صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 397 - 410

151

151

المنَاسَبَة: لّما ذكر تعالى ما حرّمه الكفار افتراء عليه وذكر ما أباحه تعالى لهم من الحبوب والفواكه والحيوان، ذكر هنا ما حرّمه تعالى عليهم حقيقة من الأمور الضارة، وذكر الوصايا العشر التي اتفقت عليها الشرائع السماوية وبها سعادة البشرية.

اللغَة: ﴿أَتْلُ﴾ أقرأ وأقص ﴿إمْلاَقٍ﴾ فقر يقال أملق الرجل إِذا افتقر ﴿أَشُدَّهُ﴾ قوته وهو بلوغ سن النكاح والرشد، والأشدُّ جمعٌ لا واحد له ﴿بالقسط﴾ بالعدل بلا بخس ولا نقصان ﴿السبل﴾ جمع سبيل وهي الطريق ﴿شِيَعًا﴾ فرقًا وأحزابًا جمع شيعة وهي الفرقة تتشيع وتتعصب لمذهبها ﴿قِيَمًا﴾ مستقيمًا لا عوج فيه ﴿نُسُكِي﴾ النُّسُك جمع نسيكة وهي الذبيحة وقال الزجاج: عبادتي ومنه الناسك الذي يتقرب إِلى الله بالعبادة.

التفِسير: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي قل يا محمد تعالوا أقرأ الذي حرّمه ربكم عليكم باليقين لا بالظن والتخمين ﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ أي لا تعبدوا معه غيره ﴿وبالوالدين إِحْسَانًا﴾ أي وأحسنوا إِلى الوالدين إِحسانًا، وذُكر ضمن المحرمات لأن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده فكأنه قال: ولا تسيئوا إِلى الوالدين قال أبو السعود: والسرُّ في ذلك المبالغةُ والدلالة على أن ترك الإِساءة إِليهما غير كافٍ في قضاء حقوقهما ﴿وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ﴾ أي ولا تقتلوا أولادكم خشية الفقر قال ابن الجّوزي: المراد دفن البنات أحياء من خوف الفقر ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ أي رزقكم ورزقهم علينا فإِن الله هو الرازق للعباد ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ أي لا تقربوا المنكرات الكبائر علانيتها وسرّها قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنى بأسًا في السرّ ويستقبحونه في العلانية فحرمه الله في السر والعلانية ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق﴾ أي لا تقتلوا النفس البريئة التي حرّم الله قتلها إِلا بموجب وقد فسّره قول رسول الله ﷺ َ: «لا يحل دم امرئ مسلم إِلا بإِحدى ثلاث: الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتاركُ لدينه المفارق للجماعة» ﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي ذلكم المذكور هو ما أوصاكم تعالى بحفظه وأمركم به أمرًا مؤكدًا لعلكم تسترشدون بعقولكم إِلى فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا قال أبو حيان: وفي لفظ وصّاكم من اللطف والرأفة وجعلهم أوصياء له تعالى ما لا يخفى من الإِحسان ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي لا تقربوا مال اليتيم بوجه من الوجوه إِلا بالخصلة التي هي أنفع له حتى يصير بالغًا رشيدًا، والنهي عن القرب يعمُّ وجوه التصرف لأنه إِذا

397

نُهي عن أن يقرب المال فالنهيُ عن أكله أولى وأحرى والتي هي أحسن منفعةُ اليتيم وتثمير ماله قال ابن عباس: هو أن يعمل له عملًا مصلحًا فيأكل منه بالمعروف ﴿وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط﴾ أي بالعدل والتسوية في الأخذ والعطاء ﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي لا نكلّف أحدًا إٍلا بمقدار طاقته بما لا يعجز عنه قال البيضاوي: أي إِلا ما يسعها ولا يعسرُ عليها، وذكره بعد وفاء الكيل لأن إِيفاء الحق عسرٌ فعليكم بما في وسعكم وما وراءه معفوٌّ عنكم ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى﴾ أي اعدلوا في حكومتكم وشهادتكم ولو كان المشهود عيه من ذوي قرابتكم ﴿وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ﴾ أي أوفوا بالعهد إِذا عاهدتم قال القرطبي: وهذا عام في جميع ما عهده الله إِلى عباده ويحتمل أن يراد به ما انعقد بين الناس وأضيف إِلى الله من حيث أمر بحفظه والوفاء به ﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي لعلكم تتعظون ﴿وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي وبأن هذا ديني المستقيم شرعته لكم فتمسكوا به ولا تتبعوا الأديان المختلفة والطرق الملتوية فتفرقكم وتزيلكم عن سبيل الهدى عن ابن مسعود قال:

«خطّ لنا رسول الله ﷺ َ يومًا خطًا ثم قال هذا سبيل الله، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه ويساره ثم قال: هذه سُبُل على كل سبيل منها شيطانٌ يدعو إِليها ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه﴾ الآية» ﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ كرر الوصية على سبيل التوكيد أي لعلكم تتقون النار بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه قال ابن عطية: لما كانت المحرمات الأولى لا يقع فيها عاقل جاءت العبارة ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 73] والمحرمات الأخر شهوات وقد ويقع فيها من لم يتذكر جاءت العبارة ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ والسير في الجادة المستقيمة يتضمن فعل الفضائل ولا بد لها من تقوى الله جاءت العبارة ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 63] ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب تَمَامًا عَلَى الذي أَحْسَنَ﴾ أي أعطينا موسى التوراة تمامًا للكرامة والنعمة على من كان محسنًا وصالحًا قال الطبري: أي آتينا موسى الكتاب تمامًا لنعمتنا عليه في قيامه بأمرنا ونهينا فإِن إِيتاء موسى الكتاب نعمةٌ من الله عليه ومنَّةٌ عظيمة لما سلف منه من صالح العمل وحسن الطاعة ﴿وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ وبيانًا مفصلًا لكل ما يحتاج إِليه بنو إِسرائيل في الدين ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي وهدى لبني إِسرائيل ورحمة عليهم ليصدّقوا بلقاء الله قال ابن عباس: كي يؤمنوا بالبعث ويصدّقوا بالثواب والعذاب ﴿وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ أي وهذا القرآن الذي أنزلناه على محمد كتابٌ عظيم الشأن كثير المنافع مشتملٌ على أنواع الفوائد الدينية والدنيوية ﴿فاتبعوه واتقوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي تمسكوا به واجعلوه إِمامًا واحذروا أن تخالفوه لتكونوا راجين للرحمة ﴿أَن تقولوا إِنَّمَآ أُنزِلَ الكتاب على طَآئِفَتَيْنِ﴾ أي أنزلناه بهذا الوصف العظيم الجامع لخيرات الدنيا والآخرة كراهة أن تقولوا يوم القيامة ما جاءنا كتاب فنتّبعه وإِنما نزلت الكتب المقدسة على اليهود والنصارى قال ابن جرير: فقطع الله بإِنزاله القرآن على محمد ﷺ َ حجتهم تلك ﴿وَإِن كُنَّا عَن﴾

398

﴿دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ أي وإِنه الحال والشأن كنا عن معرفة ما في كتبهم ورداستهم غافلين لا نعلم ما فيها لأنها لم تكن بلغتنا ﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّآ أهدى مِنْهُمْ﴾ أو تقولوا لو أننا أُنزل علينا الكتاب كما أُنزل على هاتين الطائفتين لكنَّا أهدى منهم إِلى الحق وأسرع إِجابة لأمر الرسول لمزيد ذكائنا وجدّنا في العمل ﴿فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ أي فقد جاءكم من الله على لسان محمد ﷺ َ قرآن عظيم، فيه بيانٌ للحلال والحرام وهدى لما في القلوب ورحمة من الله لعبادة قال القرطبي: أي قد زال العذر بمجيء محمد ﷺ َ قال ابن عباس: بيّنة أي حجة وهو النبي ﷺ َ والقرآن ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ الله﴾ أي من أكفر ممن كذّب بالقرآن ولم يؤمن به ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أي أعرض عن آيات الله قال أبو السعود: أي صرف الناس عنها فجمع بين الضلال والإِضلال ﴿سَنَجْزِي الذين يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سواء العذاب بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ﴾ وعيدٌ لهم أي سنثيب هؤلاء المعرضين عن آيات الله وحججه الساطعة شديد العقاب بسبب إِعراضهم عن آيات الله وتكذيبهم لرسله ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة﴾ أي ما ينتظر هؤلاء المشركون إِلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعذيبها وهو وقتٌ لا تنفع فيه توبتُهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: أي يأتي أمر ربك فيهم بالقتل أو غيره وقال الطبري: المراد أن يأتيهم ربك في موقف القيامة للفصل بين خلقه أو يأتيهم بعض آيات ربك وهو طلوع الشمس من مغربها ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ أي يوم يأتي بعض أشراط الساعة وحينئذٍ لا ينفع الإِيمان نفسًا كافرة آمنت في ذلك الحين ولا نفسًا عاصيةً لم تعمل خيرًا قال الطبري: أي لا ينفع من كان قبل ذلك مشركًا بالله أن يؤمن بعد مجيء تلك الآية لعظيم الهول الوارد عليهم من أمر الله، فحكم إِيمانهم كحكم إِيمانهم عند قيام الساعة وفي الحديث

«لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» ﴿قُلِ انتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ أي انتظروا ما يحلُّ بكم وهو أمر تهديد ووعيد ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا﴾ أي فرّقوا الدين فأصبحوا شيعًا وأحزابًا قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى فرّقوا دين إِبراهيم الحنيف ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي أنت يا محمد بريء منهم ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى الله﴾ أي جزاؤهم وعقابهم على الله هو يتولى جزاءهم ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ أي يخبرهم بشنيع فعالهم قال الطبري: أي أخبرهم في الآخرة بما كانوا يفعلون وأجازي كلًا منهم بما كان يفعل ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ أي من جاء يوم القيامة بحسنةٍ واحدة جوزي عنها بعشر حسناتٍ أمثالها فضلًا من الله وكرمًا وهو أقلُّ المضاعفة للحسنات فقد تنتهي إِلى سبعمائة أو أزيد ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾ أي ومن جاء بالسيئة عوقب بمثلها دون مضاعفة ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي لا يُنقصون من جزائهم شيئًا وفي الحديث

399

القدسي:

«يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيدُ، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغْفرُ» فالزيادة في الحسنات من باب الفضل، والمعاملة بالمثل في السيئات من باب العدل ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي ربي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين إِن ربي هداني إِلى الطريق القويم وأرشدني إِلى الدين الحق دين إِبراهيم ﴿دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي دينًا مستقيمًا لا عوج فيه هو دين الحنيفية السمحة الذي جاء به إِمام الحنفاء إِبراهيم الخليل ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ أي وما كان إِبراهيم مشركًا، وفيه تعريضٌ بإِشراك من خالف دين الإِسلام لخروجه عن دين إِبراهيم ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي﴾ أي قل يا محمد إِنَّ صلاتي التي أعبد بها ربي ﴿وَنُسُكِي﴾ أي ذبحي ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ أي حياتي ووفاتي وما أقدّمه في هذه الحياة من خيرات وطاعات ﴿للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ أي ذلك كله لله خالصًا له دون ما أشركتم به ﴿لاَ شَرِيكَ لَهُ﴾ أي لا أعبد غير الله ﴿وبذلك أُمِرْتُ﴾ أي بإِخلاص العبادة لله وحده أُمرتُ ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين﴾ أي أولُّ من أقرَّ وأذعنَ وخضع لله جلّ وعلا ﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبًّا﴾ تقريرٌ وتوبيخ للكفار، وسببها أنهم دعوة إِلى عبادة آلهتهم والمعنى: قل يا محمد أأطلب رباص غير الله تعالى؟ ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي والحال هو خالق ومالك كل شيء فكيف يليق أن أتخذ إِلهًا غير الله؟ ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا﴾ أي لا تكون جناية نفسٍ من النفوس إِلا عليها ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ أي لا يحمل أحدٌ ذنب أحد، ولا يؤاخذ إِنسانٌ بجريرة غيره ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ وهذا وعيدٌ وتهديد أي مرجعكم إِليه يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم ويميز بين المحسن والمسيء ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرض﴾ أي جعلكم خلفًا للأمم الماضية والقرون السالفة يخلف بعضكم بعضًا قال الطبري: أي استخلفكم بعد أن أهلك من كان قبلكم من القرون والأمم الخالية فجعلكم خلائف منهم في الأرض تخلفونهم فيها ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أي خالف بين أحوالكم في الغنى والفقر، والعلم والجهل، والقوة والضعف وغير ذلك مما وقع فيه التفضيل بين العباد ﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ﴾ أي ليختبر شكركم على ما أعطاكم قال ابن الجوزي: أي ليختبركم فيظهر منكم ما يكون به الثواب والعقاب ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي إِن ربك سريع العقاب لمن عصاه وغفور رحيم لمن أطاعه، قال في التسهيل: جمع بين الخوف والرجاء، وسرعة العقاب إِما في الدنيا بتعجيل الأخذ أو في الآخرة لأن كل ما هو آتٍ قريب.

البَلاَغَة: 1 - ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل﴾ السُّبل استعارة عن البدع والضلالات والمذاهب المنحرفة.

2 - ﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ التنكير لإِفادة العموم والشمول.

400

3 - ﴿وَبِعَهْدِ الله﴾ الإِضافة للتشريف والتعظيم.

4 - ﴿يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا﴾ وضع الظاهر مكان الضمير ﴿عَنْهَا﴾ لتسجيل شناعة وقباحة طغيانهم.

5 - ﴿قُلِ انتظروا﴾ الأمر للتهديد والوعيد.

6 - ﴿لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا ...﴾ الآية اشتمل هذا الكلام على النوع المعروف من علم البيان باللَّف وأصل الكلام: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا لم تكن مؤمنةً قبلُ إيمانُها بعدُ، ولا نفسًا لم تكسب في إِيمانها خيرًا قبلُ ما تكسبه من الخير بعد، إِلا أنه لفّ الكلامين فجعلهما كلامًا واحدًا بلاغة واختصارًا وإِعجازًا، أفاده صاحب الانتصاف.

7 - ﴿ظَهَرَ﴾ و﴿بَطَنَ﴾ طباق وبين ﴿الحسنة﴾ و﴿السيئة﴾ طباق كذلك وهو من المحسنات البديعية.

8 - ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ قال الشريف الرضي: ليس هناك على الحقيقة أحمال على الظهور وإِنما هي أثقال الآثام والذنوب فهو من الاستعارة اللطيفة.

فَائِدَة: وحّد تعالى ﴿سَبِيلِهِ﴾ لأن الحق واحد وجمع ﴿السبل﴾ لأن طرق الضلالة كثيرة ومتشعبة.

تنبيه: قال الحافظ ابن كثير: كثيرًا ما يقرن تبارك وتعالى في القرآن بين هاتين الصفتين ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كقوله تعالى ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم﴾ [الحجر: 49 - 50] إِلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارةً يدعو عباده إِليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إِليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهما لينجع في كلٍ بحسبه.

401

الأعراف

1

اللغَة: ﴿حَرَجٌ﴾ ضيق يقال: حَرج المكانُ أو الصدرُ إِذا ضاق ﴿بَيَاتًا﴾ قال الراغب: البَيَاتُ والتبيتُ: قصدُ العدو ليلًا ﴿قَآئِلُونَ﴾ من القيلولة وهي النوم وسط النهار، والقائلة: الظهيرة ﴿مَذْءُومًا﴾ مذمومًا يقال ذأمه أي ذمه وحقَّره ﴿مَّدْحُورًا﴾ مطرودًا يقال دحره أي طرده وأبعده ﴿سَوْءَاتِهِمَآ﴾ السوأة: العورة سميت بذلك لأن الإِنسان يسوءه ظهورها ﴿طَفِقَا﴾ شرعًا وأخذا يقال: طفِق يطفق إِذا ابتدأ وأخذ ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يرقعان ويلزقان ﴿رِيشًا﴾ لباسًا تتجملون به وأصل الريش: المالُ والجمال ومنه ريش الطير لأنه زينةٌ له وجمال ﴿قَبِيلُهُ﴾ جنوده وأصل القبيل: الجماعةُ سواءً

404

كانوا من أصلٍ أو أصول شتى ﴿فَاحِشَةً﴾ الفاحشة هي الشيء الذي تناهى قبحه والمراد بها هنا الطوافُ حول البيت عراةً وكل أمرٍ قبيح يسمى فاحشة، والفحشاء ما اشتد قبحه من الذنوب كالفاحشة.

التفِسير: ﴿المص﴾ تقدم في أول سورة البقرة الكلام عن الحروف المقطّعة وأن الحكمة في ذكرها بيان «إِعجاز القرآن» بالإِشارة إِلى أنه مركب من أمثال هذه الحروف ومع ذلك فقد عجز بلغاؤهم وفصحاؤهم وعباقرتهم عن الإِتيان بمثله وروي عن ابن عباس معناه: أنا الله أعلم وأَفْصِل، وقال أبو العالية: الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد والصاد مفتاح اسمه صادق ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي هذا كتاب أنزله الله إِليك يا محمد وهو القرآن ﴿فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ أي لا يضقْ صدرك من تبليغه خوفًا من تكذيب قومك ﴿لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لتنذر بالقرآن من يخاف الرحمن، ولتذكر وتعظ به المؤمنين لأنهم المنتفعون به ﴿اتبعوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي اتبعوا أيها الناس القرآن الذي فيه الهدى والنور والبيان المنزّل إِليكم من ربكم ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي ولا تتخذوا أولياء من دون الله كالأوثان والرهبان والكُهّان تولونهم أموركم وتطيعونهم فيما يشرعون لكم ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ أي تتذكّرون تذكرًا قليلًا قال الخازن: أي ما تتعظون إِلا قليلًا ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي وكثير من القرى أهلكناها والمراد بالقرية أهلُها ﴿فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ أي جاءها عذابنا ليلًا ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ أي جاءهم العذاب في وقت القيلولة وهي النوم في وسط النهار قال أبو حيان: وخصّ مجيء البأس بهذين الوقتين لأنهما وقتان للسكون والدعة والاستراحة فمجيء العذاب فيهما أشق وأفظع لأنه يكون على غفلةٍ من المهلكين ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ﴾ أي ما كان دعاؤهم واستغاثتهم حين شاهدوا العذاب ورأوا أماراته ﴿إِلاَّ أَن قالوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي إِلا اعترافهم بظلمهم تحسرًا وندامة، وهيهات أن ينفع الندم ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي لنسألن الأمم قاطبة هل بلّغكم الرسل وماذا أجبتم؟ والمقصودُ من هذا السؤال التقريع والتوبيخ للكفار ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ المرسلين﴾ أي لنسألنَّ الرسل أيضًا هل بلّغوا الرسالة وأدوا الأمانة؟ قال في البحر: وسؤال الأمم تقريرٌ وتوبيخ يعقب الكفار والعصاة نكالًا وعذابًا، وسؤال الرسل تأنيسٌ يعقب الأنبياء كرامة وثوابًا ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ﴾ أي فلنخبرنهم بما فعلوا عن علمٍ منا قال ابن عباس: يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون ﴿وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾ أي ما كنا غائبين عنهم حتى يخفى علينا شيء من أحوالهم قال ابن كثير: يخبر تعالى عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا من قليل وكثير: وجليل وحقير، لأنه تعالى الشهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ﴿والوزن يَوْمَئِذٍ الحق﴾ أي والوزن للأعمال يوم القيامة كائن بالعدل ولا يظلم ربك أحدًا ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي فمن رجحت موازين أعماله بالإِيمان وكثرة الحسنات ﴿فأولئك هُمُ المفلحون﴾ أي الناجون غدًا من العذاب الفائزون

405

بجزيل الثواب ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي ومن خفت موازين أعماله بسبب الكفر واجتراح السيئات ﴿فأولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُم﴾ أي خسروا أنفسهم وسعادتهم ﴿بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ أي بسبب كفرهم وجحودهم بآيات الله، قال ابن كثير: والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال وإِن كانت أعراضًا إِلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجسامًا يروى هذا عن ابن عباس، وقيل: يوزن كتاب الأعمال كما جاء في حديث البطاقة، وقيل: يوزن صاحب العمل كما في الحديث

«يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة» والكل صحيح فتارةً توزن الأعمال، وتارةً محالها، وتارة يوزن فاعلها والله أعلم أقول: لا غرابة في وزن الأعمال ووزن الحسنات والسيئات بالذات، فإِذا كان العلم الحديث قد كشف لنا عن موازين للحر والبرد، واتجاه الرياح والأمطار، أفيعجز القادر على كل شيء عن وضع موازين لأعمال البشر؟ ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرض﴾ أي جعلنا لكم أيها الناس في الأرض مكانًا وقرارًا قال البيضاوي: أي مكناكم من سكناها وزرعها والتصرف فيها ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ أي ما تعيشون به وتحيون من المطاعم والمشارب وسائر ما تكون به الحياة ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي ومع هذا الفضل والإِنعام قليل منكم من يشكر ربه كقوله ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: 13] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي خلقنا أباكم آدم طينًا غير مصوَّر ثم صورناه أبدع تصوير وأحسن تقويم، وإِنما ذكر بلفظ الجمع تعظيمًا له لأنه أبو البشر ﴿ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ﴾ أي ثم أمرنا الملائكة بالسجود لآدم تكريمًا له ولذريته ﴿فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ الساجدين﴾ أي سجد الملائكة كلهم أجمعون إِلا إِبليس امتنع من السجود تكبراص وعنادًا، والاستثناء منطقع لأنه استثناء من غير الجنس وقد تقدم قول الحسن البصري: لم يكن إِبليسُ من الملائكة طرفة عين ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ أي قال تعالى لإِبليس أيُّ شيء منعك أن تدع السجود لآدم؟ والاستفهام للتقريع والتوبيخ ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ أي قال إِبليس اللعين أنا أفضل من آدم وأشرف منه فكيف يسجد الفاضل للمفضول؟ ثم ذكر العلة في الامتناع فقال ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ أي أنا أشرف منه لشرف عنصري على عنصره، لأنني مخلوق من نار والنار أشرف من الطين، ولم ينظر المسكين لأمر من أمره بالسجود وهو الله تعالى قال ابن كثير: نظر اللعين إِلى أصل العنصر ولم ينظر إِلى التشريف والتعظيم وهو أن الله خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسًا فاسدًا فأخطأ قبّحه الله في قياسه في دعواه أن النار أشرف من الطين، فإِن الطين من شأنه الرزانة والحلم، والنار من شأنها الإِحراق والطيش، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإِصلاح والنار محل العذاب ولهذا خان إِبليس عنصره فأورثه الهلاك والشقاء والدمار قال ابن سيرين: أول من قاس إِبليس فأخطأ فمن قاس الدين برأيه قرنه الله مع إِبليس ﴿قَالَ فاهبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ أي اهبط من الجنة فما يصح ولا يستقيم ولا ينبغي أن تستكبر عن طاعتي وأمري وتسكن

406

دار قدسي ﴿فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين﴾ أي الذليلين الحقيرين قال الزمخشري: وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبسه الله الذل والصغار فمن تواضع لله رفعه ومن تكبّر على الله وضعه ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ استدرك اللعين فطلب من الله الإِمهال إِلى يوم البعث لينجو من الموت لأن يوم البعث لا موت بعده فأجابه تعالى بقوله ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ﴾ قال ابن عباس: أنظره إِلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم وكان طلب الإِنظار إِلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين فأبى الله ذلك عليه ويؤيده الآية الأخرى

﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ [الحجر: 37 - 38] ﴿قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم﴾ أي فبسبب إِغوائك وإِضلالك لي لأقعدنَّ لآدم وذريته على طريق الحق وسبيل النجاة الموصل للجنة كما يقعد القُطّاع للسابلة ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾ أي آتي عبادك من كل جهة من الجهات الأربع لأصدّهم عن دينك قال الطبري: معناه لآتينهم من جميع وجوه الحق والباطل، فأصدهم عن الحق وأحسّن لهم الباطل قال ابن عباس: ولا يستطيع أن يأتي من فوقهم لئلا يحول بين العبد وبين رحمة الله تعالى ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ أي مؤمنين مطيعين شاكرين لنعمك ﴿قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا﴾ أي اخرج من الجنة مذمومًا معيبًا مطرودًا من رحمتي ﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ اللام موطئة للقسم أي لمن أطاعك من الإِنس والجن لأملأنَّ جهنم من الأتباع الغاوين أجمعين، وهو وعيد بالعذاب لكل من انقاد للشيطان وترك أمر الرحمن ﴿وَيَآءَادَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ أي وقلنا يا آدم اسكن مع زوجك حواء الجنة بعد أن أُهبط منها إبليس وأخرج وطرد ﴿فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ أي كلا من ثمارها من أي مكان شئتما ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين﴾ أباح لهما الأكل من جميع ثمارها إِلا شجرة عيّنها لهما ونهاهما عن الأكل منها ابتلاءً وامتحانًا فعند ذلك حسدهما الشيطان وسعى في الوسوسة والمكر والخديعة ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان﴾ أي ألقى لهما بصوتٍ خفي لإِغرائهما بالأكل من الشجرة ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا﴾ أي ليظهر لهما ما كان مستوراص من العورات التي يقبح كشفها ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين﴾ وهذا توضيح لوسوسة اللعين أي قال في وسوسته لهما: ما نهاكما ربكما عن الأكل من الشجرة إِلا كراهية أن تكونا مَلكَين أو تصبحا من المخلّدين في الجنة ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ أي حلف لهما بالله على ذلك حتى خدعهما وقد يُخْدع المؤمن بالله قال الألوسي: وإِنما عبّر بصيغة المفاعلة للمبالغة لأن من يباري أحدًا في فعلٍ يجدُّ فيه ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ أي خدعهما بما غرهما به من القسم بالله قال ابن عباس: غرهما باليمين وكان آدم يظن أنه لا يحلف أحدٌ بالله كاذبًا فغرهما بوسوسته وقسمه لهما ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ أي فلما أكلا من الشجرة ظهرت عوراتهما قال الكلبي: تهافت عنهما لباسهما فأبصر كلٌ منهما عورة صاحبه فاستحيا ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن﴾

407

﴿وَرَقِ الجنة﴾ أي أخذا وشرعا يلصقان ورقة على ورقة ليستترا به بعد أن كانت كسوتهما من حلل الجنة قال القرطبي: أي جعلا يقطعان الورق ويلزقانه ليستترا به ومنه خصف النعل وعن وهب ابن منبه قال: كان لباس آدم وحواء نورًا على فروجهما لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا فلما أصاب الخطيئة بدت لهما سوآتهما ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشيطآن لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ﴾ أي ناداهما الله بطريق العتاب والتوبيخ قائلًا: أَلم أحذركما من الأكل من هذه الشجرة وأخبركما بعداوة الشيطان اللعين؟ روى أنه تعالى قال لآدم: ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحةٌ عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى وعزتك ولكنْ ما ظننتُ أن أحدًا من خلقك يحلف بك كاذبًا قال: فوعزتي لأهبطنَّك إِلى الأرض ثم لا تنال العيش إِلا كدًّا ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ اعترفا بالخطيئة وتابا من الذنب وطلبا من الله المغفرة والرحمة قال الطبري: وهذه الآية هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه ﴿قَالَ اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ الخطاب لآدم وحواء وإِبليس ولهذا جاء بصيغة الجمع أي اهبطوا من سماء القدس إِلى الأرض حال كون بعضكم عدوًا لبعض، فالشيطان عدوٌ للإِنسان، والإِنسان عدوٌ للشيطان كقوله

﴿إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6] ﴿وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾ أي لكم في الأرض موضع استقرار وتمتع وانتفاع إلى حين انقضاء آجالكم ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ أي في الأرض تعيشون وفيها تُقبرون ومنها تُخرجون للجزاء كقوله ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى﴾ [طه: 55] ثم ذكر تعالى ما امتنَّ به على ذرية آدم من اللباس والرياش والمتاع فقال ﴿يابنيءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا﴾ أي أنزلنا عليكم لباسين: لباسًا يستر عوراتكم، ولباسًا يزينكم وتتجملون به قال الزمخشري: الريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ أي ولباس الورع والخشية من الله تعالى خير ما يتزين به المرء فإِن طهارة الباطن أهم من جمال الظاهر قال الشاعر:

وخيرُ لباس المرء طاعةُ ربه ... ولا خير فيمن كان الله عاصيًا

﴿ذلك مِنْ آيَاتِ الله﴾ أي إِنزال اللباس من الآيات العظيمة الدالة على فضل الله ورحمته على عباده ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي لعلهم يذكرون هذه النعم فيشكرون الله عليها ﴿يابنيءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان﴾ أي لا يغوينكم الشيطان بإضلاله وفتنته ﴿كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة﴾ أي كما أغوى أبويكم بالأكل من الشجرة حتى أخرجهما من الجنة ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ﴾ أي ينزع عنهما اللباس لتظهر العورات، ونسب النزع إِليه لأنه المتسبب، وهذا هدف اللعين أن يهتك الستر عن الإِنسان ويعريه من جميع الفضائل الحسيّة والمعنوية ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ أي

408

إن الشيطان يبصركم هو وجنوده من الجهة التي لا تبصرونه منها، فهو لكم بالمرصاد فاحذروا كيده ومكره لأن العدو إِذا أتى من حيث لا يُرى كان أشدَّ وأخوف ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي جعلنا الشياطين أعوانًا وقرناء للكافرين ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ أي وإذا فعل المشركون فاحشة وهي الفعلة المتناهية في القبح كالطواف حول البيت عراة ﴿قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا﴾ أي اعتذروا عن ذلك الفعل القبيح بتقليد الآباء ﴿والله أَمَرَنَا بِهَا﴾ أي أمرنا بالتجرد من الثياب إِذ كيف نطوف في ثيابٍ عصينا فيها الله! وهذا افتراء على ذي الجلال قال البيضاوي: احتجوا بأمرين: تقليد الآباء، والافتراء على الله سبحانه، فأعرض عن الأول لظهور فساده، وردَّ الثاني بقوله ﴿قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء﴾ أي قل لهم يا محمد: الله منزّه عن النقص لا يأمر عباده بقبائح الأفعال ومساوئ الخصال ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ الاستفهام للإِنكار والتوبيخ أي أتكذبون على الله وتنسبون إِليه القبيح دون علمٍ ونظرٍ صحيح؟ ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالقسط﴾ أي بالعدل والاستقامة ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي توجهوا بكليتكم إِليه عند كل سجود ﴿وادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ أي واعبدوه مخلصين له العبادة والطاعة قال ابن كثير: أي أمركم بالاستقامة في عبادته وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات وبالإِخلاص لله في العبادة فإِن الله تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، وأن يكون خالصًا من الشرك ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ أي كما بدأكم من الأرض تعودون إِليها ﴿فَرِيقًا هدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة﴾ أي هدى فريقًا منكم وأضلَّ فريقًا منكم وهو الفعال لما يريد لا يُسأل عما يفعل ﴿إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الله﴾ هذا تعليل للفريق الذين حقت عليهم الضلالة أي اتخذوا الشياطين نصراء من دون الله ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ أي يظنون أنهم على بصيرة وهداية.

البَلاَغَة: 1 - ﴿حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ أي ضيق من تبليغه فهو على حذف مضاف مثل ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82] .

2 - ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ التعرض لوصف الربوبية مع الإِضافة لضمير المخاطبين لمزيد اللطف بهم وترغيبهم في امتثال الأوامر.

3 - ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ بين ﴿ثَقُلَتْ﴾ و﴿خَفَّتْ﴾ طباقٌ وكذلك بين ﴿بَيَاتًا﴾ و﴿قَآئِلُونَ﴾ لأن البيات معناه ليلًا و﴿قَآئِلُونَ﴾ معناه نهارًا وقت الظهيرة.

4 - ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ هو على حذف مضاف أي خلقنا أباكم وصورنا أباكم.

5 - ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم﴾ استعار الصراط المستقيم لطريق الهداية الموصلإلى جنان النعيم.

6 - ﴿وَيَآءَادَمُ﴾ فيه إيجاز بالحذف أي وقلنا يا آدم.

7 - ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ عبَّر عن الأكل بالقرب مبالغة في النهي عن الأكل منها.

409

8 - ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا﴾ أكد الخبر بالقسم وبإِنَّ واللام لدفع شبهة الكذب وهو من الضرب الذي يسمى «إنكاريًا» لأن السامع متردّد.

9 - ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾ بين الجملتين طباقٌ وهو من المحسنات البديعية.

تنبيه: سميت العورة سوأة لأن كشفها يسوء صاحبها قال العلماء: في الآية دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور وأنه مستهجنٌ في الطباع ولذلك سميت سوأة أقول: إن الآية قد أوضحت هدف إبليس اللعين ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ﴾ فمن دعا إلى تعري المرأة وشجَّع على ذلك كما هو حال من يزعم التقدمية ويدعو المرأة إلى نزع الحجاب بدعوة الحرية والمساواة فإنما هو عدوٌ للمرأة ومن أنصار وأعوان إبليس لأن الهدف واحد، وهي دعوة مكشوفة غايتها التفسخُ والانحلال الخلقي، وليست التقدمية بالتكشف والتعري وإنما هي بصيانة الشرف والعفاف ولله در القائل:

يا ابنتي إن أردتِ آيةَ حسنٍ ... وجمالًا يزينُ جسمًا وعقلًا

فانبذي عادة التبرج نبذًا ... فجمالُ النفوسِ أسمى وأَعْلى

يصنع الصَّانعون وردًا ولكنْ ... رودةُ الروضِ لا تُضارع شكلًا

410