صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 571 - 579

التكاثر

التكاثر

اللغَة: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ الإِلهاء: الشغل والانصراف عن الشيء الهام إِلى ما يدعو إِليه الهوى، وأصل اللهو الغفلةُ ثم شاع في كل شاغلٍ قال الراغب: اللهو ما يشغلك عما يعني ويهمُّ ﴿التكاثر﴾ التباهي بكثرة المال والجاه وهو بمعنى المكاثرة ﴿المقابر﴾ القبور جمع مقبرة، والقبور جمع القبر قال الشاعر:

أبى أهل القُصور إِذا أُميتوا ... بَنَوْا فوق المقابر بالصخور

أبو إِلاّ مباهاةً وفخرًا ... على الفقراء حتى في القبور

التفسِير: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ أي شغلكم أيها الناسُ التفاخر بالأموال والأولاد والرجال عن طاعة الله، وعن الاستعداد للآخرة ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ أي حتى أدرككم الموت، ودفنتم في المقابر، والجملةُ خيرٌ يراد به الوعظ والتوبيخ قال القرطبي: المعنى شغلكم المباهاة بكثرة المال والأولاد عن طاعة الله، حتى مُتُّم ودفنتم في المقابر ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ زجرٌ وتهديدٌ أي ارتدعوا أيها الناس وانزجروا عن الاشتغال بما لا ينفع ولا يفيد، فسوف تعلمون عاقبة جهلكم وتفريطكم في جنب الله، وانشغالكم بالفاني عن الباقي ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ إِثر وعيد، زيادة في الزجر والتهديد أي سوف تعلمون عاقبة تكاثركم وتفاخركم إِذا نزل بكم الموت وعاينتم أهواله وشدائده قال ابن عباس: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبر ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي في الآخرة إِذا حلَّ بكم العذاب ﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين﴾ أي ارتدعوا

571

وانزجروا فلو علمتم العلم الحقيقي الذي لا شك فيه ولا امتراء، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوفٌ لقصد التهويل أي لو عرفتم ذلك لما ألهاكم التكاثر بالدنيا عن طاعة الله، ولما خُدعتم بنعيم الدنيا عن أهوال الآخرة وشدائدها كما قال ﷺ َ: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» الحديث قال في التسهيل: وجوابُ ﴿لَوْ﴾ محذوفٌ تقديره: لو تعلمون لازدجرتم واستعددتم للآخرة، وإِنما حذف لقصد التهويل، فيقدر السامع، أعظم ما يخطر بباله كقوله تعالى ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار﴾ [الأنعام: 27] ﴿لَتَرَوُنَّ الجحيم﴾ أي أُقسم وأؤكد بأنكم ستشاهدون الجحيم عيانًا ويقينًا قال الألوسي: هذا جواب قسم مضمر، أكد به الوعيد، وشدَّد به التهديد، وأوضح به ما أنذره وبعد إِبهامه تفخيمًا أي والله لترون الجحيم ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ أي ثم لترونها رؤية حقيقية بالمشاهدة العينية قال في البحر: زاد التوكيد بقوله ﴿عَيْنَ اليقين﴾ نفيًا لتوهم المجاز في الرؤية الأولى ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ أي ثم لتسألنَّ في الآخرة عن نعيم الدنيا من الأمن والصحة، وسائر ما يُتلذذ به من مطعم، ومشرب، ومركب، ومفرش.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:

1 - الوعد والتوبيخ ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ فقد خرج الخبر عن حقيقته إِلى التذكير والتوبيخ.

2 - التكرار للتهديد والإِنذار ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وعطفه ب ﴿ثُمَّ﴾ للتنبيه على الثاني أبلغ من الأول، كما يقول العظيم لعبده: أقول لك ثم أقول لك لا تفعل، ولكونه أبلغ نُزّل منزلة المغايرة فعطف بثم.

3 - حذف جواب ﴿لَوْ﴾ للتهويل ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين﴾ أي لرأيتم ما تشيب له الرءوس، وتفزع له النفوس من الشدائد والأهوال.

4 - الإِطناب بتكرار الفعل ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا﴾ لبيان شدة الهول.

5 - الكناية ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ كنَّى عن الموت بزيارة القبور والمراد حتى مُتُّم.

6 - المطابقة بين ﴿النعيم. . الجحيم﴾ .

7 - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات وهو من المحسنات البديعية.

تنبيه: روى الترمذي عن عبد الله بن الشخِّير قال: «انتيهت إِلى رسول الله ﷺ َ وهو يقرأ هذه الآية ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ فقال:» يقول ابن آدم مالي، مالي، وهل لك من مالك إِلا ما أكلت فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدقتَ فأمضيت «

لطيفَة: روى مسلم عن أبي هريرة قال:» خرج رسولُ الله ﷺ َ ذات يوم أو ليلة، فإِذا هو بأبي بكر وعمر، فقال ﷺ َ ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قال: الجوعُ يا رسول الله، قال: زوأنا

572

والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ﴿فقوموا فقاموا معه، فأتى رجلًا من الأنصار فإِذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبًا وأهلًا، فقال لها رسول الله ﷺ َ: أين فلان﴾ قالت: ذهب يستغذب لنا الماء، إِذ جاء الأنصاري فنظر إِلى رسول الله وصاحبيه ثم قال: الحمد لله ما أحدٌ اليوم أكرم أضيافًا مني، فانطلق فجاءهم بعذق عنقود فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا، وأخذ المدية السكين فقال له رسول الله ﷺ َ: إِياك والحلوب! فذبح لهم شاة فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذْق وشربوا، فملا شبعوا ورَووْا قال رسول الله ﷺ َ لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيده لتسألنَّ عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم «.

573

العصر

التفسِير: ﴿والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ أي أُقسمُ بالدهر والزمان لما فيه من أصناف الغرائب والعجائب، والعبر والعظات، على أن الإِنسان في خسران، لأنه يفضِّل العاجلة على الآجلة وتغلب عليه الأهواء والشهوات قال ابن عباس: العصر هو الدهر أقسم تعالى به لاشتماله على أصناف العجائب وقال قتادة: العصرُ هو آخر ساعات النهار، أقسم به كما أقسم بالضحى لما فيهما من دلائل القدرة الباهرة، والعظة البالغة. . وإنما أقسم تعالى بالزمان لأنه رأس عمر الإِنسان، فكل لحظةٍ تمضي فإِنها من عمرك ونقص من أجلك، كما قال القائل:

إِنا لنفرحُ بالأيام نقطعها ... وكلُّ يومٍ مضى نقصٌ من الأجل

قال القرطبي: أقسم الله عز وجل بالعصر وهو الدهر لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها، وما فيها من الدلائل على الصانع، وقيل: هو قسمٌ بصلاة العصر لأنها أفضل الصلوات {}

574

﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي جعوا بين الإِيمان وصالح الأعمال، فهؤلاء هم الفائزون لأنهم باعوا الخسيس بالنفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات عوضًا عن الشهوات العاجلات ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالحق﴾ أي أوصى بعضهم بعضًا بالحق، وهو الخير كله، من الإِيمان، والتصديق، وعبادة الرحمن ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ أي وتواصوا بالصبر على الشدائد والمصائب، وعلى فعل الطاعات، وترك المحرمات. . حكم تعالى بالخسار على جميع الناس إِلا من أتى بهذه الأشياء الأربعة وهي: الإِيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فإِن نجاة الإِنسان لا تكون إِلا إِذا كمَّل الإِنسان نفسه بالإِيمان والعمل الصالح، وكمَّل غيره بالنصح والإِرشاد، فيكون قد جمع بين حق الله، وحق العباد، وهذا هو السرُّ في تخصيص هذه الأمور الأربعة.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:

1 - إِطلاق البعض وإرادة الكل ﴿إِنَّ الإنسان﴾ أي الناس بدليل الاستثناء.

2 - التنكير للتعظيم ﴿لَفِى خُسْرٍ﴾ أي في خسرٍ عظيم ودمار شديد.

3 - الإِطناب بتكرار الفعل ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ لإِبراز كمال العناية به.

4 - ذكر الخاص بعد العام ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ بعد قوله ﴿بالحق﴾ فإن الصبر داخل في عموم الحق، إِلا أنه أفرده بالذكر إِشادة بفضيلة الصبر.

5 - السجع غير المتكلف مثل ﴿العصر، الصبر، خُسْرٍ﴾ وهو من المحسنات البديعية.

تنبيه: أخرج البيهقي في الشعب عن «أبي حذيفة» وكانت له صحبة قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ َ إِذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة ﴿والعصر﴾ ثم يسلم أحدهما على الآخر.

575

الهمزة

اللغَة: ﴿هُمَزَةٍ﴾ الهَّماز: الذي يغتاب الناس ويطعن في أعراضهم، وبناء «فُعلة» يدل على الاعتياد فلا يقال: لُعنة وضُحكة إِلا للمكثر المعتاد ﴿لُّمَزَةٍ﴾ اللماز: الذي يعيب الناس وينال منهم بالحاجب والعين ﴿الحطمة﴾ نار جهنم سميت بذلك لأنها تكسر كل ما يُلقى فيها وتحطمه وتهشميه ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة مغلقة من أوصد الباب إِذا أغلقه.

التفسِير: ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ أي عذاب شديد وهلاك ودمار، لكل من يعيب الناس ويغتابهم ويطعن في أعراضهم، أو يلمزهم سرًا بعينه أو حاجبه قال المفسرون: نزلت السورة في «الأخنس بن شريق» لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، يلمزهم ويعيبهم مقبلين ومدبرين، والحكم عامٌ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ﴿الذى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ أي الذي جمع مالًا كثيرًا وأحصاه، وحافظ على عدده لئلا ينقص فمنعه من الخيرات قال الطبري: أي أحصى عدده ولم ينفقه في سبيل الله ولم يؤد حقَّ الله فيه ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ أي يظن

576

هذا الجاهل لفرط غفلته أن ماله سيتركه مخلدًا في الدنيا لا يموت ﴿كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الحطمة﴾ أي ليرتدع عن هذا الظنّ فواللهِ ليطرحنَّ في النار الت تحطم كل ما يُلقى فيها وتلتهمه ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة﴾ تفخيمٌ وتهويلٌ لشأنها أي وما الذي أعلمك ما حقيقة هذه النار العظيمة؟ إِنها الحطمة التي تحطم العظام وتأكل اللحوم، حتى تهجم على القلوب، ثم فسرها بقوله ﴿نَارُ الله الموقدة﴾ أي هي نار الله المسعَّرة بأمره تعالى وإِرادته، ليست كسائر النيران فإِنها لا تخمد أبدًا، وفي الحديث «أُوقد على النار ألفُ سنة حتى احمرت، ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى ابيضَّت، ثم أُوقد عليها ألفُ سنة حتى اسودَّت، فهي سوداء مظلمة» ﴿التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ أي التي يبلغ ألمها ووجعها إلى القلوب فتحرقها قال القرطبي: وخصَّ الأفئدة لأن الألم إِذا صار إِلى الفؤاد مات صاحبه، فإِنهم في حال من يموت وهم لا يموتون كما قال تعالى ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا﴾ [الأعلى: 13] فهم إِذًا أحياء في معنى الأموات ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾ أي إِن جهنم مطبقة مغلقةٌ عليهم، لا يدخل إِليهم روح ولا ريحان ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ﴾ أي وهم موثوقون في سلاسل وأغلال، تشدُّ بها أيديهم وأرجلهم، بعد إطباق أبواب جهنم عليهم، فقد يئسوا من الخروج بإِطباق الأبواب عليهم، وتمدد العمد إِيذانًا بالخلود إِلى غير نهاية. .

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:

1 - صيغة المبالغة ﴿هُمَزَةٍ، لُّمَزَةٍ﴾ لأن بناء «فُعلة» يدل على أنها عادة مستمرة.

2 - التنكير للتفخيم ﴿جَمَعَ مَالًا﴾ أي مالًا كثيرًا لا يكاد يحصى.

3 - التفخيم والتهويل ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة﴾؟ تهويلًا لشأن جهنم.

4 - الجناس غير التام بين ﴿هُمَزَةٍ﴾ و﴿لُّمَزَةٍ﴾ ويسمى الجناس الناقص.

5 - توافق الفواصل مثل ﴿عَدَّدَهُ، أَخْلَدَهُ، الموقدة، مُّمَدَّدَةِ﴾ ويسمى بالسجع.

577

الفيل

اللغَة: ﴿أَبَابِيلَ﴾ جماعات جماعات بعضها في إِثر بعض قال الجوهري: وهو من الجمع الذي لا واحد له يقال: جاءت إِبلك أبابيل أي فرقًا وجماعات قال الشاعر:

كادتْ تهدُّ من الأصوات راحلتي ... إِذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل

﴿سِجِّيلٍ﴾ طين متحجر ﴿عَصْفٍ﴾ ورق الزرع بعد الحصاد كالتين وقشر الحنطة، سمى عصفًا لأن الريح تعصف به فتفرقه ذات اليمين وذات الشمال.

التفسِير: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ أي ألم يبلغك يا محمد وتعلم علمًا يقينيًا كأنه مشاهد العين، ماذا صنع الله العظيم الكبير بأصحاب الفيل الذين قصدوا الاعتداء على البيت الحرام؟ قال المفسرون: روى أن «أبرهة الأشرم» ملك اليمن، بنى كنيسةً بصنعاء وأراد أن يصرف إِليها الحجيج، فجاء رجلٌ من كنانة وتغوَّط فيها ليلًا ولطخ جدرانها بالنجاسة احتقارًا لها، فغعضب «أبرهة» وحلف أن يهدم الكعبة، وجاء مكة بجيش كبير على أفيال، يتقدمهم فيل هو أعظم الفيلة،

578

فلما وصل قريبًا من مكة فرَّ أهلها الى الجبال، خوفًا من جنده وجبورته، وأرسل الله تعالى على جيش أبرهة طيورًا سودًا، مع كل طائر ثلاثة أحجار، جحر في منقاره وحجران في رجليه، فرمتهم الطيور بالحجارة، فكان الحجر يدخل في رأس الرجل ويخرج من دبره فيرميه جثة هامدة، حتى أهلكهم الله ودمَّرهم عن آخرهم، وكانت قصتهم عبرة للمعتبرين قال ألبو السعود: وتعليقُ الرؤية بكيفية فعله جل وعلا ﴿كَيْفَ فَعَلَ﴾ لا بنفسه بأن يقال: «ألم تر ما فعل ربك» الخ لتهويل الحادثة، والإِيذان بوقوعها على كيفية هائلة، وهيئةٍ عجيبة دالة على عظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه وحكمته وشرف رسوله ﷺ َ فإن ذلك من الإرهاصات لما روي أ، القصة وقعت في السنة التي ولد فيها النبي عليه الصلاة والسلام ُ ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ أي ألم يهلكهم ويجعل مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة في ضياعٍ وخسار؟! ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ أي وسلَّط عليهم من جنوده طيرًا أتتهم جماعات، متتابعة بعضها في إثر بعض، وأحاطت بهم من كل ناحية ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾ أي تقذفهم بحجارة صغيرة من طين متحجر، كأنها رصاصات ثاقبة لا تصل إلى إلى أحدٍ إِلا قتلته ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ أي فجعلهم كورق الشجر الذي عصفت به الريح، وأكلته الدواب ثم راثته، فأهلكهم عن بكْرة أبيهم، وهذه القصة تدل على كرامة الله للكعبة، وإِنعامه على قريش بدفع العدو عنهم، فكان يجب عليهم أن يعبدوا لله ويشكروه على نعمائه، وفيها مع ذلك عجائب وغرائب من قدرة الله على الانتقام من أعدائه قال في البحر: كان صرف ذلك العدو العظيم عام مولده السعيد عليه السلام، إرهاصًا بنبوته إِذ مجيء تلك الطيور على الوصف المنقول، من خوارق العادات والمعجزات المتقدمة بين أيدي الأنبياء عليهم السلام، وقد أهلكهم الله تعالى بأضعف جنوده وهي الطير التي ليست من عادتها أنها تقتل.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:

1 - الاستفهام للتقرير والتعجيب ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ. .﴾ الآية.

2 - الخطاب للنبي ﷺ َ بإِضافته إِلى اسم الجلالة ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ تشريف للنبي العظيم، وإِشادةٌ بقدرة الله تعالى.

3 - التشبيه المرسل المجمل ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ ذكرت الأداة وحذف وجه الشبه.

4 - توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل ﴿الفيل، تَضْلِيلٍ، سِجِّيلٍ، أَبَابِيلَ﴾ الخ.

579