صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 173 - 179

18

18

المنَاسَبَة: لما مدح تعالى المؤمنين وأثنى عليهم بقوله ﴿الذين يقولون ربنا إِننا آمنا﴾ أردفه بأنْ بيّن أنَّ دلائل الإِيمان ظاهرة جلية فقال ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ ثم بيّن أن الإِسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده، وأمر الرسول بأن يعلن استسلامه لله وانقياده لدين الله، وأعقبه بذكر ضلالات أهل الكتاب واختلافهم في أمر الدين اختلافًا كبيرًا، وإِعراضهم عن قبول حكم الله.

اللغَة: ﴿شَهِدَ﴾ الشهادة: الإِقرار والبيان ﴿القسط﴾ العدل ﴿الدِّينَ﴾ أصل الدين في اللغة: الجزاء ويطلق على الملَّة وهو المراد هنا ﴿الإسلام﴾ الاسلام في اللغة: الاستسلام والانقياد التام قال ابن الأنباري: المسلم معناه المخلص لله عبادته من قولهم: سلم الشيء لفلان أي خلص له فالإِسلام معناه إِخلاص الدين والعقيدة لله تعالى ﴿حَآجُّوكَ﴾ جادلوك ونازعوك ﴿غَرَّهُمْ﴾ فتنهم ﴿يَفْتَرُونَ﴾ يكذبون.

سَبَبُ النّزول: لمّا استقر رسول الله ﷺ َ بالمدينة قدم عليه حَبْران من أحبار الشام، فلما دخلا عليه عرفاه بالصّفة والنعت فقالا له: أنت محمد؟ قال نعم، قالا: وأنت أحمد؟ قال نعم، قالا نسألك عن شهادةٍ فإِن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدَّقناك، فقال لهما رسول الله ﷺ َ: سلاني، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فنزلت ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ الآية فأسلم الرجلان

173

وصدّقا برسول الله ﷺ َ.

التفسِير: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ أي بيّن وأعلم تعالى عباده بانفراده بالوحدانية، قال الزمخشري: شبهت دلالته على وحدانيته بشهادة الشاهد في البيان والكشف ﴿والملائكة وَأُوْلُواْ العلم﴾ أي وشهدت الملائكة وأهل العلم بوحدانيته بدلائل خلقه وبديع صنعه ﴿قَآئِمًَا بالقسط﴾ أي حال كونه مقيمًا للعدل فيما يقسم من الآجال والأرزاق ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ أي لا معبود في الوجود بحق إِلا هو ﴿العزيز الحكيم﴾ أي العزيز في ملكه الحكيم في صنعه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ أي الشرع المقبول عند الله هو الإِسلام، ولا يدن يرضاه الله سوى الإِسلام ﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم﴾ أي وما اختلف اليهود والنصارى في أمر الإِسلام ونبوة محمد عليه السلام، إِلا بعد أن علموا بالحجج النيرّة والآيات الباهرة حقيقة الأمر، فلم يكن كفرهم عن شبهة وخفاء وإِنما كان عن استكبار وعناد، فكانوا ممن ضلَّ عن علم ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي حسدًا كائنًا بينهم حملهم عليه حب الرئاسة ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ الله فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ وهو وعيد وتهديد أي من يكفر بآياته تعالى فإِنه سيصير إلى الله سريعًا فيجازيه على كفره ﴿فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ﴾ أي إِن جادلوك يا محمد في شأن الدِّين فقل لهم: أنا عبدٌ لله قد استسلمتُ بكليتي لله، وأخلصت عبادتي له وحده، لا شريك له ولا نِدّ ولا صاحبة ولا ولد ﴿وَمَنِ اتبعن﴾ أي أنا وأتباعي على ملة الإِسلام، مستسلمون منقادون لأمر الله ﴿وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب والأميين﴾ أي قل لليهود والنصارى والوثنيين من العرب ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ أي هل أسلمتم أم أنتم باقون على كفركم فقد أتاكم من البينات ما يوجب إِسلامكم ﴿فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا﴾ أي فإِن أسلموا كما أسلمتم فقد نفعوا أنفسهم بخروجهم من الضلال إِلى الهدى ومن الظلمة إِلى النور ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ﴾ أي وإِن أعرضوا فلن يضروك يا محمد إِذ لم يكلفك الله بهدايتهم وإِنما أنت مكلف بالتبليغ فحسب والغرض منها تسلية النبي ﷺ َ ﴿والله بَصِيرٌ بالعباد﴾ أي عالم بجميع أحوالهم فيجازيهم عليها، روي أن رسول الله ﷺ َ لما قرأ هذه الآية على أهل الكتاب قالوا: أسلمنا فقال عليه السلام لليهود: أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله ﴿فقالوا: معاذ الله، فقال للنصارى: أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله﴾ فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبدًا وذلك قوله عز وجل ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ﴾ .

﴿إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله﴾ أي يكذبون بما أنزل الله ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي يقتلون أنبياء الله بغير سبب ولا جريمة إِلا لكونهم دعوهم إِلى الله، وهم اليهود قتلوا زكريا وابنه يحيى وقتلوا أنبياء الله، قال ابن كثير: «قتلت بنو إِسرائيل ثلاثمائة نبيّ من أول النهار، وأقاموا سوق بقلهم من آخره» ﴿وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط﴾ أي أخبرهم بما يسرهم وهو العذاب الموجع المهين، والأسلوب للتهكم وقد استحقوا ذلك لأنهم جمعوا ثلاثة أنواع من الجرائم: الكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء، وقتل الدعاة

174

إِلى الله قال تعالى مبينًا عاقبة إِجرامهم ﴿أولئك الذين حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة﴾ أي بطلت أعمالهم التي عملوها من البر والحسنات، ولم يبق لها أثر في الدارين، بل بقي لهم اللعنة والخزي في الدنيا والآخرة ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي ليس لهم من ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابة. . ثم ذكر تعالى طرفًا من لجاج وعناد أهل الكتاب فقال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الكتاب﴾ أي ألا تعجب يا محمد من أمر هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب ﴿فالصيغة صيغة تعجيب للرسول أو لكل مخاطب قال الزمخشري: يريد أحبار اليهود وأنهم حصلوا نصيبًا وافرًا من التوراة ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتَابِ الله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي يدعون إِلى التوراة كتابهم الذين بين أيديهم والذي يعتقدون صحته، ليحكم بينهم فيما تنازعوا فيه فيأبون ﴿ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي ثم يعرض فريق منهم عن قبول حكم الله، وهو استبعاد لتوليهم بعد علمهم بوجوب الرجوع إِليه، وجملة ﴿وَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ تأكيد للتولي أي وهم قوم طبيعتهم الإِعراض عن الحق، والإِصرار على الباطل، والآية كما يقول المفسرون تشير إِلى قصة تحاكم اليهود إِلى النبي ﷺ َ لما زنى منهم إثنان فحكم عليهما بالرجم فأبوا وقالوا: لا نجد في كتابنا إلا التحميم فجيء بالتوراة فوجد فيها الرجم فرجما، فغضبوا فشنَّع تعالى عليهم بهذه الآية ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ أي ذلك التولي والإِعراض بسبب افترائهم على الله وزعمهم أنهم أبناء الأنبياء وأن النار لن تصيبهم إلا مدةً يسيرة - أربعين يومًا - مدة عبادتهم للعجل ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي غرهم كذبهم على الله ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي كيف يكون حالهم يوم القيامة حين يجمعهم الله الحساب﴾ ! وهو استعظام لما يدهمهم من الشدائد والأهوال ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ أي نالت كل نفسٍ جزاءها العادل ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي لا يظلمون بزيادة العذاب أو نقص الثواب.

البَلاَغَة: 1 - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ الجملة معرّفة الطرفين فتفيد الحصر أي لا دين إِلا الإِسلام.

2 - ﴿الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ التعبير عن اليهود والنصارى بقوله «أوتوا الكتاب» لزيادة التشنيع والتقبيح عليهم فإِن الاختلاف مع علمهم بالكتاب في غاية القبح والشناعة.

3 - ﴿بِآيَاتِ الله فَإِنَّ الله﴾ إِظهار الاسم الجليل لتربية المهابة وإِدخال الروعة في النفس.

4 - ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ﴾ أطلق الوجه وأراد الكل فهو مجاز مرسل من إِطلاق الجزء وإِرادة الكل.

5 - ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الأصل في البشارة أن تكون في الخير واستعمالها في الشر للتهكم ويسمى «الأسلوب التهكمي» حيث نزّل الإِنذار منزلة البشارة السارة كقوله ﴿بَشِّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 138] وهو أسلوبٌ مشهور.

فَائِدَة: قال القرطبي: في هذه الآية دليل على فضل العلم، وشرف العلماء، فإِنه لو كان أحد

175

أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء، ويكفي في شرف العلم قوله لنبيه ﷺ َ: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114] وقوله ﷺ َ: «إِن العلماء ورثة الأنبياء» وفي حديث ابن مسعود أن من قرأ قوله تعالى ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ الآية فإِنه يجاء به يوم القيامة فيقول الله تعالى: عبدي عهد إِليَّ عهدًا وأنا أحقُّ من وفّى، أدخلوا عبدي الجنة.

لطيفَة: من أطرف ما قرأتُ في بيان فضل العلم تلك المحاورة اللطيفة بين العقل والعلم حيث يقول القائل وقد أبدع وأجاد:

علمُ العليمِ وعقلُ العاقل اختلفا ... من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا

فالعلم قال: أنا أحرزتُ غايتَه ... والعقلُ قال: أنا الرحمن بي عُرفا

فأفصح العلم إِفصاحًا وقال له ... بأيّنا الله في فرقانه اتّصفا

فبان للعقل أن العلم سيِّدهُ ... فقبل العقل رأس العلم وانصرفا

176

26

المنَاسَبَة: لّما ذكر تعالى في الآيات السابقة دلائل التوحيد والنبوة وصحة دين الإِسلام، أعقبه بذكر البشائر التي تدل على قرب نصر الله للإِسلام والمسلمين، فالأمر كله بيد الله يعز من يشاء ويذل من يشاء، وأمر رسوله بالدعاء والابتهال إِلى الله بأن يعزّ جند الحق وينصر دينه المبين.

اللغَة: ﴿اللهم﴾ أصله يا ألله حذفت أداة النداء واستعيض عنها بالميم المشدّدة هكذا قال الخليل وسيبويه ﴿تَنزِعُ﴾ تسلب ويعبر به عن الزوال يقال: نزع الله عنه الشر أي أزاله ﴿تُولِجُ﴾ الإِيلاج: الإِدخال يقال: ولج يلج ولوجًا ومنه ﴿حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط﴾ [الأعراف: 40] ﴿أَمَدًَا﴾ الأمد: غاية الشيء ومنتهاه وجمعه آماد ﴿تُقَاةً﴾ تقيَّةً وهي مدارة الإِنسان مخافة شره.

176

سَبَبُ النّزول: أ - لما افتتح رسول الله ﷺ َ مكة ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم!! هم أعزُّ وأمنع من ذلك ألم يكفه مكة حتى طمع في ملك فارس والروم فأنزل الله ﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ ...﴾ الآية.

ب - عن ابن عباس أن «عُبادة بن الصامت» - وكان بدريًا تقيًا - كان له حلفٌ مع اليهود، فلما خرج النبي ﷺ َ يوم الأحزاب قال له عبادة: يا نبيَّ الله إِن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو فأنزل الله ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ﴾ الآية.

التفِسير: ﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الملك﴾ أي قل: يا ألله يا مالك كل شيء ﴿تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ﴾ أي أنت المتصرف في الأكوان، تهب الملك لمن تشاء وتخلع الملك ممن تشاء ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ﴾ أي تعطي العزة لمن تشاء والذلة لمن تشاء ﴿بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي بيدك وحدك خزائن كل خير وأنت كل على كل شيء قدير ﴿تُولِجُ الليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي الليل﴾ أي تدخل الليل في النهار كما تدخل النهار في الليل، فتزيد في هذا وتنقص في ذاك والعكس، وهكذا في فصول السنة شتاءً وصيفًا ﴿وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ أي تخرج الزرع من الحب والحب من الزرع، والنخلةَ من النواة والنواة من النخلة، والبيضة من الدجاجة والدجاجة من البيضة، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن هكذا قال ابن كثير، وقال الطبري: «وأولى التأويلات بالصواب تأويل من قال: يخرج الإِنسان الحيَّ والأنعام والبهائم من النطف الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الإِنسان الحي والأنعام والبهائم الأحياء» ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي تعطي من تشاء عطاءً واسعًا بلا عدٍّ ولا تضييق.

. ثم نهى تعالى عن اتخاذ الكافرين أنصارًا وأحبابًا فقال ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ﴾

177

﴿المؤمنين﴾ أي لا توالوا أعداء الله وتتركوا أولياءه فمن غير المعقول أن يجمع الإِنسان بين محبة الله وبين محبة أعدائه قال الزمخشري: نُهوا أن يوالوا الكافرين لقرابةٍ بينهم أو صداقة أو غير ذلك من الأسباب التي يُتَصادق بها ويُتَعاشر ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ﴾ أي من يوالِ الكفرة فليس من دين الله في شيء ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي إِلا أن تخافوا منهم محذورًا أو تخافوا أذاهم وشرهم، فأظهروا موالاتهم باللسان دون للقلب، لأنه من نوع مداراة السفهاء كما روي «إِنّا لنبش في وجوه أقوامٍ وقلوبنا تلعنهم» ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ أي يخوفّكم الله عقابه الصادر منه تعالى ﴿وإلى الله المصير﴾ أي المنقلب والمرجع فيجازي كل عاملٍ بعمله ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله﴾ أي إِن أخفيتم ما في قلوبكم من موالاة الكفار أو أظهرتموه فإِن الله مطلع عليه لا يخفى عليه خافية ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي عالم بجميع الأمور، يعلم كل ما هو حادث في السماوات والأرض ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي وهو سبحانه قادر على الانتقام ممن خالف حكمه وعصى أمره، وهو تهديد عظيم ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾ أي يوم القيامة يجد كل إِنسان جزاء عمله حاضرًا لا يغيب عنه، إِن خيرًا فخير وإِن شرًا فشر، فإِن كان عمله حسنًا سرّه ذلك وأفرحه ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًَا بَعِيدًا﴾ أي وإِن كان عمله سيئًا تمنّى أن لا يرى عمله، وأحبَّ أن يكون بينه وبين عمله القبيح غايةً في نهاية البعد أي مكانًا بعيدًا كما بين المشرق والمغرب ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ أي يخوفكم عقابه ﴿والله رَؤُوفٌ بالعباد﴾ أي رحيم بخلقه يحبّ لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله﴾ أي قل لهم يا محمد إِن كنتم حقًا تحبون الله فاتبعوني لأني رسوله يحبكم الله ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي باتباعكم الرسول وطاعتكم لأمره يحبكم الله ويغفر لكم ما سلف من الذنوب قال ابن كثير: «هذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإِنه كاذب في دعواه تلك حتى يتّبع الشرع المحمدي في جميع أقواله وأفعاله» ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول﴾ أي أطيعوا أمر الله وأمر رسوله ﴿فإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي أعرضوا عن الطاعة ﴿فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين﴾ أي لا يحب من كفر بآياته وعصى رسله بل يعاقبه ويخزيه

﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي والذين آمَنُواْ مَعَهُ﴾ [التحريم: 8] .

البَلاَغَة: جمعت هذه الآيات الكريمة من ضروب الفصاحة وفنون البلاغة ما يلي:

1 - الطباق في مواضع مثل «تؤتي وتنزع» و«تعز وتذل» و«الليل والنهار» و«الحي والميت» و«تخفوا وتبدوا» وفي «خير وسوء» و«محضرًا وبعيدًا» .

2 - والجناس الناقص في «مالك الملك» وفي «تحبون ويحببكم» وجناس الاشتقاق بين «تتقوا وتقاة» وبين «يغفر وغفور» .

3 - رد العجز على الصدر في ﴿تُولِجُ الليل فِي النهار﴾ ﴿وَتُولِجُ النهار فِي الليل﴾

4 -

178

التكرار في جمل للتفخيم والتعظيم كقوله ﴿تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ﴾ .

5 - الإِيجاز بالحذف في مواطن عديدة كقوله ﴿تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ﴾ أي من تشاء أن تؤتيه ومثلها وتنزع، وتعز، وتذل.

6 - ﴿تُولِجُ الليل فِي النهار﴾ قال في تلخيص البيان: وهذه استعارة عجيبة وهي عبارة عن إِدخال هذا على هذا، وهذا على هذا فما ينقصه من الليل يزيده في النهار والعكس، ولفظ الإِيلاج أبلغ لأنه يفيد إِدخال كل واحد منهما في الآخر بلطيف الممازجة وشديد الملابسة.

7 - ﴿تُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ الحيُّ والميت مجاز عن المؤمن والكافر فقد شبه المؤمن بالحي والكافر بالميت والله أعلم.

فَائِدَة: في الاقتصار على ذكر الخير ﴿بِيَدِكَ الخير﴾ دون ذكر الشر تعليمٌ لنا الأدب مع الله فالشر لا ينسب إِلى الله تعالى أدبًا وإِن كان منه خلقًا وتقديرًا ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله﴾ [النساء: 78] .

تنبيه: روى مسلم في صحيحه عن رسول الله ﷺ َ أنه قال: «إِن الله إِذا أحبَّ عبدًا دعا جبريل فقال: إِني أحب فلانًا فأحبَّه قال فيحبُّه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إِن الله يحب فلانًا فأحبوه قال فيحبه أهل السماء، وإِذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إِني أبغض فلانًا فأبغضْه قال فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إِن الله يبغض فلانًا فأبغضوه فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض» .

179