صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 65 - 72

83

83

المنَاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تعدّد جرائم اليهود، وفي هذه الآيات أمثلة صارخة على عدوانهم وطغيانهم وإِفسادهم في الأرض، فقد نقضوا الميثاق الذي أخذ عليهم في التوراة، وقتلوا النفس التي حرّم الله، واستباحوا أكل أموال الناس بالباطل، واعتدوا على إِخوانهم في الدين فأخرجوهم من الديار، فاستحقوا اللعنة والخزي والدمار.

اللغَة: ﴿مِيثَاقَ﴾ الميثاق: العهد المؤكد باليمين غاية التأكيد، فإِن لم يكن مؤكدًا سمى عهدًا ﴿حُسْنًا﴾ الحُسْنُ: اسم عام جامعٌ لمعاني الخير، ومنه لين القول، والأدب الجميل، والخلق الكريم، وضده القُبْح والمعنى: قولوا قولًا حُسْنًا فهو صفة لمصدر محذوف ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ التولّي عن الشيء: الإِعراضُ عنه ورفضُه وعدم قبوله كقوله ﴿عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا﴾ [النجم: 29] وفرّق بعضهم بين التولي والإِعراض فقال: التولي بالجسم، والإِعراضُ بالقلب ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ تتعاونون وهو مضارع حذف منه أحد التاءين، كأن المتظاهرين يسند كل واحد منهما ظهره إِلى الآخر، والظهير: المعنى ﴿الإثم﴾ الذنب الذي يستحق صاحبه الملامة وجمعه آثام ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ تجاوز الحد في الظلم ﴿خِزْيٌ﴾ الخزي: الهوان والمقت والعقوبة.

التفِسير: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ﴾ أي اذكروا حين أخذنا على أسلافكم يا معشر اليهود العهد المؤكد غاية التأكيد ﴿لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾ بأن لا تعبدوا غير الله ﴿وبالوالدين إِحْسَانًا﴾ أي وأمرناهم بأن يحسنوا إِلى الوالدين إِحسانًا ﴿وَذِي القربى واليتامى والمساكين﴾ أي وأن يحسنوا أيضًا إلى الأقرباء، واليتامى الذين مات آباؤهم وهم صغار، والمساكين الذين عجزوا عن الكسب ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي قولًا حسنًا بخفض الجناح، ولين الجانب، مع الكلام الطيّب ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ أي صلوا وزكّوا كما فرض الله عليكم من أداء الركنين العظيمين «الصلاة، والزكاة»

65

لأنهما أعظم العبادات البدنية والمالية ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي ثم رفضتم وأسلافكم الميثاق رفضًا باتًا، وأعرضتم عن العمل بموجبه إِلاّ قليلًا منكم ثبتوا عليه ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ أي واذكروا أيضًا يا بني إِسرائيل حين أخذنا عليكم العهد المؤكد بأن لا يقتل بعضكم بعضًا ﴿وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ ولا يعتدي بعضكم على بعض بالإِخراج من الديار، والإِجلاء عن الأوطان ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي ثمّ اعترفتم بالميثاق وبوجوب المحافظة عليه، وأنتم تشهدون بلزومه ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي ثم نقضتم أيضًا الميثاق يا معشر اليهود بعد إقراركم به، فقتلتم إِخوانكم في الدين، وارتكبتم ما نهيتم عنه من القتل ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ﴾ أي كما طردتموهم من ديارهم من غير التفات إِلى العهد الوثيق ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ﴾ أي تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ﴾ أي إذا وقعوا في الأسر فاديتموهم، ودفعتم المال لتخليصهم من الأسر ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ أي فكيف تستبيحون القتل والإِخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم؟ ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؟ أي أفتؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعض؟ والغرض التوبيخ لأنهم جمعوا بين الكفر والإيمان، والكفر ببعض آيات الله كفرٌ بالكتاب كله ولهذا عقّب تعالى ذلك بقوله ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا﴾ أي ما عقوبة من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض إِلا ذلٌ وهوان، ومقتٌ وغضب في الدنيا ﴿وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب﴾ أي وهم صائرون في الآخرة إِلى عذاب أشدّ منه، لأنه عذاب خالد لا ينقضي ولا ينتهي ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وفيه وعيد شديد لمن عصى أوامر الله، ثم أخبر تعالى عن سبب ذلك العصيان والعدوان فقال ﴿أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة﴾ أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة هم الذين استبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة بمعنى اختاروها وآثروها على الآخرة ﴿فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب﴾ أي لا يُفتَّر عنهم العذاب ساعة واحدة ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي وليس لهم ناصر ينصرهم، ولا مجير ينقذهم من عذاب الله الأليم.

تنبه: كانت (بنو قريظة) و(بنو النضير) من اليهود، فحالفت بنو قريظة الأوس، وبنو النضير الخزرج، فكانت الحرب إِذا نشبت بينهم قاتل كل فريق من اليهود مع حلفائه، فيقتل اليهودي أخاه اليهودي من الفريق الآخر، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والمتاع والمال، وذلك حرام عليهم في دينهم وفي نص التوراة، ثم إِذا وضعت الحرب أوزارها افْتكُوا الأسارى من الفريق المغلوب عملًا بحكم التوراة ولهذا قال تعالى ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ .

البَلاَغَة: 1 - ﴿لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾ خبرٌ في معنى النهي، وهو أبلغ من صريح النهي كما قال أبو السعود لما فيه من إِبهام أن المنهيَّ حقه أن يسارع إِلى الانتهاء فكأنه انتهى عنه، فجاء بصيغة الخبر وأراد به النهي.

66

2 - ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وقع المصدر موقع الصفة أي قولًا حسنًا أو ذا حسنٍ للمبالغة فإِن العرب تضع المصدر مكان اسم الفاعل أو الصفة بقصد المبالغة فيقولون: هو عدل.

3 - التنكير في قوله ﴿خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا﴾ للتفخيم والتهويل.

4 - ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ عبّر عن قتل الغير بقتل النفس لأن من أراق دم غيره فكأنما أراق دم نفسه فهو من باب المجاز لأدنى ملابسة.

5 - ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ الهمزة للإِنكار التوبيخي.

الفَوائِد: الفائدة الأولى: جاء الترتيب في الآية بتقديم الأهم فالأهم، فقدّم حق الله تعالى لأنه المنعم في الحقيقة على العباد، ثم قدم ذكر الوالدين لحقهما الأعظم في تربية الولد، ثم القرابة لأن فيهم صلة الرحم وأجر الإِحسان، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثمّ المساكين لضعفهم ومسكنتهم.

الثانية: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ولم يقل: وقولوا لإِخوانكم أو قولوا للمؤمنين حسنًا ليدل على أنّ الأمر بالإِحسان عامٌ لجميع الناس، المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وفي هذا حضٌ على مكارم الأخلاق، بلين الكلام، وبسط الوجه، والأدب الجميل، والخلق الكريم قال أحد الأدباء.

بُنيَّ إِنَّ البرَّ شيءٌ هيّنُ ... وجهٌ طليقٌ ولسانٌ ليّنُ

67

87

اللغَة: ﴿الكتاب﴾ التوراة ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أردفنا وأتبعنا وأصله من القفا يقال: قَفَاه إذا أتبعه، وقفَّاه بكذا إِذا أتبعه إِياه ﴿البينات﴾ المعجزات الباهرات كإِبراء الأكمة والأبرص، وإِحياء الموتى ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ قويناه مأخوذ من الأيْد وهو القوة ﴿بِرُوحِ القدس﴾ جبريل عليه السلام، والقدسُ: الطهر والبركة ﴿تهوى﴾ تحب من هَوى إِذا أحب ومصدره الهوى ﴿غُلْفٌ﴾ جمع أغلف، والغلاف: الغطاء، يقال سيف أغلف إِذا كان في غلافه، وقلب أغلف أي مستور عن الفهم والتمييز، مستعار من الأغلف

67

الذي لم يختن ﴿لَّعَنَهُمُ﴾ أصل اللعن في كلام العرب: الطردُ والإِبعاد يقال: ذئب لعين أي مطرود مبعد والمراد: أقصاهم وأبعدهم عن رحمته ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يستنصرون من الاستفتاح وهو طلب الفتح أي النصرة ﴿بِئْسَمَا﴾ أصلها بئس ما أي بئس الذي، وبئس فعل للذم، كما أنّ «نِعْم» للمدح ﴿بَغْيًا﴾ البغي: الحسد والظلم، وأصله الفساد من بغى الجرح إِذا فسد قاله الأصمعي ﴿بَآءُو﴾ رجعوا وأكثر ما يستعمل في الشر ﴿مُّهِينٌ﴾ مخزٍ مذل مأخوذ من الهوان بمعنى الذل.

المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تتحدث عن بني إِسرائيل، وفي هذه الآيات الكريمة تذكير لهم بضربٍ من النعم التي أمدّهم الله بها ثم قابلوها بالكفر والإِجرام، كعادتهم في مقابلة الإِحسان بالإِساءة، والنعمة بالكفران والجحود.

التفسير: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب﴾ أي أعطينا موسى التوراة ﴿وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل﴾ أي أتبعنا وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات﴾ أي أعطينا عيسى الآيات البينات والمعجزات الواضحات الدالة على نبوته ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ أي قويناه وشددنا أزره بجبريل عليه السلام ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُكُمْ﴾ أي أفكلما جاءكم يا بني إِسرائيل رسول بما لا يوافق هواكم ﴿استكبرتم فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ أي تكبرتم عن اتباعه فطائفة منهم كذبتموهم، وطائفة قتلتموهم. . ثم أخبر تعالى عن اليهود المعاصرين للنبي ﷺ َ وبيّن ضَلالهم في اقتدائهم بالأسلاف فقال حكاية عنهم ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي في أكنة لا تفقه ولا تعي ما تقوله يا محمد، والغرض إِقناطه عليه السلام من إِيمانهم، قال تعالى ردًا عليهم ﴿بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ﴾ أي طردهم وأبعدهم من رحمته بسبب كفرهم وضلالهم ﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ أي فقليلٌ من يؤمن منهم، أو يؤمنون إِيمانًا قليلًا وهو إِيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم بالبعض الآخر ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾ وهو القرآن العظيم الذي أنزل على خاتم المرسلين، مصدقًا لما في التوراة ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ﴾ أي وقد كانوا قبل مجيئه يستنصرون به على أعدائهم ويقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان، الذي نجد نعته في التوراة ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ أي فلما بعث محمد ﷺ َ الذي عرفوه حق المعرفة كفروا برسالته ﴿فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين﴾ أي لعنة الله على اليهود الذين كفروا بخاتم المرسلين ﴿بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي بئس الشيء التافه الذي باع به هؤلاء اليهود أنفسهم ﴿أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ الله﴾ أي كفرهم بالقرآن الذي أنزله الله ﴿بَغْيًا﴾ أي حسدًا وطلبًا لما ليس لهم ﴿أَن يُنَزِّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي حسدًا منهم لأجل لأن ينزل الله وحيًا من فضله على من يشاء ويصطفيه من خلقه ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ﴾ أي رجعوا بغضب من الله زيادة على سابق غضبه عليهم ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي ولهم عذاب شديد مع الإِهانة والإِذلال لأن كفرهم سببه التكبر والحسد فقوبلوا بالإِهانة والصغار ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي آمنوا بما أنزل الله من القرآن وصدّقوه واتبعوه ﴿قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ أي يكفينا الإِيمان بما أنزل علينا من التوراة ﴿وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ الحق مُصَدِّقًا لِّمَا﴾

68

﴿مَعَهُمْ﴾ أي يكفرون بالقرآن مع أنه هو الحق موافقًا لما معهم من كلام الله ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي قل لهم يا محمد إِذا كان إيمانكم بما في التوراة صحيحا فلم كنتم تقتلون أنبياء الله من قبل إذا كنتم فعلًا مؤمنين؟ ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ موسى بالبينات﴾ أي بالحجج الباهرات ﴿ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي عبدتم العجل من بعد ذهابه إلى الطور، وأنتم ظالمون في هذا الصنيع.

البَلاَغَة: 1 - تقديم المفعول في الموضعين ﴿فَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ و﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ للإهتمام وتشويق السامع إِلى ما يلقى إِليه.

2 - التعبير بالمضارع ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ولم يقل قتلتم كما قال كذبتم، لأن الفعل المضارع - كما هو المألوف في أساليب البلاغة - يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغًا عظيمًا، فكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السامع، وجعله ينظر إِليها بعينه، فيكون إِنكاره لها أبلغ، واستفظاعه لها أعظم.

3 - وضع الظاهر مكان الضمير ﴿فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين﴾ ولم يقل «عليهم» ليشعر بأن سبب حلول اللعنة هو كفرهم.

4 - الخبر في قوله ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ موسى بالبينات﴾ يراد به التبكيت والتوبيخ على عدم اتباع الرسول.

5 - أسندت الإِهانة إِلى العذاب فقال ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ لأن الإِهانة تحصل بعذابهم، ومن أساليب البيان إسناد الأفعال إِلى أسبابها.

فَائِدَة: قال الحسن البصري: إنما سمي جبريل «روح القدس» لأن القدس هو الله، وروحه جبريل، فالإِضافة للتشريف، قال الرازي: ومما يدل على أن روح القدس جبريل قوله تعالى في سورة النحل ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس مِن رَّبِّكَ بالحق﴾ [الآية: 102] .

69

93

المنَاسَبَة: هذه طائفة أخرى من جرائم اليهود، فقد نقضوا الميثاق حتى رفع جبلُ الطور عليهم وأمروا أن يأخذوا بما في التوراة، فأظهروا القبول والطاعة ثم عادوا إلى الكفر والعصيان، فعبدوا العجل من دون الله، وزعموا أنهم أحباب الله، وأن الجنة خالصة لهم من دون الناس لا يدخلها أحد سواهم، وعادَوا الملائكة الأطهار وعلى رأسهم جبريل عليه السلام، وكفروا بالأنبياء والرسل، وهكذا شأنهم في سائر العصور والدهور.

اللغَة: ﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ الميثاق: العهد المؤكد بيمين ﴿الطور﴾ هو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى عليه السلام ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بعزمٍ وجدّ ﴿وَأُشْرِبُواْ﴾ أُشرب: سُقي جعلت قلوبهم نُشر به، يقال: أُشرب قلبُه حبَّ كذا قال زهير:

فصحوتُ عنْها بعد حبَّ داخلٍ ... والحب تُشربُه فؤادَك داءُ

﴿خَالِصَةً﴾ مصدر كالعافية والعاقبة بمعنى الخلوص أي خاصة بكم لا يشارككم فيها أحد ﴿أَحْرَصَ﴾ الحرص: شدة الرغبة في الشيء وفي الحديث «إحرص على ما ينفعك» ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ الزحزحة: الإبعادُ والتنحية قال تعالى ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار﴾ [آل عمران: 185] أي أُبعد وقال الشاعر:

خليليَّ ما بال الدُّجَى لا يُزَحْزحُ ... وما بالُ ضوء الصبح لا يتوضّح

التفسِير: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين أَخذنا عليكم العهد المؤكد على العمل بما في التوراة، ورفعنا فوقكم جبل الطور قائلين ﴿خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ﴾ أي بعزمٍ وحزم وإلاّ طرحنا الجبل فوقكم ﴿واسمعوا﴾ أي سماع طاعة وقبول ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أي سمعنا قولك، وعصينا أمرك ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل﴾ أي خالط حبُّه قلوبهم، وتغلغل في سويدائها والمراد أن حب عبادة العجل امتزج بدمائهم ودخل في قلوبهم، كما يدخل الصبغُ في الثوب، والماء في البدن ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ أي بسبب كفرهم ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ أي قل لهم على سبيل التهكم بهم بئس هذا الإِيمان الذي يأمركم بعبادة العجل ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي إِن كنتم تزعمون الإِيمان فبئس هذا العمل والصنيع والمعنى: لستم بمؤمنين لأن الإِيمان لا يأمر بعبادة العجل ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة عِندَ الله خَالِصَةً مِّن دُونِ الناس﴾ أي قل لهم يا محمد إِن كانت الجنة لكم خاصة لا يشارككم في نعيمها أحد كما زعمتم ﴿فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي اشتاقوا الموت الذي يوصلكم إِلى الجنة، لأن نعيم هذه الحياة لا يساوي شيئًا إِذا قيس بنعيم الآخرة. ومن أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إِليها قال تعالى رادًّا عليهم تلك الدعوة الكاذبة ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي لن يتمنوا الموت ما عاشوا بسبب ما اجترحوه من الذنوب والآثام ﴿والله عَلِيمٌ بالظالمين﴾ أي عالم بظلمهم وإِجرامهم وسيجازيهم على ذلك {}

70

﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ﴾ أي ولتجدنَّ اليهود أشدّ الناس حرصًا على الحياة، وأحرص من المشركين أنفسهم، وذلك لعلمهم بأنهم صائرون إِلى النار لإِجرامهم ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أي يتمنى الواحد منهم أن يعيش ألف سنة ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ﴾ أي وما طول العمر - مهما عمر - بمبعده ومنجيه من عذاب الله ﴿والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي مطّلع على أعمالهم فيجازيهم عليها ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ أي قل لهم يا محمد من كان عدوًا لجبريل فإِنه عدو لله، لأن الله جعله واسطة بينه وبين رسله فمن عاداه فقد عادى الله ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله﴾ أي فإِن جبريل الأمين نزّل هذا القرآن على قلبك يا محمد بأمر الله تعالى ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي مصدقًا لما سبقه من الكتب السماوية ﴿وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وفيه الهداية الكاملة، والبشارة السارة للمؤمنين بجنات النعيم ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا للَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ أي من عادى الله وملائكته ورسله، وعادى على الوجه الأخص «جبريل وميكائيل» فهو كافر عدو لله ﴿فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ لأن الله يبغض من عادى أحدًا من أوليائه، ومن عاداهم عاده الله، ففيه الوعيد والتهديد الشديد.

سَبَبُ النّزول: روي أن اليهود قالوا للنبي ﷺ َ: إِنه ليس نبيٌّ من الأنبياء إِلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة وبالوحي، فمن صاحبُك حتى نتابعك؟ قال: جبريل قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال ذاك عدونا! لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة تابعناك فأنزل الله ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ﴾ الآية.

البَلاَغَة: 1 - ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل﴾ فيه استعارة مكنية، شبّه حبَّ عبادة العجل بمشروب لذيذ سائغ الشراب، وطوى ذكر المشبه به ورمز بشيء من لوازمه وهو الإِشراب على طريق الاستعارة المكنية، قال في تلخيص البيان: «وهذه استعارة والمراد وصف قلوبهم بالمبالغة في حب العجل فكأنها تشربت حبة فما زجها ممازجة المشروب، وخالطها مخالطة الشيء الملذوذ» .

2 - ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ إِسناد الأمر إِلى الإِيمان تهكمٌ بهم كقوله ﴿أصلاوتك تَأْمُرُكَ﴾ [هود: 87] وكذلك إِضافة الإِيمان إِليهم، أفاده الزمخشري.

3 - التنكير في قوله ﴿على حَيَاةٍ﴾ للتنبيه على أن المراد بها حياة مخصوصة، وهي الحياة المتطاولة التي يعمر فيها الشخص آلاف السنين.

4 - ﴿فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ الجملة واقعة في جواب الشرط وجيء بها إسمية لزيادة التقبيح لأنها تفيد الثبات، ووضع الظاهر موضع الضمير فقال ﴿عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ بدل عدوٌ لهم لتسجيل صفة الكفر عليهم، وأنهم بسبب عداوتهم للملائكة أصبحوا من الكافرين.

5 - ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ وجاء بعد ذكر الملائكة فهو من باب ذكر الخاص بعد العام للتشريف والتعظيم.

71

الفوَائِد: الأولى: ليس معنى السمع في قوله ﴿واسمعوا﴾ إِدراك القول فقط، بل المراد سماع ما أمروا به في النوراة سماع تدبرٍ وطاعةٍ والتزام فهو مؤكد ومقرر لقوله ﴿خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ﴾ .

الثانية: خصّ القلب بالذكر ﴿نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ﴾ لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف كما قال تعالى ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ﴾ [الحج: 46] .

الثالثة: الحكمة في الإِتيان هنا ب «لن» ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ وفي الجمعة ب «لا» ﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَدًا﴾ [الآية: 7] أن ادعاءهم هنا أعظم من ادعائهم هناك، فإِنهم ادعوا هنا اختصاصهم بالجنة، وهناك كونهم أولياء لله من دون الناس، فناسب هنا التوكيد بلن المفيدة للنفي في الحاضر والمستقبل، وأما هناك فاكتفى بالنفي.

الرابعة: الآية الكريمة من المعجزات لأنها إِخبار بالغيب وكان الأمر كما أخبر، ويكفي في تحقق هذه المعجزة أن لا يقع تمني الموت من اليهود الذين كانوا في عصره ﷺ َ وفي الحديث الشريف «لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار» .

72