صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 280 - 289

114

114

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة طُعْمة وحادثة السرقة التي اتهم بها اليهودي البريء ودفاع قومه عنه وتآمرهم في السرّ لإِيقاع البرئ بها، ذكر تعالى هنا أن موضوع النجوى لا يخفى على الله وأن كل تدبير في السرّ يعلمه الله، وأنه لا خير في التناجي إِلا ما كان بقصد الخير والإِصلاح، ثم ذكر تعالى أن مخالفة أمر الرسول ﷺ َ جرمٌ عظيم وحذَّر من الشيطان وطرق إِغوائه، ثم عاد الحديث إِلى التحذير من ظلم النساء في ميراثهن ومهورهن وأكد على وجوب الإِحسان إِليهن، وأعقبه بذكر النشوز والطريق إِلى الإِصلاح بين الزوجين إِمّا بالوفاق أو بالفراق.

اللغَة: ﴿نَّجْوَاهُمْ﴾ النجوى: السرُّ بين الإِثنين قال الواحدي: ولا تكون النجوى إِلا بين اثنين ﴿يُشَاقِقِ﴾ يخالف والشقاقُ: الخلاف مع العداوة لأن كلًا من المتخالفين يكون في شق غير شق الآخر ﴿مَّرِيدًا﴾ المريد: العاتي المتمرد من مرد إِذا عتا وتجبر قال الأزهري: مرد الرجل إِذا عتا وخرج عن الطاعة فهو ما رد ومريد ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ البتك: القطع ومنه سيف باتك أي قاطع ﴿مَحِيصًا﴾ مهربًا من حاص إِذا هرب ونفر وفي المثل «وقعوا في حيص بيص» أي فيما لا يقدر على التخلص منه ﴿خَلِيلًا﴾ من الخلة وهي صفاء المودة قال ثعلب: سمي الخليل خليلًا لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللًا إِلا ملأته قال بشار:

قد تخلّلتِ مسلك الروح مني ... وبه سمي الخليل خليلًا

280

التفِسير: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾ أي لا خير في كثير مما يُسرّه القوم ويتناجون به في الخفاء ﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ الناس﴾ أي إِلا نجوى من أمر بصدقةٍ ليعطيها سرًا أو أمر بطاعة الله قال الطبري: المعروف هو كل ما أمر الله به أو ندب إِليه من أعمال البر والخير، والإِصلاح هو الإِصلاح بين المختصمين ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك ابتغآء مَرْضَاتِ الله﴾ أي ومن يفعل ما أمر به من البر والمعروف والإِصلاح طلبًا لرضى الله تعالى لا لشيء من أغراض الدنيا ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي فسوف نعطيه ثوابًا جزيلًا هو الجنة قال الصاوي: والتعبير بسوف إِشارة إلى أن جزاء الأعمال الصالحة في الآخرة لا في الدنيا لأنها ليست دار جزاء ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى﴾ أي يخالف أمر الرسول فيما جاء به عن الله من بعد ما ظهر له الحق بالمعجزات ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين﴾ أي يسلك طريقًا غير طريق المؤمنين ويتبع منهاجًا غير منهاجهم ﴿نُوَلِّهِ مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ أي نتركه مع اختياره الفاسد وندخله جهنم عقوبة له ﴿وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ أي وساءت جهنم مرجعًا لهم ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ أي لا يغفر ذنب الشرك ويغفر ما دونه من الذنوب لمن يريد ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ أي فقد بَعُد عن طريق الحق والسعادة بعدًا كبيرًا ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا﴾ أي ما يدعو هؤلاء المشركون وما يعبدون من دون الله إلا أوثانًا سموها بأسماء الإِناث «اللات والعزى ومناة» قال في التسهيل: كانت العرب تسمي الأصنام بأسماء مؤنثة ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾ أي وما يعبدون إلا شيطانًا متمردًا بلغ الغاية في العتو والفجور وهو إبليس الذي فسق عن أمر ربه ﴿لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ أي أبعده الله عن رحمته فأقسم الشيطان قائلًا: لأتخذنَّ من عبادك الذين أبعدتني من أجلهم نصيبًا أي حظًا مقدرًا معلومًا أدعوهم إلى طاعتي من الكفرة والعصاة وفي صحيح مسلم يقول الله تعالى لآدم يوم القيامة

«إبعثْ بعثَ النار فيقول: وما بعث النار؟ فيقول من كل ألفٍ تسعمائةٌ وتسعة وتسعون» ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ لأصرفَنّهم عن طريق الهدى وأعدهم الأماني الكاذبة وألقي في قلوبهم طول الحياة وأن لا بعث ولا حساب ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام﴾ أي ولآمرنهم بتقطيع آذان الأنعام قال قتادة: يعني تشقيقها وجعلها علامة للبحيرة والسائبة كما كانوا يفعلون في الجاهلية ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ أي ولآمرنهم بتغيير خلق الله كخصاء العبيد والحيوان والوشم وغيره وقيل: المراد به تغيير دين الله بالكفر والمعاصي وإحلال ما حرّم الله وتحريم ما أحل ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيًّا مِّن دُونِ الله﴾ أي ومن يتول الشيطان ويطعْه ويترك أمر الله ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ أي خسر دنياه وآخرته لمصيره إلى النار المؤبدة وأي خسرانٍ أعظم من هذا؟ ثم قال تعالى عن إبليس ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ أي يعدهم بالفوز والسعادة ويمنيهم

281

بالأكاذيب والأباطيل قال ابن كثير: هذا إخبارٌ عن الواقع فإِن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة وقد كذب وافترى في ذلك ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشيطان إِلاَّ غُرُورًا﴾ أي وما يعدهم إلا باطلًا وضلالًا قال ابن عرفة: الغُرور ما له ظاهر محبوب وباطن مكروه، فهو مزيّن الظاهر فاسد الباطن ﴿أولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي مصيرهم ومآلهم يوم القيامة نار جهنم ﴿وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ أي ليس لهم منهم مفر ولا مهرب، ثم ذكر تعالى حال السعداء الأبرار وما لهم من الكرامة في دار القرآن فقال ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ أي مخلدين في دار النعيم بلا زوال ولا انتقال ﴿وَعْدَ الله حَقًّا﴾ أي وعدًا لا شك فيه ولا ارتياب ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلًا﴾ أي ومن أصدق من الله قولًا؟ والاستفهام معناه النفيُ أي لا أحد أصدق قولًا من الله قال أبو السعود.

والمقصود معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب﴾ أي ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصل بأمانيكم أيها المسلمون ولا بأماني أهل الكتاب وإنما يحصل بالإِيمان والعمل الصالح قال الحسن البصري: ليس الإِيمان بالتمني ولكنْ ما وقر في القلب وصدّقه العمل، إن قومًا ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحسن الظن بالله، وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل ﴿مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ أي من يعمل السوء والشر ينال عقابه عاجلًا أو آجلًا ﴿وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾ أي لا يجد من يحفظه أو ينصره من عذاب الله ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي ومن يعمل الأعمال الصالحة سواءً كان ذكرًا أو أنثى بشرط الإِيمان ﴿فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ أي يدخلهم الله الجنة ولا يُنقصون شيئًا حقيرًا من ثواب أعمالهم كيف ولا والمجازي أرحم الراحمين! ﴿وإنما قال ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ليبيّن أن الطاعة لا تنفع من دون الإِيمان، ثم قال تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله﴾؟ أي لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد لأمر الله وشرعه وأخلص عمله لله ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي مطيعٌ لله مجتنبٌ لنواهيه ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن، مستقيمًا على منهاجه وسبيله وهو دين الإِسلام ﴿واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أي صفيًا اصطفاه لمحبته وخلته قال ابن كثير: فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي جميع ما في الكائنات ملكه وعبيده وخلقه وهو المتصرف في جميع اذلك، لا رادّ لما قضى ولا معقب لما حكم ﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا﴾ أي علمه نافذ في جميع ذلك لا تخفى ليه خافية ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء﴾ أي يسألونك عما يجب عليهم في أمر النساء ﴿قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب﴾ أي قل لهم يا محمد: يبين الله لكم ما سألتم في شأنهنَّ ويبين لكم ما يتلى في القرآن من أمر ميراثهن ﴿فِي يَتَامَى النسآء اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ أي ويفتيكم أيضًا في اليتيمات اللواتي ترغبون في نكاحهن﴾

282

﴿لجمالهن أو لمالهنَّ ولا تدفعون لهن مهورهنَّ فنهاهم الله عز وجل عن ذلك قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبة فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدًا فإن كانت جميلة واحبها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمةً منعها الرجال حتى تموت فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك ونهى عنه ﴿والمستضعفين مِنَ الولدان وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط﴾ أي ويفتيكم في المستضعفين الصغار أن تعطوهم حقوقهم وأن تعدلوا مع اليتامى في الميراث والمهر، وقد كان أهل الجاهلية لا يورثون الصغار ولا النساء ويقولون: كيف نعطي المال من لا يركب فرسًا ولا يحمل سلاحًا ولا يقاتل عدوًا﴾ فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يعطوهم نصيبهم من الميراث ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ وما تفعلوه من عدلٍ وبرًّ في أمر النساء واليتامى فإن الله يجازيكم عليه قال ابن كثير: وهذا تهييجٌ على فعل الخيرات وامتثال الأوامر وأن الله سيجزي عليه أوفر الجزاء، ثم ذكر تعالى حكم نشوز الرجل فقال ﴿وَإِنِ امرأة خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ أي وإذا علمت امرأة أو شعرت من زوجها الترفع عليها أو الإِعراض عنها بوجهه بسبب الكره لها لدمامتها أو لكبر سنها وطموح عينه إلى من هي أشبُّ وأجمل منها ﴿فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ أي فلا حرج ولا إثم على كل واحد من الزوجين من المصالحة والتوفيق بينهما بإسقاط المرأة بعض حقوقها من نفقةٍ أو كسوةٍ أو مبيت لتستعطفه بذلك وتستديم مودته وصحبته، روى ابن جرير عن عائشة أنها قالت: هذا الرجل يكون له امرأتان إحداهما قد عجزت أو هي دميمة وهو لا يحبها فتقول: لا تطلقني وأنت في حلٍّ من شأني ﴿والصلح خَيْرٌ﴾ أي والصلح خيرٌ من الفراق ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾ أي جبلت الأنفس على الشح وهو شدة البخل فالمرأة لا تكاد تسمحٍ بحقها من النفقة والاستمتاع، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحبَّ غيرها ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ أي وإن تحسنوا في معاملة النساء وتتقوا الله بترك الجور عليهن ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي فإن الله عالم بما تعملون وسيجزيكم عليه أوفر الجزاء.

. ثم ذكر تعالى أن العدل المطلق بين النساء بالغٌ من الصعوبة مبلغًا لا يكاد يطاق، وهو كالخارج عن حد الاستطاعة فقال ﴿وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النسآء﴾ أي لن تستطيعوا أيها الرجال أن تحققوا العدل التام الكامل بين النساء وتسوّوا بينهن في المحبة والأُنس والاستمتاع ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي ولو بذلتم كل جهدكم لأن التسوية في المحبة وميل القلب ليست بمقدور الإِنسان ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل فَتَذَرُوهَا كالمعلقة﴾ أي لا تميلوا عن المرغوب عنها ميلًا كاملًا فتجعلوها كالمعلقة التي ليست بذات زوج ولا مطلقة، شبّهت بالشيء المعلَّق بين السماء والأرض، فلا هي مستقرة على الأرض ولا هي في السماء، وهذا من أبلغ التشبيه ﴿وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ أي وإن تصلحوا ما مضى من الجور وتتقوا الله بالتمسك بالعدل ﴿فَإِنَّ الله كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ أي يغفر ما فرط منكم ويرحمكم ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلًاّ مِّن سَعَتِهِ﴾ أي وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه، فإن الله يغنيه بفضله ولطفه، بأن يرزقه زوجًا خيرًا من زوجة، وعيشًا أهنأ من عيشه ﴿وَكَانَ الله وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ أي واسع

283

الفضل على العباد حكيمًا في تدبيره لهم ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي ملكًا وخلقًا وعبيدًا ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ أي وصينا الأولين والآخرين وأمرناكم بما أمرناهم به من امتثال الأمر والطاعة ﴿أَنِ اتقوا الله﴾ أي وصيناكم جميعًا بتقوى الله وطاعته ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي وإن تكفروا فلا يضره تعالى كفركم لأنه مستغنٍ عن العباد وهو المالك لما في السماوات والأرض ﴿وَكَانَ الله غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ أي غنيًا عن خلقه، محمودًا في ذاته، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلًا﴾ أي كفى به حافظًا لأعمال عباده ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ أي لو أراد الله لأهلككم وأفناكم وأتى بآخرين غيركم ﴿وَكَانَ الله على ذلك قَدِيرًا﴾ أي قادرًا على ذلك ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة وَكَانَ الله سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي من كان يريد بعمله أجر الدنيا فعند الله ما هو أعلى وأسمى وهو أجر الدنيا والآخرة فلم يطلب الأخسّ ولا يطلب الأعلى؟ فليسأل العبد ربه خيري الدنيا والآخرة فهو تعالى سميع لأقوال العباد بصير بأعمالهم.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات أنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الاستعارة في ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله﴾ استعار الوجه للقصد والجهة وكذلك في قوله ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾ لأن الشح لما كان غير مفارق للأنفس ولا متباعد عنها كان كأنه أحضرها وحمل على ملازمتها فاستعار الإِحضار للملازمة.

2 - الجناس المغاير في ﴿ضَلَّ ... ضَلاَلًا﴾ وفي ﴿خَسِرَ ... خُسْرَانًا﴾ وفي ﴿أَحْسَنُ ... مُحْسِنٌ﴾ وفي ﴿صُلْحًا ... والصلح﴾ وفي ﴿تَمِيلُواْ كُلَّ الميل﴾ .

3 - التشبيه في ﴿فَتَذَرُوهَا كالمعلقة﴾ وهو مرسل مجمل.

4 - الإِطناب والإِيجاز في عدة مواضع.

تنبيه: العدل المقصود في هذه الآية هو العدل في المحبة القلبية فقط وإلا لتناقضت الآية مع الآية السابقة ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3] وقد كان ﷺ َ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول «اللهم هذا قَسْمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» يعني بذلك المحبة القلبية ويدل على هذا قوله تعالى ﴿فَتَذَرُوهَا كالمعلقة﴾، وأما ما يدعو إليه بعض من يتسمون ب «المجددين» من وجوب التزوج بواحدة فقط بدليل هذه الآية فلا عبرة به لأنه جهل بفهم النصوص وهو باطل محض تَرُدُّهُ الشريعة الغراء، والسنة النبوية المطهرة، وكفانا الله شر علماء السوء.

284

135

المنَاسَبَة: لما أمر تعالى بالإِحسان إلى النساء والعدل في معاملتهن، أمر هنا بالعدل العام في جميع الأحكام، ودعا إِلى أداء الشهادة على الوجه الأكمل سواء كان المشهود عليه غنيًا أو فقيرًا، وحذّر من اتباع الهوى، ثم دعا إِلى الإِيمان بجميع الملائكة، والكتب والرسل، ثم أعقب ذلك بذكر أوصاف المنافقين المخزية وما له ممن العذاب والنكال في دركات الجحيم.

اللغَة: ﴿تَلْوُواْ﴾ الليُّ: الدفع يقال لويت فلانًا حقه إِذا دفعته ومطلته ومنه الحديث «ليُّ الواجد ظلم» أي مطل الغني ظلم ﴿يَخُوضُواْ﴾ الخوض: الاقتحام في الشيء ومنه خوض الماء ﴿نَسْتَحْوِذْ﴾ الاستحواذ: الاستيلاء والتغلب يقال استحوذ على كذا إِذا غلب عليه ومنه قوله تعالى ﴿استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان﴾ [المجادلة: 19] ﴿مُّذَبْذَبِينَ﴾ الذبذبة: التحريك والاضطراب يقال ذبذبته فتذبذب والمذبذب المتردّد بين أمرين ﴿الدرك﴾ بسكون الراء وفتحها بمعنى الطبقة وهي لما تسافل قال ابن عباس: الدَّرْك لأهل النار كالدرج لأهل الجنة إِلا أن الدرجات بعضها فوق بعض، والدركات بعضها أسفل

285

من بعض.

التفِسير: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط﴾ أي ما من آمنتم بالله وصدقتم بكتابه كونوا مجتهدين في إِقامة العدل والاستقامة وأتى بصيغة المبالغة في ﴿قَوَّامِينَ﴾ حتى لا يكون منهم جورٌ أبدًا ﴿شُهَدَآءَ للَّهِ﴾ أي تقيمون شهاداتكم لوجه الله دون تحيز ولا محاباة ﴿وَلَوْ على أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين﴾ أي ولو كانت تلك الشهادة على أنفسكم أو على آبائكم أو أقربائكم فلا تمنعنكم القرابة ولا المنفعة عن أداء الشهادة على الوجه الأكمل فإِن الحق حاكم على كل إِنسان ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ أي إِن يكن المشهود عليه غنيًا فلا يراعى لغناه، أو فقيرًا فلا يمتنع من الشهادة عليه ترحمًا وإِشفاقًا ﴿فالله أولى بِهِمَا﴾ أي فالله أولى بالغني والفقير وأعلم بما فيه صلاحهما فراعوا أمر الله فيما أمركم به فإِنه أعلم بمصالح العباد منكم ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى أَن تَعْدِلُواْ﴾ أي فلا تتبعوا هوى النفس مخافة أن تعدلوا بين الناس قال ابن كثير: أي لا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إِليكم على ترك العدل في شئونكم بل الزموا العدل على كل حال ﴿وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ أي وإِن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو تُعرضوا عن إِقامتها رأسًا ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيجازيكم عليه ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ أي اثبتوا على الإِيمان ودوموا عليه ﴿والكتاب الذي نَزَّلَ على رَسُولِهِ﴾ أي آمنوا بالقرآن الذي نزل على محمد ﷺ َ ﴿والكتاب الذي أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾ أي وبالكتب السماوية التي أنزلها من قبل القرآن قال أبو السعود: المراد بالكتاب الجنس المنتظم لجميع الكتب السماوية ﴿وَمَن يَكْفُرْ بالله وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليوم الآخر فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ أي ومن يكفر بشيء من ذلك فقد خرج عن طريق الهدى، وبَعُد عن القصد كل البعد ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازدادوا كُفْرًا﴾ هذه الآية في المنافقين آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم ماتوا على الكفر قال ابن عباس: دخل في هذه الآية كل منافق كان في عهد النبي ﷺ َ في البر والبحر وقال ابن كثير: يخبر تعالى عمن دخل في الإِيمان ثم رجع فيه ثم عاد إِلى الإِيمان ثم رجع واستمر على ضلاله وازداد حتى مات فإِنه لا توبة له بعد موته ولا يغفر الله له ولا يجعل له مما هو فيه فرجًا ولا مخرجًا ولا طريقًا إلى الهدى ولهذا قال تعالى ﴿لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ أي لم يكن الله ليسامحهم على ذلك ولا ليهديهم طريقًا إِلى الجنة قال الزمخشري: ليس المعنى انهم لو أخلصوا الإِيمان بعد تكرار الردة لم يُقبل منهم ولم يُغفر لهم ولكنه استبعاد له واستغراب كأنه أمر لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع لا يكاد يرجى منه الثبات، والغالب أنه يموت على شر حال، ثم أخبر تعالى عن مآل المنافقين فقال ﴿بَشِّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ عبّر تعالى بلفظ ﴿بَشِّرِ﴾ تهكمًا بهم أي أخبر يا محمد المنافقين بعذاب النار الأليم ﴿الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين﴾ أي أولئك هم الذين يوالون

286

الكافرين ويتخذونهم أعوانًا وأنصارًا لما يتوهمونه فيهم من القوة ويتركون ولاية المؤمنين ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة﴾ أي أيطلبون بموالاة الكفار القوة والغلبة؟ والاستفهام إِنكاري أي إِنّ الكفار لا عزة لهم فكيف تُبْتغى منهم! ﴿فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعًا﴾ أي العزة لله ولأوليائه قال ابن كثير والمقصود من هذا التهييجُ على طلب العزة من جناب الله ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب﴾ أي نزّل عليكم في القرآن، والخطابُ لمن أظهر الإِيمان من مؤمن ومنافق ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ أي أنزل عليكم أنه إِذا سمعتم القرآن يَكْفر به الكافرون ويَسْتهزئ به المستهزئون ﴿فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي لا تجلسوا مع الكافرين الذين يستهزئون بآيات الله حتى يتحدثوا بحديث آخر ويتركوا الخوض في القرآن ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ أي إِنكم إِن قعدتم معهم كنتم مثلهم في الكفر ﴿إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ أي يجمع الفريقين الكافرين والمنافقين في الآخرة في نار جهنم لأن المرء مع من أحب، وهذا الوعيد منه تعالى للتحذير من مخالطتهم ومجالستهم.

. ثم ذكر تعالى تربصهم السوء بالمؤمنين فقال ﴿الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ أي ينتظرون بكم الدوائر ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله﴾ أي غلبةٌ على الأعداء وغنيمة ﴿قالوا أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ﴾ أي فأعطونا مما غنمتموه من الكافرين ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أي ظفرٌ عليكم يا معشر المؤمنين ﴿قالوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ المؤمنين﴾ أي قالوا للمشركين ألم نغلبكم ونتمكنْ من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم وثبطنا عزائم المؤمنين حتى انتصرتم عليهم؟ فهاتوا نصيبنا مما أصبتم لأننا نواليكم ولا نترك أحدًا يؤذيكم قال تعالى بيانًا لمآل الفريقين ﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة﴾ أي يحكم بين المؤمنين والكافرين ويفصل بينهم بالحق ﴿وَلَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى المؤمنين سَبِيلًا﴾ أي لن يمكَنَ الكفرة من رقاب المؤمنين فيبيدوهم ويستأصلوهم قال ابن كثير: وذلك بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية وإِن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان، فإِن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّ المنافقين يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي يفعلون ما يفعل المخادع من إِظهار الإِيمان وإِبطال الكفر والله يجازيهم على خداعهم ويستدرجهم بأمر المؤمنين بحقن دمائهم، وقد أعدّ لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة، فسمّى تعالى جزاءهم خداعًا بطريق المشاكلة لأن وبال خداعهم راجع عليهم ﴿وَإِذَا قاموا إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى﴾ أي يصلون وهم متثاقلون متكاسلون، لا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا ﴿يُرَآءُونَ الناس﴾ أي يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ولا يقصدون وجه الله ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلًا﴾ أي لا يذكرون الله سبحانه إِلا ذكرًا قليلًا ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك﴾ أي مضطربين مترددين بين الكفر والإِيمان، وصفهم تعالى بالحيرة في دينهم ﴿لاَ إلى هؤلاء وَلاَ إِلَى هؤلاء﴾ أي لا ينتسبون إِلى المؤمنين ولا إِلى الكافرين ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي ومن

287

يضلله الله فلن تجد له طريقًا إلى السعادة والهدى، ثم حذّر تعالى المؤمنين من موالاة أعداء الدين فقال ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين﴾ أي لا تتركوا موالاة المؤمنين وتوالوا الكفرة المجرمين بالمصاحبة والمصادقة ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾ أي أتريدون أن تجعلوا لله حجة بالغة عليكم أنكم منافقون؟ قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن حجةٌ، ثم أخبر تعالى عن مآل المنافقين فقال ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ أي في الطبقة التي في قعر جهنم وهي سبع طبقات قال ابن عباس: أي في أسفل النار، وذلك لأنهم جمعوا مع الكفر الاستهزاء بالإِسلام وأهله، والنارُ دركات كما أن الجنة درجات ﴿وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي لن تجد لهؤلاء المنافقين ناصرًا ينصرهم من عذاب الله ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ﴾ وهذا استثناء أي تابوا عن النفاق ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي أعمالهم ونياتهم ﴿واعتصموا بالله﴾ أي تمسكوا بكتاب الله ودينه ﴿وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ﴾ أي لم يبتغوا بعملهم إِلا وجه الله ﴿فأولئك مَعَ المؤمنين﴾ أي في زمرتهم يوم القيامة ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي يعطيهم الأجر الكبير في الآخرة وهو الجنة ﴿مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أي أيُّ منفعةٍ له سبحانه في عذابكم؟ أيتشفى به من الغيظ، أم يدرك به الثأر، أم يدفع به الضر ويستجلب النفع وهو الغنى عنكم؟ ﴿وَكَانَ الله شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ أي شاكرًا لطاعة العباد مع غناه عنهم يعطي على العمل القليل الثواب الجزيل.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات أنواعًا من الفصاحة والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - المبالغة في الصيغة في ﴿قَوَّامِينَ بالقسط﴾ أي مبالغين في العدل.

2 - الطباق بين ﴿غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ وبين ﴿آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ .

3 - الجناس الناقص في ﴿آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ لتغير الشكل.

4 - جناس الاشتقاق في ﴿يُخَادِعُونَ ... خَادِعُهُمْ﴾ وفي ﴿جَامِعُ ... جَمِيعًا﴾ وفي ﴿شَكَرْتُمْ ... شَاكِرًا﴾ .

5 - الأسلوب التهكمي في ﴿بَشِّرِ المنافقين﴾ حيث استعمل لفظ البشارة مكان الإِنذار تهكمًا.

6 - الاستعارة في ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ استعار اسم الخداع للمجازاة على العمل، واللهُ تعالى منزَّه عن الخداع.

7 - الاستفهام الإِنكاري في ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة﴾ والغرضُ منه التقريع والتوبيخ.

الفوَائِد: الأولى: قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ ليس تكرارًا وإِنما معناه اثبتوا على الإِيمان ودوموا عليه كقول المؤمن ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: 6] أي ثبتنا على الصراط المستقيم.

الثانية: سمى تعالى ظفر المؤمنين فتحًا عظيمًا ونسبه إِليه ﴿فَتْحٌ مِّنَ الله﴾ وظفر الكافرين نصيبًا ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ ولم ينسبه إِليه وذلك لتعظيم شأن المسلمين، وتخسيس حظ الكافرين.

الثالثة: قال المفسرون: النار سبع دركات أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعيرة، ثم سقرن ثم الجحيم، ثم الهاوية وقد تسمى بعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها، كذا في البحر.

288

تنبيه: المنافق أخطر من الكافر ولهذا كان عذابه أشد ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ وقد شرط تعالى للتوبة على الكافر الانتهاء عن الكفر فقط ﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ وأما المنافق فشرط عليه أربعًا: التوبة، والإِصلاح، والاعتصام، وإِخلاص الدين له فقال ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ واعتصموا بالله وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ﴾ فدل على أن المنافقين شرُّ من كفر به وأولاهم بمقته، وأبعدهم من الإِنابة إِليه ثم قال ﴿فأولئك مَعَ المؤمنين﴾ ولم يقل فأولئك هم المؤمنون ثم قال ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ولم يقل «وسوف يؤتيهم» بغضًا لهم وإِعراضًا عنهم وتفظيعًا لما كانوا عليه من عظم كفر النفاق، زادنا الله فهمًا لأسرار كتابه.

289