صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 534 - 543

البلد

اللغَة: ﴿كَبَدٍ﴾ الكبدُ: الشدة والمشقة، وأصله من كبد الرجل كبدًا إِذا وجعته كبده ثم استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه المكابدة لمقاساة الشدائد ﴿اقتحم﴾ الاقتحامُ: الدخول بسرعة وشدة يقال: اقتحم الأمر، واقتحم الحصن إِذا رمى نفسه فيه بدون روية ﴿العقبة﴾ الطريق الوعر في الجبل ﴿فَكُّ﴾ الفكُّ تخليص الشيء من الشيء يقال: فككت الحبل، وفككت الأسير أي خلصته من الأسر ﴿مَسْغَبَةٍ﴾ مجاعة يقال: سغبَ الرجل إذا جاع وقال الراغب: هو الجوع مع التعب ﴿مَتْرَبَةٍ﴾ افتقار يقال: تربَ الرجل إِذا افتقر ولصق بالتراب، وأرتب إِذا استغنى وكذلك أثرى ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾ مبطقة من أوصد الباب إِذا أغلقه وأطقبه.

البلد

التفسِير: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ هذا قسمٌ، أقسم سبحانه بالبلد الحرام «مكة» التي شرَّفها الله تعالى بالبيت العتيق قبلة أهل الشرق والغرب وجعلها مهبط الرحماتن وإِليها تجبى ثمرات كل شيء، وجعلها حرمًا آمنًا، وجعل حرمتها منذ خلق السموات والأرض، فلما استجمعت تلك المزايا والفضائل أقسم الله تعالى بها قال في التسهيل: أراد بالبلد «مكة» باتفاق، وأقسم بها تشريفًا لها ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ أي وأنت يا محمد ساكنٌ ومقيم بمكة بلد الله الأمين قال البيضاوي أقسم بالبلد الحرام وقيَّده بحلوله عليه السلام فيه أي إقامته فيه إظهارًا لمزيد فضله، وإِشعارًا بأن شرف المكان بشرف أهله ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ أي وأُقسم بآدم وذريته الصالحين قال مجاهد: الوالد آدم عليه السلام ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ جميع ذريته قال ابن كثير: وما ذهب إِليه مجاهد وأصحابه حسنٌ قوي، لأنه تعالى لما أقسم بأُم القرى وهي المساكن، أقسم بعده بالساكن وهو «آدم» أبو البشر وولده وقال الخازن: أقسم الله تعالى بمكة لشرفها وحرمتها، وبآدم وبالآنبياء والصالحين من ذريته، لأن الكافر وإن كان من ذريته لا حرمة له حتى يقسم به ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ هذا هو المقسم عليه أي لقد خلقنا الإِنسان في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي أنواع الشدائد، من وقت نفخ الروح فيه إلى حين نزعها منه قال ابن عباس: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أي في مشقة وشدة، من حمله، وولادته، ورضاعه، وفطامه، ومعاشه، وحياته، وموته، وأصل الكبد: الشدة، وقيل: لم يخلق الله خلقًا يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق قال أبو السعود: والآية تسليةٌ لرسول الله ﷺ َ مما كان يكابده من كفار مكة. . ثم أخبر تعالى عن طبيعة الإِنسان الجاحد بقدرة الله، والمكذب للبعث والنشور فقال ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ أي أيظن هذا الشقي الفاجر، المغتر بقوته، أنَّ الله تعالى لا يقدر عليه لشدته وقوته؟ قال المفسرون: نزلت في «أبي الأشد بن كلدة» كان شديدًا مغترًا

534

بقوته، وكان يبسط له الأديم الجلد فيوضع تحت قدميه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعًا ولا تزلّ قدماه، ومعنى الآية: أيظن هذا القوي المارد، المستضعف للمؤمنين، أنه لن يقدر على الانتقام منه أحد؟ ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾ أي يقول هذا الكافر: أنفقت مالًا كثيرًا في عداوة محمد ﷺ َ قال الألوسي: أي يقول فخرًا ومباهاة على المؤمنين: أنفقت مالًا كثيرًا، وأراد بذلك ما أنفقه «رياءً وسمعةً» وعبر عن الإِنفاق بالإِهلاك، إظهارًا لعدم الاكتراث، وأنه لم يفعل ذلك رجاء نفع، فكأنه جعل المال الكثير ضائعًا، وقيل يقول ذلك إظهارًا لشدة عداوته لرسول الله ﷺ َ ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾؟ أي أيظن أنَّ الله تعالى لم يره حين كان ينفق، ويظن أن أعماله تخفى على رب العباد؟ ليس الأمر كما يظن، بل إن الله رقيب مطلعٌ عليه، سيسأله يوم القيامة ويجازيه عليه.

. ثم ذكَّره تعالى بنعمه عليه ليعتبر ويتعظ فقال ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ أي ألم نجعل له عينين يبصر بهما؟ ﴿وَلِسَانًا﴾ أي ولسانًا ينطق به فعيبر ما في ضميره؟ ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ أي وشفتين يطبقهما على فمه، ويستعين بهما على الأكل والشرب والنفخ وغير ذلكظ قال الخازن: يريد أن نعم الله على عبده متظاهرة، يقرره بها كي يشكره ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ أي وبينا له طريق الخير والشر، والهدى والضلال، ليسلك طريق السعادة، ويتجنب طريق الشقاوة قال ابن مسعود: ﴿النجدين﴾ الخير والشر كقوله تعالى ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإِنسان: 3] ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ أي فهلا أنفق ماله في اجتياز العقبة الكئود، بدل أن ينفقه في عداوة محمد ﷺ َ؟! قال في البحر: والعقبةُ استعارةٌ للعمل الشاق على النفس، من حيث فيه بذل المال، تشبيهًا لها بعقبة الجبل وهو ما صعب منه وقت الصعود، فإنه يلحقه مشقة في سلوكها، ومعنى اقتحامها دخلها بسرعة وشدة، وهو مثلٌ ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان، حتى ينال رضى الرحمن ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي وما أعلمك ما اقتحام العقبة؟ وفيه تعظيم لشأنها وتهويل. . ثم فسرها تعالى بقوله ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي هي عتق الرقبة في سبيل اله، وتخليص صاحبها من الأسر والرقِّ، فمن أعتق رقبة كانت له فداء من النار ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أي أو أن يطعم الفير في يوم عصيب ذي مجاعة، قال الصاوي وقيد الإِطعام بيوم المجاعة، لأن إِخراج المال فيه أشد على النفس ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ أي أطعم اليتيم الذي بينه وبينه قرابة ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ أو المسكين الفقير البائس الذي قد لصق بالتراب من فقره وضره، وهو كناية عن شدة الفقر والبؤس قال ابن عباس: هو المطروح على ظهر الطريق لا يقيه من التراب شيء ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ أي عمل هذه القربات لوجه الله تعالى، وكان مع ذلك مؤمنًا صادق الإِيمان قال المفسرون: وفي الآية إشارة أن هذه القُرَب والطاعات لا تنفع إِلا مع الإِيمان ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ أي وأوصى بعضهم بعضًا بالصبر على الإِيمان وطاعة الرحمن، وبالرحمة والشفقة على الضعفاء والمساكين ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾ أي هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات الجليلة، هم أصحاب الجنة الذين يأخذون كتبهم

535

بأيمانهم، ويسعدون بدخول جنات النعيم ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ قرن بين الأبرار والفجار على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب، لبيان المفارقة الهائلة بين أهل الجنة وأهل النار، وبين السعداء والأشرار أي والذين جحدوا نبوة محمد وكذبوا بالقرآن هم أهل الشمال أهل النار لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، وعبر عنهم بضمير الغائب إشارة إلى أنهم غائبون عن حضرة قدسه، وكرامة أُنسه ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ أي عليهم نارٌ مطبقة مغلقة، لا يدخل فيها روحٌ ولا ريحان، ولا يخرجون منها أبد الزمان.

. اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، ونجنا من ذلك يا رب.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:

1 - زيادة ﴿لاَ﴾ لتأكيد الكلام، وهو مستفيض في كلام العرب ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ أي أُقسم بهذا البلد، وفائدتها تأكيد القسم كقولك: لا والله ما ذاك كما تقول أي والله قال امرؤ القيس:

«لا وأبيك ابنة العامري» ... 2 جناس الاشتقاق ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ فكل من الوالد والولد مشتق من الولادة.

3 - الاستفهام الإِنكاري للتوبيخ ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾؟ ومثله ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾؟

4 - الاستفهام التقريري للتذكير بالنعم ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾؟

5 - الاستفهام للتهويل والتعظيم ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾؟ لأن الغرض تعظيم شأنها.

6 - الاستعارة اللطيفة ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ أي طريقي الخير والشر، وأصل النجد الطريق المرتفع، استعير كل منهما لسلوك طريق السعادة، وسلوك طريق الشقاوة.

7 - الاستعارة كذلك في قوله ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ لأن أصل العقبة الطريق الوعر في الجبل، واستعيرت هنا للأعمال الصالحة لأنها لا تصعب وتشق على النفوس، ففيه استعارة تبعية.

8 - الجناس الناقص بين ﴿مَقْرَبَةٍ﴾ و﴿مَتْرَبَةٍ﴾ لتغير بعض الحروف.

9 - المقابلة اللطيفة بين ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾ وبين ﴿هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ .

10 - مراعاة الفواصل ورءوس الآيات مثل ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد. . وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ ومثل ﴿عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ وهو من المحسنات البديعية.

536

الشمس

اللغَة: ﴿ضُحَاهَا﴾ ضوءها، والضحى وقت ارتفاع الشمس أول النهار قال المبرد: الضحى مشتقٌ من الضحِّ وهو نور الشمس ﴿طَحَاهَا﴾ بسطها ومدَّها قال الجوهري: طحوتُه مثل دحوته أي

537

بسطتُه ﴿دَسَّاهَا﴾ أخفاها وأصل الكلمة دسسها أبدلت السين الثانية ألفًا تخفيفًا ﴿فَدَمْدَمَ﴾ الدمدمة: إِطباقُ الشيء على الشيء يقال: دمدم عليه القبر أي أطبقه والمراد به هنا إِطباقُ العذاب عليهم بمعنى إِهلاكهم بطريق الاستئصال ﴿عُقْبَاهَا﴾ عاقبتها وتبعتها.

التفسِير: ﴿والشمس وضحاهاوالليل إِذَا يَغْشَاهَا والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ أي أُقسم بالشمس وضوئها الساطع إِذا أنار الكون وبدَّد الظلام ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا﴾ أي وأُقسم بالقمر إِذا سطع مضيئًا، وتبع الشمس طالعًا بعد غروبها قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إِذا غربت الشمس تلاها القمر في الإِضاءة وخلفها في النور، وحكمةُ القسم بالشمس أن العالم في وقت غيبة الشمس عنهم كالأموات، فإِذا ظهر الصبح وبزغت الشمس دبت فيهم الحياة، وصار الأموات أحياء فانتشروا لأعمالهم وقت الضحوة، وهذه الحالة تشبه أحوال القيامة، ووقتُ الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها، والشمسُ والقمر مخلوقان لمصالح البشر، والقسم بهما للتنبيه على مافيهما من المنافع العظيمة ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ أي وأُقسم بالنهار إِذا جلا ظلمة الله بضيائه، وكشفها بنوره وقال ابن كثير: إِذا جلا البسيطة وأضاء الكون بنوره ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ أي وأقسمُ بالليل إِذا غطَّى الكون بظلامه، ولفَّه بشبحه، فالنهار يجلي المعمورة ويظهرها، والليل يغطيها ويسترها، قال الصاوي: وأتى بالفعل مضارعًا ﴿يَغْشَاهَا﴾ ولم يقل ﴿غشاها﴾ مراعاةً للفواصل ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ أي وأقسم بالقادر العظيم الذي بنى السماء، وأحكم بناءها بلا عمد قال المفسرون: ﴿ما﴾ اسم موصول بمعنى «منْ» أي والسماء ومن بناها والمراد به الله رب العالمين، بدليل قوله بعده ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ كأنه قال: والقادر العظيم الشأن الذي بناها، فدلَّ بناؤها وإحكامها على وجوده، وكمال قدرته ﴿والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾ أي وأُقسمُ بالأرض ومن بسطها من كل جانب، وجعلها ممتدة ممهَّدة، صالحة لسكنى الإِنسان والحيوان، وهذا لا ينافي كرويتها كما قال المفسرون، لأن الغرض من الآية الامتنان بجعل الأرض ممتدة واسعة، ميسَّرة للزراعة والفلاحة وسكنى الإِنسان ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ أي وأقسمُ بالنفس البشرية وبالذي أنشأها وأبدعها، وجعلها مستعدة لكمالها، وذلك بتعديل أعضائها، وقواها الظاهرة والباطنة، ومن تمام تسويتها أن وهبها العقل الذي تميز به بين الخير والشر، والتقوى والفجور، ولهذا قال ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أي وعرَّفها الفجور والتقوى وما تميز به بين رشدها وضلالها قال ابن عباس: بيَّن لها الخير والشر، والطاعة والمعصية، وعرَّفها ما تأتي وما تتقي قال المفسرون: أقسم سبحانه بسبعة أشياء «الشمس، والقرم، والليل، والنهار، والسماء، والأرض، والنفس البشرية» إِظهارًا لعظمة قدرته، وانفراده بالألوهية، وأشارةً إِلأى كثرة مصالح تلك الأشياء وعظم نفعها وأنها لا بد لها من صانع ومدبر لحركاتها وسكناتها وقال الإِمام الفخر: لما كانت الشمس أعظم المحسوسات، ذكرها تعالى مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمها، ثم ذكر سبحانه ذاته

538

المقدسة، ووصفها جلَّ وعلا بصفاتٍ ثلاث ليحظى العقل بإِدراك جلال الله تعالى وعظمته، كما يليق به ﷻ، فكان ذلك طريقًا إِلى جذب العقل من حضيض عالم المحسوسات، إِلى بيداء أوج كبريائه جلَّ شأنه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ هذا هو جواب القسم أي لقد فاز وأفلح من زكَّى نفسه بطاعة الله، وطهَّرها من دنس المعاصي والآثام ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ أي وقد خسر وخاب من حقَّر نفسه بالكفر والمعاصي، وأوردها موارد الهلكة، فإِنَّ من طاوع هواه، وعصى أمر مولاه، فقد نقص من عداد العقلاء، والتحق بالجهلة الأغبياء.

. ثم ضرب تعالى مثلًا لمن طغى وبغى، ولم يطهر نفسه من دنس الكفر والعصيان، فذكر ﴿ثَمُودُ﴾ قوم صالح عليه السلام فقال ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ أي كذبت ثمود نبيها بسبب طغيانها ﴿إِذِ انبعث أَشْقَاهَا﴾ أي حين انطلق أشقى القةم بسرعةٍ ونشاط يعقر الناقة قال ابن كثير: وهو «قدار بن سالف» الذي قال الله فيه ﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فتعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: 29] وكان عزيزًا شريفًا في قومه، ورئيسًا مطاعًا فيهم، وهو أشقى القبيلة ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله﴾ أي فقال لهم صالح عليه السلام ﴿نَاقَةَ الله وَسُقْيَاهَا﴾ أي احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء، واحذروا أيضًا أن تمنعوها من سُقياها أي شربها ونصيبها من الماء كما قال تعالى ﴿لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: 155] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ أي فكذبوا نبيه صالحًا وقتلوا الناقة، ولم يتلفتوا إِلى تحذيره ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ﴾ أي فأهلكهم اللهُ ودمَّرهم عن آخرهم بسبب إِجرامهم وطغيانهم قال الخازن: والدمدمة: هلاكٌ باستئصال والمعنى أطبق عليهم العذاب طبقًا فلم ينفلت منهم أحد ﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي فسوَّى بين القبيلة في العقوبة فلم يفلت منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا غنيٌ ولا فقير ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ أي ولا يخاف تعالى عاقبة إِهلاكهم وتدميرهم، كما يخاف الرؤساء والملوك عاقبة ما يفعلون، لأنه تعالى لا يُسأل عما يفعل.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الطباق بين ﴿الشمس والقمر﴾ و﴿الليل والنهار﴾ وبين ﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ .

2 - المقابلة اللطيفة بين ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ وبين ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ وبين ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ وبين ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ وكلٌ من الطباق والمقابلة من المحسنات البديعية.

3 - الإِضافة للتكريم والتشريف ﴿نَاقَةَ الله﴾ نسبت إِلى تشريفًا لأنها خرجت من حجرٍ أصم معجزةً لصالح عليه السلام.

4 - التهويل والتفظيع ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ﴾ فإِن التعبير بالدمدمة يدل على هول العذاب.

5 - السجع المرصَّع مراعاة للفواصل ورءوس الآيات وهو ظاهر جليٌ في السورة الكريمة.

539

اللغَة: ﴿تجلى﴾ انكشف وظهر ﴿شتى﴾ متفرق ومختلف ﴿الحسنى﴾ الكلمة الحسنى وهي كلمة التوحيد ﴿اليسرى﴾ الخصلة المؤدية الى اليسر والراحة وهي الجنة ﴿العسرى﴾ الخصلة المؤدية إلى العسر والشدة وهي جهنم ﴿تردى﴾ هلك وسقط في الهاوية ﴿تلظى﴾ أصلها تتلظى أي تتلهب وتتوقد ﴿يَصْلاَهَآ﴾ يدخلها وياقسي حرها.

المنَاسَبَة: روي أن بلالًا رضي الله عنه كان عبدًا مملوكًا ل «أُمية بن خلف» وكان سيده يعذبه لإِسلامه، ويخرجه إِذا حميت الشمسُ فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد! ﴿فيقول وهو في تلك الحالة: أحدٌ، أحدٌ، فمرَّ به أبو بكر الصديق وهم يصنعون به ذلط، فقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين﴾ ! فقال له: أنت أفسدته عليَّ فأنقذه مما ترى، فاشتراه أبو بكرٍ منه وأعتقه في سبيل الله، فقال المشركون: إِنما أعتقه ليدٍ كانت له عنده فنزلت ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى وَلَسَوْفَ يرضى﴾ .

الليل

التفسِير: ﴿والليل إِذَا يغشى﴾ أي أُقسمُ بالليل إِذا غطَّى بظلمته الكون، وستر بشبحه الوجود ﴿والنهار إِذَا تجلى﴾ أي وأُقسمُ بالنهار إِذا تجلَّى وانكشف، وأنار العالم وأضاء الكون قال المفسرون: أقسم تعالى بالليل لأنهسكنٌ لكافة الخلق، يأوي فيه الإِنسان والحيوان إلى مأواه، ويسكن عن الاضطراب والحركة، ثم أقسم بالنهار لأن فيه حركة الخلق وسعيهم إلى اكتساب الرزق، والحكمة في هذا القسم ما في تعاقب الليل والنهار من مصالح لا تُحصى فإِنه لو كان العمر كله ليلًا لتعذر المعاش، ولو كان كله نهارًا لما سكن الإِنسان إلى الراحة، ولاختلت مصالح البشر ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ أي وأُقسمُ بالقادر العظيم الذي خلق صنفي الذكر والأنثى، من نطفةٍ إذا تمنى. . أقسم تعالى بذاته على خلق النوعين ﴿الذكر والأنثى﴾ للتنبيه على أنه الخالق المبدع الحكيم، إِذْ لا يُعقل أن هذا التخالف بين الذكر والأنثى يحصل بمحض الصدفة من طبيعة بلهاء لا شعور لها فإِن الأجزاء الأصلية في المنيّ متساوية، فتكوينُ الولد من عناصر واحدة تارةً ذكرًا، وتارة أنثى، دليلٌ على أن واضع هذا النظام عالم، بما يفعل، محكم لما يصنع ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ هذا هو جواب القسم أي إن عملكم لمختلف، فمنكم تقيٌ ومنكم شقي، ومنكم صالحٌ ومنكم طالح، ثم فسَّره بقوله ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى﴾ أي فأما من أعطى ماله وأنفق ابتغاء وجه الله، واتقى ربه فكف عن

541

محارم الله قال بان كثير: أعطى ما أُمر باخراجه، واتقى الله في أموره ﴿وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ أي وصدَّق بالجنة التي أعدَّها الله للأبرار ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ أي فسنهيئه لعمل الخير، ونسهّل عليه الخصلة المؤدية لليسر، وهي فعل الطاعات وترك المحرمات ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى﴾ أي وأمَّا من بخل بإِنفاق المال، واستغنى عن عبادة ذي الجلال قال ابن عباس: بخل بماله، واستغنى عن ربه عز وجل ﴿وَكَذَّبَ بالحسنى﴾ أي وكذَّب بالجنة ونعيمها ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ أي فسنهيئه للخصة المؤدية للعسر، وهي الحياة السيئة في الدنيا والآخرة وهي طريق الشر قال المفسرون: سمَّى طريقة الخير يسرى لأن عاقبتها اليسر وهي دخول الجنة دار النعيم، وسمَّى طريقة الشرِّ عسرى لأن عاقبتها العسر وهو دخول الجحيم ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تردى﴾ استفهام إِنكاري أيْ أيُّ شيء ينفعه ماله إذا هلك وهو في نار جهنم؟ هل نفعه المال، ويدفع عنه الوبال؟ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا للهدى﴾ أي إنَّ علينا أن نبيِّن للناس طريق الهدى من طريق الضلالة، ونوضّح سبيل الرشد من سبيل الغي كقوله

﴿وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29] ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى﴾ أي لنا ما في الدنيا والآخرة، فمن طلبهما من غير الله فقد أخطأ الطريق ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تلظى﴾ أي فحذرتكم يا أهل مكة نارًا تتوقَّد وتتوهج من شدة حرارتها ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى﴾ أي لا يدخلها للخلود فيها ولا يذوق سعيرها، إِلاّ الكافر الشقي. . ثم فسَّره تعالى بقوله ﴿الذي كَذَّبَ وتولى﴾ أي كذَّب الرسل وأعرض عن الإِيمان ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ أي وسيبعد عن النار التقيُ النقيُّ، المبالغ في اجتناب الشرك والمعاصي. . ثم فسَّره تعالى بقوله ﴿الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ أي الذي ينفق ماله في وجوه الخير ليزكي نفسه ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى﴾ أي وليس لأحدٍ عنده نعمة حتى يكافئه عليها، وإِنما ينفق لوجه الله قال المفسرون: نزلت الآيات في حقِّ «أبي بكر الصديق» حين اشترى بلالًا وأعتقه في سبيل الله فقال المشركون: إِنما فعل ذلك ليد كانت له عنده فنزلت ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى﴾ أي ليس له غاية إِلا مرضاة الله ﴿وَلَسَوْفَ يرضى﴾ أي ولسوف يعطيه الله في الآخرة ما يرضيه وهو وعدٌ كريم من رب رحيم.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الطباق بين لفظة ﴿الأشقى﴾ و﴿الأتقى﴾ وبين ﴿اليسرى﴾ و﴿العسرى﴾ .

2 - المقابلة اللطيفة ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ وبين ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى وَكَذَّبَ بالحسنى﴾ الآيات.

3 - جناس الاشتقاق ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ لأن اليسرى من التيسير فبينهما مجانسة.

4 - حذف المفعول للتعميم ليذهب ذهن السامع كل مذهب ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى. .﴾ الآيات.

542

5 - السجع الرصين غير المتكلف كقوله ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى. . وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ الخ.

كان عمر رضي الله عنه يقول: أعتق سيدُنا سيدَنا يريد أعتق سيدنا أبو بكر سيدنا بلالًا، فما أروع هذه النفوس؟ اللهم ارزقنا محبة أصحاب الرسول جميعًا.

543