التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهتالجزء 1 · ص 28 - 39

كتب الوجوه والنظائر القرآنية

عند ابن عساكر) أرأيت قوله: "حتى ترى القرآن وجوها" أهو أن ترى له وجوها فتهاب الإقدام عليه؟ "قال: نعم، هو هذا".

وقد تجاوز انعكاس خاصية احتمال اللفظ القرآني لوجوه متعددة ميدان العلوم إلى الميدان العقدي، بل قل والسياسي كذلك. فذكر السيوطي أن ابن سعد أخرج عن ابن عباس أن علي بن أبي طالب أرسله إلى الخوارج فقال: "اذهب إليهم فخاصمهم ولا تحاجّهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة".

غير أنه قد رأينا قبل حين بأن هذا ليس سببا كافيا للإمساك عن الخوض في التفسير، ويكفي المفسر أن يطلع على مختلف الوجوه للفظ القرآني لكي يعصم نفسه من الوقوع في الخطأ.

بهذا يمكن اعتبار علم الوجوه والنظائر من العلوم الأداة التي لا يحق لمفسر الاستغناء عنها.

كتب الوجوه والنظائر القرآنية

يمكن أن نعتبر التأليف في الوجوه والنظائر من أسبق ما ظهر في ميدان علوم القرآن. فقد ورد في كشف الظنون نقلا عن ابن الجوزي، أنه قد نسب في هذا العلم كتاب إلى عكرمة (ت105/723) مولى ابن عباس، وآخر إلى علي بن أبي طلحة (ت143/760) عن ابن عباس أيضا.

ويتفق هذا القول مع ما ذكره الإمام أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أحمد الضرير النيسابوري الحيري في مقدمة كتابه: وجوه القرآن حيث قال: "ذكرت في هذا الكتاب وجوه القرآن. والسابق بهذا التصنيف، عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ثم مقاتل ثم الكلبي".

28

لكن بقية المصادر تنطلق في ذكر كتب الوجوه والنظائر من كتاب مقاتل بن سليمان (ت150/767) الذي توجد منه نسخة بمكتبة جامعة الدول العربية تحت رقم: [عمومية بايزيد 561. 286ق. صغير الحجم] وقد تم نشره على يد د. عبد الله محمود شحاتة. وقد وضع المحقق مقدمة بين يدي الكتاب ضمنها دراسة حول مقاتل بن سليمان، في حياته وتهمته بالتشبيه والكذب، ونشاطه العلمي في الحديث، والتفسير، وعلوم القرآن. لكنه لم يتناول علم الوجوه والنظائر إلا بما ورد عند الزركشي.

ووضع المحقق هوامش، تعين القارئ على مزيد الإفادة من الكتاب، وذلك بالإشارة إلى أرقام الآيات الواردة في النص، وبتصويب ما جاء فيه من أخطاء.

وأغفل إلقاء بعض الأضواء على تأليف مقاتل بالرجوع إلى محتواه وقيمته وعلاقته بغيره من كتب هذا الفن.

واشتمل كتاب مقاتل على تفسير خمس وثمانين ومائة كلمة، لم يُراع فيها ترتيب معين. وأبقيت على ترتيبها الذي ذكرت عليه في الأصل. وقد اتفق كتاب مقاتل في ترتيب عدد كبير من كلماته مع كتاب التصاريف، واختلف في عدد آخر. أما كيفية تقديم الوجوه والنظائر فهي واحدة بين الكتابين. وإن اشترك كتاب التصاريف مع كتاب مقاتل في حوالي سبع وسبعين كلمة فقد تفرد بقرابة أربعين كلمة لم ترد عند مقاتل. كما اختلف الكتابان في عدد وجوه بعض الكلمات، فتفوقت الوجوه في كتاب التصاريف في أحد عشر موضعا، وتفوقت في كتاب مقاتل في ثلاثة مواضع.

ونود لفت الانتباه إلى الشبه الكبير الموجود بين الكتابين، بالنسبة للكلمات المشتركة بينهما. وقد يصبح هذا التشابه في مواضع عديدة تطابقا بين الكتابين. فكأن المسألة عملية نسخ من كتاب إلى آخر. ويبدو التطابق في عدد الوجوه المذكورة للكلمة، وفي طريقة تتاليها وفي الآيات النظائر المذكورة في كل وجه، بل وحتى في تسلسل عدد كبير من الكلمات المفسرة.

ولم أوفق إلى معرفة سر هذا التطابق معرفة قطعية. ذلك أن مقاتل بن سليمان لم يرد ذكره في كتاب التصاريف، مثلما ورد عند الدامغاني.

29

وإن قلنا بإمكانية نقل ابن سلام عنه دون الإشارة إليه، يعترضنا الاختلاف الذي لاحظناه بين الكتابين، فيجعل التصاريف غير كتاب الأشباه والنظائر لمقاتل.

وهنا نشير إلى ما سنذكره بعد حين حول الشبه الموجود بين التصاريف وبين تفسير يحيى الجد.

ولعل ما سنذهب إليه من ترجيح نسبه "التصاريف" إلى الجد يتأكد بهذا الشبه الموجود بين "التصاريف" وبين كتاب مقاتل.

ذلك أن مقاتل بي سليمان قد دخل البصرة وتوفي بها سنة (150/767) وقد نشأ ابن سلام (124 - 200/741 - 815) بالبصرة وأخذ عن عدد كبير من شيوخها. فلعله جلس إلى من جلس إليهم مقاتل فاشترك معه في السماع، ولعله جلس إلى مقاتل نفسه وأخذ عنه.

غير أنه لم يرد ذكر مقاتل فيما وقفنا عليه من تفسير ابن سلام (وهو أغلب التفسير)، كما لم تذكر له كتب التراجم تلمذة عليه، رغم اشتهار مقاتل الواسع في ميدان التفسير. ولا ينبغي أن نذهب إلى أن ابن سلام قد أمسك عن الرواية عن مقاتل، لما اشتهر به من الكذب والآراء الكلامية المرفوضة فسوف نرى ابن سلام الجد يروي عن أمثاله كالسدي والكلبي وغيرهما.

إذن كل ما نستطيع تقديمه حول التشابه الموجود بين الكتابين هو إمكانية اشتراك ابن السلام ومقاتل في الأخذ عن شيخ واحد في موضوع كتاب "التصاريف". وربما ذكرنا كذلك بان موضوع الكتاب ذاته يدعو إلى هذا التشابه فهو يتناول علما من علوم التفسير، والتفسير في تلك الفترة يرتكز أساسا على الرواية والنقل فلا يسمح فيه بإعمال الرأي. ومن هنا اتحدت وجوه الكلمات في الكتابين الا في القليل.

وبتتبع المصادر التي تحدثت عن علوم القرآن، وكذلك بمراجعة فهارس المكتبات، عثرنا على عدد من المؤلفين في الوجوه والنظائر. وتوزعت هذه التآليف بين القرنين 2/8 و10/15. فلا يكاد يخلو قرن بين هذين القرنين من كتب في هذا الفن. وقد لاحظنا أن أكثر القرون حظا بالنسبة لكتب الوجوه والنظائر هو القرن الثاني، فقد أحصينا فيه ستة مؤلفين هم:

30

1- عكرمة مولى بن عباس (ت105/723) .

2- علي بن أبي طلحة (ت143/760) .

3- مقاتل بن سليمان (ت150/767) .

4- العباس بن الفضل الأنصاري الموصلي المقرئ (ت186/802) .

5- عبد الله بن هارون الحجازي.

6- علي بن وافد الذي كان يعيش في عهد الخليفة الرشيد (ت193/808) . ثم تتابعت التآليف على هذا النحو.

7- أبو العباس المبرد (ت285/898) واسم كتابه: ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد. وهو كتاب من الحجم الصغير، قليل الصفحات. وقد ذكر ابن النديم كتابا للمبرد بعنوان: "ما اتفقت ألفاظه ومعانيه في القرآن". ولسنا ندري إن كان هذا الكتاب يلتحق بالكتاب الأول لشبه ملحوظ بينهما، إذ أن في كل وجه من وجوه اللفظ المذكورة في كتب الوجوه والنظائر يذكر نفس اللفظ بنفس المعنى.

8- الحكيم الترمذي وقد اختلف في تاريخ وفاته بين (285/898) وبين (315/927) . واسم كتابه تحصيل نظائر القرآن. منه نسخة بجامعة الدول العربية تحت رقم: [البلدية 3585/2ح. 35ق] .

31

وقد نحا فيه منحى التصوف. وحلل P. Nwyia هذا التأليف في كتابه:

Exegese: xoranique et langage mystique.

9- محمد النّقاش (ت351/962) وهو محمد بن الحسين بن محمد بن زياد بن هارون الموصلي الأصل البغدادي. ذكر ابن الجوزي أنه قد ألف في الوجوه والنظائر وأشار كحالة إلى أن له تأليف في غريب القرآن.

10- أبو الحسين أحمد بن فارس القزويني اللغوي (ت395/1004) واسم كتابه الأفراد. ذكر السيوطي نبذة منه في الإتقان. ولا يخفى أن ابن فارس ممن ألف في اللغة ومن كتبه: المجمل، ومقاييس اللغة، وكتاب فقه اللغة.

11- الثعالبي. ولعله أبو منصور عبد الملك (ت429-1037) صاحب الاقتباس من القرآن الكريم. وقد أشار إلى كتابه: الأشباه والنظائر فهرس جامعة الدول العربية، تحت رقم: [ولي الدين 52. 51ق] .

12- إسماعيل الحيري النيسابوري الضرير (ت430/1039) له وجوه القرآن. منه نسخة بجامعة الدول العربية، تحت رقم: [جامعة كمبريدج 1282 OR. 156ق] والكتاب لا زال مخطوطا.

ونعتبر هذا التأليف هاما لأنه بالرجوع إلى ما وقفنا عليه من كتب الوجوه والنظائر، أول ما طلع علينا في هذا الفن بميزتين جديدتين هما: تضخم عدد الكلمات المشروحة فيه من ناحية، ومراعاة الترتيب الأبجدي في إيرادها من ناحية أخرى. وقد حدد المؤلف في المقدمة عدد الأبواب التي أوردها. فهو يقول: "والسابق بهذا التصنيف عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ثم مقاتل ثم الكلبي. ومصنفاتهم لا تزيد على مائتين وأربعة عشر بابا. وما جمعنا في هذا الكتاب خمسمائة وأربعين (هكذا) بابا".

وقد قسم التأليف إلى كتب وأبواب، تمثل الكتب فيه الأحرف التي تفتتح بها الكلمات المدروسة، مثال ذلك: كتاب الألف، كتاب الباء الخ ... .

32

أما الأبواب فإنها عبارة عن الكلمات المشروحة في الكتاب مثال ذلك: باب الاتقاء باب الإيمان، باب الآخرة، وجميعها ورد في كتاب الألف. وذكر المؤلف عمله هذا في المقدمة حيث قال: "ورتبته على حروف التهجي ليسهل على الباحث طلبها (يعني الأبواب) ".

وينبغي أن نشير إلى أن المؤلف لم يراع الاشتقاق في توزيع الكلمات على الكتب. إنما اعتبر الحرف الأول الذي افتتحت به سواء كان ذلك الحرف أصليا أم زائدا. فقد ذكر في كتاب الألف الاتقاء، والإقامة، والإنفاق إلى جانب الإيمان والآخرة. وذكر في كتاب التاء التسبيح، والتزكية، والتصريف إلى جانب التلاوة والتابوت. كما أنه لم يمراع الترتيب الأبجدي في ترتيب داخل الباب الواحد. فقد أورد في كتاب الجيم باب جعل، يليه باب الجنة، يليه باب الزاء، وبعده باب الجدال الخ ... .

فالكتاب إذن في حاجة إلى إعادة التنظيم.

وسلك المؤلف في شرح الكلمات وذكر وجوهها مسلك غيره من المؤلفين في هذا الفن، ولم يتميز عليهم سوى بوفرة الكلمات المشروحة، وكذلك أحيانا بتفوق عدد الوجوه للكلمات المشروحة. فكلمة: "الطعام" وردت عنه مقاتل وابن سلام على أربعة وجوه، وعند النيسابوري على اثني عشر وجها. وكلمة: "الكفر" أورد لها مقاتل وابن سلام أربعة وجوه بينما جعل لها النيسابوري تسعة وجوه.

ولا يمنع هذا من أن نجد عدد وجوه بعض الكلمات عند النيسابوري دون ما أورده لها غيره من المؤلفين. فقد جعل الدامغاني لكلمة: "يقين" أربعة وجوه ولم يجعل لها النيسابوري سوى وجهين. وذكر الدامغاني لكلمة: "اليمين" تسعة وجوه، وجعل لها النيسابوري خمسة وجوه.

33

وقد عمد النيسابوري من حين لآخر إلى نسبة الأقوال إلى اصحابها فقد ذكر مثلا ابن عباس وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما ومجاهدا. ولم يقف عند هؤلاء بل إنه توسع في نطاق الرواية إلى ذكر أقوال الفقهاء مثل الشافعي واللغويين كذلك مثل الزجاج. غير أن هذا لم يتكرر كثيرا في الكتاب.

13- الحسن بن أحمد بن البناء البغدادي الحنبلي (أبو علي) (ت471/1079) . وقد نسب إليه ابن الجوزي تأليفا في الوجوه والنظائر.

14- الحسين الدامغاني (أبو عبد الله) (ت 478/1085) وكتابه في الوجوه والنظائر مطبوع. وقد ذكر بأنه وقف على كتاب مقاتل بن سليمان وغيره، فوجدهم قد أغفلوا أحرفا من القرآن لها وجوه كثيرة فكتب كتابه وضمنه ما وصفه السابقون وأضاف إلى ذلك ما أغفلوه.

لكن الكتاب لم يصل إلينا في طبعته الحالية على صورته الأصلية. فقد عمد المحقق إلى إكماله وإصلاحه. لذلك أتى عنوانه على النحو التالي: "قاموس القرآن، أو إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم".

وقد تمثل عمل المُحقق خاصة في ذكر السور التي منها الآيات المذكورة، لأن المؤلف قلما أتى بها، وكذلك في إعادة تبويب الكلمات على أحرف الهجاء، إذ يظهر أن الدامغاني رغم كونه قد تعهد بتبويب كتابه على حروف المعجم لم يوفق تمام التوفيق. فلم يعتبر الأحرف الأصلية للكلمة في التبويب، إنما اعتبر الحرف الأول منها سواء كان أصليا أو زائدا مثلما فعل النيسابوري فأرجع المحقق الكلمات إلى أصلها فأعاد بذلك ترتيب الكلمات. كما أنه عمد إلى حذف ما وقع في الكتاب من تكرار. وقد حلى المحقق الكتاب بحواشي علق بها على بعض التعاريف، أخذها من كتب الغريب أو التفسير.

إن ما قام به المحقق عمل جليل، غير أنه يمكن مؤاخذته بعدم ذكر أشياء ذات بال

34

بالنسبة لهذا الكتاب، من ذلك عدم الإشارة في الحواشي إلى أرقام الآيات، وهو عمل ضروري في هذا الكتاب، كما يؤاخذ ببعض أخطاء وقع فيها، منها في تسمية السورة أو في الآية.

ولم يجعل المحقق بي يدي الكتاب مقدمة ضافية حول المؤلف ولا حول كتاب، كما أنه لم يتعرض إلى علم الوجوه والنظائر بشيء من التفصيل.

وتعوز التحقيق فهارس من شأنها أن تعين المطالع للكتاب على العثور على طلبته فيه.

وكتاب الدامغاني ضخم في حجمه. فقد اشتمل على اثنتين وخمسمائة كلمة. فهو بذلك قريب من كتاب النيسابوري. وكما أن هذا لم يجدد في منهجه فكذلك الدامغاني الذي اكتفى بأن قفى على أثر سابقيه.

15- علي بن عبيد الله الزاغوني الحنبلي (أبو الحسن) (ت527/1132) .

16- عبد الرحمن بن الجوزي (ت597/1201) واسم كتابه: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر. منه نسخة بجامعة الدول العربية تحت رقمي:

[البلدية بالإسكندرية 3572 ج. 95ق] .

[عمومية بايزيد 9499. 10ق] .

وله كتاب ثان بعنوان: الوجوه والنظائر. ولعله نفس الكتاب الذي أشار إليه كشف الظنون تحت عنوان: الوجوه النواظر في الوجوه والنظائر، وقال المؤلف ذكر فيه وجوه الآيات المفسرة في مجلس الوعظ ونظائرها.

35

وقد جلب ابن الجوزي في كتابه المدهش في علوم القرآن والحديث واللغة أبوابا منتخبة من الوجوه والنظائر وهي ثلاثة وعشرون بابا.

17- مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز ابادي (ت817/1415) . وكتابه: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز. وذكر المؤلف في الجزء الأول من هذا الكتاب جملة من العلوم المتعلقة بالقرآن، ثم إنه خصص الأجزاء الثلاثة الباقية لذكر وجوه الكلمات الواردة في القرآن مرتبة على حروف الهجاء.

والملاحظات التي أبديناها عند حديثنا عن كتابي النيسابوري والدامغاني تصدق على ما ورد في كتاب الفيروز ابادي. فهو قد رتب الكلمات على أحرف الهجاء، دون أن يراعي الاشتقاق. كما أنه توسع في إيراد الكلمات وربما فاق في ذلك النيسابوري ما دام أنه تعهد بإيراد "جميع كلمات القرآن".

ولعل الجديد الذي اختص به الفيروز ابادي دون غيره أنه قدم بين يدي ذكر وجوه اللفظة القرآنية بحثا لغويا وصرفيا للكلمة المدروسة. وهذا مما يؤكد على العلاقة الموجودة بين كتب هذا الفن وكتب اللغة. غير أن المؤلف لم يلتزم هذه القاعدة في كل الكلمات.

18- محمد بن محمد بن علي البلبيسي ثم القاهري (شمس الدين، المعروف بابن العماد (ت887/1482) . واسم كتابه كشف السرائر في معنى الوجوه والأشباه والنظائر. منه نسخة بدار الكتب الوطنية بتونس تحت رقم: 18324.

ذكر ابن العماد في مقدمته، وهي مختصرة، أنه استخار الله في "تأليف كتاب أجْمَعُ فيه ما جاء من معانيه (يعني القرآن) العظيمة وما فيه من الوجوه والأشباه والنظائر ... . أجمعه من كتب التفاسير وغير ذلك.

والكتاب قد احتوى على خمس ومائة كلمة وهو كامل ليس به نقص، والنسخة بخط مؤلفها، نسخت سنة 869هـ.

36

ولم يشذ ابن العماد في كتابه من حيث المنهج في سرد الوجوه والنظائر عن بقية المؤلفات الأخرى، وإن وجدنا فيه بعض التعليقات، يأتي بها بالمناسبة ليتحدث عن عصره. كما يذكر في تعليقاته بعض الأسماء كابن عباس، والحسن البصري، والشبلي، والطبري، والفضيل بن عياض. ويشير أحيانا إلى اختلافات وقعت بين العلماء في مسألة معينة. وهذا لم نقف عليه فيما اطلعنا عليه من كتب الوجوه والنظائر. والذي لفت الانتباه من حيث ترتيب الكلمات في كتاب ابن العماد، اتفاقه مع كتاب التصاريف، خاصة في الجزء الأول منه. كما اتفقا، إلا نادرا، في عدد الوجوه التي أورداها للكلمة الواحدة.

19- عبد الرحمان السيوطي (ت911/1505) . وقد أشار بنفسه إلى كتابه في معترك الأقران مرة، ومرة في الإتقان. ولم نعثر على هذا التأليف. غير أن السيوطي قد اشاد بذكره، معتبرا إياه كافيا في هذا الفن. وقد سمى السيوطي كتابه: معترك الأقران في مشترك القرآن وهو غير كتابه معترك الأقران في إعجاز القرآن.

20- أبو الحسين محمد بن عبد الصمد المصري. نسب إليه السيوطي مؤلفا في الوجوه والنظائر، وقال بأنه من المتأخرين.

21-22- ذكر ابن الجوزي أن ممن ألف في الوجوه والنظائر، أبو الفضل العباس بن الفضل الأنصاري، وأن مطروح بن محمد بن شاكر قد روى عن عبد الله بن هارون الحجازي، عن أبيه كتابا في الوجوه والنظائر.

23- ابن أبي المعافي. ذكره السيوطي في معترك الأقران، وذكر بأنه من المتأخرين.

ذكرنا مجموع ما وقفنا عليه من كتب الوجوه والنَّظائر لغرضين:

1) لنبين كثرتها من جهة.

2) لنشير إلى خاصية فيها. إذ أنّ الذي استنتجناه مما طالعناه من كتب الوجوه والنظائر، أو من وصف بعضها، بقاؤها على حالتها الأولى التي ظهرت بها، خاصةً في مادتها ومنهجها الذي سارت عليه في تناول الكلمات وسرد الآيات المتعلقة بها.

37

فمطالعة كلمة "هدى" مثلا في كتاب مقاتل بن سليمان، وهو من المتقدمين، لا تختلف عمَّا جاء في أحدث ما وصلنا من كتب الوجوه والنظائر. فكأنما كتب الوجوه والنظائر، على مرّ القرون، كتاب واحد، تداولته أيدي النساخ، مع تغييرات قليلة، لا تغيّر من جوهر تلك الكتب. ونشير هنا إلى مقالة النيسابروي في مقدمته، فهي تعبر عن هذه الفكرة. يقول النيسابروي: "والسابق بهذا التصنيف عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ثم مقاتل ثم الكلبي. ومصنفاتهم لا تزيد على مائتين وأربعة عشر بابا. وجمعنا في هذا الكتاب خمسمائة وأربعين بابا. وليس بشيء منها يعزب عن أقاويلهم إمَّا ذكر في الوجوه وإمَّا ذكر في التَّفسير. ولست أبدع قولا".

ولعل ما يمكن أن يذكر من تطوّر في هذه الكتب، تكاثر عدد كلماتها. فكتاب النيسابوري، ضخم إذا ما قورن بغيره. وكذلك ثم شيء من التصرف في كيفية تبويبها فبعد أن ذكرت الكلمات على الاتفاق في كتاب مقاتل وكتاب ابن سلام، حرص بعض المؤلفين على ترتيبها ترتيبا أبجديا. كما فعل النيسابوري والدامغاني.

ولا يمكن أن نعتبر هذا تطوّرا في كتابة الوجوه والنَّظائر، بأتم معنى الكلمة، فإن الترتيب الأبجدي لم يظهر في آخر ما ألَّف منها. كما أنّ تكاثر الكلمات الوارد في بعضها، لم يكن في التآليف المتأخرة أيضا، ما دمنا قد وقفنا على تآليف متأخرة، لا تختلف في عدد كلماتها ولا في كيفية ترتيبها عن كتب الأوّلين. ونتساءل: هل توقّف التآليف في الوجوه والنظائر عند حدود القرن العاشر؟ إن المتأمل في بعض المعاجم القرآنية المعاصرة يتبين له، أنَّه من الضروريِّ اعتبارها مندرجة في فنّ الوجوه والنظائر. وأخصّ بالذكر من هذه المعاجم: معجم ألفاظ القرآن الكريم لمجمع اللغة العربية، وكذلك: معجم الألفاظ والأعلام القرآنية لمحمد اسماعيل إبراهيم.

ما الذي يقدّمه معجم المجمع؟

لقد تعهد هذا المعجم باستعراض المعاني المختلفة الَّتي ترد عليها اللَّفظة الواحدة في القرآن، وذلك ما يطابق فيما رأيناه "الوجوه".

كما تعهَّد باستعراض الآيات الواردة في كلّ معنى من معاني اللَّفظة. وتلك هي النظائر.

38

وقد رتَّب المعجم الكلمات ترتيبا أبجديا حسب الأصل، ثم فرّع عنه المشتقات.

فهل أتى هذا المعجم بجديد في الميدان؟

لعلّ الَّذي توفَّر فيه خصوصا، ولم يتمّ في الكتب الَّتي مرَّت بنا أمران:

1) القصد إلى استيفاء الألفاظ القرآنية دون أي تخير.

2) القصد إلى استيفاء الآيات المتعلِّقة بكل معنى من المعاني القرآنية للَّفظ.

فهو من هاتين النَّاحيتين يعتبر متمِّمًا لكتب الوجوه والنظائر المذكورة إذ أنَّها لم تستوف الكلمات القرآنية، كما أنَّها لم تذكر كلّ الآيات المتعلِّقة بالمعنى الواحد، وتشير إلى وجود آيات أخرى في نفس المعنى بقولها: "ونحوه كثير" أو ما شابه ذلك.

لكنّ هذا المعجم، من جهة ثانية لا يعتبر دقيقا دقَّة كتب الوجوه والنظائر في استخراج المعاني من اللَّفظ.

كما يعطي المعجم لبعض الآيات معنى غير الَّذي أعطي لها في كتب الوجوه والنظائر. نذكر هذا لأن هذه الكتب أقرب إلى الصّحَّة ما دامت تتعلق بالتفسير بطريقة مباشرة، أي عن طريق الرواية التي هي الطريقة المتبعة في كتب الوجوه.

هذا كله يجعلنا نعتبر المعجم غير مجدّد في الميدان، وذلك ما رآه الدكتور إبراهيم مدكور حين قال متحدثا عنه: "وقد جاء (يعني المعجم) حلًا وسطا يوفق بين الطرفين (القدامى والمحدثين) وإن كان إلى المحافظة أميل".

أما المعجم الثاني فإنه لا يختلف كثيرا في منهجه وأهدافه عن معجم المجمع، وإنَّما يختلف عنه يسيرا في طريقة التَّقديم. فهو يعمد في أوّل حديثه عن مادة معينة إلى ذكر جميع وجوهها بالصيّغ الَّتي ذكرت بها في القرآن، ثم يستعرض إثر ذلك الآيات الَّتي ورد فيها اللَّفظ في مشتقَّاته المتنوّعة.

لكنّ المؤلِّف لا يأتي بكلّ الآيات التي ضبط عددها تحت المادة مباشرة، رغم كونه قد وعد بذلك في مقدمته.

39