توجيه المتشابه اللفظي في القرآنالجزء 1 · ص 70 - 77

رابعًا: الإمام الرازي أحيانا أثناء توجيهه للمتشابه يحاول الجمع بين الموضعين

قلنا: إن القصة الواحدة قد ينتفع بها من وجوه: ففي السورة الأولى كان الكفار يستعجلون نزول العذاب، فذكر تعالى قصة نوح في بيان أن قومه كانوا يكذبونه بسبب أن العذاب ما كان يظهر ثم في العاقبة ظهر، فكذا في واقعة محمد ﷺ، وفي هذه السورة ذكر هذه القصة لأجل أن الكفار كانوا يبالغون في الايحاش، فذكر الله تعالى هذه القصة لبيان أن إقدام الكفار على الإيذاء والايحاش كان حاصلًا في زمان نوح إلا أنه لما صبر نال الفتح والظفر، فكن يامحمد كذلك لتنال المقصود، ولما كان وجه الانتفاع بهذه القصة في كل سورة من وجه آخر لم يكن تكريرها خاليًا من الفائدة» (^1).

رابعًا: الإمام الرازي أحيانا أثناء توجيهه للمتشابه يحاول الجمع بين الموضعين

*قال الإمام الرازي: «أما قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (^2) ففيه إشكالان الأول: أن قوله تعالى: تلك حدود الله إشارة إلى كل ما تقدم، والأمور المتقدمة بعضها إباحة وبعضها حظر فكيف قال في الكل فلا تقربوها والثاني: أنه تعالى قال في آية أخرى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (^3)، وقال في آية المواريث ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ (^4) وقال هاهنا: فلا تقربوها فكيف الجمع بينهما؟ والجواب عن السؤالين من وجوه:

الأول: وهو الأحسن والأقوى أن من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق، فنهي أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الضلال، ثم بولغ في ذلك فنهي أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيز الحق والباطل، لئلا يداني الباطل وأن يكون بعيدا عن الطرف فضلا أن يتخطاه كما قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى وَحِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ فَمَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» (^5).

  • (^1) التفسير الكبير، (18/ 9، 10).
    (^2) سورة البقرة، الآية: (187).
    (^3) سورة البقرة، الآية: (229).
    (^4) سورة النساء، الآية: (14).
    (^5) رواه مسلم في «صحيحه»، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (3/ 1219)، حديث رقم:
  • (1599) من حديث النعمان بن بشير.
70

الثاني: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني: لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ (^1).

الثالث: أن الأحكام المذكورة فيما قبل وإن كانت كثيرة إلا أن أقربها إلى هذه الآية إنما هو قوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (^2)، وقبل هذه الآية قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (^3) وذلك يوجب حرمة الأكل والشرب في النهار، وقبل هذه الآية قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (^4) وهو يقتضي تحريم مواقعة غير الزوجة والمملوكة وتحريم مواقعتهما في غير المأتى وتحريم مواقعتهما في الحيض والنفاس والعدة والردة، وليس فيه إلا إباحة الشرب والأكل والوقاع في الليل، فلما كانت الأحكام المتقدمة أكثرها تحريمات، لا جرم غلب جانب التحريم فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ أي تلك الأشياء التي منعتم عنها إنما منعتم عنها بمنع الله ونهيه عنها فلا تقربوها (^5).

*والشاهد أن الإمام الرازي قال (فكيف الجمع بينهما؟) فحاول الجمع بين الموضعين وهذا كثير في توجيهه لآيات المتشابه اللفظي (^6).

خامسًا: أحيانا يجعل موضعي المتشابه اللفظي بمعنى واحد

مثال: قال الإمام الرازي: «والعرب تضع هذه اللام في موضع " أن " قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (^7)، وفي موضع آخر ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ (^8) وهما بمعنى واحد» (^9).

*فالإمام الرازي جعل موضعي المتشابه (أن يطفئوا - ليطفئوا) بمعنى واحد؛ استنادًا لما ذهب إليه بعض النحاة من أن العرب تضع اللام في موضع "أن".

  • (^1) سورة الإسراء، الآية: (34).
    (^2) سورة البقرة، الآية: (187).
    (^3) سورة البقرة، الآية: (187).
    (^4) سورة البقرة، الآية: (187).
    (^5) التفسير الكبير، (5/ 124، 125).
    (^6) التفسير الكبير، (5/ 92 - 94)، (25/ 60 - 110).
    (^7) سورة التوبة، الآية: (32).
    (^8) سورة الصف، الآية: (8).
    (^9) التفسير الكبير، (14/ 1).
71

*في حين أجد أن الإسكافي فرق بين الموضعين، حيث قال: «قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (^1)، وقال في سورة الصف: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (^2).

للسائل أن يسأل فيقول: قال تعالى في الآية الأولى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، وقال في الثانية ﴿لِيُطْفِئُوا﴾ فما الذي أوجب اختصاص الأولى بما اختصت به؟، والثانية باللام دون أن تكون مثل الأولى بـ أن وهي الأصل في تعدي الإرادة إليه؟

والجواب أن يقال: إن الإرادة في الآية الأولى تعلقت بإطفاء نور الله بأفواههم، وإطفاء نور الله إنما يكون بما حاولوا من دفع الحق بالباطل فالحق يسمى نورا، لأن حججه وبراهينه تضيء لطالبه بها إليه، والباطل هو قوله بأفواههم، وهو ما أخبر الله تعالى به قبل عن اليهود والنصارى فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (^3) أي: هو قول لا حقيقة له، ولا محصول له، وبمثله لا يدفع الحق وبالأفواه لا يطفأ هذا النور كما يطفأ السراج؛ لأن هذا النور وإن أشبهه في أنه يهدي ويبين الحق من الباطل، فهو بخلافه في الامتناع من الإطفاء كما يتهيأ ذلك في السراج.

والنور يجوز أن يكون الآية المنيرة والحجة الساطعة ويجوز أن يكون المراد به القرآن، ويجوز أن يكون المراد به النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (^4).

فالسراج المنير يسمى نورا، وكل واحد من الثلاثة إذا دفعوه جاز أن يقال: حاولوا إطفاءه والخبر عن اليهود والنصارى الذين قال فيهم عز وجل: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ (^5) أي: يشاكلون بإثباتهم لله بنا وشريكا قول من أثبت مع الله آلهة: ﴿وَمَا﴾

  • (^1) سورة التوبة، الآية: (32).
    (^2) سورة الصف، الآية: (8).
    (^3) سورة التوبة، الآية: (30).
    (^4) سورة الأحزاب، الآيتان: (45 - 46).
    (^5) سورة التوبة، الآية: (30).
72

﴿أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^1). وهذا واضح الإرادة إلى هذا المراد ظاهر، وهو وجه الكلام والأصل. وأما الآية في سورة الصف، وتعليق الإرادة فيها بالإطفاء مع زيادة اللام، فإن للنحوين في ذلك مذهبين:

أحدهما: أن اللام توضع موضع أن لكثرة ما يقال: زرتك لتكرمني، فاللام لما شهرت بنيابتها عن أن وقيامها مقامها في الموقع، كان تعدى الفعل إليها مع ما بعدها من الفعل كتعديه إلى أن وما تنصبه من المسقبل فيقال قصدت أن تفرح وقصدت لتفرح، وهذا لا يكون إلا على سبيل التوسع دون الحقيقة.

فأما المذهب الآخر فللمحققين وهو أن الفعل معدى إلى المفعول محذوف، واللام الداخلة على الفعل المنصوب تكون منبئة على العلة التي لها أنشئ الفعل.

والمراد في الآية على هذا التحقيق: يريدون أن يكذبوا ليطفئوا نور الله بأفواههم لأن قبلها: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^2)، فقوله: ﴿يُرِيدُونَ﴾ لم يذكر فيه مفعول ما يريدون اعتمادا على ما نبه عليه بقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (^3) فكأنه قيل: يريدون افتراء الكذب ليطفئوا نور الله، وهو على نحو قوله: أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود، وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه سراويل عادي نمته ثمود أي: أردت أن انزع سراويلي ليعلم الناس إذا رأوا طولها على أنها عادي القامة، ثمودي الخلقة.

فلهذا خصت الآية الثانية بدخول اللام على يطفئوا، ولما كان المراد في الآية الأولى الإطفاء بالأفواه لما دل عليه مفتتح العشر وهو: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (^4)، كانت الإرادة معداة إلى إطفاء نور الله تعالى بأفواههم، وهو ما

  • (^1) سورة التوبة، الآية: (31).
    (^2) سورة الصف، الآية: (7).
    (^3) سورة الصف، الآية: (7).
    (^4) سورة التوبة، الآية: (30).
73

حكى الله تعالى عنهم أنه قولهم بأفواههم، أي: يريدون أن يدفعوا الحق بالباطل من أفواههم، وهذا واضح» (^1).

مثال آخر: قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (^2): «فأوجب بعد رعاية حقوق الأبوين رعاية حقوق الأولاد وقوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ أي من خوف الفقر أي من ذكر الخوف وقد صرح بذكر الخوف في قوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (^3) والمراد منه النهي عن الوأد، إذ كانوا يدفنون البنات أحياء، بعضهم للغيرة، وبعضهم خوف الفقر، وهو السبب الغالب» (^4).

*فالإمام الرازي جعل موضعي المتشابه (من إملاق - خشية إملاق) بمعنى واحد وهو خوف الفقر دون أن يفصل ويبين الفرق بين الموضعين.

*في حين نرى أن الإمام الإسكافي في درة التنزيل بيّن الفرق بين الموضعين حيث قال: «فأما قوله في سورة الأنعام: (نحن نرزقكم وإياهم) فلأن قبله (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) أي: من أجل إملاق وانقطاع مال وزاد، وهذا نهي عن قتلهم مع فقرهم وخوفهم على أنفسهم إذا لزمتهم مؤونة غيرهم، فكأنه قال: الذي يدعوكم إليه من حالكم في أنفسكم ثم في غيركم يجب أن تشفقوا منه فإني أرزقكم وإياهم.

وأما الآية التانية فإنه قال فيها: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ والإملاق غير واقع، فكأنه قال: خوف الفقر على الأولاد، وكان عقب هذا إزالة الخوف عنهم، ثم عن القائلين، أي لا تقتلوهم لما تخشون عليهم من الفقر، فالله يرزقهم وإياكم، فقدم في كل موضع من الموضعين ما اقتضى تقديمه، وأخر ما اقتضى الموضع تأخيره. والله أعلم» (^5).

  • (^1) درة التنزيل وغرة التأويل، (2/ 704 - 709).
    (^2) سورة الأنعام، الآية: (151).
    (^3) سورة الإسراء، الآية: (31).
    (^4) التفسير الكبير، (13/ 245).
    (^5) درة التنزيل وغرة التأويل، (2/ 561 - 563).
74

وقد ذهب أيضًا ابن الزبير إلى رأى الإسكافي، قال: «قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (^1)، وفى سورة بنى إسرائيل (الإسراء): ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (^2)، ففى الأولى "من إملاق" و"نرزقكم" بتقديم ضمير المخاطبين فللسائل أن يسأل عن وجه هذا الاختلاف فى الآيتين مع اتحاد المقصد فيهما؟

والجواب عن ذلك: والله أعلم أن المخاطبين بآية الأنعام إنما كان فعلهم ذلك من أجل الفقر الحاصل حين فعلهم ذلك، فقيل من إملاق أى من أجل الاملاق الحاصل، ثم قيل لهم "نحن نرزقكم وإياهم" فقدم رزقه تعالى لهم لحصول فقرهم فى الحال ليكون أمنع لهم، وكأن السياق يشعر بتشفيع الأولاد فى رفع فقر الآباء القاتلين فكأن قد قيل لهم: إنما ترزقون بهم فلا تقتلوهم، فتأكد تقديم ضمير الآباء لهذا الغرض.

*وأما الآية الآخرى فقصد بها كفار العرب، وكأن وأدهم البنات خشية الفقر المتوقع والعجز عن مؤنتهن فيما يتوقعونه مستقبلا فقيل "خشية إملاق" فجعلت الخشية هى العلة فى فعلهم، فانتصبت على ذلك، والمعلول الذي هو الإملاق لم يقع بعد وضمن تعالى لهم رزقهم ورزق أولادهم ودفع ذلك المتوقع ليرفع ذلك خشيتهم، فلهذا قدم هنا ضمير الأولاد ثم عطف عليه ضمير الآباء. وكان الأهم هنا فقدم، وجاء كل فى الموضعين على ما يجب ويناسب، والله أعلم» (^3).

  • (^1) سورة الأنعام، الآية: (151).
    (^2) سورة الإسراء، الآية: (31).
    (^3) ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد لابن الزبير الثقفي تحقيق: سعيد الفلاح، (1/ 478 - 480).
75

المطلب الثاني مصادر الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم

أولًا: العلماء الذين نقل عنهم الإمام الرازي وذكرهم في تفسيره

تأثر بالعالم النحوي عبد القاهر النحوي (^1) حين ذكر الفرق بين قوله تعالى (ناصح أمين) و(أنصح لكم) (^2). كما نقل رأى الإمام الواحدي (^3) في الفائدة في تكرار قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: 253] (^4)، ورحج رأى الإمام قطرب في الحروف المقطعة (^5)، كما نقل رأي الزمخشري في عدة مسائل (^6)، ونقل رأي الإمام الكلبي في مسألة وصف القرآن بكونه هدى ورحمة لقومٍ يؤمنون ووصفه بأنه هدى للناس (^7)، ونقل رأي الإمام القفال في تكرار الرؤية في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (^8)، ونقل رأي غيره بصيغة (العلماء) أحيانا (^9)، ونقل رأي غيره بصيغة (قالوا) دون أن يصرح أحيانًا (^10).

  • (^1) هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني (400 - 471 هـ)، نحوي وَمتكلم، وُلِد في جرجان لأسرةٍ رقيقة الحال، نشأ ولوعًا بالعلم، مُحبًّا للثقافة، فأقبل على الكتب يلتهمها، وخاصةً كتب النحو والأدب. ينظر ترجمته في: تاريخ الإسلام (10/ 332).
    (^2) يُنظر: التفسير الكبير، (14/ 162).
    (^3) هو الإمام العلامة، الأستاذ أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي، صاحب "التفسير"، وإمام علماء، توفي 468 هـ. ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (18/ 340).
    (^4) سورة البقرة، الآية: (253)، ويُنظر: التفسير الكبير، (6/ 221).
    (^5) يُنظر: التفسير الكبير، (2/ 12).
    (^6) يُنظر: التفسير الكبير، (22/ 142، 143)، (25/ 45، 46، 154).
    (^7) يُنظر نص المسألة في: التفسير الكبير، (20/ 64).
    (^8) سورة يوسف، الآية: (4، يُنظر نص المسألة: التفسير الكبير، (18/ 89).
    (^9) يُنظر: التفسير الكبير، (2/ 170)، (4/ 151 - 153).
    (^10) يُنظر: التفسير الكبير، (2/ 57)، (18/ 89).
76

بروز شخصية الإمام الرازي في النقل:

أ. فهو أحيانًا يأتي برأى غيره وينتقده:

ومثال ذلك: حين نقل رأى الجبائي في فائدة تكرير الأمر بالهبوط في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (^1).

قال: «ذكروا في فائدة تكرير الأمر بالهبوط وجهين (الأول) قال الجبائي: الهبوط الأول غير الثاني فالأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض، وهذا ضغيف من وجهين (أحدهما) أنه قال في الهبوط الأول (ولكم في الأرض مستقر) فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله (اهبطوا منها) والضمير في (منها) عائد إلى الجنة، وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة، (الوجه الثاني) أن التكرير لأجل التأكيد، وعندي فيه وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين وهو أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة أمرا بالهبوط، فتابا بعد الأمر بالهبوط، ووقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط لما كان بسبب الزلة فبعد التوبة وجب ألا يبقى الأمر بالهبوط، فأعاد الله تعالى الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها، بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة؛ لأن الأمر به كان تحقيقًا للوعد المتقدم في قوله ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (^2) فإن قيل ما جواب الشرط الأول؟ قلنا: الشرط الثاني مع جوابه، كقولك إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك (^3).

ب. وأحيانًا يستدل برأي غيره فقط دون أن ينتقده ودون أن يذكر أي رأي أخر

مثال ذلك: قال الإمام الرازي: «قوله ههنا: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (^4) يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين، وقوله في الأعراف ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (^5) يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين فكيف التوفيق بينهما؟ أجاب

  • (^1) سورة البقرة، الآية: (38).
    (^2) سورة البقرة، الآية: (30).
    (^3) التفسير الكبير، (3/ 28).
    (^4) سورة البقرة، الآية: (51).
    (^5) سورة الأعراف، الآية: (142).
77