صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 422 - 432

73

73

المنَاسَبة: لما ذكر تعالى في أول السورة قصة آدم، وما اتصل بها من آثار قدرته، وغرائب صنعته، الدالة على توحيده وربويته، وأقام الحجة الدامغة على صحة البعث بعد الموت، أتبع ذلك بقصص الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم، فذكر نوحًا وهودًا وأعقبه هنا بذكر قصة صالح وشعيب، وموقف المعاندين للرسل الكرام.

اللغَة: ﴿نَاقَةُ﴾ الناقة: الأنثى من الجمال، وعقر الناقة ضرب قوائمها بالسيف ﴿عَتَوْاْ﴾ استكبروا عتا عتوًا أي استكبر والليلُ العاتي: الشديد الظلمة ﴿جَاثِمِينَ﴾ لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم كما يجثم الطائر ﴿الرجفة﴾ الطامة التي يرجف لها الإِنسان أي يتزعزع ويضطرب وأصل الرجف الاضطراب رجفت الأرض اضطربت ﴿الغابرين﴾ الباقين في عذاب الله، والغابر بمعنى الباقي ويجيء بمعنى الماضي والذاهب ومنه قول الأعشى: في الزمن الغابر فهو من الأضداد كما في الصحاح ﴿يَغْنَوْاْ﴾ يقيموا يقال غَنَى بالمكان إذا أقام به دهرًا طويلًا ﴿عِفُواْ﴾ كثروا ونموا من عفا النبات إذا كثر.

التِفسير: ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ أي وحّدوا الله ولا تشركوا به ﴿قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي معجزة ظاهرة جلية تدل على صحة نبوتي ﴿هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ آيَةً﴾ هذا بيانٌ للمعجزة أي هذه الناقة معجزتي إليكم وإضافتها إلى الله للتشريف

422

والتعظيم لأنها خلقت بغير واسطة قال القرطبي: أخرج لهم الناقة حين سألوه من حجر صلد ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أَرْضِ الله﴾ أي اتركوها تأكل من رزق ربها ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي لا تتعرضوا لها بشيءٍ من السو أصلًا إكرامًا لها لأنها آية الله، والعذاب الأليم هو ما حلَّ بهم حين عقروها ﴿واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ﴾ أي خلفاء في الأرض قال الشهاب: لم يقل خلفاء عاد إشارة إلى أن بينهما زمانًا طويلًا ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ أي أسكنكم في أرض الحِجرْ تبنون ف سهولها قصورًا رفيعة ﴿وَتَنْحِتُونَ الجبال بُيُوتًا﴾ أي تنحتون الجبال لسكناكم قال القرطبي: اتخذوا البيوت في الجبال لطول أعمارهم فإن الأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم ﴿فاذكروا آلآءَ الله وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ أي اذكروا نعم الله علكم واشكروه على ما تفضل به ولا تعيثوا في الأرض فسادًا ﴿قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ أي قال الأشراف المستكبرون من قوم صالح للمؤمنين المستضعفين من أتباع صالح عليه السلام ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي أن الله أرسله إلينا وإِليكم، وهذا قالوه على سبيل السخرية والاستهزاء ﴿قالوا إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أي أجابوهم بالأسلوب الحكيم بالإِيمان برسالته قال أبو حيان: وعدولهم عن قولهم هو مرل إلى قولهم ﴿إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ في غاية الحسن إذْ أمر رسالته معلوم واضح مسلَّم لا يدخله ريب لما أتى به من هذا المعجز الخارق العظيم فلا يحتاج أن يسأل عن رسالته ﴿قَالَ الذين استكبروا إِنَّا بالذي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ أي قال المستكبرون نحن كافرون بما صدَّقتم به من نبوة صالح وإنما لم يقولوا إنا بما أرسل به كافرون إظهارًا لمخالفتهم إياهم وردًا لمقالتهم ﴿فَعَقَرُواْ الناقة وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أي نحروا الناقة واستكبروا عن امتثال أمر الله ﴿وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ائتنا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ المرسلين﴾ أي جئنا يا صالح بما تعدنا من العذاب الذي تخوفنا به إن كنت يا صالح حقًا رسولًا، قالوا ذلك استهزاء به وتعجيزًا ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أخذتهم الزلزلة الشديدة فصاروا في منازلهم هامدين موتى لا حِراك بهم قال في البحر: أخذتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوتُ كل شيء له صوتٌ في الأرض فقطعت قلوبهم وهلكوا ﴿فتولى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين﴾ أي أدبر عنهم صالح بعد هلاكهم ومشاهدة ما جرى عليهم وقال على سبيل التفجع والتحسر عليهم: لقد بلّغنكم الرسالة وحذرتكم عذاب الله وبذلت وسعي في نصيحتكم ولكن شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين وعداوتهم قال الزمخشري ﴿وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين﴾ حكاية حال ماضية قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت - وكان قد نصحه حيًا فلم يسمع منه حتى ألقى بنفسه في التهلكة -: يا أخي كم نصحتك وكم قلت لك فلم تقبل مني؟ ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن العالمين﴾ أي واذكر وقت أن قال لوط لقومه أهل سدوم على سبيل الإِنكار والتوبيخ: أتفعلون تلك الفعلة الشنيعة المتناهية في القبح التي ما عملها أحد قبلكم في زمن من الأزمان! والفاحشة هي إتيان الذكور في الأدبار، أنكر عليهم أولًا فعلها

423

ثم وبخهم بأنهم أول من فعلها قال أبو حيان: ولما كان هذا الفعل معهودًا قبحه، ومركوزًا في العقول فحشه أتى به معرفًا بالألف واللام ﴿الفاحشة﴾ بخلاف الزنى فإنه قال فيه

﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [النساء: 22] فأتى به منكرًا، والجملة المنفية ﴿مَا سَبَقَكُمْ﴾ تدل على أنهم أول من فعل هذه الفعلة القبيحة وأنهم مبتكروها، والمبالغة في ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ حيث زيدت مِنْ لتأكيد نفي الجنس، وفي الإِتيان بعموم ﴿العالمين﴾ جمعًا قال عمرو بن دينار: ما رؤي ذكرٌ على ما ذكر قبل قوم لوط ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً مِّن دُونِ النسآء﴾ هذا بيانٌ للفاحشة وهو توبيخٌ آخر أشنع مما سبق لتأكيده بإنَّ وباللام أي إنكم أيها القوم لتأتون الرجال في أدبارهم شهوة منكم لذلك الفعل الخبيث المكروه دون ما أحله الله لكم من النساء ثم أضرب عن الإِنكار إلى الإِخبار عنهم بالجال التي توجب ارتكاب القبائح واتباع الشهوات فقال ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ أي لا عذر لكم بل أنتم عادتكم الإِسراف وتجاوز الحدود في كل شيء قال أبو السعود: وفي التقييد بقوله ﴿شَهْوَةً﴾ وصفٌ لهم بالبهيمية الصِّرفة وتنبيهٌ على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النسال لاقضاء الشهوة ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قالوا أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي ما كان جوابهم للوطٍ إذ وبخهم على فعلهم القبيح إلا أن قال بعضهم لبعض: أخرجوا لوطًا وأتباعه المؤمنين من بلدتكم لأنهم أناس يتنزهون عما نفعله نحن من إتيان الرجال في الأدبار، قال ابن عباس ومجاهد: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي يتقذرون عن إتيان أدبار الرجال والنساء، قالوا ذلك سخرية واستهزاءً بلوط وقومه وعابوهم بما يمدح به الإِنسان ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين﴾ أي أنجيناه من العذاب الذي حلّ بقومه وأهله المؤمنين إلا امرأته فلم تنج وكانت من الباقين وبالله كافرة فهلكت مع من هلك من قوم لوط حين جاءهم العذاب ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا﴾ أي أرسلنا عليه نوعًا من المطر عجيبًا هو حجارة من سجيل كما في الآية الأخرى

﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: 74] وشبه العذاب بالمطر المدرار لكثرته حيث أرسل إرسال المطر ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المجرمين﴾ أي انظر أيها السامع إلى عاقبة هؤلاء المجرمين كيف كانت؟ وإلى أي شيءٍ صارت؟ هل كانت إلا البوار والهلاك؟! ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ أي وأرسلنا إلى أهل مدين شعيبًا داعيًا لهم إلى توحيد الله وعبادته قال ابن كثير: ومدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة وهي التي بقرب «معان» من طريق الحجاز وهم أصحاب الأيكة كما سنذكره ﴿قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي معجزة تدل على صدقي ﴿فَأَوْفُواْ الكيل والميزان﴾ أي أتموا للناس حقوقهم بالكليل الذي تكيلون به والوزن الذي تزنون به ﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءَهُمْ﴾ أي لا تظلموا الناس حقوقهم ولا تُنْقصوهم إياها ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾ أي لا تعملوا بالمعاصي بعد إصلاحها ببعثة الرسل ﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي ما أمرتكم به من إخلاص العبادة لله

424

وإيفاء الناس حقوقهم وترك الفساد في الأرض خير لكم إن كنتم مصدقين لي في قولي ﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي لا تجلسوا بكل طريق تخوّفون من آمن بالقتل قال ابن عباس: كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون: إنه كذاب فلا تذهب إليه على نحو ما كانت تفعله قريش مع رسول الله ﷺ َ ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي تريدون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة بمعنى تصويرهم أن دين الله غير مستقيم كما يقول الضالون في هذا الزمان «هذا الدين لا ينطبق مع العقل» لأنه لا يتمشى مع أهوائهم الفاجرة ﴿واذكروا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ أي كنتم قلة مستضعفين فأصبحتم كثرة أعزة فاشكروا الله على نعمته ﴿وانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين﴾ هذا تهديد لهم أي انظروا ما حلّ بالأمم السابقة حين عصوا الرسل كيف انتقم الله منهم واعتبروا بهم ﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بالذي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فاصبروا حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين﴾ أي إذا كان فريق صدقوني فيما جئتهم به وفريق لم يصدقوني فاصبروا حتى يفصل الله بحكمه العادل بيننا وهو خير الفاصلين قال أبو حيان: هذا الكلام من أحسن ما تلطّف به في المحاورة إذ برز المتحقق في صورة المشكوك وهو من بارع التقسيم فيكون وعدا للمؤمنين بالنصر ووعيدًا للكافرين بالعقوبة والخسار ﴿قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ﴾ أي قال أشراف قومه المستكبرين عن الإِيمان بالله ورسله ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ أقسموا على أحد الأمرين: إما إخراج شعيب وأتباعه وإما العودة إلى ملتهم أي إلى الكفر والمعنى لنخرجنك يا شعيب ومن آمن بك من بين أظهرنا أو لترجعن أنت وهم إلى ديننا قال شعيب مجيبًا لهم ﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ أي أتجبروننا على الخروج من الوطن أو العودة في ملتكم ولو كنّا كارهين لذلك؟ والاستفهام للإِنكار ﴿قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا﴾ أي إن عدنا إلى دينكم بعد أن أنقذنا الله منه بالإِيمان وبصّرنا بالهدى نكون مختلقين على الله أعظم أنواع الكذب، وهذا تيئيسٌ للكفار من العودة إلى دينهم ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا﴾ أي لا ينبغي ولا يصح لنا أن نعود إلى ملتكم ودينكم إلا إذا شاء الله لنا الانتكاس والخذلان فيمضي فينا قضاؤه ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي وسع علمه كل الأشياء ﴿عَلَى الله تَوَكَّلْنَا﴾ أي اعتمادنا على الله وهو الكافي لمن توكل عليه ﴿رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين﴾ أي احكم بيننا وبينهم بحكمك الحق الذي لا جور فيه ولا ظلم وأنت خيرالحاكمين ﴿وَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ أي قال الأشراف من قومه الفجرة الكفرة: إذا اتبعتم شعيبًا وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه إنكم إذًا لخاسرون لاستبدالكم الضلالة بالهدى قال تعالى ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أي فأخذتهم الزلزلة العظيمة فأصبحوا ميّتين جاثمين على الركب ﴿الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ أي أهلك الله المكذبين كأنهم لم يقيموا في ديارهم منعَّمين ﴿الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الخاسرين﴾ إخبارٌ عنهم بالخسار بعد الهلاك والدمار {}

425

﴿فتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ قاله تأسفًا لشدة حزنه عليهم لأنهم لم يتبعوا نصحه ﴿فَكَيْفَ آسى على قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ أي كيف أحزن على من لا يستحق أن يُحزن عليه قال الطبري: أي كيف أحزن على قوم جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وأتوجع لهلاكهم.

البَلاَغَة: 1 - ﴿نَاقَةُ الله﴾ الإضافة للتشريف والتكريم.

2 - ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء﴾ التنكير للتقليل والتحقير أي لا تمسوها بأدنى سوء.

3 - ﴿أَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ الاستفهام للإِنكار والتوبيخ والتشنيع.

4 - ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ يسمى هذا النوع في علم البديع التعريض بما يوهم الذم ولذلك قال ابن عباس: عابوهم بما يُمدح به.

5 - ﴿عَلَى الله تَوَكَّلْنَا﴾ إظهار الاسم الجليل للمبالغة في التضرع وتقديم الجار والمجرور لإِفادة الحصر.

6 - بين لفظ ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ و﴿كَافِرُونَ﴾ طباقٌ.

فَائِدَة: الذي عقر الناقة هو «قُدار بن سالف» وإنما نسب الفعل إليهم جميعًا في قوله تعالى ﴿فَعَقَرُواْ الناقة﴾ لأنه كان برضاهم وأمرهم، والراضي بالعمل القبيح شريك في الجريمة.

426

94

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصص الأنبياء (نوح، هود، صالح، لوط، شعيب) وما حلَ بأقوامهم من العذاب والنكال حين لم تُجْد فيهم الموعظة"، ذكر تعالى هنا سنته الإِلهية في الانتقام ممن كذّب أنبياءه وذلك بالتدرج معهم بالبأساء والضراء، ثم بالنعمة والرخاء، ثم بالبطش بهم إن لم يؤمنوا ثم أعقب ذلك بقصة موسى مع الطاغية فرعون وفيها كثير من العبر والعظات.

اللغَة: ﴿البأسآء﴾ شدة الفقر ﴿الضرآء﴾ الضرُّ والمرض ﴿عَفَوْاْ﴾ كثروا ونموا ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿َمَلَئِهِ﴾ أشراف قومه ﴿أَرْجِهْ﴾ أخّرْ ﴿صَاغِرِينَ﴾ أذلاء ﴿تَلْقَفُ﴾ تبتلع وتلتقم ﴿يَأْفِكُونَ﴾ الإِفك: الكذب ﴿أَفْرِغْ﴾ الإِفراغ: الصبُّ أي اصببه علينا.

التفِسير: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ﴾ في الكلام حذف أي وما أرسلنا في قرية من نبي فكذبه أهلها ﴿إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأسآء والضرآء﴾ أي عاقبتاهم بالبؤس والفقر، والمرض وسوء الحال ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ أي كي يتضرعوا ويخضعوا ويتوبوا من ذنوبهم ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة﴾ أي ثم أبدلناهم بالفقر والمرض، الغنى والصحة ﴿حتى عَفَوْاْ﴾ أي حتى كثروا ونموا ﴿وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء والسرآء﴾ أي أبطرتهم النعمة وأشروا فقالوا كفرانًا لها: هذه عادة الدهر وقد مسّ آباءنا مثل ذلك من المصائب ومن الرخاء وليست بعقوبة من الله فلنبق على ديننا، والغرضُ أن الله ابتلاهم بالسيئة لينيبوا إليه فما فعلوا، ثم بالحسنة ليشكروا فما فعلوا، فلم يبق إلا أن يأخذهم بالعذاب ولهذا

427

قال تعالى ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أي أخذناهم بالهلاك والعذاب فجأةً من حيث لا يدرون ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا﴾ أي ولو أن أهل تلك القرى الذين كَذَّبوا وأُهلكوا آمنوا بالله ورسله واتقوا الكفر والمعاصي ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء﴾ أي لوسّعنا عليهم الخير من كل جانب وقيل: بركاتُ السماء المطرُ، وبركات الأرض الثمارُ، قال السدي: فتحنا عليهم أبواب السماء والأرض بالرزق ﴿والأرض ولكن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي ولكنْ كذّبوا الرسل فعاقبناهم بالهلاك بسوء كسبهم ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ الهمزة للإِنكار أي هل أمن هؤلاء المكذبون أن يأتيهم عذابنا ليلًا وهم نائمون غافلون عنه؟ ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾؟ أم هل أمنوا أن يأتيهم عذابنا ونكالنا نهاهرًا جهارًا وهم يلهون ويشتغلون بما لا يُجدي كأنهم يلعبون؟ ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون﴾ أي أفأمنوا استدارجه إياهم بالنعمة حتى يهلكوا في غفلتهم؟ فإنه لا يأمن ذلك إلا القوم الذين خسروا عقولهم وإنسانيتهم فصاروا أخسَّ من البهائم قال الحسن البصري: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفقٌ خائفٌ وجلٌ، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو مطمئن آمن ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ﴾ أي أولم يتضح ويتبيّن للذين يخلفون الأرض بعد هلاك أهلها الذين كانوا يعمرونها قبلهم، والمراد بها كفار مكة ومن حولهم ﴿أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي لو أردنا لأهلكناهم بسبب ذنوبهم كما أهلكنا من قبلهم قال في البحر: أي قد علمتم ما حلّ بهم أفما تحذرون أن يحل بكم ما حلّ بهم فذلك ليس بممتنع علينا لو شئنا ﴿وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي ونختم على قلوبهم فلا يقبلون موعظةً ولا تذكيرًا سماع منتفع بهما ﴿تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا﴾ أي تلك القرى المذكورة نقصُّ عليك يا محمد بعض أخبارها وما حصل لأهلها من الخسف والرجفة والرجم بالحجارة ليعتبر بذلك من يسمع وما حدث أهولُ وأفظع ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾ أي جاءتهم بالمعجزات والحجج القاطعات ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ أي ما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل لتكذيبهم إياهم قبل مجيئهم بالمعجزات وبعد مجيئهم بها فحالهم واحد في العتو والضلال قال الزمخشري: أي استمروا على التكذيب من لدنْ مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرّين لا يرعوون مع تكرر المواعظ عليهم وتتابع الآيات ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين﴾ أي مثل ذلك الطبع الشديد المحكم نطبع على قلوب الكافرين فلا يكاد يؤثر فيهم النُّذر والآيات، وفيه تحذير للسامعين ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ أي ما وجدنا لأكثر الناس من وفاء للعهد بل وجدناهم خارجين عن الطاعة والامتثال قال ابن كثير: والعهد الذي أخذه هو ما فطرهم عليه وأخذه عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم فخالفوه وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة من عقل ولا شرع ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى بِآيَاتِنَآ﴾ أي ثم بعثنا من بعد الرسل المتقدم ذكرهم موسى بن عمران بالمعجزات الباهرات والحجج الساطعات ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾

428

﴿وَمَلَئِهِ﴾ أي أرسلناه إلى فرعون - ملك مصر في زمن موسى - وقومه ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ أي كفروا وجحدوا بها ظلمًا وعنادًا ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين﴾ أي انظر أيها السامع ما آل إليه أمر المفسدين الظالمين كيف أغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه، وهذا أبلغُ في النكال لأعداء الله، وأشفى لقلوب أولياء الله ﴿وَقَالَ موسى يافرعون إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾ أي إني رسولٌ إليك من الخالق العظيم رب كل شيء وخالقه ومليكه ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق﴾ أي جديرٌ بي وحقٌ عليَّ أن لا أخبر عن الله إلا بما هو حقٌ وصدق لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بني إِسْرَائِيلَ﴾ أي جئتكم بحجة قاطعة من الله تشهد على صدقي فخلِّ واترك سبيل بني إسرائيل حتى يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطنُ آبائهم قال أبو حيان: ولما كان فرعون قد ادعى الربوبية فاتحه موسى بقوله ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾ لينبهه على الوصف الذي ادعاه وأنه فيه مبطلٌ لا محقٌ، ولما كان قوله ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق﴾ أردفها بما يدل على صحتها وهو قوله ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ولما قرّر رسالته فرَّع عليها تبليغ الحكم وهو قوله ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بني إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ أي قال فرعون لموسى: إن كنت جئت بآية من ربك كما تدّعي فأحضرها عندي ليثبت بها صدقك في دعواك، قال ذلك على سبيل التعجيز لموسى ﴿فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي فإِذا بها حية ضخمة طويلة قال ابن عباس: تحولت إلى حية عظية فاغرة فاها مسرعةً نحو فرعون ﴿مُّبِينٌ﴾ أي ظاهر لا متخيَّل ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ أي أخرجها من جيبة فإذا هي بيضاء بياضًا نورانيًا عجيبًا يغلب نورها نور الشمس قال ابن عباس: كان ليده نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض ﴿قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي قال الأشراف منهم وهم أصحاب مشورته إن هذا عالمٌ بالسحر ماهرٌ فيه، وقولهم ﴿عَلِيمٌ﴾ أي بالغٌ الغاية في علم السحر وخدعه وفنونه ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي يخرجكم من أرض مصر بسحره ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ أي بأي شيء تأمرون أن نفعل في أمره؟ وبأي شيء تشيرون فيه؟ قال القرطبي: قال فرعون: فماذا تأمرون وقيل: هو من قول الملأ أي قالوا لفرعون وحده ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ كما يُخاطب الجبارون والرؤساء: ما ترون في كذا ﴿قالوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي المدآئن حَاشِرِينَ﴾ أي أخَّر أمرهما حتى ترى رأيك فيهما وأرسلْ في أنحاء البلاد من يجمع لك السحرة ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ أي يأتوك بكل ساحرٍ مثله ماهر في السحر، وكان رؤساء السحرة بأقصى صعيد مصر ﴿وَجَآءَ السحرة فِرْعَوْنَ قالوا إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين﴾ في الكلام محذوفٌ يدل عليه السياق وهو أنه بعث إلى السحرة وطلب أن يُجمعوا له فلما جاءوا فرعون قالوا: إنَّ لنا لأجرًا عظيمًا إن نحن غلبنا موسى وهزمناه وأبطلنا سحره؟ ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين﴾ أي قال فرعون: نعم لكم الأجر

429

وأزيدكم على ذلك بأن أجعلكم من المقربين أي من أعزّ خاصتي وأهل مشورتي قال القرطبي: زادهم على ما طلبوا ﴿قَالُواْ ياموسى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين﴾ أي قال السحرة لموسى: اختر إمّا أن تُلقي عصاك أو نلقي نحن عصيّنا قال الزمخشري: تخييرهم إيّاه أدبٌ حسن كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا كالمتناظرين قبل أن يخوضوا في الجدال هذا ما قاله الزمخشري، والأظهر أنهم قالوا ذلك من باب الاعتزاز بالنفس وتوهم الغلبة وعدم الاكتراث بأمر موسى كما يقول المعتد بنفسه: أبدأ أو تبدأ ﴿قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سحروا أَعْيُنَ الناس﴾ أي قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فلما ألقوا العصيّ والحبال سحروا أعين الناس أي خيلوا إليهم ما لا حقيقة له كما قال تعالى

﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى﴾ [طه: 66] ﴿واسترهبوهم وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ أي أفزعوهم وأرهبوهم إرهابًا شديدًا حيث خيلوها حياتٍ تسعى وجاءوا بسحر عظيم يهابه من رآه قال ابن اسحاق: صُفَّ خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحرٍ حبالُه وعصيُّه وفرعون في مجلسه مع أشراف مملكته فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد ثم ألقى رجل منهم ما في يده من العصيّ والحبال فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضًا ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي أوحينا إليه بأن ألق عصاك فألقاها فإذا هي تبتلع بسرعة ما يزوّرونه من الكذب قال ابن عباس ﴿تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ لا تمر بشيء من حبالهم وخشبهم التي ألقوها إلا التقمته ﴿فَوَقَعَ الحق وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي ثبت وظهر الحق لمن شهده وحضره، وبطل إفك السحر وكذبه ومخايله ﴿فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وانقلبوا صَاغِرِينَ﴾ أي غُلب فرعونُ وقومهُ في ذلك المجمع العظيم وصاروا ذليلين ﴿وَأُلْقِيَ السحرة سَاجِدِينَ قالوا آمَنَّا بِرَبِّ العالمين رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ أي خرّوا ساجدين معلنين إيمانهم بربّ العالمين لأن الحق بهرهم قال قتادة: كانوا أول النهار كفارًا سحرة وفي آخره شهداء بررة ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ﴾ أي قال فرعون الجبار للسحرة آمنتم بموسى قبل أن تستأذنوني؟ والمقصود بالجملة التوبيخ ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا﴾ أي صنيعكم هذا حيلةٌ احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد لتخرجوا منها القبط وتسكنوا بني إسرائيل، قال هذا تمويهًا على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الإِيمان ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي فسوف تعلمون ما يحلُّ بكم، وهذا وعيد وتهديد ساقه بطريق الإِجمال للتهويل ثم عقّبه بالتفصيل فقال ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ أي لأقطعنَّ من كل واحد منكم يده ورجله من خلاف قال الطبري: ومعنى ﴿مِّنْ خِلاَفٍ﴾ هو أن يقطع من أحدهم يده اليمنى ورجله اليسرى، أو يقطع يده اليسرى ورجله اليمنى فيخالف بين العضوين في القطع ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي ثم أصلبكم جميعًا تنكيلًا لكم ولأمثالكم، والصلب التعليق على الخشب حتى الموت ﴿قالوا إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ إنّا راجعون إلى الله بالموت لا محالة فلا نخاف مما تتوعدنا به ولا نبالي بالموت وحبذا الموت في سبيل الله ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا﴾ أي ما تكره منا ولا تعيب علينا إلا إيماننا بالله وآياته!!

430

كقوله

﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد﴾ [البروج: 8] قال الزمخشري: أرادوا وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر كلها وهو الإِيمان ﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أي أفضْ علينا صبرًا يغمرنا عند تعذيب فرعون إيانا وتوفنا على ملة الإِسلام غير مفتونين ﴿وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ أي قال الأشراف لفرعون: أتترك موسى وجماعته ليفسدوا في الأرض بالخروج عن دينك وترك عبادة آلهتك!! وفي هذا إغراءٌ لفرعون بموسى وقومه وتحريضٌ له على قتلهم وتعذيبهم ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ أي قال فرعون مجيبًا لهم: سنقتل أبناءهم الذكور ونستبقي نساءهم للاستخدام كما كنا نفعل بهم ذلك وإنّا عالون فوقهم بالقهر والسلطان ﴿قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله واصبروا﴾ أي قال موسى لقومه تسليةً لهم حين تضجروا مما سمعوا: استعينوا بالله على فرعون وقومه فيما ينالكم من أذاهم واصبروا على حكم الله ﴿إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي الأرض كلها الله يعطيها من أراد من عباده، أطمعهم في أن يورثهم الله أرض مصر ﴿والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي النتيجة المحمودة لمن اتقى الله ﴿قالوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ أي أوذينا من قبل أن تأتينا بالرسالة ومن بعدما جئتنا بها يعنون أن المحنة لم تفارقهم فهم في العذاب والبلاء قبل بعثة موسى وبعد بعثته ﴿قَالَ عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أي لعل ربكم أن يهلك فرعون وقومه ويجعلكم تخلفونهم في أرضهم بعد هلاكهم وينظر كيف تعملون بعد استخلافكم من الإِصلاح والإِفساد، والغرضُ تحريضهم على طاعة الله، وقد حقق الله رجاء موسى فأغرق فرعون وملّك بن إسرائيل أرض مصر قال في البحر: سلك موسى طريق الأدب مع الله وساق الكلام مساق الرجاء.

البَلاَغَة: 1 - ﴿بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة﴾ بين لفظ الحسنة والسيئة طباقٌ وكذلك بين لفظ ﴿الضرآء والسرآء﴾ .

2 - ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء﴾ شبّه تيسير البركات عليهم بفتح الأبواب في سهولة التناول فهو من باب الاستعارة أي وسعنا عليهم الخير من جميع الأطراف.

3 - ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى﴾ تكررت الجملة والغرض منها الإِنذار ويسمى هذا في علم البلاغة الإطناب ومثلها ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله﴾ قال أبو السعود: تكريرٌ للنكير لزيادة التقرير، ومكرُ الله استعارة لاستدراجه العبد وأخذه من حيث لا يحتسب.

4 - ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين﴾ أكد الجملة بإن واللام لإِزالة الشك من نفوس السحرة ويسمى هذا النوع من أضرب الخبر إنكاريًا.

5 - ﴿فَوَقَعَ الحق﴾ فيه استعارة استعير الوقع للثبوت والحصول والله أعلم.

431

تنبيه: لما عجز فرعون عن دفع الحجة بالبرهان عدل إلى البطش والفتك بالسنان، وهكذا حال كل ضال مبتدع إذا أعيته الحجة مال إلى التهديد والوعيد.

432