موسوعة شرح أسماء الله الحسنىالجزء 3 · ص 319 - 326

الأثر السابع: التعبد للجميل بإظهار نعمته على عبده، والتجمل في اللباس والهيئة من غير إسراف ولا مخيلة، ولا بطر ولا تكبر

وسئل عن ذلك قَبَاثُ بنُ أَشْيَمَ؟ فقال: «رسول الله ﷺ أكبر مني، وأنا أسن منه» (1).

وكان لبعض القضاة جليس أعمى، وكان إذا أراد أن ينهض يقول: يا غلام، اذهب مع أبي محمد، ولا يقول: خذ بيده، قال: والله ما أخل بها مرة» (2).

ومن ألطف ما يحكى في ذلك: «أن بعض الخلفاء سأل رجلًا عن اسمه؟ فقال: سعد، يا أمير المؤمنين، فقال: أي السعود أنت؟ قال: سعد السعود لك يا أمير المؤمنين، وسعد الذابح لأعدائك، وسعد بلع على سماطك، وسعد الأخبية لسرك، فأعجبه ذلك» (3).

الأثر السابع: التعبد للجميل بإظهار نعمته على عبده، والتجمل في اللباس والهيئة من غير إسراف ولا مخيلة، ولا بطر ولا تكبر

الجميل يحب ظهور أثر نعمته على عبده؛ فإنه من الجمال الذي يحبه، وذلك من شُكره على نعمه، وهو جمال باطن، فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة، والجمال الباطن بالشكر عليها.

ولمحبته سُبْحَانَهُ للجمال أنزل على عباده لباسًا وزينةً تُجمِّلُ ظواهرهم، وتقوى تُجَمِّلُ بواطنهم، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 26].

  • (1) المصدر السابق (ص 40).
  • (2) المصدر السابق (ص 40).
  • (3) المصدر السابق (ص 40).
319

وقال في أهل الجنة: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: 11 - 12]، فهو سُبْحَانَهُ جمَّل وجوهَهُم بالنضرةِ، وبواطنهم بالسرور، وأبدانهم بالحرير.

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «كنا مع رسول الله ﷺ، فقال لنا: إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ؛ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ، فَإِنَّ الله عز وجل لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ، وَلَا التَّفَحُّشَ» (1).

قال ابن القيم رحمه الله: «والله عز وجل يحب من عبده أن يجمِّل بدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأوساخ، والختان، وتقليم الأظفار إلى غير ذلك، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتين: المعرفة، والسلوك» (2)، وفي الحديث: «إِنَّ اللهَ عز وجل يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» (3).

قال القرطبي رحمه الله: «فيجب على كل مكلَّف أن يتجمل بالطاعات والأعمال الصالحة، ويجمِّل باطنه كما يجمل ظاهره، وذلك بتصفيته من الأوضار، كالغل والحسد والشماتة وسوء الظن إلى غير ذلك من الاعتقادات الفاسدة، والبدع الضالة المضلَّة، فيكون قلبه موافقًا ظاهرَه؛ ولهذا جاء في الحديث: (وَآفَةُ الْجَمَالِ الْبَغْيُ) (4)، وكذلك لا يتعرض بجماله لمعصية

  • (1) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (17897)، واللفظ له، وأبو داود، رقم الحديث: (4089)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (4089).
  • (2) الفوائد (1/ 186).
  • (3) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (8222)، والترمذي، رقم الحديث: (2819)، وقال: حديث حسن، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (2819).
  • (4) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (4326)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (2688)، حكم الألباني: موضوع، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث:) 1302).
320

ربه، وهذه الآفة ربما اعترضت نعمة الجمال، فعرضتها للزوال والنقص والاضمحلال: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: 17]» (1).

والناس في التجمل الظاهر الذي هو الملبس والهيئة على ثلاثة أضرب، بعد اتفاقهم في الجمال الباطن:

فمنهم: من حسن ثوبه، وطيب ريحه، ورجل شعره، وادهن، واكتحل، واقتصد في ذلك كله، واحتسب على الله عز وجل ما وجد حلالًا واتسع له، استقامت قلوبهم على ذلك، وهذه طريقة الشاكرين، وقد دَرَجَ على ذلك الكثيرُ من الصحابة والتابعين.

ومنهم: من لَزم البذاذة والشَّعث، واحتمل التَّفَث في الهيئة، إلا ما أقام به السُّنة، وإن وجد الحلال واتسع له؛ زهدًا في التنعم، وإيثارًا لِشَظَف العيش، وهذه طريقة الخائفين والمحزونين، وقد درج على ذلك كثير من الصحابة والتابعين.

ومنهم: من يتقلَّب بين هذا وهذا، وجد الحلال والاتساع فيه؛ ليعمر إلى ربه الطريقتينِ، وتَسَلَّكَ في عبادته الجادتين، وهذه كانت سنة إمام المتقين وسيد المرسلين ﷺ، قد كان يلبس الحُلَّة الحمراء- وكان أحسن شيء فيها- والثوبَ ذا العَلَم تارة، ويلبس الرداء النجراني الغليظ الحاشية، والجبَّة الشامية، ويأكل اللحم، ويجوع مرة، ويشبع أخرى، ويرهن درعَه فيما يؤكَل في بيته، ومات- بأبي هو وأمي ﷺ في كساء مُلَبَّد، وإنما كانوا يراعون في ذلك كله قوامَ قلوبهم، فإذا استقامت قلوبهم لبسوا وأخذوا من ذلك

  • (1) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (ص: 230 - 231).
321

ما استقام عليه أمرهم، مما لا يشهرهم باتِّضاع ولا بارتفاع.

وقد كان لتميم الداري حلة اشتراها بثمانية دراهم يلبسها للجُمَع والأعياد، وكان كثيرًا ما يتطيَّب لقيام الليل ويَدَّهِنُ.

وعن نافع، أن ابن عمر كساه ثوبين وهو غلام، قال: فدخل المسجد فوجده يصلي متوشحًا به في ثوب، فقال: «أَلَيْسَ لَكَ ثَوْبَانِ تَلْبَسُهُمَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَرْسَلْتُكَ إِلَى وَرَاءِ الدَّارِ لَكُنْتَ لَابِسَهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ أَمِ النَّاسُ؟ قَالَ نَافِعٌ: فَقُلْتُ: بَلِ اللهُ» (1).

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إِذَا وَسَّعَ اللهُ فَأَوْسِعُوا» (2).

فهؤلاء ونظراؤهم- في أعصارهم والأعصار التي بعدهم- هم الذين علموا أن الجمال والتجمل هو الاستقامة فيما بينهم وبين ربهم عز جلاله، فعملوا لذلك وتركوا المذموم من زينة الدنيا وزخرفها، وتفاخرها وتكاثرها، سمعوا الله عز وجل يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: 14] ثم قال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14]، ثم دل على حقيقة الزينة والحسن بقوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾

  • (1) أخرجه عبد الرزاق، رقم الحديث: (1390).
  • (2) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (365).
322

﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 15 - 17].

وقال ﷺ: «إنَّ الله جميلٌ يُحِبُّ الجمالَ» (1)، جوابًا لمن قال له: «إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعلُه حسنةً»، فبين ﷺ أن مجرد فعل ذلك ومحبته لا يُدخل صاحبَه في الكبر المذموم.

يقول ابن القيم رحمه الله: «إن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين: فأوله معرفة، وآخره سلوك، فيُعرف الله سُبْحَانَهُ بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء، ويُعبد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فيحب من عبده أن يجمِّل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة، والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظفار، فيعرفه بصفات بالجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتين: المعرفة، والسلوك» (2).

والجنة دار المتواضعين الخاشعين، لا دار المتكبرين الجبارين، سواء كانوا أغنياء أو فقراء؛ فإنه قد ثبت في الصحيحِ قوله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (3).

  • (1) سبق تخريجه.
  • (2) الفوائد (ص: 186).
  • (3) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (91).
323

فأخبر ﷺ أن الله يحب التَّجمل في اللباس الذي لا يحصل إلا بالغنى، وأن ذلك ليس مِن الكبر.

وفي الحديث: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ -قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ -، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» (1).

فعُلم أن من الفقراء من يكون مختالًا فلا يدخل الجنة، وأن من الأغنياء من يكون متجملًا غير متكبر؛ يحب الله جماله، مع قوله ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ» (2).

وعن جمال الصورة واللباس، يقول ابن القيم رحمه الله: «وجمال الصورة واللباس والهيأة ثلاثة أنواع: منه: ما يُحمد، ومنه: ما يُذم، ومنه: ما لا يتعلق به مدح ولا ذم.

فالمحمود منه: ما كان لله، وأعان على طاعة الله، وتنفيذ أوامره، والاستجابة له، كما كان النبي ﷺ يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال، ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه؛ فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه.

والمذموم منه: ما كان للدنيا، والرياسة، والفخر، والخيلاء، والتوسل إلى الشهوات، وأن يكون هو غاية العبد، وأقصى مطلبه؛ فإن كثيرًا من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك.

  • (1) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (107).
  • (2) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (2564).
324

وأما ما لا يُحمد ولا يُذم: فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرد عن الوصفين» (1).

الأثر الثامن: الرضا عن الجميل، وعن أفعاله وقضائه وقدره، فكلها تتسم بالجمال

كلما زاد علم العبد بالله زاد رضاه عنه، وكلما قل علمه قل رضاه، فالعلم متعلق بالرضا؛ إذ الرضا من لوازم الإيمان، والسخط من لوازم الكفران، والرضا من لوازم القرب، والسخط من لوازم البعد، فالرضا بما يقدر الله عز وجل ويقضيه من صلب الإيمان، ومما يرقي العبد في درج الجنان؛ لأنه سُبْحَانَهُ لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والخير لعبده المؤمن؛ لأن كل أفعاله جميلة، وما ينشأ من الفعل الجميل إلا جميل، وهذا يثمر في قلب المؤمن الطمأنينة إلى جميع أقدار الله عز وجل، وحسن الظن بالله تَعَالَى، وذلك بعد الأخذ بالأسباب الشرعية لمدافعة ما يمكن مدافعته.

فمن آمن بجميل تولي الله لعبده أنزل الله على قلبه الرحمة، والسكينة التي تسعده ولو فقد كل شيء.

فاللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم جمِّلنا بالصبر الجميل، وَزَيِّنَّا بالخلق الحسن، واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

  • (1) الفوائد، لابن القيم (ص: 186).
325

الحَيِيُّ السِّتِّير ﷻ

المعنى اللغوي

أولًا: معنى (الحيي)

قال الجوهري رحمه الله: «الحياة: ضد الموت، والحى: ضد الميت، والمحيا مفعل من الحياة، تقول: محياى ومماتي، والجمع: المحايى … ، وقال أبو زيد: حييت منه أحيا: استحييت» (1).

قال ابن فارس رحمه الله: «(حي) الحاء والياء والحرف المعتل، أصلان: أحدهما: خلاف الموت، والآخر: الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة، فأما الأول فالحياة والحيوان، وهو ضد الموت والموتان، ويسمى المطر حَيَا؛ لأن به حياة الأرض، قولهم: استحييت منه استحياء، وقال أبو زيد: حَيِيتُ منه أَحْيَا، إذا استحييتَ» (2).

ثانيًا: معنى الستير

قال الجوهري رحمه الله: «الستر: واحد الستور والأستار، والسترة: ما يستر به كائنًا ما كان .... والستر بالفتح: مصدر سترت الشئ أستره، إذا غطيته … » (3).

  • (1) الصحاح (6/ 173).
  • (2) مقاييس اللغة (2/ 122).
  • (3) الصحاح (2/ 239)
326