صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 410 - 424

الحاقة

الحاقة

اللغَة: ﴿الحاقة﴾ القايمة سيمت حاقة لأنها حقٌّ مقطوع بوقوعها ﴿صَرْصَرٍ﴾ شديدة الصوت والبرد ﴿حُسُومًا﴾ متتابعة لا تنقطع من الحسم وهو القطع قال الشاعر:

«فدارت عليهم فكانت حُسومًا» ... ﴿رَّابِيَةً﴾ زائدة في الشِّدة والعذاب ﴿وَاهِيَةٌ﴾ ساقطة القوة، ضعيفة متراخية من قولهم: وهي البناء اذا ضعف وتداعى للسقوط ﴿هَآؤُمُ﴾ اسم فعل أمر بمعنى خذوا ﴿قُطُوفُهَا﴾ جمع قطف وهو ما

410

يجتنى من الثمر ويقطف ﴿غِسْلِينٍ﴾ صديد أهل النار قال الكلبي: هو ما يسيل من أهل النار من القيح والصديد والدم إذا عذبوا فهو ﴿غِسْلِينٍ﴾ فعلين من الغسل ﴿الوتين﴾ عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه ويسمى الأبهر وفي الحديث «ما زالت أكلةُ خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري» ﴿حَسْرَةٌ﴾ ندامة عظيمة.

التفسير: ﴿الحاقة﴾ اسم للقيامة سميت بذلك لتحقق وقوعها، فهي حقٌ قاطع، وأمر واقع، لا شك فيه ولا جدال ﴿مَا الحآقة﴾؟ التكرار لتفخيم شأنها، وتعظيم أمرها، وكان الأصل أن يقال: ما هي؟ ولكنه وضع الظاهر موضع الضمير زيادة في التعظيم والتهويل ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة﴾؟ وما أعلمك يا محمد ما هي القيامة؟ إنك لا تعلمها إذ لم تعاينها، ولم تر ما فيها من الأهوال، فإِنها من العظم والشدة بحيث لا يحيط بها وصف ولا خيال، وهذا على طريقة العرب فإنهم إِذا أرادوا تشويق المخاطب لأمرٍ أتوا بصغية الاستفهام يقولن: أتدري ماذا حدث؟ والآية من هذا القبيل زيادة في التعظيم والتهويل كأنه قال: إِنها شيء مريع وخطب فظيع. . ثم بعد أن عظَّم أمرها وفخَم شأنها، ذكر من كذَّب بها وما حلَّ بهم بسبب التكذيب، تذكيرًا لكفار مكة وتخويفًا لهم فقال ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة﴾ أي كذب قوم صالح، وقوم هود بالقيامة، التي تقرع القلوب بأهوالها ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية﴾ أي فأمَّا ثمود قوم صالح فأُهلكوا بالصيحة المدمرة، التي جاوزت الحدَّ في الشدة قال قتادة: هي الصيحة التي خرجت عن حدِّ كل صيحة ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أي وأما قوم هود فأُهلكوا بالريح العاصفة ذات الصوت الشديد وهي الدَّبور وفي الحديث «نصرتُ بالصبا، وأُهلكت عادٌ بالدَّبور» ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أي متجاوزة الحدَّ في الهبوب والبرودة، كأنها عتت على خزانها فلم يتمكنوا من ضبطها، قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إِلا بمكيال، ولا أنزل قطرة قطُّ إِلا بمكيال، إِلا يوم نوحِ ويوم عاد، فإِن الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه سبيل ثم قرأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي سلطها الله عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام متتابعة لا تفتر ولا تنقطع ﴿فَتَرَى القوم فِيهَا صرعى﴾ أي فترى أيها المخاطب القوم في منازلهم موتى، لا حراك بهم ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ أي كأنهم أصول نخلٍ متآكلة الأجواف قال المفسرون: كانت الريح تقطع رؤوسهم كما تقطع رءوس النخل، وتدخلْ من أفواههم وتخرج من أدبارهم حتى تصرعهم، فيصبحوا كالنخلة الخاوية الجوف {}

411

﴿فَهَلْ ترى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾؟ أي فهل ترى أحدًا من بقاياهم؟ أو تجد لهم أثرًا؟ لقد هلكوا عن آخرهم كقوله تعالى ﴿فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ﴾ أي وجاء فرعون الجبار، ومن تقدَّمه من الأمم الطاغية التي كفرت برسلها ﴿والمؤتفكات﴾ أي والأمم الذين انقلبت بهم ديارهم قرى قوم لوط حيث جعل الله عاليها سافلها قال الصاوي: ﴿المؤتفكات﴾ أي المنقلبات وهي قرى قوم لوط، التي اقتلعها جبريل ورفعها على جناحه قرب السماء ثم قلبها، وكانت خمس قرى ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أي بالفعلة الخائطة المنكرة، وهي الكفر والعصيان ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أي فعصى فرعون رسول الله موسى، وعصى قوم لوطٍ رسولهم لوطًا ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ أي فأخذهم الله أخذةً زائدةً في الشدة، على عقوبات من سبقهم، كما أن جرائمهم زادت في القبح والشناعة على سائر الكفار ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ أي لما تجاوز الماء حدَّه حتى علا كل شيء وارتفع فوقه حملناكم في السفينة ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ أي لنجعل تلك الحادثة عظةً للناس وعبرة، تدل على انتقام الله ممن كذَّب رسله ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أي وتحفظها وتذكرها أذن واعية للمواعظ، تنتفع بما تسمع قال القرطبي: والمقصود من قصص هذه الأمم وذكر ما حلَّ بهم من العذاب، زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول ﷺ َ، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال قتادة: الواعية هي التي عقلت عن الله وانتفعت بما سمعت من كتاب الله عز وجل.

. ولما ذكر قصص المكذبين، أتبعه بذكر أهوال القايمة وشدائدها فقال ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ أي فإِذا نفخ إِسرافيل في الصور نفخةً واحدة لخراب العالم قال ابن عباس: هي النفخة الأولى التي يحصل عنها خراب الدنيا ﴿وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ أي ورفعت الأرض والجبال عن أماكنها، فضرب بعضها ببعضٍ حتى تندق وتتفتَّت وتصير كثيبًا مهيلًا ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة﴾ أي ففي ذلك الحين قامت القيامة الكبرى، وحدثت الداهية العظمى ﴿وانشقت السمآء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ أي وانصدعت السماء فهي يومئذٍ ضعيفة مسترخية، ليس فيها تماسك ولا صلابة ﴿والملك على أَرْجَآئِهَآ﴾ أي والملائكة على أطرافها وجوانبها قال المفسرون: وذلك لأن السماء مسكن الملائكة، فاذا انقشت المساء وقفوا على أطرافها فزعًا مما داخلهم من هو ذلك اليوم، ومن عظمة ذي الجلال، الكبير المتعال ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أي ويحمل عرض الرحمن ثمانية من الملائكة العظام فوق رءوسهم وقال ابن عباس: ثمانية صفوفٍ من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ أي في ذلك اليوم الرهيب، تعرضون على ملك الملوك ذي الجلال للحساب والجزاء، لا يخفى عليه منكم أحدٌ، ولا يغيب عنه سرٌّ من أسراركم، لأنه العالم بالظواهر والسرائر والضمائر.

. ثم بيَّن تعالى حال السعداء

412

والأشقياء في ذلك اليوم فقال ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أي فأما من أُعطي كتاب أعماله بيمينه لأنه من السعداء ﴿فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ﴾ أي فيقول ابتهاجًا وسرورًا: خذوا اقرءوا ك تابي، والهاء في ﴿كِتَابيَهْ﴾ هاء السكت وكذلك في ﴿حِسَابِيَهْ﴾ و﴿مَالِيَهْ﴾ و﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ قال الرازي: ويدل قوله ﴿هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ﴾ على أنه بلغ الغاية في السرور، لأنه لما أُعطي كتابه بيمينه، علم أنه من الناجين ومن الفائزين بالنعيم، فأحب أن يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا بما ناله ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ أي إِني أيقنت وتحققت بأني سألقى حسابي وجزائي يوم القيامة، فأعددت له العدة من الإِيمان، والعمل الصالح قال الحسن: إِن المؤمن أحسن الظنَّ بربه فأحسن العمل، وإِنَّ المنافق أساء الظن بربه فأساء العمل وقال الضحاك: كل ظنٍ في القرآن من المؤمن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك. . قال تعالى مبينًا جزاءه ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ أي فهو في عيشة هنيئة مرضية، يرضى بها صاحبها، لما ورد في الصحيح «أنهم يعيشون فلا يموتون أبدًا، ويصحون فلا يمرضون أبدًا، وينعمون فلا يرون بؤسًا أبدًا» ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أي في جنةٍ رفيعة القدر، وقصور عالية شاهقة ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ أي ثمارها قريبة، يتناولها القائم، والقاعد، والمضطجع قال في التسهيل: القطوف جمع قطف وهو ما يجتنى من الثمار ويقطف كالنعقود، روي أن العبد يأخذها بفمه من شجرها وهو قائم أو قاعد أو مضطجع ﴿كُلُواْ واشربوا هَنِيئًَا﴾ أي يقال لهم تفضلًا وإِنعامًا: كلوا واشربوا أكلًا وشربًا هنيئًا، بعيدًا عن كل أذى، سالمًا من كل مكروه ﴿بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأيام الخالية﴾ أي بسبب ما قدمتم من الأعمال الصالحة في الأيام الماضية يعني أيام الدنيا. . ولما ذكر حال السعداء أعقبه بذكر حال الأشقياء فقال ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ أي وأما من مأعطي كتابه بشماله وهذه علامة الشقاوة والخسران ﴿فَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ أي فيقول اذا رأى قبائح أعماله: يا ليتني لم أعط كتابي قال المفسرون: وذلك لما يحصل له من الخجل والافتضاح فيتمنى عندئذٍ أنه لم يعط كتاب أعماله، ويندم أشد الندم ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ أي ولم أعرف عظم حسابي وشدته، والاستفهام للتعظيم والتهويل ﴿ياليتها كَانَتِ القاضية﴾ أي يا ليت الموتة الأولى التي متُّها في الدنيا، كانت القاطعة لحياتي، فلم أبعث بعدها ولم أُعذب قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن شيء عنده أكره من الموت، لأنه رأى تلك الحالة أشنع وأمرَّ ممَّا ذاقه من الموت ﴿مَآ أغنى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ أي ما نفعني مالي الذي جمعته ولا دفع عني من عذاب الله شيئًا ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي زال عني ملكي وسلطاني، ونسبي وجاهي، فلا معين لي ولا مجير، ولا صديق ولا نصير ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ أي يقول تعالى لزبانية جهنم: خذوا هذا المجرم الأثيم فشدوه بالأغلال قال القرطبي: فيبتدره مائة ألف ملك، ثم تجمع يده الى عنقه، فذلك قوله تعالى: ﴿فَغُلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ﴾ أي ثم أدخلوه النار العظيمة المتأججة، ليصلى حرَّها ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ أي ثم أدخلوه في سلسلةٍ حديدية طولها سبعون ذراعًا قال ابن عباس: بذراع الملك، تدخل السلسلة من دبره، وتخرج من حلقه، ثم يجمع بين ناصيته

413

وقدميه والسلسلة هي حلق منتظمة، كل حلقة منها في حلقة، يلف بها حتى لا يستطيع حراكًا.

. لمّا بيَّن العذاب الشديد بيَّن سببه فقال ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالله العظيم﴾ أي كان لا يصدق بوحدانية الله وعظمته قال في البحر: بدأ بأقوى أسباب تعذيبه وهو كفره بالله، وهو تعليلٌ مستأنف كأن قائلًا قال: لم يعذِّب هذا العذاب البليغ؟ فأجيب إِنه كان لا يؤمن بالله ﴿وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين﴾ أي ولا يحُثُّ نفسه ولا غيره على إِطعام المسكين قال المفسرون: ذكر الحضَّ دون الفعل للتنبيه على أن تارك الحض بهذه المنزلة، فكيف بتارك الإِحسان والصدقة؟ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليوم هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ أي فليس له في الآخرة صديق يدفع عنه العذاب، لأن الأصدقاء يتحاشونه، ويفرُّون منه ﴿وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ أي وليس له طعام إِلا صديد أهل النار، الذي يسيل من جراحاتهم ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ أي لا يأكله إِلا الآثمون المجرمون المرتكبون للخطايا والآثام قال المفسرون: ﴿الخاطئون﴾ جمع خاطىء وهو الذي يعتمد الذنب، والمخطىء الذي يفعل الشيء خطاأ دون قصد، ولهذا قال ﴿الخاطئون﴾ ولم يقل المخطئون. . ولما ذكر أحوال السعداء من أهل الجنة، ثم أحوال الأشقياء من أهل النار، ختم الكلام بتعظيم القرآن فقال ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ﴾ أي فأقسم بالمشاهدات والمغيبات، أُقسم بما ترونه وما لا ترونه، مما هو واقعٌ تحت الأبصار، وما غاب وخفي عن الأنظار، و﴿لا﴾ في قوله ﴿فَلاَ أُقْسِمُ﴾ لتأكيد القسم وليست نافية قال الإِمام الفخر: والآية تدل على العموم والشمول، لأنها لا تخرج عن قسمين: مبصرٍ وغير مبصر، فشملت الخالق والخلق، والدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإِنس والجن، والنعم الظاهرة والباطنة قال قتادة: هو عام في جميع مخلوقاته جلاَّ وعلا، وقال عطاء: ما تبصرون من آثار القدرة، وما لا تبصرون من أسرار القدرة ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أي إن هذا القرآن لكلام الرحمن، يتلوه ويقرأه رسولٌ كريم، هو محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم قال القرطبي: والرسول ههنا محمد ﷺ َ ونسب القول إِليه لأنه تاليه ومبلغه عن الله تعالى ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ أي وليس القرآن كلام شاعر كما تزعمون، لأنه مباين لأوزان الشعر كلها، فليس شعرًا ولا نثرًا ﴿قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ أي قلَّما تؤمنون بهذا القرآن قال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله، بمعنى لا يؤمنون به أصلًا، والعرب تقول: قلَّما يأتينا يريدون لا يأتينا ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ أي وليس هو بقول كاهنٍ يدعي معرفة الغيب، لأن القرآن يغاير بأسلوبه سجع الكهان ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ أي قلَّما تتذكرون وتتعظون ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾ أي هو تنزيلٌ من ربِّ العزة جل وعلا كقوله تعالى

﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين﴾

414

﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 192195] والغرض من الآية تبرئة الرسول ﷺ َ مما نسبه إِليه المشركون من دعوى السحر والكهانة، ثم أكَّد ذلك بأعظم برهان على أن القرآن من عند الله فقال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل﴾ أي لو اختلق محمد الأقوال، ونسب إِلينا ما لم نقله ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين﴾ أي لانتقمنا منه بقوتنا وقدرتنا ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ أي ثم لقطعنا نياط قلبه حتى يموت قال القرطبي: والويتنُ عرق يتعلق به القلب، إِذا انقطع مات صاحبه والغرض أنه تعالى يعاجله بالعقوبة ولا يمهله، لو نسب إِلى الله شيئًا ولو قليلًا، فإِن تسمية الأقوال بالأقاويل للتصغير والتحقير ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أي فما يقدر أحد منكم أن يحجز بيننا وبينه، لو أردنا حينئذٍ عقوبته، ولا أن يدفع عنه عذابنا قال الخازن: المعنى إِن محمدًا لا يتكلم الكذب علينا لأجلكم، مع علمه أنه لو تكلم لعاقبناه، ولا يقدر أحدٌ على دفع عقوبتنا عنه ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي وإِن هذا القرآن لعظةٌ للمؤمنين والمتقين الذين يخشون الله، وخصَّ المتقين بالذكر لأنهم المنتفعون به ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾ أي ونحن نعلم أن منكم من يكذب بهذا القرآن مع وضوح آياته، ويزعم أنه أساطير الأولين، وفي الآية وعيدٌ لمن كذب بالقرآن ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الكافرين﴾ أي وإِنه لحسرة عليهم في الآخرة، لأنهم يتأسفون إِذا رأوا ثواب من آمن به ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليقين﴾ أي وإِنه لحقٌ يقينيٌ لا يحوم حوله ريب، ولا يشك عاقل أنه كلام رب العالمين ﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ أي فنزَّه ربك العظيم عن السوء والنقائص، واشكره على ما أعطاك من النعم العظيمة، التي من أعظمها نعمة القرآن.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من الفصاحة والبيان نوجزها فيما يلي:

1 - الإِطناب بتكرار الاسم للتهويل والتعظيم ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ الخ.

2 - التفصيل بعد الإِجمال زيادة في البيان ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة﴾ ثم فصله بقوله ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية وَأَمَا عَادٌ﴾ الآية وفيه لفٌ ونشر مرتب.

3 - التشبيه المرسل المجمل ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ذكرت الأداة وحذف وجه الشبه.

4 - الاستعارة اللطيفة الفائقة ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء﴾ الطغيان من صفات الإِنسان، فشبه ارتفاع الماء وكثرته، بطغيان الإِنسان على الإِنسان بطريق الاستعارة.

5 - جناس الاشتقاق مثل ﴿وَقَعَتِ الواقعة﴾ ومثل ﴿لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ .

6 - المقابلة البديعة ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ﴾ قابلها بقوله ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ. .﴾ الخ وهي من المحسنات البديعية.

415

7 - طباق السلب ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ﴾ .

8 - الكناية ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين﴾ لفظ اليمين كناية عن القوة والقدرة.

9 - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ ومثل ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ ويسمى في علم البديع السجع والمرصَّع والله أعلم.

تنبيه: روى الحفاظ ابن كثير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: خرجت أتعرض رسول الله ﷺ َ قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني الى المسجد فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال فقلت في نفسي: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ فقلت: كاهن، فقرأ ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ الخ السورة، قال: فوقع في قلبي الإِسلام كل موقع، حتى هداني الله تعالى له.

416

المعارج

اللغَة: ﴿المعارج﴾ المصاعد والمدارج التي يرتقي بها الإِنسان جمع معرج وهو المصعد، والعروج الارتفاع إِلى السماء ومنه معراج النبي ﷺ َ ﴿المهل﴾ النحاس المذاب ﴿العهن﴾ الصوف المنفوش ﴿فَصِيلَتِهِ﴾ الفصيلة: العشيرة الذي فصل عنهم وتولد منهم ﴿لظى﴾ اسم لجهنم سميت بذلك لأن نيرانها تتلظى أي تلتهب ﴿الشوى﴾ جمع شواة وهي جلدة الرأس قال الأعشى:

418

قالت قتيلة ماله ... قد جللت شيبًا شواته؟

﴿هَلُوعًا﴾ كثير الجزع والضجر، قال أبو عبيدة: الهلوع هو الذي اذا مسَّه الخير لم يشكر، وإِذا مسَّه الضر لم يصبر ﴿عِزِينَ﴾ جماعات متفرقين جمع عزة وهي الجماعة المتفرقة قال الشاعر:

فجاءوا يَهْرعون إِليه حتى ... يكونوا حول منبره عزينا

﴿يُوفِضُونَ﴾ يسرعون يقال: أوفض البعير اذا أسرع السير.

سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس أن النضر بن الحارث قال حين خوَّفهم رسول الله ﷺ َ من عذاب الله ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: 32] فأنزل الله ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ .

التفسِيْر: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ أي دعا داعٍ من كفار مكة لنفسه ولقومه عذاب واقع لا محالة قال المفسرون: السائل هو «النضر بن الحارث» من صناديد قريش وطواغيتها، لمَّا خوفهم رسول الله عذاب الله قال ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32] فأهلكه الله يوم بدر، ومات شرب ميتة، ونزلت الآية بذمه ﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي دعا بهذا العذاب على الكفارين ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ أي لا رادَّ له إِذا أراد الله وقوعه، وهو نازل به لا محالة، سواءً طلبوه أو لم يطلبوه، وإِذا نزل العذاب فلن يرفع أو يُدفع ﴿مِّنَ الله ذِي المعارج﴾ أي هو صادر من الله العظيم الجليل، صاحب المصاعد التي تصعد بها الملائكة، وتنزل بأمره ووحيه، ثم فصَّل ذلك بقوله ﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ﴾ أي تصعد الملائكة الأبرار وجبريل الأمين الذي خصه الله بالوحي الى الله عز وجل ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أي في يومٍ طوله خمسون ألف سنة من سني الدنيا قال ابن عباس: هو يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة ثم يدخلون النار للاستقرار قال المفسرون: الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في سورة السجدة ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: 5] أن القايمة مواقف ومواطن، فيها خمسون موطنًا كل موطن ألف سنة، وأن هذه المدة الطويلة تخف على المؤمن حتى تكون أخفَّ عليه من صلاة مكتوبة ﴿فاصبر صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أي فاصبر يا محمد على استهزاء قومك وأذاهم ولا تضجر، فإِن الله ناصرك عليهم، وهذا تسليةٌ له عليه الصلاة والسلام ُ، لأن استعجال العذاب إِنما كان على وجه الاستهزاء برسول الله ﷺ َ فأمره الله بالصبر قال القرطبي:: والصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه، ولا شكوى لغير الله ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أي إن هؤلاء المستهزئين يستبعدون العذاب ويعتقدون أنه

419

غير نازل، لإِنكارهم للبعث والحساب ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ أي ونحن نراه قريبًا لأن كل ما هو آتٍ قريب.

. ثم أخبر تعالى عن هول العذاب وشدته وعن أهوال يوم القيامة فقال ﴿يَوْمَ تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ أي تكون السماء سائلة غير متماسكة، كالرصاص المذاب قال ابن عباس: كدردي الزيت أي كعكر الزيت ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن﴾ أي وتكون الجبال متناثرة متطايرة، كالصوف المنفوش إِذا طيَّرته الريح قال القرطبي: العهن الصوف الأحمر أو ذو الألوان، شبَّه الجبال به في تلونها ألوانًا، وأول ما تتغير الجبال تصير رملًا مهيلًا، ثم عهنًا منفوشًا، ثم هباءً منثورًا. . هذه حال السماء والأرض في ذلك اليوم المفزع، أما حال الخلائق فهي كما قال تعالى ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أي لا يسأل صديق صديقه، ولا قريب قريبه عن شأنه، لشغل كل إِنسانٍ بنفسه، وذلك لشدة ما يحيط بهم من الهول والفزع ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي يرونهم ويعرفونهم، حتى يرى الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته، فلا يسأله ولا يكلمه بل يفر منه كقوله تعالى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 3437] قال ابن عباس: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي يعرف بعضهم بعضًا ويتعارفون بينهم، ثم يفرُّ بعضهم من بعض ﴿يَوَدُّ المجرم لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ أي يتمنى الكافر مرتكب جريمة الجحود والتكذيب لو يفدي نفسه من عذاب الله، بأعز من كان عليه في الدنيا من ابنٍ، وزوجةٍ، وأخٍ ﴿وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ﴾ أي وعشيرته التي كانت تضمه إِليها، ويتكل في نوائبه عليها، وليس هذا فحسب بل يتمنى لو يفتدي بجميع أهل الأرض ﴿وَمَن فِي الأرض جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ أي وبجميع من في الأرض من البشر وغيرهم ثم ينجو من عذاب الله، ولكن هيهات أن ينجو المجرم من العذاب، أو ينقذه ذلك من شدة الكرب، وفادح الخطب، قال الإِمام الفخر: ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الإِنجاء يعني يتمنى لو كان هؤلاء جميعًا تحت يده، وبذلهم في فداء نفسه ثم ينجيه ذلك، وهيهات أن ينجيه ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لظى﴾ ﴿كَلاَّ﴾ أداة زجر وتعنيف أي لينزجر هذا الكافر الأثيم وليرتدع عن هذه الأماني، فليس ينجيه من عذاب الله فداء، بل أمامه جهنم، تتلظَّى نيرانها وتلتهب ﴿نَزَّاعَةً للشوى﴾ أي تنزعٍ بشدة حرها جلدة الرأس من الإِنسان كلما قلعت عادت كما كانت زيادة في التنكيل والعذاب، وخصَّها بالذكر لأنها أشد الجسم حساسيةً وتأثيرًا بالنار ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ أي تنادي جهنم وتهتف بمن كذب بالرحمن، وأعرض عن الإِيمان، قال بان عباس: تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح تقول: إِليَّ يا كافر، إِليَّ يا منافق، ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب ﴿وَجَمَعَ فأوعى﴾ أي وتدعو من جمع المال وخبأه وكنزه في الخزائن والصناديق، ولم يؤد منه حقَّ الله وحق المساكين قال المفسرون: والآية وعيدٌ شديد لمن يبخل بالمال، ويحرص على جمعه، فلا ينفقه في سبيل الخير، ولا يخرج منه حقك الله

420

حقَّ المسكين، وقد كان الحسن البصري يقول: يا ابن آدم سمعتَ وعيدَ الله ثم أوعيت الدنيا جمعتها من حلالٍ وحرام!! ثم أخبر تعالى عن طبيعة الإِنسان، وما جبل عليه من الحرص الشديد على جمع حطام الدنيا فقال ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا﴾ أي إِن الإِنسان جبل على الضجر، لا يصبر على بلاء، ولا يشكر على نعماء قال المفسرون: الهلع: شدة الحرص وقلة الصبر، يقال: جاع فهلع، والمراد بالإِنسان العموم بدليل الاستثناء، والاستثناء معيار العموم، ثم فسَّره تعالى بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعًا﴾ أي إِذا نزل به مكروه من فقر، أو مرضٍ، أو خوف، كان مبالغًا في الجزع مكثرًا منه، واستولى عليه اليأس والقنوط ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعًا﴾ أي وإِذا أصابه خيرٌ من غنى، وصحة وسعة رزق كان مبالغًا في المنع والإِمساك، فهو إِذا أصابه الفقر لم يصبر، وإِذا أغناه الله لم ينفق قال ابن كيسان: خلق الله الإِنسان يحب ما يسره، ويهرب مما يكرهه، ثم تعبَّده بإِنفاق ما يحب والصبر على ما يكره ﴿إِلاَّ المصلين﴾ استثناهم من أفراد البشر الموصوفين بالهلع، لأن صلاتهم تحملهم على قلة الاكتراث بالدنيا، فلا يجزعون من شرها ولا يبخلون بخيرها ﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ أي مواظبون على أداء الصلاة، لا يشغلهم عنها شاغل، لأن نفوسهم صفت من أكدار الحياة، بتعرضهم لنفحات الله ﴿والذين في أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ أي في أموالهم نصيبٌ معيَّن فرضه الله عليهم وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ أي للفقير الذي يسأل وتكيفف الناس، والمحروم الذي يتعفف عن السؤال، فيُظن أنه غنيٌ فيحرم كقوله تعالى

﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ [البقرة: 273] ﴿والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين﴾ أي يؤمنون بيوم الحساب والجزاء، ويصدِّقون بمجيئه تصديقًا جازمًا لا يشوبه شك أو ارتياب، فيستعدون له بالأعمال الصالحة ﴿والذين هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ أي خائفون على أنفسهم من عذا بالله، يرجون الثواب ويخافون العقاب ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ أي لأن عذاب الله لا ينبغي أن يأمنه، إِنسان، إِلاَّ من آمنَّه الرحمن والأمور بخواتيمها. . إِنَّ هؤلاء المصدقين المشفقين قلَّما تزدهيهم الدنيا، أو يبطرهم نعيمها، أو يجزعون على ما فاتهم من حطامها، فسواءٌ عليهم أخسروا حظوظ الدنيا أم غنموا، إِذ أن لديهم من الكفر في جلال ربهم، وذكر معادهم، ما يشغلهم عن الجزع إِذا مسَّهم الشر، ويربأ بهم عن المنع إِذا مسهم الخير، ثم ذكر تعالى الفريق الخامس من الموفقين للخيرات وفعل الطاعات فقال ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ أي أعفاء لا يرتكبون المحارم، ولا يتلوثون بالمآثم، قد صانوا أنفسهم عن الزنى والفواحش ﴿إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أي يقتصرون على ما أحلَّ الله لهم من الزوجات المنكوحات، والرقيقات المملوكات ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أي فإِنهم غير مؤاخذين لأن وضع الشهوة فيما أباح الله من الزوجات والمملوكات، حلالٌ يؤجر عليه الإِنسان، لما فيه من تكثير النسل والذرية ﴿فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ فأولئك هُمُ العادون﴾ أي فمن طلب لقضاء شهوته غير الزوجات والمملوكات، فقد تعدَّى حدود الله وعرَّض نفسه لعذاب الله قال الطبري: من التمس لفرجه منكحًا سوى زوجته أو ملك يمينه، ففاعلوا ذلك هم العادون، الذين تعدوا حدود ما أحل الله لهم، إِلى ما

421

حرَّمه عليهم، فهم الملومون ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أي يؤدون الأمانات، ويحفظون العهود، فإِذا ائتمنوا لم يخونوا، وإِذا عاهدوا لم يغدروا ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾ أي يشهدون بالحق على القريب والبعيد، ولا يكتمون الشهادة ولا يغيرونها، بل يؤدونها على وجهها الكامل، بحيث تصان بها حقوق الناس ومصالحه، وخصَّها بالذكر مع اندراجها في الأمانات، تنبيهًا على فضلها لأن في إِقامتها إِحياء للحقوق، وفي تركها تضييع للحقوق ﴿وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ هذا هو الوصف الثامن من أوصاف المؤمنين الذين وفقهم الله إِلى تطهير نفوسهم من خلق الهلع المذموم أي يراعون شرائط الصلاة ويلتزمون آدابها، ولا سيما الخشوع والتدبر ومراقبة الله فيها، وإِلاَّ كانت حركات صورية لا يجني البعد ثمرتها، فإِن فائدة الصلاة أن تكف عن المحارم

﴿إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ [العنكبوت: 45] ولما كانت الصلاة عمود الإِسلام بولغ في التوكيد فيها، فذكرت في أول الخصال الحميدة وفي آخرها، ليعلم مرتبتها في الأركان التي بني عليها الإِسلام، قال القرطبي: ذكر تعالى من أوصافهم في البدء ﴿الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ ثم قال في الختم ﴿وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ والدوام غير المحافظة، فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها، لا يخلون بها ولا يشتغلون عها بشيءٍ من الشواغل، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إِسباغ الوضوء لها ومواقيتها، ويقيموا أركانها، ويكملوها بسننها وآدابها، ويحفوظها من الإِحباط باقتراف المآثم، فالدوام يرجع الى نفس الصلوات، والمحافظة ترجع الى أحوانها، وبعد أن ذكر تعالى أوصاف المؤمنين المتقين، ذكر مآلهم وعاقبتهم فقال ﴿أولئك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ أي أولئك المتصفون بتلك الأوصاف الجليلة، والمناقب الرفيعمة، مستقرون في جنات النعيم، التي أكرمهم الله فيها بأنواع الكرامات، مع الإِنعام والتكريم بأنواع الملاذ والمشتهيات، لا تصافهم بمكارم الأخلاق ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾؟ أي ما لهؤلاء الكفرة المجرمين، مسرعين نحوك يا محمد، ما دين أعناقهم إِليك، م مقبلين بأبصارهم عليك؟ قال المفسرون: كان المشركون يجتمعون حول النبي ﷺ َ حلقًا حلقًا، يسمعون كلامه ويستهزئون به وبأصحابه، ويقولون: إِن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محد فلندخلنها قبلهم فنزلت الآية ﴿عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال عِزِينَ﴾ أي جالسين عن يمينك وعن شمالك فرقًا فرقًا، وجماعات جماعاتٍ يتحدثون ويتعجبون؟ قال أبو عبيدة: عزين أي جماعات جماعات في تفرقة ومنه «مالي أراكم عزين؟ ألا تصفون كما تصفُّ الملائكة عند ربها» ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ استفهام إِنكاري مع التقريع والتوبيخ أي أيطمع كل واحد من هؤلاء الكفار، أن يدخله الله جنات النعيم، وقد كذب خاتم

422

المرسلين؟ ﴿كَلاَّ﴾ ردع وزجر أي ليس الأمر كما يطمعون، فإِنهم لا يدخلونها أبدًا ثم قال ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي خلقناهم من الأشياء المستقذرة، من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، فمن أين يتشرفون بدخول جنات النعيم قبل المؤمنين، وليس لهم فضل يستوجبون به دخول الجنة؟ وإِنما يستوجب دخول الجنة من أطاع الله قال القرطبي: كانوا يستهزئون بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم فقال تعالى ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي من القذر فلا يليق بهم هذا التكبر ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ المشارق والمغارب﴾ أي فأقسم برب مشارق الشمر والقمر والكواكب ومغاربها ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ على أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ أي قادرون على إهلاكهم، واستدالهم بقومٍ أفضل منهم وأطوع لله ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي ولسنا بعاجزين عن ذلك ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ﴾ أي اتركهم يا محمد يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم، واشتغل أنت بما أُمرت به، وهو أمرٌ على جهة الوعيد والتهديد للمشركين ﴿حتى يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ﴾ أي حتى يلاقوا ذلك اليوم العصيب الرهيب، الذي لا ينفعهم فيه توبة ولا ندم ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعًا﴾ ويخرجون من القبور إِلى أرض المحشر مسرعين ﴿كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي كأنهم يسعون ويستبقون إِلى أصنامهم التي نصبوها ليعبدوها، شبَّه حالة إِسراعهم إِلى موقف الحساب، بحالة إسراعهم وتسابقهم في الدنيا، الى آلهتهم وطواغيتهم، وفي هذا التشبيه تهكم بهم، وتعريض بسخافة عقولهم، إِذ عبدوا ما لا يستحق العبادة، وتركوا عبادة الواحد الأحد ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ أي خاضعة منكسرة أبصارهم إِلى الأرض لا يرفعونها خجلًا من الله ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي يغشاهم الذل والهوان من كل مكان، وعلى وجوههم آثار الذلة والانكسار ﴿ذَلِكَ اليوم الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ أي هذا هو اليوم الذي وعدوا به في الدنيا وكانوا يهزءون ويكذبون، فاليوم يرون عقابهم وجزائهم!!

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الطباق بين ﴿بَعِيدًا.﴾

﴿. قَرِيبًا﴾ وبين ﴿اليمين. . والشمال﴾ وبين ﴿المشارق والمغارب﴾ .

2 - جناس الاشتقاق ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ وكذلك ﴿تَعْرُجُ المعارج﴾ .

3 - ذكر الخاص بعد العام تنبيهًا لفضله وتشريفًا له ﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح﴾ الورح هو جبريل.

4 - التشبيه المرسل المجمل ﴿يَوْمَ تَكُونُ السمآء كالمهل وَتَكُونُ الجبال كالعهن﴾ لحذف وجه الشبه.

5 - ذكر العام بعد الخاص ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ. . وَمَن فِي الأرض جَمِيعًا﴾ جاء بالعموم بعد الخصوص لبيان هو الموقف.

6 - المقابلة اللطيفة ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعًا﴾ قابله بقوله ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعًا﴾ .

7 - الاستفهام الإِنكاري للتقريع والتوبيخ ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾؟

8 -

423

الكناية الفائقة الرائقة ﴿كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ كناية عن المني القذر، مع النزاهة التامة في التعبير، وحسن الإِيقاظ والتذكير، بألطف عبارة وأبلغ إِشارة.

9 - التشبيه المرسل المجمل ﴿كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ وفي تشبيههم بذلك تهكم بهم، وتعريض بسخافة عقولهم، وتسجيل عليهم بالجهل المشين بالإِسراع في عبادة غير من يستحق العبادة،

10 - السجع المرصَّع كأنه الدر والياقوت مثل ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لظى نَزَّاعَةً للشوى تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ الخ.

تنبيه: نبَّه تعالى بقوله ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا﴾ الآيات إِلى طبائع البشر، فبيَّن أنَّ الإِنسان يتسرع إِلى مشتهاه، اتباعًا لهواه، وأنه مفرط في الهلع والجزع، فإِن مسه خير شحت به نفسه، وإِن نزل به شر اشتد له قلقه، ثم استنثى من ذلك الخلق الذميم أصنافًا من البشر، وهم الذين جمعوا مع الإِيمان صالح الأعمال.

424