لا عودة بعدها إِلى الذنب، سميت نصوحًا لما فيها من الصدق والإِخلاص يقال: هذا عسلٌ ناصح إِذا خلص من الشمع ﴿اغلظ﴾ من الغلظة وهي الشدة ﴿أَحْصَنَتْ﴾ عفَّت وصانت نفسها عن مقارنة الفاحشة.

سَبَبُ النّزول: أروي «أنَّ النبي ﷺ َ كان يقسم بين نسائه، فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله ﷺ َ في زيارة أبويها فأذن لها، فلما خرجت أرسل إِلى جاريته» مارية القبطية «فعاشرها في بيت حفصة، فرجعت فوججتها في بيتها، فغارت غيرةً شديدة، وقالت: أدخلتها بيتي في

382

غيابي وعاشرتها على فراشي؟ ﴿ما أراك فعلت هذا إِلا لهواني عليك﴾ فقال لها رسول الله ﷺ َ مسترضيًا لها: إِني حرمتها عليَّ ولا تخبري بذلك أحدًا، فلما خرج من عندها قرعت فحصة الجدار الذي بينها وبين عائشة وكانتا متصافيتين وأخبرتها بسرِّ النبي ﷺ َ فغضب رسول الله وحلفت ألا يدخل على نسائه شهرًا واعتزلهن» فأنزل الله ﴿ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ. .﴾ الآية.

ب وروي «أن رسول الله ﷺ َ كان يدخل على زوجه» زينب « رضي الله عنها فيشرب عندها عسلًا، فاتفقت عائشة وحفصة على أن تقول له كل واحد إِذا دنا منها: أكلتَ معافير وهو طعام حلٌ كريه الريح فلما مرَّ على حفصة قالت له ذلك، ثم دخل على عائشة فقالت له مثل ذلك وكان ﷺ َ يكره أن توجد منه رائحة كريهة فقال عليه السلام: لا ولكني شربت عسلًا عند زينب ولن أعود له وحلف» فنزلت ﴿ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ. .﴾ الآيات.

التفسِير: ﴿ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ الخطاب بلفظ النبوة مشعرٌ بالتوقير والتعظيم، والتنويه بمقامه الرفيع الشريف، فلم يخاطبه باسمه العلم كما خاطب سائر الرسل بقوله «يا إِبراهيم، يا نوحٌ، يا عيسى بن مريم» وإنما خاطبه بلفظ النبوة أو الرسالة، وذلك أعظم دليلٍ وبرهانٍ على أنه صلوات الله عليه أفضل الأنبياء والمرسلين ومعنى الآية: يا أيها الموحى إِليه من السماء، المنبأ بواسطة الأمين جبريل عليه السلام، لما تمنع نفسك ما أحلَّ الله لك من النساء؟! قال المفسرون: إِن رسول الله ﷺ َ خلا بأم ولده «مارية» في بيت حفصة وعلمت بذلك فقال لها: اكتمي عليَّ وقد حرمت مارية على نفسي فنزلت الآية ﴿ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ وفي افتتاح العتاب من حسن التلطف ما لا يخفى، فقد عاتبه على إِتعاب نفسه والتضييق عليها من أجل مرضاة أزواجه، كأنه يقول: لا تتعب نفسك في سبيل أزواجك، وأزواجك يسعين في مرضاتك، فأرح نفسك من هذا العناء ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾؟ أي تطلب رضا أزواجك بتحريم ما أحلَّ الله لك؟

383

قال في التسهيل: يعني تحريمه للجارية ابتغاء رضا حفصة، وهذا يدل على أنها نزلت في تحريم الجارية، وأما تحريم العسل فلم يقصد فيه رضا أزواجه وإنما تركه لرائحته ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي والله واسع المغفرة، عظيم الرحمة، حيث سامحك في امتناعك عن مارية، وإِنما عاتبك رحمة بك، وفي هذه إشارة إِلى أن عتابه في ذلك إِنما كان كرامةً له، وإِنما وقع العتاب لتضييقه عليه السلام على نفسه، وامتناعه مما كان له فيه أُنسٌ ومتعة، وبئس ما قاله الزمخشري في أن هذا كان منه ﷺ َ زلة لأنه حرَّم ما أحل الله له الخ فإِن هذا القول قلة أدب مع مقام النبوة، وجهل بصفات المعصوم، فلم يكن منه صلوات الله عليه تحريمٌ للحلال كما زعم حتى تعبتر مخالفة ومعصية، وإِنما امتنع عن بعض إِمائه تطييبًا لخاطر بعض أزواجه، فعاتبه الله تعالى عليه رفقًا به، وتنويهًا بقدره، وإِجلالًا لمنصبه عليه السلام أن يراعي مرضاة أزواجه بما يشق عليه، جريًا على ما أُلف من لطف الله تعالى به ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي قد شرع الله لكم يا معشر المؤمنين ما تتحللون به من أيمانكم وذلك بالكفارة ﴿والله مَوْلاَكُمْ﴾ أي واللهُ وليْكم ونارصكم ﴿وَهُوَ العليم الحكيم﴾ أي وهو العليم بخلقه الحكيم في صنعه، فلا يأمر ولا ينهى إِلا بما تقتضيه الحكمة والمصلحة.

. ثم شرع تعالى في بيان القصة التي حدثت لرسول الله ﷺ َ مع بعض زوجاته فقال ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ أي واذكر حين أسرَّ النبي محمد ﷺ َ إِلى زوجاته حفصة خبرًا واستكتمها إِياه قال ابن عباس: هو ما أسرَّ إِلى حفصة من تحريم الجارية على نفسه، كما أخبرها بأن الخلافة بعده تكون في أبي بكر وعمر، وطلب منها ألا تخبر بذلك أحدًا ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أي فلما أخبرت بذلك السرِّ عائشة وأفشته لها ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ أي وأطلع الله نبيه بواسطة جبريل الامين على إفشائها للسرِّ ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ أي أعلمها وأخبرها رسول الله ﷺ َ ببعض الحديث الذي أفشته معاتبًا لها، ولم يخبرها بجميع ما حصل منها حياءً منه وكرمًا، فإِن من عادة الفضلات التغافل عن الزلات، والتقصير في اللوم والعتاب قال الحسن: ما استقصى كريمٌ قط، وقال سفيان: ما زال التغافل من شيم الكرام قال الخازن: المعنى أن النبي ﷺ َ أخبر حفصة ببعض ما أخبرت به عائشة وهو تحريم مارية على نفسه، وأعرض عن ذكر الخلافة لأنه ﷺ َ كره أن ينتشر ذلك في الناس ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ أي فلما أخبر الرسول حفصة بأنها قد أفشت سرِّه ﴿قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ أي قالت: من أخبرك يا رسول الله بأني أفيشتُ سرك؟ قال أبو حيان: ظنت حفصة أن عائشة فضحتها وكانتك قد استكتمتها فقالت من أنبأك هذا على سبيل التثبيت، فأخبرها أن الله جل وعلا هو الذي نبأه به فسكتت وسلَّمت ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ العليم الخبير﴾ أي فقال عليه السلام: أخبرني بذلك ربُّ العزة، العليم بسرائر

384

العباد، الخبير الذي لا تخفى عليه خافية ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى الله﴾ الخطاب لحفصة وعائشة، خاطبهما بطريق الالتفات ليكون أبلغ من معاتبتهما وحملهما على التوبة مما بدر منهما من الإِيذاء لسيد الأنبياء، وجوابه محذوف تقديره أي إِن تبتما كان خيرًا لكما من التعاون على النبي ﷺ َ بالإِيذاء ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي فقد زاغت ومالت قلوبكما عما يجب عليكما من الإِخلاص لرسول الله، بحب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ أي وإِن تتعاونا على النبي ﷺ َ بما يسوءه، من الوقيعة بينه وبين سائر نسائه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ﴾ أي فإنَّ الله تعالى هو وليُّه وناصره، فلا يضره ذلك التظاهر منكما ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وجبريل كذلك وليه وناصره، والصالحون من المؤمنين قال ابن عباس: أراد بصالح المؤمنين أبا بكر وعمر فقد كانا عونًا له عليه الصلاة والسلام ُ عليهما قال في التسهيل: معنى الآية: إِن تعاونتما عليه ﷺ َ بما يسوءه من إِفراط الغيرة، وإِفشاء سره ونحو ذلك، فإِنَّ له من ينصره ويتولاه، وقد ورد في الصحيح أنه لما وقع ذلك جاء عمر إِلى رسول الله ﷺ َ فقال يا رسول الله: ما يشقُّ عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهنَّ فإنَّ الله معك وملائكته وجبريل، وأبو بكر وعمر معك فنزلت الآية موافقة لقول عمر ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ أي والملائكة الأبرار بعد حضرة الله، وجبريل، وصالح المؤمنين أعوانٌ لرسول الله ﷺ َ على من عاداه، فماذا يفيد تظاهر أمرأتين على من هؤلاء أعوانه وأنصارهُ؟! أفرد ﴿جِبْرِيلُ﴾ بالذكر تعظيمًا له، وإِظهارًا لمكانته عند الله تعالى فيكون قد ذُكر مرتين: مرةً بالإِفراد، ومرةً في العموم، ووسَّط ﴿صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بين جبريل والملائكة تشريفًا لهم، واعتناءً بهم، وإِشادةً بفضل الصلاح، وختم الآية بذكر ﴿الْمَلاَئِكَةُ﴾ أعظم المخلوقات وجعلهم ظهراء للنبي عليه السلام ليكون أفخم بالنبي صلوات الله عليه، وعظم مكانته، والانتصار له، إِذ هم بمثابة جيشٍ جرارس، يملأ القفار، نصرةً للنبي المختار، فمن ذا الذي يستطيع أن يناوىء الرسول ﷺ َ بعد ذلك؟ ثم خوَّف تعالى نساء النبي بقوله ﴿عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ قال المفسرون: ﴿عسى﴾ من الله واجبٌ أي حقٌّ واجب على الله إِن طلقكنَّ رسوله ﴿أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ أي أن يعطيه عليه السلام بدلكُنَّ زوجاتٍ صالحاتٍ خيرًا وأفضل منكنَّ قال القرطبي: هذا وعدٌ من الله تعالى لرسوله لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه نساءً خيرًا منهن، والله عاملٌ بأنه لا يطلقهن، ولكنْ أخبر عن قدرته، على أن رسوله لو طلقهن، لأبدله خيرًا منهن، تخويفًا لهنَّ.

. ثم وصف تعالى هؤلاء الزوجات اللواتي سيبدله بهنَّ فقال ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ أي خاضعات مستسلماتٍ لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾ أي مصدقاتٍ بالله وبرسوله ﴿قَانِتَاتٍ﴾ أي مطيعات لما يُؤمرن به، مواظباتٍ على الطاعة ﴿تَائِبَاتٍ﴾ أي تائباتٍ من الذنوب، ولا يصررن على معصية ﴿عَابِدَاتٍ﴾ أي متعدباتٍ لله تعالى يكثرن العبادة، كأنَّ العدباة امتزجت بقلوبهن حتى صارت

385

سجيةً لهن ﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي مسافراتٍ مهاجراتٍ إِلى الله ورسوله ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ أيم منهنَّ ثيباتٍ، ومنهم أبكارًا قال ابن كثير: قسمهن إِلى نوعين ليكون ذلك أشهى إِلى النفس، فإنَّ التنوع يبسط النفس، وإِنما دخلت واو العطف على هنا ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ للتنويع والتقسيم، ولو سقطت لاختل المعنى، لأن الثيوبة والبكارة لا يجتمعان، فتدبر سرَّ القرآن. . ولما وعظ نساء الرسول موعظةً خاصة، أتبع ذلك بموعظةٍ للمؤمنين فقال ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ أي يا من صدقتم بالله ورسوله وأسلمتم وجوهكم لله، احفظوا أنفسكم، وصونوا أزواجكم وأولادكم، من نارٍ حامية مستعرة، وذلك بترك المعاصي وفعل الطاعات، وبتأديبهم وتعليمهم قال مجاهد: أي اتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله وق لالخازن: أي مروهم بالخير، وانهوهم عن الشر، وعلموهم وأدبوهم حتى تقوهم بذلك من النار، والمراد بالأهل النساءُ والأولاد وما ألحق بهما ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ أي حطبها الذي تُسعَّر به نار جهنم هو الخلائق والحجارة قال المفسرون: أرد بالحجارة حجارة الكبريت، لأنها أشد الأشياء حرًا، وأسرع اتِّقادًا، وعنى بذلك أنها مفرطة الحرارة، تتقد بما ذكر، لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه قال ابن مسعود: حطبها الذي يلقى فيها بنو آدم، وحجارةٌ من كبريت، أنتن من الجيفة ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ﴾ أي على هذه النار زبانيةٌ غلاظ القلوب، لا يرحمون أحدًا، مكلفون بتعذيب الكفار قال القرطبي: المراد بالملائكة الزبانية، وهم غلاظ القولب لا يرحمون إِذا استرحموا، لأنهم خلقوا من الغضب، وحُبّب إِليهم عذاب الخلق كما حُبب لبني آدم أكل الطعام والشراب ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ﴾ أي لا يعصون أمر الله بحالٍ من الأحوال ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي وينفِّذون الأوامر بدون إِمهال ولا تأخير.

. ثم يقال للكفار عند دخولهم النار ﴿ياأيها الذين كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ اليوم﴾ أي لا تعتذروا عن ذنوبكم وإِجرامكم، فلا ينفعكم اليوم الاعتذار، لأنه قد قُدّم إِليكم الإِنذار والإِعذار ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي إِنما تنالون جزاء أعمالكم القبيحة، ولا تظلمون شيئًا كقوله تعالى ﴿اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ اليوم إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ [غافر: 17] ثم دعا المؤمنين إِلى التوبة الصادقة الناصحة فقال ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ أي توبوا إِلى الله من ذنوبكم توبةً صادقةً خالصة، بالغةً في النصح الغاية القصوى، سئل عمر عن التوبة النصوح فقال: هي أن يتوب ثم لا يعود إِلى الذنب، كما لا يعود اللبن إِلى الضَّرْع قال العلماء: التوبة النصوح هي التي جمعت ثلاثة شروط: الإِقلاع عن الذنب، والندم على ما حدث، والعزم على عدم العودة إِليه، وإِن كان الحق

386

لآدمي زيد شرط رابع وهو: ردٌّ المظالم لأصحابها ﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي لعل الله يرحمكم فيمحو عنكم ذنوبكم قال المفسرون: «عسى» من الله واجبة بمنزلة التحقيق، وهذا إِطماعٌ من الله لعباده في قبول التوبة، تفضلًا منه وتكرمًا، لأن العظيم إِذا وعد وَفَّى، وعادة الملوك أنهم إِذا أرادوا فعلا قالوا «عسى» فهو بمنزلة المحقق ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي ويدخلكم في الآخرة حدائق وبساتين ناضرة، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي والذين آمَنُواْ مَعَهُ﴾ أي يوم لا يفصح الله النبي وأتباعه المؤمنين أمام الكفار، بل يعزهم ويكرمهم قال أبو السعود: وفيه تعريضٌ بمن أخزاهم اللهُ تعالى من أهل الكفار والفسوق ﴿نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ أي نور هؤلاء المؤمنين يضيء لهم على الصراط، ويسطع أمامهم وخلفهم وعن أيمانهم وشمائلهم، كإِضاءة القمر في سواد الليل ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ أي يدعون الله قائلين: يا ربنا أكمل علينا هذا النور وأدمه لنا، ولا تتركنا نتخبط في الظلمات قال ابن عباس: هذا دعاء المؤمنين حين أطفأ الله نور المنافقين، يدعون ربهم به إِشفاقًا حتى يصلوا إِلى الجنة ﴿واغفر لَنَآ﴾ أي وامح عنا ما فرط من الذنوب ﴿إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي إنك أنت القادر على كل شيء، من المغفرة والعقاب، والرحمة والعذاب. . ثم أمر تعالى بجهاد أعداء الله من الكفرة والمنافقين فقال ﴿ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ أي جاهد الكفار بالسيف والسِّنان، والمنافقين بالحجة والبرهان، لأن المنافقين يظهرون الإِيمان، فيهم مسلمون ظاهرًا فلذلك لم يؤمر عليه الصلاة والسلام ُ بقتالهم ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ أي وشدِّد عليهم في الخطاب، ولا تعاملهم بالرأفة واللين، إِرعابًا وإِذلالًا لهم، لتنكسر صلابتهم وتلين شكيمتهم ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي ومستقرهم في الآخرة جهنم ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي وبئست جهنم مستقرًا ومصيرًا للمجرمين.

. ثم ضرب الله تعالى مثلًا للكفار في عدم انتفاعهم بصلة القرابة أو المصاهرة أو النكاح، لأن الأسباب لكها تنقطع يوم القيامة ولا ينفع إِلا العمل الصالح فقال ﴿ضَرَبَ الله مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأت نُوحٍ وامرأت لُوطٍ﴾ أي مثلَّل تعالى للكفار في عدم استفادتهم بقرابة المؤمنين، بحال امرأة نوحٍ وامرأة لوط ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ أي كانتا في عصمة نبيين عظيمين هما «نوح و» لوط « عليهما السلام، وإِنما وصفهما بالعبودية تشريفًا وتكريمًا لهما بإِضافتهما إِليه تعالى ﴿فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ الله شَيْئًا﴾ أي فخانت كل واحدة زوجها بالكفر وعدم الإِيمان، فلم يدفعا عن امرأتيهما

387

مع نبوتهما شيئًا من عذاب الله ﴿وَقِيلَ ادخلا النار مَعَ الداخلين﴾ أي وتقول لهما خزنة النار يوم القيامة: ادخلا نار جهنم مع سائر الداخلين، من الكفرة المجرمين قال القرطبي: ضرب تعالى هذا المثل تنبيهًا على أنه لا يغني في الآخرة أحدٌ عن قريبٍ ولا نسيب، إِذا فرَّق بينهما الدين، كما لم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما لما عصتا شيئًا من عذاب الله ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امرأت فِرْعَوْنَ﴾ وهذا مثلٌ آخر للمؤمن في عدم تضرره ببقاء قريبه على الكفر إِذا كان هو مؤمنًا قال أبو السعود: أي جعل حالها مثلًا لحال المؤمنين في أن وصلة الكفر لا تضرهم، حيث كانت في الدنيا تحت أعدى أعداء الله» فرعون «وهي في أعلى غرف الجنة قال المفسرون: واسمها» آسية بنت مزاحم «آمنت بموسى عليه السلام، فبلغ ذلك فرعون فأمر بقلتها، فنجَّاها الله من شره، فلم يضر امرأة فرعون اتصالها به وهو من أكفر الكافرين، ولم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما وهما رسولا ربِّ العالمين ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الجنة﴾ أي حين دعت ربها قائلةً: يا ربِّ اجعل لي قصرًا مشيدًا بجوار رحمتك في جنة النعيم قال بعض العلماء: ما أحسن هذا الكلام فقد اختارت الجار قبل الدار حيث قالت ﴿ابن لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الجنة﴾ فهي تطمع في جوار الله قبل طمعها في القصور، وفي الآية دليل على إِيمانها وتصديقها بالبعث ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ أي وأنقذني من كفر فرعون وطغيانه ﴿وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ أي وأنقذني من الأقباط، أتباع فرعون الطاغين، قال الحسن: لما دعت بالنجاة نجَّاها الله تعالى أكرم نجاة، فرفعها إِلى الجنة تأكل وتشرب وتتنعم ﴿وَمَرْيَمَ ابنت عِمْرَانَ﴾ أي ومريم ابنة عمران مثلٌ آخر في الإِيمان ﴿التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي حفظت فرجها وصانته عن مقارنة الفواحش، فهي عفيفةٌ شريفة طاهرة، لا كما زعم اليهود عليهم لعنة الله، أنها زنت وأن ولدها عيسى ابن زنى ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ أي فنفخ رسولنا جبريل في فتحة جيبها، فوصل أثر ذلك إِلى فرجها فحملت بعيسى قال ابن كثير: إن الله بعث جبريل فتمثل لها في صورة بشر، وأمره أن ينفخ بفيه في جيب درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها فكان منه الحمل بعيسى عليه السلام ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ أي وآمنت بشرائع الله القدسية، وكتبه السماوية ﴿وَكَانَتْ مِنَ القانتين﴾ أي وكانت من القوم المطيعين، العابدين لله عز وجل، وهو ثناءٌ عليها بكثرة العبادة والطاعة، والخشوع، وفي الحديث

«كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إِلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بن خوليد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» .

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الطباق بين حرَّم وأحلَّ ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ﴾ وبين ﴿عَرَّفَ. . وَأَعْرَضَ﴾ وبين ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ وكلها من المسحنات البديعية التي تزيد في جمال الكلام.

388

2 - الإلتفات من الغيبة إِلى الخطاب ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى الله﴾ زيادةً في اللوم والعتاب.

3 - صيغ المبالغة ﴿العليم الخبير﴾ ﴿نَّصُوحًا﴾ ﴿ظَهِيرٌ﴾ ﴿قَدِيرٌ﴾ الخ.

4 - ذكر العام بعد الخاص ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ﴾ فقد خصَّ جبريل بالذكر تشريفًا، ثم ذكره ثانية مع العموم اعتناءً بشأن الرسول ﷺ َ ووسَّط صالح المؤمنين بين الملائكة المقربين.

5 - المجاز المرسل ﴿قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ ذكر المسبِّب وأراد السبب أي لازموا على الطاعة لتقوا أنفسكم وأهليكم من عذاب الله.

6 - المقابلة بين مصير أهل الإِيمان ومصير أهل الطغيان ﴿ضَرَبَ الله مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ و﴿ضَرَبَ الله مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ .

7 - التغليب ﴿وَكَانَتْ مِنَ القانتين﴾ غلَّب الذكور على الإِناث.

8 - السجع المرصَّع كأنه اللؤلؤ والمرجان، وهو كثير في القرآن فتدبره بإِمعان.

389