تفسير القرآن الثري الجامعالجزء 10 · ص 365 - 373

سورة الزّخرف [الآيات 23 - 33]

سورة الزّخرف [الآيات 23 - 33]

سورة الزخرف [43: 23]

﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُّقْتَدُونَ﴾:

لا بُدَّ من العلم أنّ الآية السّابقة (22) تتحدث عن مشركي قريش، الّذين زعموا أنّ الملائكة إناث، وأنّهم بنات الله، وأنهم يعبدونهم كما عبدهم آباؤهم، وهذه الآية (23) تتحدث عن الأمم السابقة والمترفين الّذين كانوا قبل مجيء مشركي قريش.

﴿وَكَذَلِكَ﴾: أيْ: مثل ما قال مشركو قريش أو مكة: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون، قال المشركون والمترفون السّابقون لرسلهم: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.

فما هو الفرق بين الّذين قالوا: إنا على آثارهم مهتدون؛ أي: مشركي قريش والعرب، والّذين قالوا: إنا على آثارهم مقتدون من جاء قبلهم من الكفار والمقربين.

الّذين قالوا: إنّا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون، أي: المشركون والمترفون من جاءوا قبل قريش، هؤلاء لا يدّعون الهداية لأنفسهم ولا لآبائهم، ولا تهمهم الهداية، وإنما يهمهم إلا التّرف والشّهوات والمعاصي بسبب ضلالتهم وشركهم، أما مشركو قريش أو مكة هم ومن جاء من آبائهم فهم يدعون باطلًا الهداية لأنفسهم وآبائهم، أيْ: أنّ آباءَهم كانوا مهتدين، وهم يقلدونهم، فهم أسوأ وأشد ضلالًا من المترفين الكافرين أو المشركين الّذين قالوا: إنّهم على آثار آبائهم مقتدون.

365

﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾: ما النّافية، أرسلنا من قبلك: يا رسول الله ﷺ.

﴿فِى قَرْيَةٍ﴾: في ظرفية قرية.

﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾: من استغراقية، نذير: الإنذار الإعلام مع التّحذير، أيْ: يبلغها ما أرسل إليهم به ويحذرها.

﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.

﴿قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾: جمع مترف، والترف: هو التوسع في ملذات الدنيا، وشهواتها والإسراف؛ أي: تجاوز حد الاعتدال، والمترف: هو الغني الذي أطغته النعمة أو الغنى، والمنغمس في ملاذ الدنيا وشهواتها بالتبذير، والإسراف الذي يؤدي إلى فساده. إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. أيْ: بشرائعهم وبسننهم نعمل.

سورة الزخرف [43: 24]

﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾:

﴿قَالَ﴾: تعني: كل نذير، أيْ: رسول قال لأهل قريته بما فيهم رسول الله ﷺ قال لمشركي مكة:

﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾: أولو: الهمزة للاستفهام الإنكاري، جئتكم بشريعة أو ملة أهدى من ملة آبائكم وأهدى من شرككم وضلالكم كان هذا ردًا على مشركي قريش.

﴿قَالُوا﴾: أي: مشركو قريش والعرب.

﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾: إنا للجمع والتّوكيد، بما: الباء باء الإلصاق، ما تعني: الّذي وهي أوسع شمولًا من الّذي.

أرسلتم به كافرون: أيْ: لا نؤمن ولا نصدق بأيِّ شيء جئتمونا به، كافرون: صفة تدل على الثّبوت.

366

سورة الزخرف [43: 25]

﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾:

﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾: الفاء السّببية تربط السّبب بالمسبب، انتقمنا منهم: تعود على الكل؛ أيْ: عاقبناهم على كفرهم بأنواع مختلفة من العذاب، فمنهم من أخذته الصّيحة، ومنهم من أرسلنا عليه حاصبًا، ومنهم من أخذته الرّجفة ومنهم من أغرقنا.

﴿فَانظُرْ﴾: الفاء جواب شرط مقدَّر تقديره: إن كذبك قومك فانظر كيف كان عاقبة المكذبين، انظر: نظرة قلبية فكرية، نظرة تمعُّن واعتبار.

﴿كَيْفَ﴾: استفهام وتحذير.

﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: كيف كان عذاب المكذبين، وتذكير كلمة العاقبة في القرآن كقوله: ﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾ يعني: العذاب، وتأنيث كلمة العاقبة في القرآن تأتي في سياق العاقبة الحسنة كالجنة.

سورة الزخرف [43: 26]

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾:

المناسبة: كان أجدر بهؤلاء مشركي مكة الّذين قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون، أن يقلِّدوا ويتَّبعوا إبراهيم عليه السلام وليس آباءهم وأجدادهم.

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾: الواو استئنافية، إذ: أي: اذكر، إذ قال إبراهيم: أو اذكر حين قال إبراهيم لأبيه.

﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾: اللام لام الاختصاص، أبيه: آزر، أو قيل: عمِّه. ارجع إلى سورة الأنعام آية (74) للبيان.

﴿إِنَّنِى﴾: لم يقل: إني، قال: إنني للتوكيد (نون التّوكيد).

367

﴿بَرَاءٌ﴾: من برأ منه، أي: تخلَّص منه وتباعد عنه وتبرأت من الأمر أي: تخليت عنه، براءٌ، أيْ: لا أعبد الّذي تعبدون.

براءٌ: مصدر بريء على وزن فعال، وتقال للواحد والاثنين والجمع، إنا براء منك أو منكما أو منكم.

في سورة الأنعام آية (78) ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّى بَرِاءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.

في سورة الزّخرف هذه الآية (26) قال: ﴿إِنَّنِى بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾.

براءٌ مصدر بريء أو براءة مصدر لفعل برأ يبرأ.

في سورة الممتحنة آية (4) ﴿إِنَّنِى بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ جمع بريء. ارجع إلى سورة الأنعام آية (78) لمعرفة الفرق والبيان.

﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾: من ابتدائية استغراقية، ما: اسم موصول بمعنى الّذي وما عامة تشمل كل ما يعبدون إلا الله، كما سيرد في الآية التّالية. ارجع إلى سورة النّحل آية (73) لتعريف العبادة، تعبدون: بصيغة المضارع تفيد التّكرار والتّجدُّد.

سورة الزخرف [43: 27]

﴿إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾:

﴿إِلَّا الَّذِى﴾: إلا: أداة استثناء أو حصر، الّذي: اسم موصول يفيد التّعظيم.

﴿فَطَرَنِى﴾: خلقني، أي: الّذي أخرجني للوجود، والفطر هو الإبداع والإيجاد من غير سبق وأصله الشّق، وفطر: طلع وظهر.

﴿فَإِنَّهُ﴾: الفاء تعليلية، إنّه: للتوكيد.

﴿سَيَهْدِينِ﴾: السّين تدل على الاستقبال القريب، وهل يعني أنّ إبراهيم عليه السلام لم يكن مهديًا (من قبل) الجواب: كلا، كان مهديًا، والدّليل في سورة الشّعراء آية (78) قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ فلا بُدَّ من الجمع بين الآيتين يهدين وسيهدين أيْ: يهدين للحال

368

وسيهدين للاستقبال، أي: الاستمرار على الهداية والاستقامة عليها، وحذف الياء؛ لأن الهداية لن تخصه وحده بل الهداية تكون له ولغيره من الناس ولو كانت خاصة به وحده لقال سيهديني.

سورة الزخرف [43: 28]

﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾:

﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً﴾: أيْ: جعل كلمة التّوحيد لا إله إلا الله، أو ﴿إِنَّنِى بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِى﴾.

﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِ﴾: في ذريته أو خلفه، أو فيمن يأتي من بعده إلى يوم القيامة، والعقب الولد وولد الولد.

﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعل: للتعليل، يَرْجعون بفتح الياء ولم يقل يُرْجعون، يرجعون برغبتهم وإرادتهم بالتوبة إلى عبادة الله وحده، بينما يُرجعون: بالقسر وبغير إرادتهم، لعلهم يَرجعون: إلى ربهم بالإنابة والتّوبة وإليه وحده والإخلاص له، يرجعون إلى توحيد الألوهية والرّبوبية والأسماء والصّفات.

سورة الزخرف [43: 29]

﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾:

المناسبة: يعود الله سبحانه ليتحدث عن مشركي مكة كيف أمهلهم ولم يعجِّل لهم بالعقوبة، ومتَّعهم بالنّعيم وطول العمر، وأنزل عليهم القرآن وجاءهم رسولٌ مبين، وماذا فعلوا عندها قالوا: هذا سحرٌ، وإنا به كافرون.

﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي.

﴿مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾: أي: مشركي مكة وآباءهم، متعت: من المتاع: وهو كلُّ ما ينتفع به ويرغب في اقتنائه ويتمتع به من أثاث وسلعة وأداة وهو متاع زائل، متعتهم بطول العمر والسّعة في الرّزق والأمن، فاغتروا بالنّعم وأسرفوا في شهواتهم وعبادتهم لأوثانهم.

369

﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.

﴿جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾: وهو القرآن العظيم.

﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾: أيْ: محمّد ﷺ بين الرّسالة أو الدِّين، مبين: ظاهر لكلّ فرد منهم أنّه رسول الله وليس بكاهن ولا بشاعر ولا مجنون ولا يحتاج إلى بيِّنة أو حُجَّة، مبين: للحق وما جاءَهم من الأحكام والشرائع.

سورة الزخرف [43: 30]

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾:

﴿وَلَمَّا﴾ الواو عاطفة، لما: ظرف زماني بمعنى حين، أيْ: وحين جاءهم الحق: القرآن العظيم.

﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾: قالوا: أيْ: كفار قريش، هذا: اسم إشارة للقرب والهاء للتنبيه إشارة إلى القرآن، سحر: اتهموا القرآن بالسّحر لما رأوا تأثيره القوي في القلوب والأنفس، وكانوا يظنون كل شيء خارق للعادة سحرًا. ارجع إلى سورة طه الآية (58) لتعريف السّحر، وسورة البقرة (102) لمزيد من البيان.

﴿وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾: ضمير الجمع، به: بالقرآن، وقدَّم به للحصر والقصر، كافرون: لا نؤمن به ولا نصدقه، أيْ: جاحدون، كافرون: جملة اسمية تدل على الثّبوت، أيْ: صفة الكفر عندهم ثابتة لا تتغيَّر أو تتبدَّل.

سورة الزخرف [43: 31]

﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾:

﴿وَقَالُوا﴾: الواو عاطفة، قالوا: أيْ: كفار مكة.

﴿لَوْلَا﴾: أداة حضٍّ وحثٍّ.

﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾: نُزل، أيْ: بشكل منجم، أي: على دفعات ولو قالوا: أنزل لكان يعني ذلك على دفعة واحدة، هذا القرآن: كما في الآية السّابقة.

﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾: على تفيد الاستعلاء، ولم يقل: إلى رجل

370

التي تفيد الانتهاء، نُزل من اللوح المحفوظ، أيْ: هم استنكروا أن يُنزل القرآن على محمّد ﷺ وهو ليس من زعمائهم وسادتهم، رجل من (ابتدائية) القريتين عظيم: رجل من القريتين مكة أو الطّائف. كما قال ابن عباس والرجل العظيم من مكة هو الوليد بن المغيرة القرشي، وقيل: عتبة بن ربيعة والرّجل العظيم من الطّائف، قيل: هو حبيب بن عمرو بن عمير الثّقفي، وقيل: غيره من الأسماء مثل مسعود بن عمرو، رجل عظيم: يعني: ذا جاه ومال وسيد في قومه.

سورة الزخرف [43: 32]

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾:

المناسبة: يرد الله سبحانه على اعتراضهم بإنزال النّبوة على رسول الله ﷺ بقوله: أهم يقسمون رحمة ربك.

﴿أَهُمْ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري وتحمل معنى التّعجب والضّمير يعود على كفار قريش، أهم يقسمون رحمة ربك أهم الّذين يختارون من يكون رسولًا أو نبيًا لهم؟

﴿يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾: أي: النّبوة، وكما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124].

﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: نحن: للتعظيم، قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدّنيا: أيْ: قسمنا: وزعنا أرزاقهم بينهم في الحياة الدّنيا فمنهم الغني ومنهم الفقير ومنهم التّاجر ومنهم المزارع ومنهم الطّبيب ومنهم الصّانع.

﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾: في الرّزق والغنى والفقر والعلم والجاه والصّحة والعافية والقوة والمهن والحرف والوظائف وغيرها.

371

﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾: اللام لام التّعليل، سخريًا: أيْ: ليساعد بعضهم بعضًا في سُبل العيش والخدمة، هذا بماله وهذا بعمله، فالطّبيب يحتاج إلى الخباز، والخباز يحتاج إلى الطّبيب، فلو تساوى النّاس في الغنى وفي الحِرف ولم يحتاج بعضهم إلى بعض لتعطَّلت سبل معاشهم وحاجتهم لغيرهم، وهناك فرق بين سُخريًا بضم السين، وسِخريًا بكسر السين، كما ورد في قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: 110] التي تعني: السخرية والاستهزاء، وأما سُخريًا بضم السين: من التسخير؛ أي: يخدم بعضهم بعضًا، والتسخير له معنى آخر هو التذليل كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِى الْأَرْضِ﴾ [الحج: 65].

﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: رحمة ربك، أي: النّبوة أو الهداية والقرآن ونعمة الإسلام والإيمان أو الجنة، خير: أيْ: أفضل من، ما: ابتدائية استغراقية، ما (الّذي) يجمعون من المال ومتاع الدّنيا، يجمعون بصيغة المضارع لتدل على التّكرار والتّجدُّد.

سورة الزخرف [43: 33]

﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾:

﴿وَلَوْلَا﴾: لولا: حرف امتناع لامتناع.

﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد.

﴿يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أمة واحدة: على ملة واحدة هي ملة الكفر، أيْ: لولا الخوف أن ينقلب كلّ النّاس كفارًا.

لجعلنا (لحقارة الدّنيا) لكلّ كافر بيوتًا سقفها من فضة ومعارج عليها يظهرون ومصاعد عليها يرتقون وأبوابًا من فضة وسررًا وزخرفًا في الدّنيا؛ لأنّ ليس لهم في الآخرة من نصيب؛ لأنّ الدّنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة؛ كما

372

ورد في الحديث عن سهل بن سعد الساعدي والذي رواه الترمذي، وهي عاريَّة زائلة مهما طال الأجل.

﴿لَّجَعَلْنَا﴾: اللام لام التّعليل، جعلنا: الجعل بعد الخلق والجعل يعني: صيرنا.

﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾: اللام لام الاختصاص، سقفًا من فضة والبيت كلّ بناء يتشكل من أربع جدران وعليها سقف قائم والبيت وهو مأوى الإنسان بالليل سواء نائم فيه أو لم ينم.

﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾: فقد تبين من الدراسات الحديثة: أن الفضة هي أفضل العناصر الكيميائية كلّها في القدرة على نقل الحرارة وتوصيلها، وهي أفضل من الذّهب لصنع السّقف؛ لأنّ السّقف الفضية توفِّر جوًّا من الدّفء، وخاصة في المناطق الباردة، فيمكن للصحائف الفضية امتصاص حرارة الشّمس وتوصيل الحرارة إلى الماء المستخدم في تدفئة المنازل وغيرها أو طهي الطّعام وأقل مقاومة لمرور التّيار الكهربائي وعدم إصدار شرر وتفيد في منع التّلوث بكونها تساعد على قتل البكتريا.

وهذه من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الدّالة على أن هذا القرآن مُنزل من الإله الحق.

﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: أيْ: مصاعد كهربائية يصعدون بها إلى أعالي المباني وسطوحها.

373