التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهتالجزء 1 · ص 17 - 27

الوجوه والنظائر في كتب علوم القرآن وما تابعها من التآليف

الوجوه والنظائر في كتب علوم القرآن وما تابعها من التآليف

يقول الزركشي في كتابه البرهان، في الباب الذي عنونه بقوله: "في جمع الوجوه والنظائر ما يلي: "فالوجوه، اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان كلفظ الأمة، والنظائر كالألفاظ المتواطئة. وقيل النظائر في اللفظ والوجوه في المعاني، وضعف لأنه لو أريد هذا لكان الجمع في الألفاظ المشتركة. وهم يذكرون في تلك الكتب اللفظ الذي معناه واحد في مواضع كثيرة فيجعلون الوجوه نوعا لأقسام، والنظائر نوعا آخر، كالأمثال".

لقد فضلنا إيراد مقالة الزركشي كاملة لسببين:

1- اعتماد المؤلفين في علوم القرآن، وكذلك من عرَّفوا بالعلوم عامة على تلك المقالة، عند تعريفهم للوجوه والنظائر.

2- شيء من الغموض فيها أحوجها إلى مزيد من التحليل.

وقد ذكرت عبارة الزركشي في الإتقان وفي مفتاح السعادة وفي كشاف اصطلاحات الفنون.

أما كشف الظنون فإنه قد شذ عن الجماعة، إذ عرف الوجوه والنظائر بما ضعفه الزركشي ومن أتى بعده.

أورد الزركشي تعريفين اعتمد أولهما وضعّف الثاني.

التعريف الأول للوجوه والنظائر عند الزركشي:

إن ما ذكره الزركشي في التعريف الأول للوجوه والنظائر، يلتحق بالتعريف اللغوي للكلمتين، إذ نتبين في الوجوه معنى التعدد، وفي النظائر معنى التشابه والاتفاق. ولعل ترجمة عبارة الزركشي في الوجوه، تصبح أقرب للأذهان لو قلنا الوجوه هي

17

المعاني المختلفة التي تكون للفظ الواحد في سياقات متعددة فيسمى اللفظ من أجل ذلك مشتركا. يعني تتشارك فيه معان متعددة. وقد ذكر السيوطي هذه المسألة في كتابيه الإتقان، ومعترك الأقران، فسمى بحثه مرة في معرفة الوجوه والنظائر. وجعله في الكتاب الثاني متعلقا بالألفاظ المشتركة في القرآن.

والملاحظ أن الزركشي قد استعمل في تعريف الوجوه والنظائر مصطلحين تابعين لعلم المنطق وهما: اللفظ المشترك، والألفاظ المتواطئة.

فالألفاظ المشتركة في كتب المنطق هي "الألفاظ المتحدة الدالة بالوضع المتساوي على مسميات مختلفة بالحقيقة، كلفظ العين الدال على عين الماء، والذهب والعضو الباصر".

فالوجوه إذن هي اللفظ المشترك باعتبار أن اللفظ الواحد تتعدد استعمالاته في القرآن دون أن تكون هنالك علاقة واضحة (في الظاهر) بين المعاني المختلفة التي استعمل فيها.

وقد مثل الزركشي للوجوه بكلمة "الأمة" التي أوردها ابن سلام في الجزء الأول من كتاب التصاريف وجعل لها تسعة وجوه أو معاني هي: عصبة، ملة، سنين، قوم، إمام، الأمم الخالية، أمة محمد خاصة، أمة محمد الكفار منهم خاصة، خلق.

أما النظائر فقد أوجز الزركشي في تعريفها إذ قال: "والنظائر كالألفاظ المتواطئة". وأضاف في موضع آخر: "فيجعلون (يعني الذين ألفوا في الوجوه والنظائر) الوجوه نوعا لأقسام، والنظائر نوعًا آخر كالأمثال".

وذكرنا منذ قليل أن عبارة "الألفاظ المتواطئة" هي بدورها من مصطلحات علم المنطق. وتدل هذه العبارة على "الألفاظ المتحدة الدالة على مسميات مختلفة الحقيقة باعتبار

18

معنى مشترك بينها كدلالة الحيوان على أنواعه: الإنسان، والفرس والطائر. فالتواطؤ في اللفظ هو عبارة عن اتفاق مسميات مختلفة على الاشتراك في اللفظ وفي معنى معين كالحيوانية في المثال السابق بالنسبة للانسان، والفرس والطائر.

وقد جعل الزركشي النظائر بمثابة الألفاظ المتواطئة. يعني ذلك أن اللفظ الواحد، إن تكرر وروده في مواضع متعددة من القرآن على معنى واحد، هو القسط المشترك بينها، تحصلنا على نظائر. فلفظ "الأمة"، عندما يرد في آيات متعددة (وهي ما يناسب المسميات في التعريف المنطقي) بمعنى عصبة (وهو ما يناسب المعنى المشترك بين المسميات) نسمي تلك الآيات نظائر، لاشتراكها جميعا في معنى واحد يجمع بينها. وكذلك عندما يرد لفظ الأمّة بمعنى "ملة" أو "سنين" الخ ...

ويؤيد هذا الذي انتهينا إليه، سقالة طاش كبرى زادة في النظائر. وهو يتفق مثل ما رأينا في تعريف الوجوه والنظائر مع الزركشي.

يقول طاش كبرى زادة: "ومثال النظائر: كل ما فيه من البروج، فهو الكواكب. إلا ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ فهي القصور الطوال الحصينة. والمقصود من المثال إنما هو الجزء الأول منه، يعني "كل ما فيه من البروج فهو الكواكب" حيث نتبين التعريف اللغوي والتعريف المنطقي للفظة "نظائر".

فكلما وردت كلمة بروج في القرآن (خلا ذلك الموضع الذي أشار إليه المثال)، فإنها تعني الكواكب. معنى ذلك أن كل الآيات التي ورد فيها لفظ البروج بذلك المعنى، تعتبر نظائر لاتفاقها في المعنى المراد. فالعبرة إذن هنا بالاشتراك المعنوي إلى جانب الاشتراك اللفظي.

وهكذا فإن الفرق واضح بين الوجوه والنظائر في هذا التعريف. فبينا تدل الوجوه على التعدد في المسميات للفظ الواحد مع الفصل بينهما، تدل النظائر على التعدد في المسميات أيضا، ولكن مع الجمع بينها عن طريق معنى معين تشترك فيه. فتكون النظائر بذلك أمثالًا، يعني أشباها، يلتقي جميعها في معنى واحد. ويمكن

19

تقسيم هذا التعريف الأول للوجوه والنظائر في رسم بياني. (الرسم رقم: 1)

الشكل الأول

حيث أن ثلاث مجموعات من النظائر: مجموعة أولى تشمل الآيات المتضمنة لكلمة "أمة" بمعنى عصبة. فلفظة "أمة" في الآية الثانية من المجموعة الأولى نظيرة لفظة "أمة" في الآية الأولى من نفس تلك المجموعة لاتحادهما لفظا ومعنى. لفظة "أمة" في الآية الثالثة من هذه المجموعة، نظيرة للفظة "أمة" في الآية الثانية من نفس المجموعة، وهكذا في بقية آيات المجموعة، وقل نفس الشيء في المجموعتين الثانية والثالثة.

ففي كل مجموعة، ورد لفظ "أمة" على معنى واحد، في مواضع كثيرة من القرآن. ورد اللفظ في المجموعة الأولى في خمس نظائر وفي المجموعة الثانية في ثماني نظائر، وفي الثالثة في نظيرين.

وكما نطلق لفظ "نظير" على كلمة "أمة" في هذا المثال، نطلقه أيضا على الآية التي ورد فيها لفظ "أمة". يقول طاش كبرى زادة: "ومثال النظائر: كل ما فيه من البروج والكواكب. يعني كل الآيات التي ورد فيها البروج فهي تعني الكواكب. فهي إذن نظائر. ويعبر ابن سلام أحيانا عن النظائر بقوله "والتي في سورة كذا ... " كما جاء في الوجه الثاني من كلمة "لباس" حيث قال: "والتي في عم يتساءلون ﴿وَجَعَلْنَا الليل لِبَاسًا﴾ [الاية: 10] يعني بـ "التي" الآية.

التعريف الثاني للوجوه والنظائر عند الزركشي = تعريف حاجي خليفة:

أورد الزركشي تعريفا ثانيا للوجوه والنظائر، وذكر بأنه قد ضعف. لكنه لم يبين مَنْ ضعفه، ولم نقف بدورنا على من ذهب ذلك المذهب. إنما رأينا حاجي خليفة لا غير في تعريف الوجوه والنظائر سوى هذا التعريف.

يقول حاجي خليفة في حديثه عن علم الوجوه والنظائر: "ومعناه أن تكون كلمة واحدة، ذكرت في مواضع من القرآن على لفظ واحد، وحركة واحدة، أريد بها في كل مكان معنى غير الآخر. فلفظ كل كلمة ذكرت في موضع نظير لـ الكلمة المذكورة في الموضع الآخر، هو النظائر، وتفسير كل كلمة بمعنى غير معنى الأخرى، هو الوجوه. فإذا النظائر اسم الألفاظ، والوجوه اسم المعاني". إن هذا التعريف مع التعريف السابق في معنى الوجوه. فهي المعاني المختلفة التي تصرف إليها اللفظة في القرآن. مثل تصرف لفظة "أمة" إلى: عصبة، ملة، سنين الخ ... .

20

لكنهما يفترقان افتراقا كليا في تعريف النظائر. وقد وقفنا قبل حين على التعريف اللغوي للنظائر فرأيناها تدل على التساوي في التشابه. لكن المقصود بها في هذا التعريف عكس ذلك تماما. فهي تعني هنا الانتقال باللفظ المشترك (يعني أمة في مثالنا) من معنى إلى آخر. يعني ذلك أن اللفظ المشترك الوارد بمعنى معين في مجموعة من الآيات يعتبر نظيرا لنفسه عندما يرد في مجموعة ثانية يكون فيها بمعنى ثان.

ويمكن أن نستعمل الرسم السابق لنجسم الفرق الحاصل بين التعريفين: (انظر الرسم رقم: 2) .

الشكل الثاني

فالمقصود بالنظائر في هذا التعريف اللفظ الواحد، وبالتالي الآية التي ذكر فيها اللفظ، عندما يرد في سياقات مختلفة بمعان مختلفة. فيكون بذلك عدد النظائر في هذا التعريف على عدد الوجوه، مهما كان عدد الآيات المندرجة تحت كل معنى من معاني اللفظ المشترك. ولا يمكن الفصل بين الوجوه والنظائر في هذا التعريف، لأن النظائر تمثل التعبير اللفظي عن الوجوه.

فلفظة: "وجوه"، وبالتالي عبارة: "لفظ مشترك"، يتضمنان مفهوم النظائر ضرورة لأن اختلاف المعاني لا بد أن يبرز في اللفظ، وذلك ما تحققه النظائر.

وهذا هو المطعن الذي وجهه الزركشي إلى هذا التعريف. فهو يقول: "وقيل النظائر في اللفظ، والوجوه في المعاني. وضعف لأنه لو أريد هذا لكان الجمع (يعني الجميع: الوجوه والنظائر) في الألفاظ المشتركة". وهذا غير ممكن حسب الزركشي الذي توجه إلى واقع كتب الوجوه والنظائر، فوجدها تميز بين المصطلحين، ولم تجعل بينهما علاقة عضوية، من شأنها أن يتم عن طريقها معنى أحدها بالأخرى. فليست النظائر عند الزركشي سوى أمثال، يعني آيات متشابهة يتكرر فيها معنى معين من معاني اللفظ المشترك. فهي لا تضيف إلى مفهوم "الوجوه" أي شيء يذكر، بينما هي عند حاجي خليفة ضرورية لأنها تجسيم لفظي، يعبر عن الوجه المراد.

فالفرق بين الزركشي وبين حاجي خليفة في تعريف النظائر يتمثل في أن الأول قد سلك في تعريفها سبيل المناطقة، مراعيا الاتفاق المعنوي بين الألفاظ، إلى جانب الاتفاق اللفظي، بينما عمد حاجي خليفة إلى اعتبار التشابه اللفظي فحسب.

أي التعريفين أقرب إلى واقع كتب الوجوه والنظائر؟

يظهر أن التعريف الأول أقرب إلى واقع كتب الوجوه والنظائر من التعريف الثاني. ذلك أن المؤلفين في الوجوه والنظائر القرآنية يذكرون لفظة: "نظير" عند سرد الآيات

22

التي يعددونها في سياق التمثيل لوجه واحد من الوجوه التي تكون للفظ المشترك، بحيث يكون لكل وجه نظائره التابعة له، ولا يمكن لوجهين أن يشتركا في النظائر، فيميزون بذلك بين الوجوه والنظائر.

أضف إلى ذلك أن الاستعمالات الأخرى للفظة نظير، غالبا ما تركز على المعنى. وقبل أن ننهي الحديث عن تعريف الوجوه والنظائر، نذكر بأنه ليس من الضروري أن تكون الكلمة المشتركة - خلافا لما ذهب إليه حاجي خليفة - على لفظ واحد، وحركة واحدة، لأن الذي نلاحظه في كتب الوجوه والنظائر، استعمال اللفظة ومشتقاتها على السواء.

أسباب ظهور كتب الوجوه والنظائر القرآنية

لم نعثرعند من وقفنا عليهم ممن ألفوا في الوجوه والنظائر على ذكر واضح للأسباب التي دفعتهم للتأليف في هذا الفن. كما لم يبين المؤرخون لعلوم القرآن تلك الأسباب مثلما فعلوا عند حديثهم عن كتب الغريب.

ولعل العودة إلى مادة كتب الوجوه والنظائر تقربنا أكثر من الإجابة عن سبب التأليف فيها. ونود أن تقف قبل ذلك على سبب عام يمكن تقديمه لوضع هذا الفن في إطاره. ذلك أنه قد ظهر في عصر مبكر، إذ أن أقدم أثر فيه وصل إلينا يرجع إلى القرن الثاني للهجرة.

ولا يخفى أن هذا القرن يمتاز بنشاط الحركة العلمية، وتنافس المدن فيها. نخص بالذكر ذلك التنافس الذي ظهر بين الكوفة والبصرة حيث أقام مقاتل بن سليمان ويحيى ابن سلام.

وبحكم الاستقرار السياسي نسبيا، بظهور الدولة العباسية، وبحكم كثرة الاختلاط الناتج عن دخول كثير من الأعاجم في الإسلام، ظهر في هذا القرن اهتمام شديد باللغة، قصد به إلى الحفاظ على القرآن خاصة من التحريف، وبدأ التأليف يظهر في عدة ميادين: في الحديث، والتفسير، واللغة. وظهرت التآليف أجزاء مفرقة، تختص بمسألة ضيقة، يجمع فيها أصحابها ما بلغهم عنها من معلومات، ترتكز على

24

الرواية خاصة. وهكذا ظهرت رسائل في اللغة، تتعلق بموضوع معين، ككتاب الخيل، وكتاب النخل، وكتاب المطر وغيرها.

وظهرت رسائل تتعلق بعلوم قرآنية، في لغات القرآن، والناسخ والمنسوخ والتفسير وغيرها. فمن الطبيعي أن تظهر في هذا الإطار الثقافي كتب الوجوه والنظائر القرآنية التي تجمع بين الفهم اللغوي والتفسير القرآني، كما سنبين ذلك.

ونعود إلى مادة كتب الوجوه والنظائر نستجليها عن أسباب ظهور التأليف فيها. إن الذي نستنتجه، بعد وقوفنا على تعريف مصطلحات هذا العلم، أن الباحث يجد في كتب الوجوه والنظائر:

1) شرحا لألفاظ قرآنية روعي فيه السياق القرآني.

2) جمعا لآيات اتفقت في اشتمالها على لفظ معين، يدل في كل مجموعة منها على معنى واحد من المعاني التي يتصرف إليها في النص القرآني.

فربما كانت هاتان المسألتان هما الحافزتان على التأليف في الوجوه والنظائر. وكلتاهما هدف قرآني، ما دام المؤلف يعمد في الأول إلى شرح اللفظ ببيان معناها المقصود في الآية فيتمكن بذلك المطلع على كتب الوجوه والنظائر من الإلمام بالمعاني القرآنية. ولا تخفى العلاقة الموجودة بين هذا وبين اللغة. فالمعاني التي تعطى عادة للألفاظ في كتب الوجوه، نجدها غالبا في كتب اللغة. يقول الهروي في كتابه الغريبين: "فإن اللغة العربية إنما يحتاج إليها لمعرفة غريبي القرآن وأحاديث الرسول عليه السلام، والصحابة والتابعين.

أما الهدف الثاني فهو شرح للقرآن بالقرآن، بتجميع الآيات المتحدة في المعنى في مكان واحد.

25

ولعله قصد بهذه الكتب إلى غاية عملية كانت سائدة في الكتب الدينية وغيرها، وأقصد بذلك تسهيل عملية الحفظ على الطلاب.

وقد وقفت في مقدمة تفسير ابن جزي، على فصل عقده لذكر "الكلمات التي يكثر دورها في القرآن، أو تقع في موضعين فأكثر من الأسماء، والأفعال والحروف". فعلل أسباب جمعه لتلك الكلمات، وجعل من بينها حرصه على أن يلم المطلع على كتابه بتفسيرها، وأن يكون حفظه لها مجموعة أسهل عليه.

كذلك ورد في مقدمة كتاب النيسابوري في الوجوه والنظائر قوله: "ورتبته على حروف التهجي ليسهل على الباحث طلبها (يعني الأبواب) وعلى التحفظ (هكذا) حفظها".

وربما اعتبرنا ما أورده ابن جزي أيضًا سببا آخر للتأليف في هذا الفن. فقد اعتبر أنه من بين البواعث على الخلاف بين المفسرين، "اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر". فيكون ضبط معاني اللفظ القرآني الواحد، في مواضعه المختلفة داعيا إلى الحد من ذلك الخلاف.

هذه الأسباب عموما، هي التي نجدها أصلا للتأليف في بقية العلوم القرآنية. والمتعلقة باللفظ القرآني خاصة، مثل كتب الغريب، وكتب المتشابه، وكتب مبهمات القرآن وغيرها.

والهدف منها جميعا مزيد الاهتمام بالنص القرآني ضبطا، وحفظا.

وقد ذكرت المصادر حديثا يروونه عن أبي الدرداء فيه حث على تعليم وجوه القرآن وهذ نصه: "لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة".

واتفقت المصادر على أن الذي أورد هذا الحديث مقاتل بن سليمان في كتابه في نظائر القرآن. وهذا الحديث لم نقف عليه في كتب الصحاح. إنما أورده ابن سعد في طبقاته

26

وكأنه اعتبره كلاما لأبي الدرداء لا حديثا نبويا شريفا يرويه، إذ يقول: ... عن أبي قلابة أن أبا الدرداء كان يقول: "إنك لن تفقه كل الفقه حتى ترى القرآن وجوها".

وهذا الحديث لا يبتعد في اتجاهه عن الحديث الآخر الذي يحث على تعلم معاني الألفاظ القرآنية والإلمام بمعرفة غريبها. وقد روي عن أبي هريرة وغير ولفظه: "اعربوا القرآن والتمسوا غريبه".

والقريب من الذهن أن هذا الحديث ومثله مما وضع قصد الحث على الاهتمام بهذه المادة، ومما نعلمه من أسباب الوضع في الحديث الترغيب والترهيب.

ونضيف إلى هذا، أن الذي أورد الحديث مقاتل بن سليمان وهو كذاب.

غير أن السيوطي بدا عليه الاهتمام بهذا الحديث. وقد نقل في تفسيره له تأويلين اثنين:

التأويل الأول: يرجع إلى المعنى اللغوي للفظة وجوه. يعني أن يرى الباحث للفظ الواحد معاني متعددة في مواضع من القرآن.

التأويل الثاني: يلتحق بالتفسير الإشاري، حيث إن المقصود بالوجوه فيه "استعمال الإشارات الباطنة، وعدم الاقتصار على التفسير الظاهر".

ولعل تأليف الحكيم الترمذي يلتحق بهذا المفهوم للوجوه والنظائر، وكذلك ما نلمسه في تفاسير الشيعة عند اعتبارهم أن للقرآن ظاهرا وباطنا.

ثم إن السيوطي عاد إلى التأويل الأول، ليبين انعكاس احتمال اللفظ القرآني لوجوه متعددة على نفسية الناظر في القرآن. فإذا الوجوه تصبح كالحاجز المانع للباحث عن الخوض في التفسير. وهذه الفكرة ترتبط ارتباطا وثيقا بموقف المانعين عن الخوض في التفسير. "فقلت لأيوب (وهو من رجال السند عن أبي الدرداء

27