تفسير القرآن الثري الجامعالجزء 6 · ص 157 - 167

سورة النّحل [الآيات 43 - 54]

سورة النّحل [الآيات 43 - 54]

سورة النحل [16: 43]

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾:

هذه الآية ردٌّ على سؤالهم: ولو شاء الله لأنزل ملائكة وإنكارهم أن يرسل الله بشرًا رسولًا، ويريدون ملكًا رسولًا.

﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية؛ ما: النّافية.

﴿أَرْسَلْنَا﴾: بصيغة الجمع؛ للتعظيم؛ أرسلنا: تعني: بمنهج جديد، أو رسالة جديدة، وهناك فرق بين أرسلنا، وبعثنا. ارجع إلى سورة البقرة، آية (119)؛ للبيان.

﴿إِلَّا رِجَالًا﴾: إلا: أداة حصر.

﴿رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِمْ﴾: رجالًا: لها عدة معانٍ:

الأول: أي: لن يرسل ملائكة، كما يطلبون.

الثّاني: فيها دلالة على أنّ النّبوَّة لا تكون إلّا في الرجال فقط، ولا تكون في النّساء.

الثالث: رجالًا نحن نختارهم، ولستم أنتم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124].

الرابع: يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق ردًا على قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 7].

157

﴿نُّوحِى إِلَيْهِمْ﴾: الوحي: هو إعلام بخفاء، وشرعًا: هو ما يلقي الله على أنبيائه ورسله من تكاليف، وتعاليم دينية، وآيات ووعد ووعيد، ويكون بإرسال رسول؛ كجبريل، أو التكلُّم من وراء حجاب، أو غيره من الوسائل. ارجع إلى سورة النساء، آية (163)؛ لمزيد من البيان.

﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: فاسألوا أيها المشركون أهل الذّكر من مؤمني أهل الكتاب؛ مثل عبد الله بن سلام، أو سلمان الفارسي، أو علماء التّوراة والإنجيل؛ مثل: ورقة بن نوفل، وقيل: أهل الذّكر أيضًا أهل القرآن عن الرّسل الّذين جاؤوا قبل محمّد ﷺ، هل كانوا إلّا بشرًا، وما جاؤوا به الحق من ربهم، أو اسألوا أهل الذكر من هو النّبي المنتظر.

﴿إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: إن: شرطية تفيد الشّك، والاحتمال.

سورة النحل [16: 44]

﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾:

﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾: أرسلناهم بالبينات، جمع بيِّنة؛ أيْ: بالحجج الواضحة الدّالة على صدق دعواهم، والمعجزات، والآيات.

﴿وَالزُّبُرِ﴾: الكتب السّماوية السّابقة. ارجع إلى سورة النساء، آية (163)؛ لبيان معنى: الزّبر.

﴿وَأَنزَلْنَا﴾: أيْ: جملة واحدة، أو دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، بينما نزلنا تعني: بالتدرج على دفعات خلال (23) عام، ونزلنا: جاءت في سياق التوكيد والاهتمام.

﴿إِلَيْكَ﴾: إلى: تفيد عموم الغايات؛ أيْ: للتبليغ، والإيصال إلى النّاس. ارجع إلى سورة البقرة آية (4) لمعرفة الفرق بين إليك وعليك.

158

﴿الذِّكْرَ﴾: القرآن، وسمِّي الذكر؛ لأنّه تذكرة لمن يخشى؛ لأنّه هو الشرف، والرفعة لهذه الأمة إليك، ولم يقل: عليك. ارجع إلى الآية (4) من سورة البقرة، وسورة ص آية (1).

﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾: لتبيِّن: اللام: للتعليل.

﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: للاختصاص؛ أيْ: توضح، وتشرح لهم.

﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾: من الأحكام، والشّرائع، والحرام، والحلال.

﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، أو مصدرية. وما: أوسع شمولًا من الذي.

﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: لعل: أداة للتعليل.

﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: أيْ: ينظرون في البينات، والدّلائل للوصول إلى أنّ محمّدًا حقٌّ، وأنّ القرآن حقٌّ؛ فيؤمنوا به. ارجع إلى الآية (11) من نفس السّورة.

سورة النحل [16: 45]

﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾:

﴿أَفَأَمِنَ﴾: الهمزة: استفهام توبيخي.

﴿الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾: الّذين: اسم موصول.

المكر: هو التّدبير الخفي الّذي يقوم به الماكر؛ لإلحاق الضّرر بالممكور به، ومن دون علمه.

الّذين مكروا السّيئات: هم مشركو، وكفار مكة؛ مكروا برسول الله ﷺ؛ ليثبتوه، أو يقتلوه، أو يخرجوه، وحاولوا سحره.

﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّوكيد.

159

﴿يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾: الخسف: هو أن تنشق الأرض، وتبتلعهم، كما حدث لقارون. يخسف بهم؛ أيْ: وحدهم لا غيرهم.

﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: أيْ: من أيِّ جهة لم تخطر على بالهم، ولم يأخذوا حذرهم، ويحتاطوا كما حدث لقوم لوط.

سورة النحل [16: 46]

﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:

﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾: أو: للتخيير.

﴿يَأْخُذَهُمْ﴾: يهلكهم، ويحل بهم العذاب.

﴿فِى تَقَلُّبِهِمْ﴾: من التّقلب: وهو الانتقال من مكان إلى مكان للتجارة، أو للسفر، أو حين ممارستهم لأعمالهم اليومية طلبًا للرزق، أو ذهابهم، ومجيئهم، والتّقلب قد يعني: من حال إلى حال، والتّقلب: مظهر من مظاهر القوة، وفي تقلبهم يعني: وهم على استعداد، أو غير استعداد، أو على حذر، أو غير حذر.

﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: فما: الفاء: للتوكيد؛ ما: النّافية.

﴿هُمْ﴾: للتوكيد.

﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: الباء: للإلصاق، وتوكيد النّفي؛ معجزين: فائتين من العذاب؛ معجزين مشتقة من أعجزه: هرب منه؛ أيْ: فاته ولم يقدر عليه، ويغلبه، ويقهره؛ فالله قادر على اللحاق بهم، والقضاء عليهم أينما كانوا.

سورة النحل [16: 47]

﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾:

﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة.

﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: أو على خوف؛ أيْ: وهم يتوقَّعون أن يحل بهم العذاب، أو هم على مخافة، وحذر، واستعداد، أو مختبئون في الملاجئ، أو في البروج المشيدة، أو يحدث بشكل تدريجي؛ أي: يرون العذاب قادمًا نحوهم بعد أن

160

أهلك ما حولهم، وقيل: التّخوف الفزع من شيء لم يحدث بعد، فهو يتصوَّره بألوان شتى، ومخاوفَ، وخيالاتٍ مختلفة.

﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ﴾: فإن: الفاء: للتوكيد.

﴿رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ﴾: لرؤوف: اللام للتوكيد؛ رؤوف: مشتقة من الرّأفة، والرّأفة: أخص من الرّحمة، أو الرّأفة أشد من الرّحمة، ومنهم من قال: أنّها تخص المؤمنين، ورؤوف من رأف به؛ أيْ: أشفق عليه بأن دفع عنه السّوء، أو كره أن يحل به مكروه.

﴿رَحِيمٌ﴾: صيغة مبالغة؛ أيْ: كثير الرّحمة، والرّحمة قد تشمل المؤمن، والكافر في الدّنيا؛ فلا يعجل لهم العقاب، أما في الآخرة: فهي خاصة بالمؤمن فقط.

سورة النحل [16: 48]

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: تعود على الّذين مكروا السّيئات؛ فبعد أن خوفهم، وحذرهم الله سبحانه بالخسف، أو أخذِهم، وإهلاكهم؛ جاءت هذه الآية تذكرهم بالقدرة الإلهية، وعظمة الخالق الّذي خلق لهم ما يتفيأُ ظلاله، ويسجد له ما في السّموات والأرض.

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: أولم: الهمزة: للاستفهام، والتّعجب، والتّوبيخ، والواو: تفيد التّوكيد، والانتظار.

﴿يَرَوْا﴾: رؤية عقلية، فكرية، ورؤية بصرية.

﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، وأوسع شمولًا من الذي.

161

﴿مِنْ شَىْءٍ﴾: من: ابتدائية، واستغراقية؛ تستغرق كلّ شيء.

﴿شَىْءٍ﴾: اسم جنس لكلّ شيء خلقه اللهُ.

﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ﴾: من فاء؛ أيْ: رجع فالظّل المتحرك يسمَّى الفيء؛ لأنّه يعود إلى الشّمس؛ أيْ: أصله ناشئ عن حجب حزمة من أشعة الشّمس؛ فهناك أشعة غير قادرة على الاختراق، وأشعة قادرة؛ فالأشعة غير القادرة: تسبب الفيء بسبب عدم قدرتها على اختراق جسم كثيف كالجبال، والأشجار، والإنسان، والحيوان. ارجع إلى سورة يس آية (56) لمزيد من البيان في معنى الظل.

﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾: جاءت بالإفراد: من الصّبح إلى الظّهر من حين تطلع الشّمس من جهة المشرق يكون الظّل على يمين الشّيء (ويدوم ذلك من الصّباح إلى وقت الظّهر)، والظّل يضمحل، ويضمحل حتّى يأتي وقت الظّهر وقت الزّوال (زوال الظّل).

﴿وَالشَّمَائِلِ﴾: جمع شمال، من الظّهر إلى المغرب يكون الظّل على شمال، أو يسار الشّيء، والظّل يزداد، ويزداد؛ فعبر عن الزّيادة بالجمع؛ جمع الشمائل.

﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾: سُجّدًا: تعود على ظلال كل شيء بما فيه ظل الكفار. سجدًا؛ أيْ: خضوعًا. السّجود: هو الخضوع، وقيل: سجودها يعني: ميلها، ودورانها؛ أيْ: إذا مالت، وتغيرت من جانب إلى جانب، أو طالت، أو قصرت. وقيل: هو سجود حقيقي؛ فالله سبحانه قادرٌ على فعل ذلك، والظّل: آية من آيات الله الكونية الّتي تخضع لربها.

﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾: صاغرون، ذليلون؛ من دَخر يدخرُ: صَغُر، وذل، كما نرى الكفار والمشركين عندما يصابون بالمرض، أو البأساء، والضراء، والأوبئة، والكوارث الجوية … وغيرها.

162

سورة النحل [16: 49]

﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾:

﴿وَلِلَّهِ﴾: تقديم الجار والمجرور؛ اسم الجلالة للحصر؛ أيْ: له وحده يسجد.

﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ﴾: ما: لغير العاقل، وصفات العاقل، وما: أوسع استعمالًا من (من في السّموات والأرض)، ما في السّموات كظرف، وكمظروف.

﴿وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: من جبال، وشجر، وحيوان، وحجر … وغيرها من المخلوقات. وما في الأرض كظرف، وما فيها كمظروف؛ الكلّ يسجد.

﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: من: استغراقية.

﴿دَابَّةٍ﴾: اسم جنس؛ تشمل كلّ دابة تدب على الأرض، وتشمل الإنسان أيضًا.

والسّجود قد يعني: الخضوع، أو يعني: السّجود الحقيقي، أو يعني الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: 26]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: 41]، وإذا لم يسجد الكافر السّجود الطّوعي؛ فهو يسجد سجود الخضوع رغمًا عن أنفه حين مرضه، أو فقره، أو موته، أو مصيبته؛ فليس في الكون شيء يخرج عن إرادة الله تعالى، وأمره.

﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: فالملائكة لا تدب في السّموات، ولا يقال لهم دابة؛ فهم يتحركون بأجنحتهم، ولذلك قال: من دابة، والملائكة، وقوله: من دابة والملائكة: فيه عطف الخاص (الملائكة) على العام (من دابة)؛ للتوكيد على أن هناك بعض المؤمنين الذين يمشون على الأرض قد تصل منزلتهم منزلة الملائكة، أو أفضل من الملائكة، وهناك من البشر من هم كالأنعام أو الدواب، أو أضل.

163

﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: وهم: ضمير فصل يفيد التّوكيد؛ لا: النّافية.

﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾: لا: يتكبرون عن عبادة ربهم، والسّجود له. ارجع إلى الآية (29) السّابقة من نفس السّورة؛ لبيان معنى: التكبر.

سورة النحل [16: 50]

﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾:

ولما كان الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فلماذا يخافون ربهم؟

﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾: الخوف: هو توقع الضرر المشكوك في وقوعه؛ هذا بالنسبة للإنسان، أما بالنسبة للملائكة هو خوف من التّقصير، أو خوف مهابة، وإجلال، وتعظيم دون ذنب، ودون تقصير.

﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: الفوقية هنا فوقية المكانة (المنزلة) على العرش استوى.

وفوقية: المكان فالله سبحانه منزَّه أن يحيطه مكان وزمان؛ لأنّ المكان والزّمان من خلقه؛ أيْ: هو خالق الزمان، والمكان.

﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: مثلًا: التّسبيح، والحمد؛ يسبحون الليل، والنّهار لا يفترون، ويستغفرون للذين آمنوا، ويفعلون ما يؤمرون فيها؛ حذف، أو إيجاز أصلها يفعلون ما يؤمرون، ويجتنبون ما يُنهون عنه.

سورة النحل [16: 51]

﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ﴾:

﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا﴾: لا: النّاهية.

﴿تَتَّخِذُوا﴾: لا تجعلوا، لا تعبدوا، لا تصيِّروا معي شريكًا.

﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: الإله المعبود؛ أيْ: لا تعبدوا إلهين.

﴿اثْنَيْنِ﴾: توكيد لأمر التّوحيد.

164

﴿إِنَّمَا هُوَ﴾: إنما كافة، ومكفوفة؛ تفيد التّوكيد.

﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد الحصر والتّوكيد.

﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: معبود واحد، لا يتجزأ ليس له ولد، ولا يتجزأ، ويصبح اثنين، وأمّا قوله: أحد؛ فيعني: لا مثيل له، ولا يشبه أحد؛ لله وحده الألوهية، والوحدانية، والربوبية. ارجع إلى سورة الصافات آية (4) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد.

﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: إله: صفة ثابتة.

﴿وَاحِدٌ﴾: تأكيد للصفة الثّابتة وهي إلهٌ (صفة مؤكدة).

﴿فَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ﴾: الرّهبة: هي طول الخوف، واستمراره مع العلم بالذي تخافه، ويقال للراهب راهب؛ لأنّه يديم الخوف، والتّوخي، والحذر؛ فإياي فارهبون: يفيد القصر؛ أيْ: لا تخافوا غيري؛ فإياي فارهبون: بدلًا من فإياه فارهبون (حول صيغة الغيبة إلى المخاطب)؛ لأنّ الرّهبة من المتكلم خير من الرّهبة من الغائب، والرّهبة كما قلنا الخوف، والحذر، والعلم بمن تخافه وتعظمه.

سورة النحل [16: 52]

﴿وَلَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾:

﴿وَلَهُ﴾: اللام: لام الملكية، والاختصاص؛ له: تقديمها يفيد الحصر؛ أيْ: له وحده.

﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما: للعاقل، وغير العاقل.

﴿فِى﴾: ظرفية.

﴿السَّمَاوَاتِ﴾: السبع: كظرف ومظروف؛ أي: له ملكية السموات السبع وما فيها.

﴿وَالْأَرْضِ﴾: ذاتها كظرف ومظروف، وملكية الأرض وما فيها.

165

﴿وَلَهُ﴾: وتكرار له يفيد التّوكيد، وفصل كلًا من الأمرين الملكية، والدِّين واصبًا، وله وحدَه:

﴿الدِّينُ وَاصِبًا﴾: واصبًا: دائمًا، وثابتًا لا يتغيَّر، ولا يتبدَّل، أو له الدِّين الخالص.

﴿الدِّينُ﴾: الطّاعة، والخضوع له الدِّين، والخضوع دائمًا وأبدًا، أو الطّاعة واجب له. ارجع إلى سورة آل عمران آية (19) لبيان معنى الدِّين.

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾: أفغير: الهمزة: همزة استفهام للإنكار، والتّوبيخ؛ أفغير الله تطيعون، أو تعبدون، والتّقوى: هي تنفيذ أوامر الله سبحانه، وتجنب نواهيه.

سورة النحل [16: 53]

﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾:

﴿وَمَا بِكُمْ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي؛ بكم: خاصة. وما: أوسع شمولًا من الذي.

﴿مِنْ نِّعْمَةٍ﴾: من: استغراقية تشمل كلّ نعمة ظاهرة وباطنة.

﴿نِّعْمَةٍ﴾: نكرة تعني: صغيرة، أو كبيرة، ومهما كان نوعها، والنّعمة تعريفها: هي ما يهبه الله لعبده من خير يجلب له المسرة، ويدفع عنه المضرة، وتشمل الصّحة، والغنى، والخصب، والجاه … وغيرها.

﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾: فمن: الفاء: للتوكيد؛ من: ابتدائية؛ من الله سبحانه المنعم.

﴿ثُمَّ﴾: لتباين منزلة النّعمة، والضّر.

﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية تتضمن معنى الشّرط، وتفيد حتمية الحدوث.

﴿مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾: المس: أخف من اللمس مجرد المس؛ أي: الإصابة

166

الخفيفة؛ أي: أصابكم الضّر، ولو إصابة خفيفة. الضُّرُّ: سوء الحال والمرض، وهو أشد من الأذى، ويكون في النفس أو غيرها.

﴿فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾: إليه وحده تجأرون: من جأر: رفع صوته بالدعاء تضرعًا؛ أيْ: ترفعون أصواتكم بالدّعاء، والاستغاثة؛ لكشف الضّر عنكم، وهذا يدل على تصوير حقيقة الإنسان الذي إذا مسه أدنى ضر يضيق صدره، وينفد صبره، ويجأر إلى الله لأدنى أذى.

سورة النحل [16: 54]

﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾:

﴿ثُمَّ﴾: للترتيب الزّمني، والتّراخي، أو لتباين منزلة الإصابة، والكشف.

﴿إِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث، أو كثرته، كشف الضّر.

﴿كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ﴾: رفع البلاء، والضّر: يشمل الفقر، والمرض، والجدب، والأوبئة، والكوارث.

﴿إِذَا﴾: الفجائية.

﴿فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ﴾: فريق جماعة منكم، وليس الكلّ.

﴿بِرَبِّهِمْ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد بعد أن كشف الضّر عنهم يعودون لما كانوا عليه.

﴿يُشْرِكُونَ﴾: يجعلون معه شريكًا وندًّا، وتدل على التّجدُّد، والتّكرار، والاستمرار في الشرك.

167