صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 554 - 562

العلق

العلق

اللغَة: ﴿عَلَقٍ﴾ جمع علقة وهي الدم الجامد، سميت علقة لأنها تعلق بالرحم ﴿نَسْفَعًا﴾ السَّفع: الجذب بشدة وقوة أهل اللغة: سفعت بالشيء إِذا قبضتُ عليه وجذبته جذبًا شديدًا، وسفع بناصية فرسه جذبها قال الشاعر:

قومٌ إِذا كثر الصياح رأيتهم ... مابين ملجم مهره أو سافع

﴿الناصية﴾ شعر مقدَّم الرأس ﴿الزبانية﴾ مأخوذ من الزَّبن وهو الدفع، والمراد بهم ملائكة العذاب، الغلاظ الشداد، والعرب يطلقون هذا الاسم على من اشتد بطشه قال الشاعر:

مطاعيم في القُصْوى، مطاعين ... في الوغى زبانيةٌ غلبٌ عظام حلومها

«روي أن أبا جهل قال لأصحابه يومًا: هل يُعفِّر محمد وجهه بين أظهرهم؟ يريد هل يصلي ويسجد أمامكم قالوا: نعم، فقال: واللأَّت والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأنَّ على رقبته، ولأُعفرنَّ وجهه في التراب، فجاء يومًا فوجد رسول الله ﷺ َ يصلي، فأقبل يريد أن يطأ على رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ قال: إِن بني وبينه خندقًا من نار، وهولًا وأجنحة فقال رسول الله ﷺ َ:» لو دنا مني لاختفطته الملائكةُ عضوًا عظوًا «فأنزل الله ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْدًا إِذَا صلى﴾ إِلى آخر السورة.

التفسير: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ هذا أول خطاب إِلهي إِلى النبي ﷺ َ وفيه دعوةٌ إِلى القراءة والكتابة والعلم، لأنه شعار دين الإِسلام أي إقرأ يا محمد القرآن مبتدئًا ومستعينًا باسم ربك الجليل، الذي خلق المخلوقات، وأوجد جميع العوالم، ثم فسَّر الخلق تفخيمًا لشأن الإِنسان فقال ﴿خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ﴾ أي خلق هذا الإِنسان البديع الشكل، الذي هو أشرف المخلوقات من العلقة هي الدودة الصغيرة وقد أثبت الطبُّ الحديث أن المنيّ الذي خلق منه الإِنسان محتوٍ على حيواناتٍ وديدان صغيرة لا تُرى بالعين، وإنما ترى بالمجهر الدقيق الميكرسكوب وأن لها رأسًا وذنبًا، فتبارك الله أحسن الخالقين قال القرطبي: خصَّ الإِنسان بالذكر تشريفًا له، والعلقةُ قطعة من ادمٍ رطب، سميت بذلك لأنها تعلق لرطوبتها بما تمرُّ عليه ﴿اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم﴾ أي اقرأ يا محمد وربك العظيم الكريم، الذي لا يساويه ولا يدانيه كريم، وقد دلَّ على كمال كرمه أنه علَّم العباد ما لم يعلموا ﴿الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي الذي علَّم الخطَّ والكتابة بالقلم، وعلَّم البشر ما لم يكونوا يعرفونه من العلوم والمعارف، فنقلهم من ظلمة

554

الجهل إِلى نور العلم، فكما علَّم سبحانه بواسطة الكتابة بالقلم، فإِنه يعلمك بلا واسطة وإِن كنت أميًا لا تقرأ ولا تكتب قال القرطبي: نبَّه تعالى على فضل علم الكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إِنسان، وما دُونت العلوم ولا قُيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتبُ الله المنزَّلة إِلا بالكتابة، ولولاها ما استقامت أمور الدنيا والدين.

. وهذه الآيات الخمس هي أول ما تنزَّل من القرآن، كما ثبت في الصحاح أن النبي ﷺ َ نزل عليه الملك وهو يتعبَّد بغار حراء، فقال: اقرأ، فقال ما أنا بقارىء. . الخ قال ابن كثير: أول شيء نزل من القرآن هذه الآيات المباركات، وهنَّ أول رحمةٍ رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإِنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علَّم الإِنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرَّمه وبالعلم، وهو القدر الذي امتاز به «آدم» على الملائكة. . ثم أخبر تعالى عن سبب بطر الإِنسان وطغيانه فقال ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ أي حقًا إِن الإِنسان ليتجاوز الحد في الطغيان، واتباع هوى النفس، ويستكبر على ربه عز وجل ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ أي من أجل أن رأى نفسه غنيًا، وأصبح ذا ثروة ومال أشر وأبطر، ثم توعَّده وتهدده بقوله ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ أي إنَّ إِلى ربك أيها الإِنسانُ المرجعُ والمصير فيجازيك على أعمالك، وفي الآية تهديدٌ وتحذير لهذا الإِنسان من عاقبة الطغيان، ثم هو عام لكل طاغٍ متكبر قال المفسرون: نزلت هذه الآيات إِلى آخر السورة في «أبي جهل» بعد نزول صدر السورة بمدة طويلة، وذلك أن أبا جهل كان يطغى بكثرة ماله، ويبالغ في عداوة الرسول ﷺ َ والعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْدًا إِذَا صلى﴾ تعجبٌ من حال ذلك الشقي الفاجر أي أخبرني يا محمد عن ذلك المجرم الأثيم، الذي ينهى عبدًا من عباد الله عن الصلاة، ما استخفعقله، وما أشنع فعله! ﴿قال أبو السعود: هذه الآية تقبيحٌ وتشنيعٌ لحال الطاغي وتعجيب منها، وإِيذان بأنها من الشناعة الغرابة بحيث يقضى منها العجب، وقد أجمع المفسرون على أن العبد المصلي هو محمد ﷺ َ، وأن الذي نهاه هو اللعين «أبو جهل» حيث قال: لئن رأيتُ محمدًا يصلي لأطأن على عنقه ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى﴾ أي أخبرني إن كان هذا العبد المصلي وهو النبي ﷺ َ الذي تنهاه عن الصلاة صالحًا مهتديًا، على الطريقة المستقيمة في قوله وفعله﴾ ﴿﴿أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي أو كان آمرًا بالإِخلاص والتوحيد، داعيًا إِلى الهدى والرشاد، كيف تزجره وتنهاه﴾ ﴿فما أبلهك أيا الغبي الذي تنهى من هذه أوصافه: عبدٌ لله﴾

555

﴿مطيعٌ مهتدٍ منيب، داعٍ إِلى الهدى والرشاد؟﴾ وما أعجب هذا؟ ﴿ثم عاد لخطاب الرسول ﷺ َ فقال ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ أي أخبرني يا محمد إِن كذَّب بالقرآن، وأعرض عن الإِيمان ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى﴾ أي ألم يعلم ذلك الشقي أن الله مطَّلع على أحواله، مراقب لأفعاله، وسيجازيه عليها﴾ ﴿ويله ما أجهله وأغباه؟﴾ ثم ردعه وزجره فقال ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ أي ليرتدع هذا الفاجر «أبو جهل» عن غيه وضلاله، فوالله لئن لم ينته عن أذى الرسول، ويكف عمَّا هو عليه من الكفر والضلال ﴿لَنَسْفَعًا بالناصية﴾ أي لنأخذنه بناصيته مقدم شعر الرأس فلنجرنه إِلى النار بعنفٍ وشدة ونقذفه فيها ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي صاحب هذه الناصية كاذبٌ، فاجرٌ، كثر الذنوب والإِجرام قال في التسهيل: ووصفها بالكذب والخطيئة مجازٌ، والكاذب الخاطىء في الحقيقة صاحبها، والخاطىء الذي يفعل الذنب متعمدًا، والمخطىء الذي يفعله بدون قصد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ أي فليدع أهل ناديه وليستنصر بهم ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ أي سندعوا خزنة جهنم، الملائكة الغلاظ الشداد، روي

«أن أبا جهل مرَّ على النبي ﷺ َ وهو يصلي عند المقام فقال: ألم أنهك عن هذا يا محمد ﴿فأغلظ له رسول الله ﷺ َ القول، فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني يا محمد﴾ والله إِني لأكثر أهل الوادي هذا ناديًا فأنزل الله ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾» قال ابن عباس: لو دعا نادية لأخته ملائكة العذاب من ساعته ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾ أي ليرتدع هذا الفاجر، ولا تطعه يا محمد فيما دعاك إِليه من ترك الصلاة ﴿واسجد واقترب﴾ وأي وواظب على سجودك وصلاتك، وتقرَّب بذلك إِلى ربك وفي الحديث «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» .

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الإِطناب بتكرار الفعل ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ. .﴾ ثم قال: ﴿اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم﴾ لمزيد الاهتمام بشأن القراءة والعلم.

2 - الجناس الناقص بين ﴿خَلَقَ﴾ و﴿عَلَقٍ﴾ .

3 - طباق السلب ﴿عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .

4 - الكناية ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْدًا﴾ كنَّى بالعبد عن رسول الله ﷺ َ ولم يقل: ينهاك تفخيمًا لشأنه وتعظيمًا لقدره.

5 - الاستفهام للتعجيب من شأن الناهي ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾؟ ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى﴾؟

6 - المجاز العقلي ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي كاذب صاحبها خاطىء فأسند الكذب إِليها مجازًا.

7 - السجع المرصَّع مثل ﴿﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ﴾ .

556

القدر

التفسِير: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ أي نحن أنزلنا هذا القرآن المعجز في ليلة القدر والشرف قال المفسرون: سميت ليلة القدر لعظمها وقدرها وشرفها، والمرادُ بإِنزال القرآن إِنزالهُ من اللوح المحفوظ إِلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل إِلى الأرض في مدة ثلاث وعشرين سنة كما ابن عباس: أنزل الله القرآن جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إِلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ َ ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر﴾ تعظيمٌ وتفخيمٌ لأمرها أي وما أعلمك يا محمد ما ليلةٌ القد والشرف؟ قال الخازن: وهذا على سبيل التعظيم لها والتشريق لخبرها كأنه قال: أي شيء يبلغ علمك بقدرها ومبلغ فضلها؟ ﴿ثم ذكر فضلها من ثلاثة أوجه فقال تعالى ﴿لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي ليلة القدر في الشرف والفضل خيرٌ من ألف شهر، لما اختصت به من شرف إِنزال القرآن الكريم فيها قال المفسرون: العمل الصالح في ليلة القدر خيرٌ من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقد روي أن رجلًا لبس السلاح وجاهد في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله والمسلمون من ذلك، وتمنى رسول الله ﷺ َ لأُمته فقال يا رب: جعلت أُمتي أقصر الأمم أعمارًا، وأقلها أعمالًا﴾ ! فأعطاه الله ليلة القدر، وقال: ليلةُ القدر خيرٌ لك ولأمكت من ألف شهر، جاهد فيها ذلك الرجل قال مجاهد: عملها وصيامها

557

وقيامها خيرلإ من ألف شهر، وهذا هو الوجه الأول من فضلها ثم قال تعالى ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي تنزل الملائكةُ وجبريل إِلى الأرض في تلك الليلة بأمر ربهم من أجل كل أمرٍ قدَّره الله وقضاه لتلك السنة إِلى السنة القابلة، وهذا هو الوجه الثاني من فضلها، والوجه الثالث قوله تعالى ﴿سَلاَمٌ هِيَ حتى مَطْلَعِ الفجر﴾ أي هي سلام من أول يومها إِلى طلوع الفجر، تسلّم فيها الملائكة على المؤمنين، ولا يُقدّر الله فيها إِلا الخير والسلامة لبني الإِنسان.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الإِطناب بذكر ليلة القدر ثلاث مرات، زيادة في الاعتناء بشأنها، وتفخيمًا لأمرها.

2 - الاستفهام بغرض التفخيم والتعظيم ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر﴾؟

3 - ذكر الخاص بعد العام ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح﴾ فذكر جبريل بعد الملائكة لينبه على جلالة قدره.

4 - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿القدر، شَهْرٍ، أَمْرٍ، الفجر﴾ وهو من المحسنات البديعية اللفظية والله أعلم.

558

البينة

اللغَة: ﴿مُنفَكِّينَ﴾ منتهين زائلين، وأصلُ الفك: الفتحُ ومنه فكُّ الكتاب، وفكُّ الخلخال ﴿البينة﴾ الحجة الواضحة، والدلالة القاطعة ﴿مُّطَهَّرَةً﴾ منزهة عن الباطل والشبهات ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مستقيمة عادلة ﴿حُنَفَآءَ﴾ مائلين عن الباطل إِلى الدين الحق، وأصل الحنف: الميلُ ﴿البرية﴾ الخلق من قولهم: برأ اللهُ الخلق، ومنه البارىء أي الخالق.

التفسِير: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ﴾ أي لم يكن أهل الكفر والجحود، الذين كفروا بالله وبرسوله، ثم بيَّنهم بقوله ﴿مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ أي من اليهود والنصارى أهل الكتاب، ومن المشركين عبدة الأوثان والأصنام ﴿مُنفَكِّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ أي منفصلين ومنتهين عما هم عليه من الكفر، حتى تأتيهم الحجة الواضحة، وهي بعثة محمد ﷺ َ ولهذ فسَّرها بقوله ﴿رَسُولٌ مِّنَ الله﴾ أي هذه البيّنة هي رسالة محمد ﷺ َ المرسل من عند الله تعالى ﴿يَتْلُواْ صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾ أي يقرأ عليهم صحفًا منزَّهة عن الباطل عن ظهر قلب، لأن النبي ﷺ َ أميٌ لا يقرأ ولا يكتب قال القرطبي: أي يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب، يتلوها عن ظهر قلبه لا عن كتاب، لأنه عليه السلام كان أميًا لا يكتب ولا يقرأ قال ابن عباس: ﴿مُّطَهَّرَةً﴾ من الزور، والشك والنفاق، والضلالة وقال قتادة: مطهَّرة عن الباطل ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي فيها أحكام قيمة لا عوج فيها، تبيّن الحق من الباطل قال الصاوي: المراد بالصحف القراطيس التي يكتب فيها القرآن، والمراد بالكتب الأحكام المكتوبة فيها، وإِنما قال ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ لأن القرآن جمع ثمرة كتب الله المتقدمة. . ثم ذكر تعالى من لم يؤمن من أهل الكتاب فقال ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة﴾ أي وما اختلف اليهود والنصارى في شأن محمد ﷺ َ، إِلا من بعد ما جاءتم الحجة الواضحة، الدالة على صدق رسالته، وأنه الرسول الموعود به في كتبهم قال ابو السعود: والآية مسوقةٌ لغاية التشنيع على أهل الكتاب خاصة، وتغليظ جناياتهم، ببيان أن تفرقهم لم يكن إِلا بعد وضوح الحق، وتبيّن الحال، وانقطاع الأعذار بالكلية، كقوله تعالى: ﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم﴾ [آل عمران: 19] وقال في التسهيل: أي ما اختلفوا في نبوة سيدنا محمد ﷺ َ إلا من بعد ما علموا أنه حق، وإنما خصَّ أهل الكتاب هنا بالذكر، لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوته، بما يجدون في كتبهم من ذكره ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ أي والحال أنهم ما أُمروا في التوراة والإِنجيل إِلا بأن يعبدوالله وحده، مخلصين العبادة جلّ وعلا، ولكنهم حرَّفوا وبدَّلوا، فعبودوا أحبارهم ورهبانهم كما قال تعالى

﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ﴾

560

﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِدًا﴾ [التوبة: 31] ﴿حُنَفَآءَ﴾ أي مائلين عن الأديان كلها إِلى دين الإِسلام، مستقيمين على دين إِبراهيم، دين الحنيفية السمحة، الذي جاء به خاتم المرسلين ﴿وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكاة﴾ أي وأُمروما بأن يؤدوا الصلاة على الوجه الأكمل، في أوقاتها بشروطها وخشوعها وآدابها، ويعطوا الزكاة لمستحقيها عن طيب نفس قال الصاوي: وخصَّ الصلاة والزكاة لشرفهما ﴿وَذَلِكَ دِينُ القيمة﴾ أي وذلك المذكور من العبادة والإِخلاص، وإِقام الصلاة وإِيتاء الزكاة، هنو دين الملة المستقيمة دين الإِسلام فلماذا لا يدخلون فيه؟ ثم ذكر تعالى مآل كل من الآبرار والأشرار، في دار الجزاء والقرار فقال ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ﴾ أي إِنَّ الذين كذبوا بالقرآن وبنبوة محمد عليه السلام، من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان، هؤلاء جميعهم يوم القيامة في نار جهنم، ماكثين فيها أبدًا لا يخرجون منها ولا يموتون ﴿أولئك هُمْ شَرُّ البرية﴾ أي أولئك هم شر الخلق على الإِطلاق قال الامام الفخر: فإن قيل: لم ذكر ﴿كَفَرُواْ﴾ بلفظ الفعل، ﴿والمشركين﴾ باسم الفاعل؟ فالجواب تنبيهًا على أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر، لأنهم كانوا مصدقين بالتوارة والإِنجيل، ومقرين بمبعث محمد ﷺ َ ثم أنهم كفروا بذلك بعد مبعثه عليه السلام، بخلاف المشركين فإِنهم ولدوا على عبادة الأوثان، وإِنكار الحشر والقيامة، وقوله ﴿أولئك هُمْ شَرُّ البرية﴾ لإِفادة الحصر أي شرٌ من السراق لأنهم سرقوا من كتاب الله صفة محمد ﷺ َ وشرُّ من قطاع الطريق، لأنهم قطعوا طريق الحق عن الخلق، ولما ذكر مقرٍ الأشقياء، ذكر بعده مقر السعداء فاقل ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي إن المؤمنين الذين جمعوا بين الإِيمان وصالح الأعمال ﴿أولئك هُمْ خَيْرُ البرية﴾ أي هم خير الخليقة التي خلقها الله ويرأها ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي ثوابهم في الآخرة على ما قدموا من الإِيمان والأعمال الصالحة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي جنات إِقامة تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ أي ما كثين فيها أبدًا، لا يموتون ولا يخرجون منها، وهم في نعيم دائم لا ينقطع ﴿رضي الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ أي رضي الله عنهم بما قدموا في الدنيا من الطاعات وفعل الصالحات، ورضوا عنه بما أعطاهم من الخيرات والكرامات ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي ذلك الجزاء والثواب الحسن لمن خالف الله واتقاه، والنتهى عن معصية مولاه.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:

1 - الإِجمال ثم التفصيل ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ ثم فصلها بقوله ﴿رَسُولٌ مِّنَ الله يَتْلُواْ صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾ .

2 - الطباق بين ﴿خَيْرُ البرية﴾ و﴿شَرُّ البرية﴾ .

3 - الاستعارةى التصريحية ﴿يَتْلُواْ صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾ لفظة مطهرة فيها استعارة حيث شبه تنزه الصحف عن الباطل بطهارتها عن النجاس.

4 - المقابلة بين نعيم الأبرار وعذب الفجار ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب. .﴾ الآية وبين {}

561

﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الآية.

5 - توافق الفواصل وهو من المحسنات البديعية مثل ﴿البينة، القَيِّمَةٌ، خَيْرُ البرية، شَرُّ البرية﴾ ونحو ذلك.

تنبيه: الإِخلاص هو لبُّ العبادة وقد جاء في الحديث القدسي: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري تركته وشركه» وقد قسم العلماء الأعمال الى ثلاثة أقسام: «مأمورات، ومنهيات، ومباحات» فأما المأمورات فالإِخلاص فيها بأن يقصد بعمله وجه الله، وإن كانت النية لغير وج الله، فالعمل رياء محض مردود، وأما المنهيات فإن تركها بدون نية خرج عن عهدتها، ولم يكن له أجر في تركها، وإِن تكرها ابتغاء وجه الله كان مأجورًا على تركها، وأما المباحاتن كالأكل والنوم والجماع وشبه ذلك، فإِن فعلها بغير نية لم يكن بها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قربة إِذا قصد به وجه الله، مل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة ويقصد بالجماع التعفُّف عن الحرام.

562