تفسير القرآن الثري الجامعالجزء 6 · ص 269 - 289

سورة الإسراء (1 من 6)

سورة الإسراء

سورة الإسراء [17: 1]

ترتيبها في القرآن (17)، وترتيبها في النزول (50)؛ نزلت بعد عام الحزن بعد أن فقد رسول الله ﷺ زوجه خديجة، وفقد عمه أبا طالب، ولجأ إلى الطائف؛ فقُذف بالحجارة، وعاد إلى مكة حزينًا منكسر القلب؛ فجاءت حادثة الإسراء والمعراج؛ لتغطي على تلك الأحداث، وتدخل الأمن، والطمأنينة إلى قلبه ﷺ.

﴿سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾:

﴿سُبْحَانَ﴾: اسم مصدر لفعل سبّح؛ أي: أنزهُ الله تنزيهًا مطلقًا: أن يكون له شبيه، أو مثيل في كمال الذات، وكمال الصفات، وكمال الأفعال؛ لتبقى ذاته متفردة بالوحدانية، وكمال القدرة العجيبة الّتي خلقت الأزواج كلها، والّتي سَرت بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرجت به؛ ليكون قاب قوسين أو أدنى، والّذي بيده ملكوت كل شيء رب السّموات والأرض، رب العرش العظيم، تنزيهًا له عن ذوات خلقه، وعن الولد، والبنت، والصّاحبة، والشّريك تنزيهًا ثابتًا ودائمًا من قبل أن يخلق من ينزهه، تنزيهًا يدل على الثبوت والدوام. ارجع إلى سورة الحديد آية (1) لمزيد من البيان.

﴿الَّذِى﴾: اسم موصول (معرفة) يختص بالمفرد المذكر يفيد التّعظيم؛

269

أي: الله سبحانه، ولم يقل: سبحان من أسرى. من: عامة تشمل المفرد، والجمع، ونكرة.

﴿أَسْرَى﴾: من السُّري: وهو السير ليلًا مبني على السّر، والخفاء.

﴿بِعَبْدِهِ﴾: الباء: للإلصاق؛ أي: بمحمد ﷺ ببدنه، وروحه، ونفسه معًا، وليس فقط بالروح، والهاء: تعود إلى الله سبحانه، وتدل على التشريف.

﴿لَيْلًا﴾: تعني: في تلك الليلة، وتفيد التّوكيد؛ لأنَّ أسرى تعني: السير ليلًا، وتعني: الإسراء، تم في جزء من الليل، ولم يستغرق الليل كله، ولو قال: سبحان الّذي أسرى بعبده الليل؛ لكان يعني: أن الإسراء استغرق كل الليل.

﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: من: ابتدائية؛ ابتداء الغاية المكانية.

﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: يشمل البيت الحرام: الكعبة، وكل ما هو داخل في حدود الحرم، وهو أول بيت وضع للناس للعبادة، وأول من بناه الملائكة، واختاره الله سبحانه، وسمي المسجد الحرام؛ لأنّه حرّم فيه ما لم يُحرم في غيره من المساجد.

﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾: الأقصى؛ أي: الأبعد، وسمي الأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام، أو عن مكة في ذلك الزمن، ولم يكن وراءه مسجد حينذاك.

﴿الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾: دليل على المبالغة في البركة، بركة دينية كونه مهبط الرسالات والأنبياء، والصّلاة فيه تعادل في الثّواب بـ (خمسمائة صلاة)، وكونه كان قبلة المسلمين الأولى قبل تحويلها إلى بيت الله الحرام؛ فقد صلَّى رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس (16 - 17) شهرًا، كما أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه، وكونه مسرى النبي ﷺ، وموضع عروجه إلى السماء، كما أخرج الإمام مسلم عن أنس بن مالك، وكونه ثاني مسجد وضع

270

للناس في الأرض بعد المسجد الحرام، كما روي عن أبي ذر الغفاري وأخرجه البخاري ومسلم، وبركة دنيوية: من بساتين، وثمار، ومياه، وسعة في العيش، والرّزق، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الأرض المقدسة وأرض الشام.

﴿لِنُرِيَهُ﴾: اللام: لام التّعليل، والهاء: ضمير يعود إلى رسول الله ﷺ؛ فقد أعطاه الله القدرة والقوة على رؤية وتحمل الأشياء التي لا تقوى عليها أي رؤية بشرية؛ سواء أفي الإسراء والعروج إلى السموات العليا التي تحتاج إلى استعداد وتحضير وأجهزة وأوكسجين لا يتصوره العقل.

﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾: من: بعضية، وليس كلها.

﴿آيَاتِنَا﴾: الكونية، والمعجزات الخارقة للعادة بالإسراء من مكة إلى بيت المقدس، ثم العروج إلى سدرة المنتهى، وتكليمه من وراء حجاب، والعودة إلى مكة في أقل من ليلة واحدة، ورؤيته ﷺ للجنة، والنّار، وملكوت السّموات. وإضافة الآيات إلى الله سبحانه يدل على تشريف الآيات.

﴿إِنَّهُ هُوَ﴾: إن: للتوكيد.

﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التّوكيد.

﴿السَّمِيعُ﴾: السّميع لأقوال رسوله ﷺ، وأقوال المشركين في السر، والعلن؛ الّذين كذبوا رسول الله ﷺ بعد الإسراء، والمعراج، كما كذبوه قبل الإسراء، والمعراج، ولم يصدقوا ما أخبرهم به عن الإسراء، والمعراج، وأقوال من صدقوه مثل: أبي بكر. والسميع لأقوال خلقه جميعًا.

﴿الْبَصِيرُ﴾: بأفعال رسوله ﷺ، وأفعال المشركين حين آذوه في الطّائف، وبعد عودته إلى مكة من رحلة الإسراء، والمعراج، وأفعال الّذين صدقوه؛ أمثال: أبي بكر وغيره من الخلق جميعًا.

271

وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: فيه وعيد للكفار على تكذيبهم لمحمّد ﷺ.

سورة الإسراء [17: 2]

﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِى وَكِيلًا﴾:

المناسبة: بعد ذكر حادثة الإسراء، والمعراج، وما حصل من تكريم رسول الله ﷺ يذكر كذلك إكرام الله سبحانه لموسى عليه السلام.

﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أي: التّوراة.

﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: وصيرناه هدى: مصدرًا لهداية بني إسرائيل (بني يعقوب)، والموصل إلى الغاية: وهي إخراج بني إسرائيل من الظلمات إلى النّور إلى صراط العزيز الحميد.

﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾: ألا: مركبة من أن: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، ولا: للتوكيد.

﴿تَتَّخِذُوا﴾: من الاتخاذ، أو التصيير.

﴿مِنْ دُونِى﴾: من سواي، أو من غيري.

﴿وَكِيلًا﴾: الوكيل الّذي تسند إليه الأمور؛ لتدبيرها، ومن يطلب منه العون، ويأتي بالخير والنفع؛ لأنّه سبحانه القوي، وهو على كل شيء قدير.

﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ … ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِى وَكِيلًا﴾: فيه انتقال من صيغة الغائب إلى صيغة المخاطب؛ للفت الانتباه بعدم اتخاذ من هو دون الله وكيلًا. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (89)؛ لبيان معنى: التّوكل.

272

سورة الإسراء [17: 3]

﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾:

﴿ذُرِّيَّةَ﴾: منصوبة على الاختصاص بقصد المدح؛ أي: أنتم خاصة يا ذرية نوح، وحذف (يا) ياء النداء بدلًا من (يا ذرية) من حملنا مع نوح، وحذف الياء؛ للقرب المعنوي، أو الحقيقي.

﴿مَنْ﴾: تدل على القلة، قلة من حملنا مع نوح على الفلك، ولو قال: الّذين؛ فتدل على الكثرة؛ من: ابتدائية.

﴿حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: في الفلك، أو السفينة.

وذرية: الذّرية أصلها: الأولاد، وتقع على الصّغار، والكبار، أو النسل، وهذه "من حملنا مع نوح"، أي: أولاد نوح: سام، وحام، ويافث.

﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا﴾: إنّه: للتوكيد.

﴿كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾: أي: كان نوحٌ عبدًا شكورًا: كثير الشكر؛ صيغة مبالغة.

﴿شَكُورًا﴾: ولم يقل شاكرًا؛ لأنّ شاكرًا: يشكر الله أحيانًا، أمّا شكورًا: دائب الشّكر، أو كثير الشّكر.

أي: يا ذرية نوح: تشبهوا بأبيكم نوح عليه السلام الّذي كان كثير الشّكر وكونوا مثله.

سورة الإسراء [17: 4]

﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ فِى الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِى الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾:

﴿وَقَضَيْنَا﴾: أي: أعلمنا؛ قضى إليه؛ أي: أعلمه، وأخبره. أما: قضى به: فصل الأمر على التّمام؛ أي: حكمنا.

273

﴿إِلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: بني يعقوب.

﴿فِى الْكِتَابِ﴾: في التّوراة.

أي: أعلمنا بني إسرائيل في التّوراة؛ أي: أخبرناهم.

﴿لَتُفْسِدُنَّ فِى الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾: لتفسدن: اللام: للتوكيد، والنّون: لزيادة التّوكيد.

تفسدن: من الإفساد: تخالفن شرع الله بالمعاصي، وبمخالفة التّوراة، وتحلُّون ما حرم الله، وتحرِّمون ما أحل الله، وتقتلون الأنبياء بغير حق، وقتل الّذين يأمرون بالمعروف من النّاس، وتحريف التّوراة، وكتمانه … وغيره من طرق الفساد. ارجع إلى سورة البقرة، آية (251).

﴿فِى الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾: لم يحدد القرآن الزّمن قبل الإسلام، أو بعد مجيء الإسلام.

﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾: ولتعلن: الواو: عاطفة؛ لتعلن: اللام: لام التّوكيد، والنون: كذلك لزيادة التّوكيد، والعلو: هو التّكبر في الأرض عن طاعة الله، والاستعلاء على النّاس: بالظلم، والبغي، ومعصية الله، والعلو: الغرور بالقوة، أو القدرة، والشّعور بالفوقية.

سورة الإسراء [17: 5]

﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾:

﴿فَإِذَا﴾: الفاء: للتوكيد؛ إذا: ظرف زماني للمستقبل، شرطية تفيد حتمية الحدوث.

﴿جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾: أولى مرتي الفساد، أو الفساد الأول. قيل: هو ما

274

حدث من يهود بني النضير، وبني قينقاع، وبني قريظة الّذين خالفوا العهد مع رسول الله ﷺ، واعتدوا على حرمات المسلمين.

﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾: أي: جالوت وجنوده كما قال ابن عباس، وقيل: بختنصر وجنوده كما قال ابن المسيب والفراء، وقيل: العمالقة (القوم الجبارين).

﴿عَلَيْكُمْ﴾: تفيد العلو، والسيطرة.

﴿أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أولي قوة شديدة وعدد.

﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾: من: جاس يجوس؛ أي: فتَّش، ونقَّب، وبحث، أو دخل الدار بدون حرب، واستولى عليها بدون مقاومة، أو طافوا خلال الديار يبحثون عنكم لقتلكم؛ فقتلوا الكثير، وأحرقوا التّوراة، وخربوا المسجد الأقصى.

﴿خِلَالَ الدِّيَارِ﴾: بين الديار؛ أي: تتبعوا آثاركم ينظرون هل بقي أحدٌ لم يقتل؛ حتّى يقتلوه.

﴿وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾: أي: وعد صدق قادرين على إنجازه؛ نافذًا لا محالة.

سورة الإسراء [17: 6]

﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾:

﴿ثُمَّ﴾: للترتيب الزمني، والتّراخي.

﴿رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾: الحديث موجَّه إلى بني إسرائيل؛ أي: جعلنا لكم الغلبة، والقوة، والنّصر على أعدائكم، وسلطناكم عليهم، وسواء أكان ذلك بقتل داود لجالوت، أو قتل بختنصر، وقيل: الكرة الأولى: كانت للمسلمين في عهد الرسول ﷺ، والكرة الثانية: كانت لليهود على المسلمين.

275

﴿الْكَرَّةَ﴾: أي: الغلبة، من: الكر، والفر الّذي يحدث في الحرب.

﴿وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾: أمدهم الله بالمال، فأصبحوا أكبر أصحاب رؤوس الأموال في العالم، والبنوك، والتجارات، وازدادت أعدادهم بإمدادهم بالبنين والهجرة.

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾: من النفير، أو النافر؛ أي: من يَنْفرُ مع الرجل من عشيرته للتصدي للعدو، ونصرته على أعدائه؛ أي: سخرنا الكثير من الدول الكبرى؛ لنصرتكم، أو مساندتكم، أو جعلنا الكثير من الدول تهب لنصرتكم، ولا زالت هذه قائمة.

سورة الإسراء [17: 7]

﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُئُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾:

﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال، والشّك.

﴿أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾: الخطاب لا زال لبني إسرائيل: إن أحسنتم أحسنتم بالإيمان، والطاعة، والعمل الصالح من قول، وفعل، في الدنيا أحسنتم لأنفسكم بالثواب؛ كقوله: من عمل صالحًا فلنفسه، ومن أساء فعليها.

﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾: وإن: شرطية كالسّابقة.

﴿أَسَأْتُمْ﴾: بالمعاصي، والكفر.

﴿فَلَهَا﴾: الفاء: للتوكيد، واللام: للاختصاص؛ أي: جزاء ذلك عائد إلى نفسه؛ كقوله: ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًا يره، أو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: 46]، أو الإساءة تعود إليه؛ أي: يسيء إلى نفسه، والإثم والعقوبة يقع عليه، أو يعود عليه.

﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: مرة الفساد الثانية. قيل: هذا الفساد الثاني: هو ما

276

نراه يحدث الآن في فلسطين، وبلاد الشام من خراب، ودمار من اليهود. انظر إلى الآية (5) السّابقة.

﴿فَإِذَا﴾: إذا: شرطية زمانية جوابها محذوف؛ تقديره: بعثناهم مرة أخيرة؛ أي: المؤمنين.

﴿لِيَسُئُوا وُجُوهَكُمْ﴾: الخطاب لبني إسرائيل؛ أي: تظهر على وجوههم آثار الإساءة، آثار الهزيمة، والخزي للمرة الثّانية.

﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: ليدخلوا: اللام: للتوكيد؛ أي: ليدخلوا أي: المسلمون المؤمنون المسجد الأقصى؛ أي: يسترجعونه من أيدي اليهود كما دخلوه أول مرة، قيل: في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان المسجد الأقصى عندها في أيدي المسيحيين النّصارى، أو في زمن بختنصر.

وهذه الآية: تدل على أن المسجد الأقصى سيستولي عليه اليهود، وسيدخله المسلمون، ويطهرونه من رجس اليهود دخولًا ثانيًا، وبعد المرة الثانية لن يكون لليهود غلبة بعدها.

﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾: يتبروا؛ أي: يهلكوا، ويدمر المسلمون ما أقامه اليهود، وما بنوه، وشيدوه؛ ليزيلوا آثاره، ومعالمه، والتتبير: هو الهلاك.

﴿مَا عَلَوْا﴾: ما استولوا عليه، أو ما أقاموه، وما شيدوه، وليس بذاتهم، وأموالهم، وإنما بمساعدة أنصارهم.

﴿تَتْبِيرًا﴾: هلاكًا.

277

سورة الإسراء [17: 8]

﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾:

﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾: أداة للترجي؛ أي: أن تكونوا راجين ربكم أن يرحمكم، ولا تعني: أن الله سبحانه هو الّذي يرجو.

﴿أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾: أن: أداة استقبال خاصة بالمستقبل، والخطاب لبني إسرائيل؛ أي: عسى ربكم أن يرحمكم حينذاك؛ أي: حين يجيء وعد الآخرة، أو في المستقبل.

انتبه إلى الفرق بين: عسى أن يرحمكم، أو عسى أن ترحموا، وبين: لعلكم ترحمون.

عسى أن ترحموا، أو أن ترحموا: أن: تفيد الاستقبال؛ أي: الرّحمة في المستقبل، ولا تعني الآن، وعسى دائمًا تقترن بأن في القرآن.

بينما لعلكم ترحمون: زمن الرّحمة مطلق في الماضي، والمستقبل، والحاضر، وفيها تجدد، واستمرار.

ولعلكم ترحمون: معناها اتخاذ الأسباب الّتي توصل إلى الرّحمة مع رجاء الرّحمة من الله معًا، ولو أراد اتخاذ الأسباب فقط بدون رجاء الرّحمة من الله لقال بدلًا من لعلكم ترحمون: لترحموا.

﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال.

﴿عُدتُّمْ عُدْنَا﴾: أي: إن عدتم إلى الفساد للمرة الثّالثة، عدنا إلى عقوبتكم،

279

ولم يقل: وإن تعودوا نعد، الّتي تدل على كثرة العودة مرات عديدة. ارجع إلى سورة الأنفال، آية (19)؛ للمقارنة.

﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ﴾: جهنم: ارجع إلى الآية (18) من سورة الرعد.

﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: اللام: لام الاستحقاق، والاختصاص.

﴿حَصِيرًا﴾: أصل الحصير: البساط المنسوج الّذي يفرش على الأرض، وحصير من الحصر؛ أي: التضييق؛ أي: جعلنا جهنم سجنًا، أو محبسًا ضيقًا يحبسون فيه؛ أي: لا يخرجون منها، وهي ضيقة مطبقة عليهم لها ميزتان: الحبس، والضيق. وفي سورة الهُمزة، آية (8 - 9): وصفها "إنها عليهم مؤصدة في عمد ممدة".

سورة الإسراء [17: 9]

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾:

﴿إِنَّ هَذَا﴾: إن: للتوكيد.

﴿هَذَا﴾: اسم إشارة، والهاء: للتنبيه، وذا: اسم إشارة للقرب؛ لكونه يهدي، والهداية تحتاج إلى شيء قريب.

﴿الْقُرْآنَ﴾: من كونه مقروءًا، أو من القراءة، والقراءة تحتاج إلى قرب؛ إذًا الهداية والقراءة كلاهما يحتاجان إلى قرب؛ فاستعمل "هذا".

﴿يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾: يهدي للوصول إلى الغاية؛ يهدي إلى الّتي هي أسَدُّ، وأصوب، وهي ملة الإسلام، أو الصراط المستقيم بأقصر زمن، وأقل مسافة، ودون عائق.

280

﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾: يبشر من البشارة. ارجع إلى الآية (119) من سورة البقرة، والبشارة: هي الإخبار بأمر سارٍّ لأول مرة.

﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: الّذين أصبح الإيمان صفةً ثابتةً لهم؛ المؤمنين بالله، وما أنزل على رسله.

﴿يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾: يعملون: تدل على التّجدد، والتّكرار لعمل الصالحات.

﴿أَنَّ لَهُمْ﴾: أن: للتوكيد.

﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص.

﴿أَجْرًا كَبِيرًا﴾: الأجر مقابل العمل.

﴿كَبِيرًا﴾: تدل على عظم الأجر؛ فالكبير كل ما عداه صغير.

سورة الإسراء [17: 10]

﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾:

مقابل المؤمنين الّذين يعملون الصّالحات في الآية السّابقة: الّذين لا يؤمنون بالآخرة.

﴿وَأَنَّ الَّذِينَ﴾: أن: للتوكيد.

﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.

﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: لا: النّافية.

﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: يصدقون بالآخرة؛ أي: بالبعث، والحساب، والباء: للإلصاق.

﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: أعتدنا؛ أي: أعددنا، وهيَّأنا.

281

﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.

﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾: شديد الإيلام، لا يتحمله أحد.

سورة الإسراء [17: 11]

﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾:

﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ﴾: الإنسان: اسم جنس؛ يدعو: من الدعاء بالشر على نفسه، أو ولده، أو ماله عند الضجر، والغضب، والعجلة، وعدم الصّبر؛ يدعو بالموت، والهلاك، أو اللعنة، ولا ينظر في عاقبة دعائه.

﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾: أي: يدعو بالشر كما يدعو بالخير بالسلامة، والرزق، والعافية، سواء بشهوة أم بغضب متعجلًا بدون صبر وتمهل فيدعو على نفسه أو أولاده، ولو استجاب الله سبحانه له لأصابه الضر، وربما هلك، ولكن من رحمته سبحانه، وفضله لم يستجب لدعائه، وعليه الكف عن هذا للخوف من أن تكون ساعة استجابة فيندم حين لا ينفع الندم.

﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾: كان: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ أي: كان عجولًا في كل الأوقات؛ عجولًا في دعائه، وأفعاله، وأقواله؛ عجولًا: صيغة مبالغة: كثير العجلة. وكما قال تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37]، ولا تعني أن الله خلقه عجولًا، وإنما من كثرة عجلته التي هي مكتسبة، أو من صنع يده يظهر كأنه خلق عجولًا. وهناك من الناس من يتجمَّل بالصبر ولا يتسرع، ولكن هذه الفئة قليلة، والغالبية ممن يبدو كأنه مجبول على العجلة، وعدم الصبر والتريث، وهناك أمور يستحب فيها العجلة مثل: دفن الموتى، والإسراع في سداد الدين، والرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة، وكذلك الزواج في سن مبكرة وغيرها.

282

سورة الإسراء [17: 12]

﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾:

﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾: الجعل يتم بعد الخلق.

﴿الَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾: علامتين دالتين على كمال قدرة الله سبحانه، وعظمته على الخلق، ووحدانيته.

﴿آيَتَيْنِ﴾: مثنى آية: آية كونية تدل على كروية الأرض، وأنّها تدور حول نفسها، وحول الشّمس؛ مما يؤدي إلى تعاقب الليل، والنّهار؛ الأمر الهام لاستقامة واستمرار الحياة على الأرض. ارجع إلى سورة يونس، آية (67)؛ للبيان.

﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾: في بداية خلق الأرض كان الليل يضاء بستائر من نور تنزل من السّماء بشكل رأسي، ثم تنحني قليلًا حين وصولها إلى الأرض، وتكون على أشدها في القطبين الشمالي، والجنوبي، وتضعف كلما اتجهنا إلى خط الاستواء، وكانت تسمى: ظاهرة الفجر الكاذب، وكان النهار يضاء بالشمس؛ فكان النور، أو الضوء يعم الليل، والنّهار، ولكن الله سبحانه منَّ على البشرية بأنه خلق نُطُق الحماية الّتي لم تكن موجودة في بداية الخلق، وتكونت على مراحل؛ فقامت هذه النُّطُق بحجب هذه الأشعة، أو الستائر الّتي هي آية الليل، وبقي النهار مبصرًا.

فالغلاف الجوي لم يكن موجودًا عند نشأة الأرض، وإنما تكون على مر العصور، وكان الليل هو السائد على الأرض في بداية الخلق رغم وجود الشّمس، وشروقها، ثم تكون الغلاف الجوي الّذي يضيء؛ لكونه يحتوي على غازات قابلة للإضاءة بنور الشّمس، واستغرق ذلك ملايين السنين؛ فبدأ الليل ينجلي تدريجيًا، وضوء النهار يزداد قوة؛ فزالت الظلمة المحيطة بالكرة الأرضية،

283

فمع بداية الفجر تدخل أشعة الشّمس الطبقات العليا للغلاف الجوي، الّتي تتميز بكثافة ضعيفة، ثم تدخل أشعة الشّمس الطّبقات السفلى ذات الكثافة العليا؛ فإذا بالشّمس تشرق، ويصبح النهار مبصرًا، وتنمحي آية الليل عن نصف الكرة الأرضية المقابلة للشّمس. ارجع إلى سورة يونس آية (67) لمزيد من البيان.

﴿لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: أي: لليل مهمة: وهي لتسكنوا فيه، وللنهار مهمة: هي لتبتغوا فيه فضلًا من ربكم؛ تسعون فيه لطلب رزقكم، وتبحثون عن أسباب عيشكم.

﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾: الواو: عاطفة؛ أي: جعلنا الليل والنهار آيتين؛ لتبتغوا فضلًا من ربكم أولًا، وثانيًا: لتعلموا عدد السنين والحساب؛ فالشّمس تحدد لنا الأيام؛ فالأرض تستغرق في دورتها حول الشمس (365 يومًا وخمس ساعات و48 دقيقة و46 ثانية)؛ أي: ما يعادل (365125 يومًا)، وتقرر جمع أرباع اليوم وإضافتها إلى السنة الرابعة لتصبح (366 يومًا)، وتسمى السنة: الكبيسة، والسنة القمرية تقدر بـ (12 دورة للقمر حول الأرض)، وتقدر كل دورة بـ (29 يومًا و12 ساعة و44 دقيقة و3 ثوان)؛ فالسنة القمرية تعادل (354 يومًا و8 ساعات و48 دقيقة و34 ثانية)، بحوالي (11 يومًا) الفرق بين السنة الشمسية والقمرية، وكل (33 سنة) يصبح هناك فرق سنة واحدة بين النظام الشمسي والنظام القمري. ارجع إلى سورة يونس، آية (5)؛ لمزيد من البيان.

﴿وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾: وكل شيء تحتاجون إليه في أمور دنياكم، وحياتكم، وأمور الدين؛ أي: دينكم، وأمور آخرتكم بيَّنَّاه بيانًا لا التباس فيه.

نظير ذلك قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِنْ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: 38]، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: 89].

284

سورة الإسراء [17: 13]

﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾:

﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ﴾: هنا يذكر مبدأ المسؤولية الفردية؛ فبما أن كل إنسان مخير في عمله؛ فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره، وكل إنسان ألزمناه عمله في عنقه.

العمل شبه بالطائر؛ أي: طائره بمعنى: عمله؛ فقد كانت العرب في الماضي إذا أراد أحدهم أن يقوم بعمل ما يأتي بطائر، ثم يطلقه؛ فإن طار عن يساره يتشاءم، ولا يقوم بذلك العمل، وإن طار عن يمينه يتفاءل به، ويقوم به.

وبعد ذلك يلوم الطائر على عمله، ويتهمه.

وأما بالنسبة للعنق: كانت العرب تعبر عن تلازم الشّيء بالشّيء بما يوضع في العنق؛ تقول: هذه أمانة في عنقك، كما تلازم القلادة العنق، هكذا يكون عملك ملازمًا لك.

﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾: سجل أعماله، ويقول: ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة، ولا كبيرة إلا أحصاها؟! ووجدوا ما عملوا حاضرًا؛ يخرج له كتابه يوم القيامة كي يراه، ويقرأه، ونخرج: نون الجمع للتعظيم، أو الملائكة يخرجون له كتابه.

﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾: مفتوحًا معدًا للقراءة قبل وصول صاحبه إليه ليقرأه.

سورة الإسراء [17: 14]

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾:

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾: اقرأ سجل أعمالك بنفسك، وانظر إلى ما عملته في الدّنيا، وحاسب نفسك بنفسك؛ القائل هو الله سبحانه على ألسنة الملائكة.

﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ﴾: يوم القيامة.

285

﴿عَلَيْكَ﴾: على: تفيد العلو، والمشقة.

﴿حَسِيبًا﴾: محاسبًا؛ أي: حاكمًا، أو قاضيًا.

سورة الإسراء [17: 15]

﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾:

﴿مَنِ اهْتَدَى﴾: من: شرطية.

﴿اهْتَدَى﴾: يعني: التزم بمنهج الله، وسار على دينه، واهتدى إلى الصّراط المستقيم.

﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء: للتوكيد؛ إنما: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد.

﴿يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ﴾: لنفسه: اللام: تفيد الاختصاص، والاستحقاق؛ أي: هو المنتفع بذلك.

﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا﴾: مثل: من اهتدى فإنما.

﴿يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: على: تفيد الاستعلاء؛ أي: عاقبة الضّلال، والإعراض عن منهج الله تقع عليه.

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: هذه الآية تؤكد الآية السّابقة (13).

﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة؛ لا: نافية.

﴿تَزِرُ﴾: تحمل. والوزر: هو الحمل الثقيل (أو الثقل العظيم)، وعبر بالوزر بدلًا من الإثم، وكما أن الحمل الثقيل (الوزر) يتعب صاحبه (حامله) كذلك الإثم فإنه قد يقصم ظهر حامله.

﴿وَازِرَةٌ﴾: أي: نفس آثمة، أو وازرة محملة بالذنوب.

286

﴿وِزْرَ أُخْرَى﴾: أي: إثم نفس أخرى، وإنما تحمل إثمها فقط.

وهذه القاعدة تنطبق على الّذي ضل في ذاته، ولم يتعدَّ ضلاله إلى غيره، وأما إذا تعدى ضلاله إلى غيره فسوف يحمل وزره، وأوزارًا مع وزره؛ أي: وزره ووزر من أضله، كما بيَّن رسول الله ﷺ: «من سنَّ في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». أخرجه مسلم.

﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾: ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24].

﴿حَتَّى﴾: حرف غاية، نهاية الغاية.

﴿نَبْعَثَ رَسُولًا﴾: ليُبين لهم ما نُزل إليهم، وما كنا معذبين أحدًا في الدّنيا والآخرة على فعل شيء، أو تركه إلا بعد إرسال الرّسل، والإنذار، وإقامة الحجة، وإعطائهم المهلة الكافية للتوبة. ولمعرفة الفرق بين نبعث، ونرسل: ارجع إلى سورة البقرة، آية (119).

سورة الإسراء [17: 16]

﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾:

﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني للمستقبل يتضمن معنى الشرط.

﴿أَرَدْنَا أَنْ نُّهْلِكَ﴾: أن: حرف مصدري يفيد التّوكيد، والتّعليل.

﴿قَرْيَةً﴾: أي: سكان القرية، وكلمة القرية تعني: أهل القرية، والبنيان.

﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾: أمرنا أغنياءها بالطاعة، والالتزام بمنهج الله على لسان الرّسل، ولكنهم خالفوا، وعصوا، أو معنى أمرنا: كثرنا. قيل: أمر كثر؛ أي: كثرنا عدد المترفين فيها؛ لكي يشتد فسادهم، وفسقهم.

287

﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾: ففسقوا: الفاء: للتوكيد؛ فسقوا: خرجوا عن طاعة الله تعالى، أو عن دينه، وخالفوا، وعصوا.

﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾: فحق: الفاء: للتوكيد؛ حق: وجب عليها العذاب، أو استحقت القول (العذاب)، ولم يقع بعد، وسيقع لا محالة في الدّنيا.

ولو قال: ووقع القول كما في قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: 85]؛ أي: قد وقع وانتهى، أو يقع الآن.

﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾: التدمير يعني: الخراب، والهلاك، والدمار: هو دائمًا يأتي كعقوبة، ويشمل كل شيء بلا استثناء. ارجع إلى سورة الحج، آية (45)؛ لمعرفة معنى: الهلاك.

أي: أهلكنا كل أهلها، ولم يُستثنَ أحد من المترفين وغيرهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾؛ أي: تصيب الجميع؛ لأنّ غير المترفين لم ينهوا المترفين بالكف عن عصيانهم، وضلالهم، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: 59]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]، وحديث رسول الله ﷺ: «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث»، كما روى البخاري عن زينب بنت جحش.

سورة الإسراء [17: 17]

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾:

﴿وَكَمْ﴾: الواو: استئنافية؛ كم: الخبرية تفيد الكثرة؛ أي: أهلكنا الكم الكثير من القرون.

﴿أَهْلَكْنَا﴾: ارجع إلى الآية (4) من سورة الأعراف؛ لبيان معنى الهلاك.

﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾: من: ابتدائية.

288

﴿الْقُرُونِ﴾: جمع قرن، والقرن (مائة سنة)، أو القرن قوم عاشوا في زمن واحد مقترنين، مأخوذة من الاقتران.

﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾: ولم يقل من بعد آدم. قيل: كان النّاس بين آدم ونوح على دين الإسلام أمة واحدة، ومن هذه القرون الّتي أهلكت من بعد قوم نوح عاد، وثمود، ولوط، ومدين، وفرعون، وأصحاب الرس، وقرون بين ذلك كثير.

﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾: أي: سبحانه لا هو يخبر أحدًا من عباده عن ذنوب عباده، وهو سبحانه لا يحتاج من أحد من البشر؛ أي: من خلقه، أن يخبره، أو ينقل إليه ما يفعله عباده؛ لأنّه سبحانه خبير، عليم ببواطن الأمور، وخفاياها. بصير: يرى ويبصر أعمال عباده؛ فلا تخفى عليه خافية، سواء أكانت أعمالًا ظاهرة، أم باطنة، وسواء أكانت في السر، أم في العلن.

289