صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 114 - 121

196

196

المنَاسَبَة: لّما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أحكام الصيام، أعقب ذلك بذكر أحكام الحج لأن شهوره تأتي مباشرة بعد شهر الصيام، وأمّا آيات القتال فقد ذكرت عَرضًا لبيان حكمٍ هام وهو بيان الأشهر الحرام والقتال فيها وفيما لو تعرّض المشركون للمؤمنين وهم في حالة الإِحرام هل يباح لهم ردُّ العدوان عن أنفسهم والقتال في الأشهر الحرم؟ فقد وردت الآيات السابقة تبيّن حكمة الأهلة وأنها مواقيت للصيام والحج ثم بيَّنت الآيات بعدها موقف المسلمين من القتال في الشهر الحرام وذلك حين أراد رسول الله ﷺ َ العمرة وصدّه المشركون ومنعوه من دخول مكة ووقع صلح الحديبية ثم لمّا أراد القضاء في العام القابل وخشي أصحابه غدر المشركين بهم وهم في حالة الإِحرام نزلة الآيات تبيّن أنه ليس لهم أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء بل على سبيل القصاص ودفع العدوان، ثم عاد الكلام إِلى أحكام الحج وحكم الإِحصار فيه فهذا هو الإِرتباط بين الآيات السابقة واللاحقة.

اللغَة: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ الإِحصار: معناه المنع والحبس يقال حَصرَه عن السفر وأحصره إِذا حبسه ومنعه قال الأزهري: حُصر الرجلُ في الحبس، وأُحصر في السفر من مرضٍ أو انقطاعٍ به ﴿الهدي﴾ هو ما يُهدى إِلى بيت الله من أنواع النعم كالإِبل والبقر والغنم وأقله شاة ﴿مَحِلَّهُ﴾ المحِلُّ: الموضع

114

الذي يحل به نحر الهَدْي وهو الحرام أو مكان الإِحصار للمحْصَر ﴿نُسُكٍ﴾ جمع نسيكة وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى ﴿جُنَاحٌ﴾ إِثم وأصله من الجنوح وهو الميل عن القصد ﴿أَفَضْتُم﴾ أي دفعتم وأصله من فاض الماء إِذا سال منصبًا ومعنى ﴿أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ أي دفعتم منها بقوة تشبيهًا بفيض الماء. ﴿خَلاَقٍ﴾ نصيب من رحمة الله تعالى ﴿تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون للحساب.

سبب النزول: أولًا: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون فإِذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله عز وجل ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى﴾ .

ثانيًا: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحُمْس وسائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء الإِسلام أمر الله تعالى نبيّه أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، وكانت قريش تفيض من جمع من المشعر الحرام فأنزل الله تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس﴾ .

التفسِير: ﴿وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة للَّهِ﴾ أي أدوهما تامين بأركانهما وشروطهما لوجه الله تعالى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استيسر مِنَ الهدي﴾ أي إذا منعتم عن إتمام الحج أو العمرة بمرضٍ أو عدوٍ وأردتم التحلل فعليكم أن تذبحوا ما تيسر من بدنة أو بقرةٍ أو شاة ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ﴾ أي لا تتحللوا من إحرامكم بالحلق أو التقصير حتى يصل الهدي المكان الذي يحل ذبحه فيه وهو الحرم أو مكان الإِحصار ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ أي فمن كان منكم معشر المحرمين مريضًا مرضًا يتضرر معه بالشعر فحلق، أو كان به أذى من رأسه كقملٍ وصداعٍ فحلق في الإِحرام، فعليه فدية وهي إما صيام ثلاثة أيام أو يتصدق بثلاثة آصع على ستة مساكين أو يذبح ذبيحة وأقلها شاة ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ﴾ أي كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإحصار آمنين ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج فَمَا استيسر مِنَ الهدي﴾ أي من اعتمر في أشهر الحج واستمتع بما يستمتع به غير المحرم من الطيب والنساء وغيرها، فعليه ما تيسّر من الهدي وهو شاة يذبحها شكرًا لله تعالى ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي من لم يجد ثمن الهدي فعليه صيام عشرة أيام، ثلاثة حين يحرم بالحج وسبعة إذا رجع إلى وطنه ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ أي عشرة أيام كاملة تجزئ عن الذبح، وثوابها كثوابه من غير نقصان ﴿ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام﴾ أي ذلك التمتع أو الهَدْي خاص بغير أهل الحرام، أما سكّان الحرم فليس لهم تمتع وليس عليهم هدي ﴿واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ أي خافوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه واعلموا أن عقابه شديد لمن خالف أمره.

ثم بيّن تعالى وقت الحج فقال: ﴿الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ أي وقت الحج هو تلك الأشهر المعروفة بين الناس وهي: شوال وذو القعدة وعشرٌ من ذي الحجة ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج﴾ أي من ألزم نفسه الحجَّ بالإحرام والتلبية ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج﴾ أي لا يقرب

115

النساء ولا يستمتع بهن فإنه مقبل على الله قاصد لرضاه، فعليه أن يترك الشهوات، وأن يترك المعاصي والجدال والخصام مع الرفقاء ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله﴾ أي وما تقدموا لأنفسكم من خير يجازيكم عليه الله خير الجزاء ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى﴾ أي تزودوا لآخرتكم بالتقوى فإنها خير زاد ﴿واتقون ياأولي الألباب﴾ أي خافون واتقوا عقابي يا ذوي العقول والأفهام ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي لا حرج ولا إثم عليكم في التجارة في أثناء الحج فإن التجارة الدنيوية لا تنافي العبادة الدينية، وقد كانوا يتأثمون من ذلك فنزلت الآية تبيح لهم الاتجار في أشهر الحج ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام﴾ أي إذا دفعتم من عرفات بعد الوقوف بها فاذكروا الله بالدعاء والتضرع والتكبير والتهليل عند المشعر الحرام بالمزدلفة ﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضآلين﴾ أي اذكروه ذكرًا حسنًا كما هداكم هداية حسنة، واشكروه على نعمة الهداية والإيمان فقد كنتم قبل هدايته لكم في عداد الضالين، الجاهلين بالإِيمان وشرائع الدين ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس﴾ أي ثمّ انزلوا من عرفة حيث ينزل الناس لا من المزدلفة، والخطاب لقريش حيث كانوا يترفعون على الناس أن يقفوا معهم وكانوا يقولون: نحن أهل الله وسُكّان حرمه فلا نخرج منه فيقفون في المزدلفة لأنها من الحرم ثم يفيضون منها وكانوا يسمون «الحُمْس» فأمر الله تعالى رسول الله ﷺ َ أن يأتي عرفة ثم يقف بها ثم يفيض منها ﴿واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي استغفروا الله عمّا سلف منكم من المعاصي فإن الله عظيم المغفرة واسع الرحمة ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ أي إذا فرغتم من أعمال الحج وانتهيتم منها فأكثروا ذكره وبالغوا في ذلك كما كنتم تذكرون آباءكم وتعدون مفاخرهم بل أشدّ، قال المفسرون: كانوا يقفون بمنى بين المسجد والجبل بعد قضاء المناسك فيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن أيامهم فأمروا أن يذكروا الله وحده ﴿فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ﴾ أي من الناس من تكون الدنيا همّه فيقول: اللهم اجعل عطائي ومنحتي في الدنيا خاصة وما له في الآخرة من حظ ولا نصيب ﴿وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً﴾ أي ومنهم من يطلب خيري الدنيا والآخرة وهو المؤمن العاقل، وقد جمعت هذه الدعوة كل خيرٍ وصرفت كل شر، فالحسنة في الدنيا تشمل الصحة والعافية، والدار الرحبة، والزوجة الحسنة، والرزقَ الواسع إلى غير ما هنالك والحسنة في الآخرة تشمل الأمن من الفزع الأكبر، وتيسير الحساب ودخول الجنة، والنظر إلى وجه الله الكريم الخ ﴿وَقِنَا عَذَابَ النار﴾ أي نجّنا من عذاب جهنم ﴿أولئك لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ والله سَرِيعُ الحساب﴾ أي هؤلاء الذين طلبوا سعادة الدارين لهم حظ وافر مما عملوا من الخيرات والله سريع الحساب يحاسب الخلائق بقدر لمحة بصر ﴿واذكروا الله في أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ أي كبروا الله في أعقاب الصلوات وعند رمي الجمرات في أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي من استعجل بالنفر من منى بعد تمام يومين فنفر فلا حرج عليه ﴿وَمَن تَأَخَّرَ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي ومن تأخر حتى رمى في اليوم الثالث - وهو النفر الثاني - فلا حرج عليه أيضًا ﴿لِمَنِ اتقى﴾ أي ما ذكر من الأحكام لمن أراد أن يتقي الله فيأتي بالحج على الوجه الأكمل ﴿واتقوا الله﴾

116

﴿واعلموآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي خافوا الله تعالى واعلموا أنكم مجموعون إليه للحساب فيجازيكم بأعمالكم.

البَلاَغَة: 1 - ﴿يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ﴾ كناية عن ذبحه في مكان الإحصار.

2 - ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾ فيه إيجاز بالحذف أي كان مريضًا فحلق أو به أذى من رأسه فحلق فعليه فدية.

3 - ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فيه التفات من الغائب إلى المخاطب وهو من المحسنات البديعية.

4 - ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فيه إجمال بعد التفصيل وهذا من باب «الإطناب» وفائدته زيادة التأكيد والمبالغة في المحافظة على صيامها وعدم التهاون بها أو تنقيص عددها.

5 - ﴿واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله﴾ إظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة.

6 - ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ﴾ صيغته نفيٌ وحقيقته نهيٌ أي لا يرفثْ ولا يفسقْ وهو أبلغ من النهي الصريح لأنه يفيد أن هذا الأمر ممّا لا ينبغي أن يقع أصلًا فإنَّ ما كان منكرًا مستقبحًا في نفسه ففي أشهر الحج يكون أقبح وأشنع ففي الإتيان بصيغة وإرادة النهي مبالغة واضحة.

7 - ﴿فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ﴾ فيه تشبيه تمثيلي يسمى (مرسلًا مجملًا) .

8 - المقابلة اللطيفة بين ﴿فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا﴾ وبين ﴿وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً ...﴾ الآية.

فائِدة: أصل النسك: العبادة، وسميت ذبيحة الأنعام نسكًا لأنها من أشرف العبادات التي يتقرب بها المؤمن إلى الله تعالى.

فائدة ثانية: زاد الدنيا يوصل إلى مراد النفس وشهواتها، وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم المقيم في الآخرة ولهذا ذكر تعالى زاد الآخرة وهو الزاد النافع وفي هذا المعنى يقول الأعشى:

إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى ... ولاقيتَ بعد الموت من قد تزودا

ندمت على ألا تكون كمثله ... وأنك لم تُرْصِدْ كما كان أرصدا

117

204

المناسبة: لّما ذكر تعالى في الآيات السابقة العبادات التي تًُطهرّ القلوب، وتزكّي النفوس كالصيام، والصدقة، والحج، وذكر أن في الناس من يطلب الدنيا ولا غاية له وراءها، ومنهم من تكون غايته نيل رضوان الله تبارك وتعالى، أعقبها بذكر نموذج عن الفريقين: فريق الضلالة الذي باع نفسه للشيطان، وفريق الهدى الذي باع نفسه للرحمن، ثم حذَّر تبارك وتعالى من اتباع خطوات الشيطان، وبيَّن لنا عداوته الشديدة.

اللغة: ﴿أَلَدُّ﴾ اللَّدَدُ: شدة الخصومة قال الطبري: الألدُّ: الشديد الخصومة وفي الحديث: «إنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلى الله الألدُّ الخَصِم» ﴿الحرث﴾: الزرع لأنه يزرع ثم يحرث ﴿النسل﴾ الذريّة والولد، وأصله الخروج بسرعة ومنه ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس: 51] وسمي نسلًا لأنه ينسل - يسقط - من بطن أمه بسرعة. ﴿العزة﴾ الأنفة والحميَّة. ﴿حَسْبُهُ﴾ حسب اسم فعل بمعنى كافيه. ﴿المهاد﴾: الفراش الممهَّد للنوم. ﴿يَشْرِي﴾: يبيع. ﴿ابتغآء﴾ طلب. ﴿السلم﴾ بكسر السين بمعنى الإسلام وبفتحها بمعنى الصلح، وأصله من الاستسلام وهو الخضوع والانقياد قال الشاعر:

دَعَوْتُ عشيرتي للسِّلْمِ حتى ... رأيْتهُم تَوَلَّوْا مُدْبرينا

﴿زَلَلْتُمْ﴾ الزّلل: الانحراف عن الطريق المستقيم وأصله في القدم ثم استعمل في الأمور المعنوية، ﴿ظُلَلٍ﴾ جمع ظلّة وهي ما يستر الشمس ويحجب أشعتها عن الرؤية.

سَبَبُ النّزول: 1 - روي أن الأخنس بن شريق أتى النبي ﷺ َ فأظهر له الإسلام وحلف أنه يحبه، وكان منافقًا حسن العلانية خبيث الباطن، ثم خرج من عند النبي ﷺ َ فمرَّ يزرع لقوم من المسلمين وحُمُر فأحرق الزرع وقتل الحُمُر فأنزل الله تعالى فيه الآيات ﴿وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ...﴾ الآية وإلى قوله: ﴿وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ...﴾ الآية.

2 - وروي أن صهيبًا الرومي لما أراد الهجرة إلى المدينة المنورة لحقه نفر من قريش من المشركين ليردوه فنزل عن راحلته ونثر ما في كنانته وأهذ قوسه ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم

118

أني من أرماكم رجلًا، وأيْمُ الله لا تصلون إليَّ حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم، قالوا: جئتنا صعلوكًا لا تملك شيئًا وأنت الآن قو مال كثير!! فقال: أرأيتم إن دللتكم على مالي تخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم، فدلّهم على ماله بمكة فلما قدم المدينة دخل على رسول الله ﷺ َ فقال له ﷺ َ: «رَبحَ البَيْعَ صُهَيْبٌ رَبحَ البَيْعَ صُهَيْبٌ» وأنزل الله عز وجل فيه ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابتغآء مَرْضَاتِ الله ...﴾ الآية.

التفسِير: ﴿وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ أي ومن الناس فريق يروقك كلامه يا محمد ويثير إِعجابَك بخلابة لسانه وقوة بيانه، ولكنه منافق كذّاب ﴿فِي الحياة الدنيا﴾ أي في هذه الحياة فقط أما الآخرة فالحاكم فيها علام الغيوب الذي يطّلع على القلوب والسرائر ﴿وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ﴾ أي يظهر لك الإِيمان ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الخصام﴾ أي شديد الصخومة يجادل بالباطل ويتظاهر بالدين والصلاح بكلامه المعسول ﴿وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا﴾ أي وإذا انصرف عنك عاث في الأرض فسادًا، وقد نزلت في الأخنس ولكنها عامة في كل منافق يقول بلسانه ما لي في قلبه [كقوله]:

يعطيك من طرف اللسان حلاوة ... ويروغ فيك كما يروغُ الثعلب

﴿وَيُهْلِكَ الحرث والنسل﴾ أي يهلك الزرع وما تناسل من الإِنسان، والحيوان ومعناه أن فساده عام يشمل الحاضر والباد، فالحرث محل نماء الزروع والثمار، والنسل وهو نتاج الحيوانات التي لا قوام للناس إلا بهما، فإفسادهما تدمير للإنسانية ﴿والله لاَ يُحِبُّ الفساد﴾ أي يبغض الفساد ولا يحب المفسدين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم﴾ أي إذا وُعظ هذا الفاجر وذكِّر وقيل له انزع عن قولك وفعلك القبيح، حملته الأنفة وحميَّةُ الجاهلية على الفعل بالإثم والتكبر عن قبول الحق، فأغرق في الإفساد وأمعن في العناد ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المهاد﴾ أي يكفيه أن تكون له جهنم فراشًا ومهادًا، وبئس هذا الفراش والمهاد ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابتغآء مَرْضَاتِ الله﴾ هذا هو النوع الثاني وهم الأخيار الأبرار، فبعد أن ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة أتبعه بذكر صفات المؤمنين الحميدة والمعنى ومن الناس فريق من أهل الخير والصلاح باع نفسه لله، طلبًا لمرضاته ورغبةً في ثوابه لا يتحرى بعمله إلا وجه الله ﴿والله رَؤُوفٌ بالعباد﴾ أي عظيم الرحمة بالعباد يضاعف الحسنات ويعفو عن السيئات ولا يعجل العقوبة لمن عصاه. . ثم أمر تعالى المؤمنين بالانقياد لحكمه والاستسلام لأمره والدخول في الإِسلام الذي لا يقبل الله دينًا سواه فقال: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ ادخلوا فِي السلم كَآفَّةً﴾ أي ادخلوا في الإِسلام بكليته في جميع أحكامه وشرائعه، فلا تأخذوا حكمًا وتتركوا حكمًا، لا تأخذوا بالصلاة وتمنعوا الزكاة مثلًا فالإسلام كل لا يتجزأ ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي لا تتبعوا طرق الشيطان وإغواءه فإنه عدوٌ لكم ظاهر العداوة ﴿فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ البينات﴾ أي إن انحرفتم عن الدخول في الإسلام من بعد مجيء الحجج الباهرة والبراهين القاطعة على أنه حق ﴿فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي اعلموا أن الله غالب لا يعجزه الانتقام ممن عصاه حكيم في خلقه وصنعه ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام والملائكة﴾ أي ما

119

ينتظرون شيئًا إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق حيث تنشق السماء وينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام وحملة العرش والملائكة الذين لا يعلم كثرتهم إلا الله ولهم زجل من التسبيح يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح ﴿وَقُضِيَ الأمر وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ أي انتهى أمر الخلائق بالفصل بينهم فريق في الجنة وفريق في السعير، وإلى الله وحده مرجع الناس جميعًا.

والمقصود تصوير عظمة يوم القيامة وهولها وشدتها وبيان أن الحاكم فيها هو ملك الملوك جل وعلا الذي لا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه وهو أحكم الحاكمين. . ثم قال تعالى مخاطبًا رسوله الكريم ﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ أي سلْ يا محمد بني إسرائيل - توبيخًا لهم وتقريعًا - كم شاهدوا مع موسى من معجزات باهرات وحجج قاطعات تدل على صدقه ومع ذلك كفروا ولم يؤمنوا ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ أي من يبدل نعم الله بالكفر والجحود بها فإِن عقاب الله له أليم وشديد ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا﴾ أي زينت لهم شهوات الدنيا ونعيمها حتى نسوا الآخرة وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهافتوا عليها وأعرضوا عن دار الخلود. ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ أي وهم مع ذلك يهزؤون ويسخرون بالمؤمنين يرمونهم بقلة العقل لتركهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة كقوله: ﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 29] قال تعالى ردًا عليهم: ﴿والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ أي والمؤمنون المتقون لله فوق أولئك الكافرين منزلةً ومكانة، فهم في أعلى علّيين وأولئك في أسفل سافلين، والمؤمنون في الآخرة في أوج العز والكرامة والكافرون في حضيض الذل والمهانة ﴿والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي والله يرزق أولياءه رزقًا واسعًا رغدًا، لا فناء له ولا انقطاع كقوله: ﴿يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: 40] أو يرزق في الدنيا من شاء من خلقه ويوسع على من شاء مؤمنًا كان أو كافرًا، برًا أو فاجرًا على حسب الحكمة والمشيئة دون أن يكون له محاسب سبحانه وتعالى.

البَلاَغَة: 1 - ﴿أَخَذَتْهُ العزة بالإثم﴾ ذكر لفظ الإثم بعد قوله العزة يسمى عند علماء البديع ب «التميم» لأنه ربما يتوهم أن المراد عزة الممدوح فذكر بالإِثم ليشير إلى أنها عزة مذمومة.

2 - ﴿وَلَبِئْسَ المهاد﴾ هذا من باب التهكم أي جعلت لهم جهنم غطاءً ووطاءً فأكرم بذلك كما تكرم الأم ولدها بالغطاء والوطاء اللّينين.

3 - ﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ استفهام إنكاري في معنى النفي بدليل مجيء إلاّ بعدها أي ما ينتظرون.

120

4 - ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾ التنكير للتهويل فهي في غاية الهول والمهابة لما لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها وقوله: ﴿وَقُضِيَ الأمر﴾ هو عطف على المضارع ﴿يَأْتِيَهُمُ الله﴾ وإنما عدل إلى صيغة الماضي دلالة على تحققه فكأنه قد كان.

5 - ﴿فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ إظهار الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة.

6 - ﴿زُيِّنَ ... وَيَسْخَرُونَ﴾ أورد التزيين بصيغة الماضي لكونه مفروغًا منه مركوزًا في طبيعتهم وعطف عليه بالفعل المضارع ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ للدلالة على استمرار السخرية منهم لأن صيغة المضارع تفيد الدوام والاستمرار.

تنبيه: قال ابن تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى في رسالته التدميرية: «وصفه تعالى نفسه بالإتيان في ظلل من الغمام كوصفه بالمجيء في آيات آخر ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه أو صحَّ عن رسوله ﷺ َ والقول في جميع ذلك من جنس واحد وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها، إنهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ َ من غير تحريفٍ ولا تعطيل ولا تكييفٍ ولا تمثيل، والقول في صفاته كالقول في ذاته والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فلو سأل سائل: كيف يجيء سبحانه؟ فليقل له: كما لا تعلم كيفية ذاته كذلك لا تعلم كيفية صفاته» .

121