تفسير القرآن الثري الجامعالجزء 10 · ص 487 - 507

سورة الأحقاف (1 من 2)

سورة الأحقاف

سورة الأحقاف [46: 1]

ترتيبها في القرآن (46)، وترتيبها في النّزول (66).

﴿حم﴾:

ارجع إلى الآية (1) من سورة البقرة للبيان.

سورة الأحقاف [46: 2]

﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾:

ارجع إلى الآية (1) من سورة الزّمر للبيان.

انظر كيف انتهت السّورة السّابقة، سورة الجاثية، بقوله: وهو العزيز الحكيم، ولتبدأ هذه السّورة بقوله: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم؛ مما يدل على الترابط الوثيق بين نهاية السورة السابقة مع بداية السورة التالية، وكذلك الترابط بين بداية هذه السورة كقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ آية (3)، مع نهاية هذه السورة، وهي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيىَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ آية (33).

487

سورة الأحقاف [46: 3]

﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾:

﴿مَا خَلَقْنَا﴾: ما النّافية، خلقنا: بصيغة الجمع والتّعظيم والخلق: هو الإيجاد من العدم والخلق هو التّقدير. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (30) وسورة فصلت آية (10 - 11) وسورة الأعراف آية (54) للبيان.

﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: السّموات السّبع والأرض وما بينهما: قيل: هي الطبقة الغازية الّتي لا تعد من مكونات السّماء ولا الأرض. ارجع إلى سورة الفرقان آية (59).

﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: إلا للحصر، بالحق الباء للإلصاق والمصاحبة أو الملازمة، بالحق، والحق هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، أيْ: تسير على نظام ثابت لا يتغيَّر ولا تتبدَّل في دورانها وحركتها في فلكها، رغم هذه المليارات من المجرات والنّجوم والكواكب الّتي تجري بسرعات مختلفة وتدور حول مركز مجراتها.

﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: هو يوم القيامة بعد هذا الأجل تتغيَّر وتزول، وتنتهي كما في قوله: ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: 48].

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾: أيْ: رغم هذه الأدلة القاطعة على قدرة الله وعظمته ووحدانيَّته، وأنّه الإله الحق الّذي يستحق أن يعبد ورغم إرسال الرّسل وإنزال الكتب السّماوية، الّذين كفروا عما: عن تفيد المجاوزة والمباعدة، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، أي: الّذين كفروا عن الّذي أنذروا به معرضون أو عن إنذارهم معرضون.

488

معرضون: لا يؤمنون به ولا يصدقونه والإنذار يعني: الإعلام مع التّحذير والتّخويف، والّذين كفروا عما أنذروا معرضون: إخبار فيه تعجُّب من إعراض الكافرين عن دعوة الحق إلى الإيمان والعمل الصّالح والنّجاة من العذاب وعدم الاستجابة لها.

سورة الأحقاف [46: 4]

﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السَّمَاوَاتِ ائْتُونِى بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾:

رغم هذه الأدلة القاطعة على قدرة الله تعالى وعظمته ووحدانيته مثل خلق السّموات والأرض وما بينهما وأنّه الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد وحده، ها هم يشركون بالله ويجعلون له أندادًا؛ لذلك أخبر الله تعالى النبي ﷺ: أن يسألهم.

﴿قُلْ﴾: لهؤلاء الّذين أشركوا بالله تعالى.

﴿أَرَءَيْتُم﴾: الهمزة للاستفهام والتّقرير والتّعجُّب، الرّؤية رؤية قلبية، أيْ: أخبروني إخبار من له علم ودراية، أيْ: بالتّوكيد.

﴿مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: ما لغير العاقل (أو صفات العاقل) اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية، تدعون: تعبدون، من دون الله: من غير الله من الآلهة والأصنام.

﴿أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾: أروني توكيد لقوله: أرأيتم، ماذا للاستفهام أقوى في الاستفهام والتّوكيد من ما، ومن ابتدائية استغراقية، ماذا خلقوا: أيَّ شيء خلقوا من الأرض.

489

﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السَّمَاوَاتِ﴾: أم للإضراب الانتقالي، شرك: نصيب ومشاركة في خلق أو ملك السّموات.

﴿ائْتُونِى بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾: أي هَلُمَّ بكتاب منزل من قبل القرآن فيه آية تشهد على ما تدَّعون أن الأصنام والآلهة شركاء لله.

﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾: أيْ: بقية من علم السابقين؛ السّابقين تشهد بصحة عبادة الآلهة أو شيء مأثور من كتب الأولين بصحة عبادة الأصنام.

﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن شرطية تفيد الشّك، كنتم: في دعواكم، صادقين: أن هذه الآلهة تستحق أن تعبد، وجواب الشّرط محذوف، وتقديره: أنتم غير صادقين.

سورة الأحقاف [46: 5]

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾:

في الآية السّابقة نفى الله سبحانه عن الآلهة والأصنام القدرة على الخلق أو الشّراكة في السّموات وفي الأرض، وفي هذه الآية ينفي عنها العلم:

﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ من الاستفهامية تحمل معنى النّفي والإنكار والتّعجب، أيْ: لا أحد أشد ضلالًا وأعجب حالًا.

﴿مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أيْ: يعبد غير الله أو يدعو معبودًا لا يستجيب له لدعائه أو قضاء حاجته، ولو انتظر إلى يوم القيامة؛ لأنّ هذه الآلهة لا تبصر ولا تسمع ولا تعقل لكونها حجارة أو معادن منحوتة بأيديكم.

﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾: وصفهم بضمير العاقل تهكمًا وتقريعًا لهم، عن:

490

تفيد المجاوزة والمباعدة، عن دعائهم غافلون: أيْ: عبادتهم لا تجدي لهم نفعًا ولا ضرًا؛ لأنّها أصنامًا لا تشعر بهم ولا تعقل ولا تدرك من أفعالهم شيئًا.

غافلون: جمع غافل تدل على الثّبوت والاستمرار. ارجع إلى سورة البقرة آية (74) لمزيد من البيان في معنى الغفلة.

491

سورة الأحقاف [46: 6]

﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾:

المناسبة: بعد نفي الخلق أو الشّراكة في السّموات والأرض ونفي العلم عن تلك الآلهة الّتي يعبدونها في الآيات السّابقة، يذكر في هذه الآية موقف هذه الأصنام من عُبادها يوم القيامة.

﴿وَإِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث.

﴿حُشِرَ النَّاسُ﴾: يوم القيامة حشر العابدون والمعبودين أو التّابعون والمتبوعين والسّادة والرّؤساء والضّعفاء.

﴿كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾: كانت الأصنام لهم، لمن عبدها في الدّنيا أعداء جمع عدو، أعداء في كثير من الأمور أو العبادات والطّاعات، ولم يقل: عدوٌّ الّتي تعني: عدوًّا في أمر واحد.

﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾: أي: الأصنام والآلهة تكفر وتكذب وتجحد بعبادتهم لها، أيْ: يتبرأ كلٌّ من الآخر.

سورة الأحقاف [46: 7]

﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾:

المناسبة: بعد نفي الشّركاء وإثبات عقيدة التّوحيد ينفي في الآيات التّالية الشّبهات حول القرآن الكريم ونبوة رسوله محمد ﷺ.

493

﴿وَإِذَا﴾: ظرف زمان بمعنى حين وشرطية وتفيد حتمية الحدوث، وإذا سمع الّذين كفروا آيات القرآن:

﴿تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾: واضحة المعنى والدّلالة على أن القرآن حق والرسول ﷺ حق.

﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾: اللام لام الاختصاص للحق؛ أيْ: للقرآن حين أنزل عليهم قالوا هذا سحر مبين؛ أي: افتراء وباطلًا.

﴿لَمَّا﴾: ظرفية زمانية بمعنى حين.

﴿جَاءَهُمْ﴾: أي: أنزل عليهم.

﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يفيد القرب، ويشير إلى القرآن.

﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: اتهموا القرآن بالسّحر لشدة تأثيره في القلوب والأنفس، وكونه خارقًا للعادة، وسحرًا واضحًا لا يخفى على أحد، أو سحرًا ظاهرًا لا يحتاج إلى بيِّنة أو دليل، ولتعريف السّحر ارجع إلى سورة طه آية (58) للبيان.

سورة الأحقاف [46: 8]

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾:

لم يكتفوا بالقول أو بوصف القرآن بأنّه سحر مبين، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، وقالوا أنّه مفترى والافتراء هو الكذب المختلق المتعمَّد:

﴿أَمْ﴾: المنقطعة أو للإضراب الانتقالي والهمزة للاستفهام والإنكار، وقد تأتي بمعنى: بل يقولون افتراه.

494

﴿يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ﴾: أيْ: هو كذب اختلقه أو اخترعه محمّد ﷺ، فردَّ الله عليهم بقوله تعالى: قل يا رسول الله لهؤلاء الكفرة:

﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾: إن شرطية تفيد الشّك. افتريته: جئت به من عندي.

﴿فَلَا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، لا النّافية.

﴿تَمْلِكُونَ لِى مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أيْ: لا تقدروا أن تردُّوا عني عذابه، أو سيعذبني وحدي وأنتم لا تملكون أيَّ وسيلة أو حيلة لدفع العذاب عني، من استغراقية، شيئًا: نكرة، أيَّ شيء لمساعدتي، ومهما كان حسيًا أو معنويًا، والشيء: هو أقل القليل.

﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: هو للتوكيد تعود إلى الله سبحانه، أعلم على وزن أفعل للمبالغة، بما: الباء للإلصاق، ما: أي: الّذي أو مصدرية، تفيضون فيه: مشتقة من فاض الماء أيْ: سال منصبًا، مندفعين بقول الباطل والخوض فيه والطّعن في القرآن وأنّه سحر وأنّه مفترى.

﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾: أيْ: كفى بالله سبحانه وتعالى شهيدًا، ولم يقل: شاهدًا، شهيدًا صيغة مبالغة، أيْ: عالمًا بما نخفي وما نعلن وبما هو ظاهر وباطن، أيْ: يكفي أن يشهد أنّ القرآن منزل من عنده وليس من عندي.

وتقديم شهيدًا على بيني وبينكم: جاء على الأصل، وإذا جاء الشيء على الأصل لا يُسأل عنه، وقد يؤخر كما في قوله تعالى في سورة العنكبوت آية (52): ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾، وهذه الآية الوحيدة في القرآن أخَّر فيها شهيدًا على بيني وبينكم. ارجع إلى سورة العنكبوت لبيان السبب في التأخير.

495

﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: هو للتوكيد، الغفور: صيغة مبالغة كثير الغفر، أيْ: ستر الذّنوب ومحوها، الغفور لمن تاب من بعد ظلمه، الرّحيم بتأخير العذاب عن عباده لعلهم يدركون الحقيقة بالتدبر والتفكر ويتوبون إليه وينيبون.

سورة الأحقاف [46: 9]

﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:

﴿قُلْ﴾: يا رسول الله للذين كفروا:

﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: ما النّافية، وانظر كيف تكررت ما النافية في هذه الآية ثلاث مرات لتوكيد النفي، والإشارة أن رسول الله ﷺ هو رسول قد خلت من قبله الرسل، وأنه لا يعلم الغيب، وما هو إلا وحي يوحى، والأمر كله لله سبحانه؛ بدعًا من الرّسل: رسولًا جديدًا أو مخترعًا شيئًا جديدًا، أي: النّبوة، فقد سبقني الكثير من الرّسل إليها، ورسالتي هي إحدى الرسالات.

﴿وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾: وما النّافية لتوكيد النّفي، أدري، ما: اسم موصول أو استفهامية، أي: وما أعلم الغيب إلا ما يوحى إلي، وما أدري: أعلم بأي وسيلة ما يُفعل بي ولا بكم في الدّنيا ولا في الآخرة، وما أدري ما سيحل بي أو بكم هل أبقى في مكة أو أخرج منها أو أقتل أو أموت، وهل ستعجل لكم العقوبة أو تمهلون.

﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ﴾: إن النّافية أقوى نفيًا من ما، أيْ: ما أتبع إلا ما يوحى إليَّ إلا تفيد الحصر، أيْ: أتبع فقط ما يوحى إليّ من ربي، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النّجم: 4 - 5]، ولمعرفة معنى الوحي ارجع إلى سورة النّساء آية (163).

496

﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ما النّافية، أنا إلا أداة حصر، نذير مبين: الإنذار هو الإعلام من التّحذير والتّخويف إعلان مقترن بتهديد، نذير مبين: منذر لكلّ فرد منكم، مبين: تام الإنذار لا أخفي منه شيئًا، نذير صيغة مبالغة، أيْ: وكثير الإنذار، نذير لأمتي وللناس كافة ونذير لمن خالف منهج الله تعالى.

لنقارن هذه الآية (9) من سورة الأحقاف وهي قوله: ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، والآية (115) من سورة الشّعراء وهي قوله: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:

آية الأحقاف جاءت في سياق الدّعوة والحوار، وآية الشّعراء جاءت في سياق التحدي والمحاربة والتّكذيب للرسل، ولذلك استعمل (إن) الأشد نفيًا من (ما) في سورة الشّعراء.

سورة الأحقاف [46: 10]

﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾:

﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ﴾: ارجع إلى الآية (4) من نفس السّورة للبيان والخطاب موجَّه إلى الّذين كفروا وكذبوا بالرّسول ﷺ وبالقرآن.

﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ﴾: إن شرطية، كان من عند الله: أي: القرآن على سبيل الحقيقة وليس الاحتمال والافتراض؛ أي: هو حق من عند الله تعالى.

﴿وَكَفَرْتُم بِهِ﴾: أيْ: واستمررتم وأصررتم على كفركم، جواب الشّرط محذوف، وتعني: من سيكون أشد منكم كفرًا.

﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾: قيل: هو عبد الله بن سلام، شهد على مثله: مثل القرآن شهد على مثل ما في القرآن في التّوراة،

497

أيْ: نفس ما في التّوراة من علامات وبينات وحقائق في القرآن أو شهد أنّ القرآن منزل من عند الله تعالى، فآمن: الشّاهد عبد الله بن سلام أو غيره، واستكبرتم: أن تؤمنوا وتصدقوا به ألستم بظالمين. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (52) وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. ارجع إلى سورة فصلت للبيان.

﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ للتوكيد.

﴿لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: لا النّافية، يهدي القوم الظّالمين: الّذين اختاروا طريق الشّرك والضّلال وأصروا على ضلالهم وابتعادهم عن الدّين، ولم يعد هناك أمل في توبتهم وعودتهم إلى الإيمان، فهؤلاء انتهى أمرهم ولن يهديهم الله بعد ذلك. ارجع إلى سورة الجمعة آية (5) لمزيد من البيان في معنى إن الله لا يهدي القوم الظالمين.

سورة الأحقاف [46: 11]

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الذين كفروا؛ قيل: هم قريش، وقيل: بنو عامر وأسد وأشجع وغطفان، والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب، أو يهود المدينة.

﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: اللام لام الاختصاص، أيْ: أسلموا مثل قبائل جهينة ومزينة وأسلم وغفار.

﴿لَوْ﴾: شرطية كان هذا القرآن أو الإيمان أو الإسلام.

498

﴿كَانَ خَيْرًا﴾: شيئًا مفضلًا.

﴿مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾: أيْ: ما سبقنا إلى القرآن والإيمان والإسلام، هؤلاء أمثال بلال وعمار وصهيب وخباب وغيره من ضعفاء المسلمين.

﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا﴾: ظرف للزمن الماضي، لم: النّافية، يهتدوا بالقرآن العظيم.

﴿فَسَيَقُولُونَ﴾: الفاء عاطفة تربط السّبب بالمسبب، السّين للاستقبال القريب، أيْ: سيقولون عن قريب والنّون في يقولون للتوكيد.

﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب تشير إلى القرآن العظيم.

﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾: كذب متعمَّد قديم أَفِكَه أناس غير محمّد، وجاؤوا به ومحمّد ﷺ عثر على ذلك الإفك أو تعلمه من غيره.

سورة الأحقاف [46: 12]

﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾:

﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾: الواو استئنافية، من ابتدائية، قبله: أيْ: قبل إنزال القرآن أنزلنا كتاب موسى، أي: التّوراة.

﴿إِمَامًا﴾: قدوة يؤتم به في دين الله كما يؤتم بالإمام.

﴿وَرَحْمَةً﴾: يجلب ما يَسُرُّ ويدفع ما يَضُرُّ، والرّحمة تعني: دفع الضّر (أي: الوقاية) من المعاصي والآثام.

﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾: هذا: الهاء للتنبيه ذا اسم إشارة للقرب والتّعظيم ويشير إلى القرآن، هذا كتاب: أي: القرآن، وجاء بالنّكرة للتعظيم.

499

﴿مُّصَدِّقٌ﴾: لكتاب موسى أو لما بين يديه من الكتب السّماوية السّابقة. ولم يقل: مصدقًا، وإنما مصدقٌ؛ لأنها نعت الكتاب، أو خبر ثان؛ أما لسانًا: تعرب حال.

﴿لِسَانًا﴾: أيْ: بلغة.

﴿عَرَبِيًّا﴾: بلغة عربية توكيدًا.

﴿لِيُنْذِرَ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد، وينذر من الإنذار وهو الإعلام مع التّحذير والتّخويف.

﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: الّذين أشركوا وظلموا أنفسهم بالمعاصي وخرجوا عن منهج الله تعالى لينذرهم من عذاب عظيم.

﴿وَبُشْرَى﴾: من البشارة وهي الخبر السّار لأوّل مرة، بشرى لأهل الإحسان والتّقوى والإيمان.

﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾: اللام لام الاستحقاق والاختصاص، المحسنين جمع محسن، ولمعرفة الإحسان وتبيانه، ارجع إلى الآية (112) من سورة البقرة، المحسنين: جملة اسمية تدل على ثبوت صفة الإحسان لهم.

سورة الأحقاف [46: 13]

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: ارجع إلى الآية (30) من سورة فصلت للبيان.

﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ارجع إلى الآية (38) من سورة البقرة.

500

سورة الأحقاف [46: 14]

﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:

﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد تشير إلى علو منزلتهم.

﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: من المصاحبة، أي: الملازمة.

﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: من الخلود: هو استمرار البقاء من وقت دخولهم إياها.

﴿جَزَاءً﴾: يكون مقابل العمل الصّالح أو السّيئ، أيْ: يأتي في سياق النّفع والضّر، وهو أعم من الأجر والأجر يكون مقابل عمل، ولا يستخدم إلا في النّفع.

﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: الباء باء السّببية أو تعليلية، ما اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية، كانوا في الدّنيا يعملون (تضم الأقوال والأفعال).

501

سورة الأحقاف [46: 15]

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِى إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾:

﴿وَوَصَّيْنَا﴾: كلفنا أمرنا من وصَّى فيها حثٌّ واهتمام.

الفرق بين وصَّى وأوصى: وصَّى تستعمل لما هو أهم مثل أمور الدِّين والأمور المعنوية، وأوصى تستعمل للأمور المادية عادة، أيْ: طَالَب وأوصاه: طلب منه. ارجع إلى سورة النساء آية (11) للبيان المفصل.

﴿بِوَالِدَيْهِ﴾: الباء للإلصاق والملازمة، الوالدان: تطلق على الأب والأم بحكم الإنجاب؛ أي: الوالدة: من الولادة التي تقوم بها الأم، والوالد من الولادة، أما الأبوان: الأب والأم بحكم التّربية.

﴿إِحْسَانًا﴾: أعلى درجات البر والحُسن إحسانًا: أمكن وأفضل من (حسنًا) وتعني المعاملة الحسنة وزيادة، (حسنًا): كلمة تجمع كلّ معاني الحُسن وأقل درجة من (إحسانًا). ارجع إلى سورة النساء آية (36)، وسورة البقرة آية (112) لمزيد من البيان في معنى الإحسان.

﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾: كُرهًا: بضم الكاف: ما أكرهت نفسك عليه؛ لأنّك راغب في القيام به رغم أنّه شاق ومضنٍ، فالمرأة تفرح بالحمل وبولادة الولد رغم مشاق الحمل والآلام، ولا تمانع في الحمل فهو محبوب

503

لديها، أمّا الكَره: بفتح الكاف فهو ما أكرهك غيرك على فعله، أيْ: تقوم به وأنت كاره له حقيقة وقسرًا؛ أي: الكره الحقيقي كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [محمد: 9].

﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾: الحمل والرّضاعة (30) شهرًا، والرّضاعة: حولين (24) شهرًا لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233] أيْ: (24) شهرًا، فإذا طرحنا (24) شهرًا من (30) شهرًا تبيَّن لنا أن الحمل (6 - 9) أشهر، ومن هذه الآية نعلم أنّ الوليد الخديج يمكن أن يعيش إذا ولد بعد 6 أشهر. وهذا من الإعجاز العلمي الطبي للقرآن الكريم.

﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية، إذا عاش وبلغ أشده.

﴿إِذَا﴾: ظرف زماني.

﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: كمال القوة البدنية وهي (30) سنة أو (33) سنة.

﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: كمال القوة العقلية وهو سن النّبوة عند الجمهور، ولم ينبئ نبي قبل الأربعين إلا عيسى ويحيى عليه السلام.

﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾: رب أوزعني تعريف الوزع: هو الكف والمنع، أيْ: كفني أو امنعني عن كل ما يؤدِّي إلى كفران نعمتك، وقيل: الوزع: الإلهام، أيْ: ألهمني أن اشكر نعمتك، وقيل: الوزع الإغراء، أي: الولوع بشكر النّعمة، أيْ: لا أنفك عن شكر نعمتك والدّوام على ذلك أو اجعلني ملازمًا ذاكرًا أن أشكر نعمتك.

﴿الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَىَّ﴾: نعمة الإيمان والتّوحيد ونعمة الإسلام والهداية والرّشد والصّحة والعافية وسعة العيش، النّعمة: لا تعدُّ ولا تحصى، وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها، وعلى والدي: الوالد والوالدة المؤمنين.

504

﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾: الواو للعطف، أن للتوكيد، أعمل صالحًا: الفرائض والسّنن وكل ما يحقق رضا الله عز وجل.

﴿تَرْضَاهُ﴾: تتقبله.

﴿وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِى﴾: الذرية: هم الأولاد أو النسل، وقيل: الذرية: النساء والأولاد، والذرية قد تعني أيضًا: الآباء والأجداد؛ أيْ: وفقهم للعمل الصّالح، وفي تفيد الاستمرار في العمل الصّالح، أيْ: زدهم علمًا في الدِّين وصلاحًا ورشدًا وهداية.

﴿إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: إنّي للتوكيد، تبت إليك: من ارتكاب السّيئات وعدم العودة إليها والنّدم عليها. ارجع إلى سورة النساء آية (17 - 18) لمزيد من البيان في أركان التوبة.

﴿وَإِنِّى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: وإنّي للتوكيد، من ابتدائية، المسلمين: المخلصين الموحدين لك والمطيعين الخاضعين لأمرك ونهيك.

سورة الأحقاف [46: 16]

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِى أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُوا يُوعَدُونَ﴾:

﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد يشير إلى التّعظيم وعلو المنزلة.

﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾: نتقبل عنهم، ولم يقل: نتقبل منهم أعمالهم الصّالحة، فما هو الفرق بين نتقبل عنهم ونتقبل منهم؟

نتقبل عنهم: أيْ: نتقبل العمل الصّالح نفسه أو العمل الصّادر عن العبد كالصّلاة والصّدقة والصّوم.

نتقبل منهم: أيْ: نتقبل من الجهة القائمة بالعمل الصّالح، أيْ: من العبد نفسه.

505

مثال: الصّلاة كعبادة هي عمل صالح، ولكن لا يقبلها الله من المنافق أو المبدع أو المحدث هنا تقول: لا نقبل منهم.

مثال: إنسان مؤمن موحد يعمل صالحًا نتقبل عنه عمله الصّالح ونتقبل منه؛ لأنّه مؤمن.

مثال آخر: إنسان مؤمن يتصدق رياء لا نقبل صدقته الصّادرة عنه ونتقبل منه صلاته، وقد يسأل سائل أحسن ما عملوا: أحسن على وزن أفعل التّفضيل فما بال العمل الحسن ألا يتقبل منه، نقول له: الأحسن يشمل الحسن والأحسن.

﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: أيْ: نعفو عنها ولا نعاقبهم عليها بعد التّوبة والإنابة إلى الله تعالى، حتّى لا تتلاشى حسناتهم فلا نطبق فرضية إنّ السّيئات يذهبن الحسنات، ولو طبقت هذه الفرضية لكان كلّ واحد منا مفلسًا يوم القيامة.

﴿فِى أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾: ولم يقل: مع أصحاب الجنة: أيْ: هو من المكرمين فهو أحد منهم وليس معهم؛ لأنّ معهم قد يكون معهم وليس فيهم منعزلًا لوحده، وهو موجود معهم.

﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُوا يُوعَدُونَ﴾: في الدّنيا، وقيل: الوعد: هو قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التّوبة: 72] وعد الصّدق: أيْ: وعد الحق الّذي لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، وعد: مصدر مؤكَّد لفعل وعد وقوله تعالى: نتقبل ونتجاوز، فهذا وعد من الله سبحانه.

سورة الأحقاف [46: 17]

﴿وَالَّذِى قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾:

سبب النّزول: ذكر في بعض كتب التّفسير أنّها نزلت في عبد الرّحمن بن أبي بكر، ولكن عائشة رضي الله عنها نفت ذلك، وقالت: إنّها نزلت في رجل

506

آخر، ولنعلم أنّ عبد الرّحمن بن أبي بكر أسلم وحسن إسلامه، والمهم هو عموم اللفظ وليس بخصوص السّبب، فهي تمثل العاق لوالديه، والمكذب بالبعث.

﴿وَالَّذِى﴾: اسم موصول يفيد الذّم في هذه الآية.

﴿قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾: ارجع إلى الآية (15) من نفس السورة. أفٍ: فعل مضارع بمعنى التّضجر، أيْ: لا أطيق ما تقولانه لي، أو يكفي ما تقولانه.

﴿أَتَعِدَانِنِى﴾: أني سأبعث من جديد، وأخرج من قبري بعد أن مضت القرون (الأجيال) من قبلي، ولم يخرج من قبره أحدٌ ممن مات.

والقرن: الجماعة من النّاس الّذين يعيشون في زمن واحد (قرن)، والقرن: يقارب (100) عام، الهمزة في أتعدانني للاستفهام والاستنكار.

﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾: أن للتعليل والتّوكيد، أخرج من القبر.

﴿وَهُمَا﴾: تعود على والديه.

﴿يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ﴾: يطلبان من الله أن يوفقه للإيمان ويرده إلى سبيل الهدى والرّشاد، ويقولان له ويلك: يا هلاكك إن لم تؤمن بالله وبالبعث وبما أنزل والويل دعاء بالهلاك والثّبور.

﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: إنّ للتوكيد، وعد الله بالبعث والرّجوع إليه والحساب والجزاء حق، أيْ: أمر ثابت لا يتغيَّر ولا يتبدَّل.

﴿فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: فيقول الولد مكذبًا بالبعث، ما: النّافية، هذا: الهاء للتنبيه، وذا اسم إشارة يفيد القرب، ويشير إلى الوعد والخروج من القبر، إلا: أداة حصر، أساطير الأولين: أكاذيب الأقدمين الّتي سطروها في كتبهم أو أباطيل الأولين، أساطير: جمع أسطورة: وتعني حكاية أو قصة قديمة.

507