تأملات في السور والآياتالجزء 1 · ص 65 - 77
الفصل الثاني ما بين سورتي الفاتحة والبقرة
قبل أن نتعمق في بيان تفاصيل هذا المبحث .. أُذكِّر بثلاثة أمور:
أولًا: أنه علينا أن نستجمع قواعد التدبر (^1) بمسألة البحث عن المناسبات بين الآيات والسور الكريمة (^2) لأنه من غير علم المناسبات لن نصل إلى هذه الفوائد ولا حتى بجزء يسير منها.
ثانيًا: أن القرآن الكريم في أحايين كثيرة يخاطب القارئ ... بأسلوب الخطاب العام (^3) ــ وهذا ما لَحِظناه في سورة الفاتحة ومقدمة سورة البقرة ــ الذي يكون للعاقل، بمعنى أنه للجميع (كافرهم ومسلمهم) إلا إذا كان هناك نداءٌ مخصصٌ؛ مثل: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
وغيرها، ومع ذلك فهذه الخطابات تستوعب الجميع، بمعنى أن لها فوائد يستفيد منها كل من يقرؤها (^4)، على مختلف عقائدهم
- (1) مصابيح الدرر في تناسب آيات القرآن الكريم والسور (1/ 88).
- (2) عن عبد الله بن مسلم بن يسار، عن أبيه، قال: إذا حدثت عن الله فقف، حتى تنظر ما قبله وما بعده، (تفسير ابن كثير 1/ 13).
- (3) وهذا باب واسع لا تسعه المؤلفات، راجع أيضا البرهان (1/ 130)
- (4) ولطاهر ابن عاشور يرحمه الله وقفات جميلة في هذا الجانب منها ما فسره بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66)﴾ (سورة النساء 66) قال: وقال الفخر هي توبيخ للمنافقين، أي لو شددنا عليهم التكليف لما كان من العجب ظهور عنادهم ولكن رحمناهم بتكليفهم اليسر فليتركوا العناد، وهي على هذا الوجه تصلح أن تكون تحريضاً للمؤمنين على امتثال أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وانتفاء الحرج عنهم من أحكامه، فإنه لم يكلفهم إلا اليسر، كل هذا محمول على أن المراد بقتل النفوس أن يقتل أحد نفسه بنفسه، ويُنظر كتابنا: تأملات في رؤيا يوسف - عليه السلام - إذ استنبطنا من كلمة الكواكب أكثر من معنى.
وطوائفهم (^1)، ولعل ذلك يندرج تحت ما يسمى بالإيجاز (^2) والالتفات (^3)، وغيرها من أساليب البلاغة، والأمر يعتمد اعتمادًا كبيرًا على ما ذكرنا، ومنها مناسبة سورة الفاتحة
- (1) قال: النووي ــ يرحمه الله ــ في المجموع (2/ 85): "قال أصحابنا: لا يمنع الكافر سماع القرآن، ويمنع مس المصحف"، ويقول الشيخ العلامة ابن باز ــ يرحمه الله: والمعروف عند أهل العلم منع النصراني واليهودي وسائر الكفرة ــ يقصد من مس المصحف، وقال يرحمه الله: أما بالنسبة لكتاب ترجمة معاني القرآن فلا حرج في أن يمسه الكافر؛ لأن المترجم معناه أنه كتاب تفسير وليس بقرآن (340/ 24).
- (2) هو الجمع للمعاني الكثيرة، بالألفاظ القليلة، الحيوان للجاحظ (3/ 42).
- (3) وهو نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب آخر، البرهان للزركشي (380/ 3).
وأواخرها ببداية سورة البقرة ومقدمتها، كنوع من أنواع علم المناسبات (^1)
ثالثًا: تطبيق قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (^2) ...
وهذه القاعدة تلهمنا بحرًا من التدبر، فهي تدل على أن كثيرًا من الآيات تشير إلى عدة فوائد وليس فائدة واحدة فقط ...
ومضة:
مختصر القول وشرح موجز لما أريد إيصاله للقارئ:
(لو أن مدرسًا نبه طلابه بأن من يغيب غدًا فسوف يعاقب)
فهذا معناه ثلاثة أمور، الأول واضح، والثاني مبطن، وهناك أمر ثالث.
الأول: أنه من يغيب فسوف يعاقب ولعله يضرب أو أي عقابٍ آخر ...
الثاني: من لا يغيب فلا ويل له ولا يعاقب ــ هذه لا تحتاج إلى سؤال ــ هي واضحة بالنسبة للمخاطب، لذلك لا يسأل الذي لا يغيب، ما شأنه في عقاب ليس له.
وشيء ثالث: هو خطاب لإدارته أنه مهتم بعمله. ولعلها أيضًا رسالة لزملائه ليحذوا حذوه.
كل هذه المعاني مستقاة من جملة واحدة وموقف واحد فقط، وهذا من روائع لغتنا العربية وفوائد التدبر والتفكر.
فالمقصود أن الخطاب الواحد له أكثر من معنى، وتظهر كثير من المعاني إذا أوصلنا الكلام بما قبله وبعده، ولله المثل الأعلى.
المبحث الأول (أواخر سورة الفاتحة وما تشير إليه) ما المقصود بالمغضوب عليهم والضالين، وما هو سبب وصفهم بهاتين الصفتين؟
في بداية مدخل هذا المبحث أود الإشارة إلى أكثر من سؤال مهم والتنبيه عليها:
ـ ما السبب الذي جعلهم من المغضوب عليهم؟
ـ ولماذا الفئة الثانية هم من الضالين؟
ـ ولماذا وصفوا بذلك؟ ومن المقصودان بتلكما الصفتين؟
وهذه الأسئلة هي مقدمة لمعرفة الخلل الذي وصلوا له حتى نستطيع علاجه ... ونسرد كيف وجهنا القرآن الكريم في التعامل مع هذه المسألة ... وفيه أيضًا من فوائد الربط بين نهايات سورة الفاتحة ومقدمة سورة البقرة.
المقصود بتلكم الصفتين هم اليهود والنصارى: جاء في الحديث الشريف: (المغضوب عليهم اليهود والضالون النصارى ... ... الحديث) (^1)
ومن بعض أسباب ضلال اليهود والنصارى (^2) (2) التي جاء توضيحها في بعض الآثار.
(.أما اليهود فكذَّبوا محمَّدًا - ﷺ -، وأما النَّصارى فكفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب (^1). ولما سرد الإمام البخاري ...
- (1) صحيح البخاري (6/ 93) حديث رقم [4728].
الدليل على تكذيبهم بالغيب: يقول تعالى عن خلق اليهود في التعامل مع الأنبياء حتى وصل بهم الأمر أنهم يقتلونهم ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)﴾ سورة البقرة
والمقصود بالإيمان بالغيب أن يغير الإنسان نفسه بالإيمان الصحيح فيعدل من عقيدته وسلوكه.
ــ وفي الكتاب المقدس ــ سفر الرسالة إلى أهل رومية الإصحاح 14 ص (217 - العهد الجديد) "لأن ليس ملكوت الله أكلًا وشربًا، بل هو بر وسلام وفرح في روح القدس" طبعة دار الكتاب المقدس بمصر ... وملكوت الله لها الكثير من المعاني ومنها أنها الجنة.
وأيضًا هم ينكرون كثيرًا من الغيبيات مثل الزواج في الجنة؛ جاء في الكتاب المقدس العهد الجديد سفر متى الإصحاح 22 (لأنهم في القيامة لا يزوِّجون ولا يتزوَّجون، بل يكونون كملائكة الله في السماء) ص 32.
ولعل الأمر فيه خلاف بينهم. والأكل والشرب من ضمنها، ولعل ذلك فعلًا موجود في كتبهم ولكن هم كفروا به، لأنه محرف وهم أكثر من فرقة وليسوا فرقة واحدة.
في صحيحه الأثر السابق ذكر رواية أخرى (^1) أن هذه صفة عُبّاد النصارى، وقيل أصحاب الصوامع، وقيل بعض الرهبان، وهذا يدل على أن الأمر فيه خلاف بينهم لعل الأمر فيه خلاف بين طوائفهم المسألة تحتاج إلى بحث، لأن النصارى يؤمنون بالجنة، ولكن لعل الإشكال أن إيمانهم بالجنة ليس كإيمان المؤمنين، وليس كما جاء في شريعتنا خاتمة الشرائع، فكونهم يؤمنون بالجنة (وهي من الغيب الذي لم نشاهده بأعيننا) على مرادهم لا كما أراد الله فهذا يعني أنهم لا يؤمنون بالجنة لأن الإيمان كل لا يتجزأ، لا يأخذ شيئًا ويترك آخر أمر الله به، والاختيار والتفريق من صلب عقيدتهم للأسف كما جاء في قوله تعالى في سورة النساء الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150)﴾
وهذه الآيات في اليهود والنصارى ورد عليهم جلا جلاله في الآية التي تليها مباشرة ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151)﴾
- (1) من طريق ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة عن مصعب. (فتح الباري 8/ 540).
وإجمالًا في عقيدة الكفار عمومًا يقول تعالى في سورة الكافرون: (لا أعبد ما تعبدون) هم فعليًّا يعتقدون أنهم يعبدون الله ولكن ليس على مراد الله فهم لا يعبدون الله لأن عبادة الله هي كما يريد هو ــ ﷻ ــ لا كما يريد الكفار
ـ الشاهد أن اليهود كذبوا نبينا محمدًا - ﷺ - .. وعمومًا هم يكذبون الحقائق، وهذا خلقهم وديدنهم.
ـ والنصارى كفروا بالجنة وهذا من أسباب ضلالهم.
وبعد هذا كله، فقد علمنا أنهم وصلوا لمرحلة خطيرة جدًّا من البعد عن الله .. بل من شدة ما وصل اليهود من ظلمٍ لأنفسهم، أطلق القرآن عليهم المغضوب عليهم وهذا وصف شديد له مغزاه (^1).
- (1) "لم يذكر في الآيات من غضب عليهم تحديدًا، حيث إن الله هو الذي غضب عليهم، ولكن جاء المعنى بمعنى عام (المغضوب عليهم) لماذا؟ . "ليعم الغضب عليهم من جميع الجهات، غضب من الله، غضب من الملائكة، وغضب الغاضبين لغضب الله، بل إنه سيغضب عليهم أخلص أصدقائهم في الآخرة" لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25)﴾ العنكبوت.
وذكر عن بعض المفسرين أن كل ضال هو مقصود بهاتين الصفتين المغضوب عليهم والضالين (^1). لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (^2).