التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهتالجزء 1 · ص 49 - 57

تجزئة كتاب التصاريف

إنّ ما سقناه يجعلنا نميل إلى اعتبار التَّصاريف من تأليف ابن سلاّم الجدّ، وحتَّى إن لم يكن هو المؤلف مباشرة، فالأقرب إلى الذّهن أن يكون يحيى الحفيد قد سلخه من التفسير وقدّمه في كتاب مستقل.

على أنّ نسبة الكتاب إلى هذا أو ذاك لا تغير من جوهره شيئا، لأنه مبنيّ على الرواية، وهذه لا تختلف باختلاف الرّاوي.

أمَّا السَّبب الثَّاني في عدم اشتهار كتاب معيَّن، وهو انعدام جدواه، فهذا ممَّا لا يصحّ في كتاب في علم الوجوه والنَّظائر، وقد مرّ بنا شدة اهتمام العلماء بهذا الفنّ وكثرة تآليفهم فيه.

بقي السبب الثالث، وهو إمكانية ضياع الكتاب، وهو هام في نظري لسببين:

1- ذلك أنَّنا لا نملك من التصاريف سوى نسخة واحدة، وهي نسخة ناقصة، كتبت بخطين مختلفين.

- ما أفدناه من السّماعات المسجَّلة بالجزأين: الأوّل والرّابع. والذي يمكن استخلاصه من تلك السَّماعات، أن الكتاب لم يشتهر في القيروان، إذ لم يرد ذكره في ترجمة أية شخصية من شخصياتها، ويظهر أنّه دُرِّسَ بسوسة على شيخ لم يشتهر، وعلى طلبة لم يعرفوا عموما. فلعلّ هذا هو السَّبب الأصلي في عدم اشتهار الكتاب في إفريقية وبالتَّالي في الشرق.

تجزئة كتاب التصاريف

يوجد بين أيدينا من التَّصاريف ما يلي:

الجزء الأوّل: وهو تامّ، كتب على الصفحة الأولى منه العنوان وصاحب الكتاب هكذا:

الأول من التصاريف، ليحيى بن محمد بن يحيى بن سلام

أمَّا الصفحة التي اعتبرناها الأخيرة في الجزء، فلم يسجل عليها عبارة تفيد انتهاء الجزء، ولم نلاحظ بها اسم النَّاسخ ولا تاريخ النَّسخ الَّذي تختم به الأجزاء الخطية القديمة عادة. إنما لاحظنا تسجيل عدّة سماعات إثر النَّص الَّذي توقف وسط الصّفحة تقريبا. وتسجَّل السّماعات في الغالب في آخر الكتاب (أو في أوّله) . وأوّل كلمة وردت في الجزء هي كلمة: "هدى". وآخر كلمة هي لفظة: "عدوا" التي لم يرد منها سوى العنوان. فاشتمل الجزء بذلك على اثنتين وثلاثين كلمة مفسرة وعنوان كلمة "عدوان".

49

الجزء الرّابع: فضّلنا الحديث عن الجزء الرّابع إثر الجزء الأوّل، وذلك لأنّ الأمور واضحة نسبيًا في هذين الجزأين.

تحمل الورقة الأولى من هذا الجزء في وجهها، فهرسا للكلمات المشروحة به، وهي تسع وثلاثون كلمة، أوّلها كلمة: "ظهر"، وآخرها لفظة "يوم".

كما ورد في رأس هذه الورقة عنوان الجزء مع صاحب الكتاب هكذا:

الرّابع من التصاريف ليحيى بن محمد بن يحيى بن سلاّم

وكما جاء في آخر الجزء الأول عنوان أوّل كلمة سوف ترد في الجزء الثاني، كذلك حمل هذا الجزء عنوان أوّل كلمة سوف ترد في الجزء الخامس، الَّذي لم يصلنا. وتلك الكلمة هي: "الآخرة".

ونجد في هذه الورقة الأخيرة وفي الَّتي قبلها سماعات عديدة، كثير منها لا يقرأ. وتتَّفق في بعضها مع سماعات الجزء الأول، كما تتفق مع الشيخ الملقي للكتاب وهو: أبو زكرياء.

الجزء الثاني: وتتعقد الأمور فيما بين الجزءين الأول والرّابع. والَّذي سأعرضه إنَّما هو اجتهاد، يرتكز على ما تبقَّى بين أيدينا من كتاب التصاريف، بعد طرح هذين الجزأين.

50

لقد رأينا الجزء الأول يقف عند لفظة: "عدوان" دون أن يشرحها. فمعنى ذلك أنّ أوّل كلمة في الجزء الثاني سوف تكون لفظة: "عدوان". وعلى هذا الأساس اعتمدنا لتحديد بداية هذا الجزء.

وإذا رجعنا إلى ما تبقى من التَّصاريف، بعد طرح الجزأين الأوّل والرّابع نجد قطعة بها نقص بالأول وبالآخر، تشترك في أوّلها مع آخر الجزء الأوّل في الألفاظ التّالية: "الخير" (الوجه الرّابع)، "الخيانة"، "الفتنة"، ثم تأتي لفظة: "عدوان". ويستمر الشرح.

كيف نفسر هذا الاختلاف بين الأجزاء؟

فهل أنّ تجزئة الكتاب تختلف من نسخة إلى أخرى؟

إنّ الذي نلاحظه أنّ عدد الكلمات بالجزء الأوّل اثنتان وثلاثون كلمة، وبالرابع تسع وثلاثون كلمة، وفيما تبقى من التَّصاريف نجد اثنتين وأربعين كلمة، بعد حذف الكلمات المشتركة مع الجزء الأول، وعددها ثلاث كلمات.

والملاحظ أيضا، أن بآخر القطعة نقصا. فمعنى ذلك أنّ عدد الكلمات بهذه القطعة أكثر من اثنتين وأربعين كلمة. وهذا كثير إذا ما قارنَّاه بما جاء في الجزئين الأوّل والرّابع. والتجزئة القديمة معروفة لا تتجاوز حجما معيَّنًا. لذلك نميل إلى كون هذه القطعة، مثلما اشتملت على بعض من الجزء الأوّل قد اشتملت على الجزء الثَّاني الَّذي يبدأ بكلمة: "عدوان"، وكذلك على بعض الجزء الثالث، دون أن يعمد الناسخ إلى الفصل بين تلك الأجزاء.

والذي نستطيع أن نجزم به فيما يتعلَّق بالجزء الثالث، هو أنّ آخر كلمة اشتمل عليها هي كلمة: "الصَّلاح". فقد وردت في ظهر الورقة الأولى من الجزء الرّابع، تلك التي تحمل فهرس كلمات الجزء. وقد سجّل الناسخ بقية تفسيرها قبل أن يشرع في تفسير أوّل كلمة في الجزء، والَّتي هي كلمة: "ظهر".

نستخلص من هذا أنّ للتَّصاريف ثلاث نسخ ناقصة، تبقَّى من الأولى الجزء الأوّل وهو تام، ومن الثَّانية الرَّابع وهو تام، ومن الثَّالثة الجزء الثَّاني مع شيء من الجزء الأوّل، وربما بعض كلمات من الجزء الثالث.

وهكذا يكون لدينا من التَّصاريف الأجزاء: الأوّل، والثَّاني، والرَّابع وجميعها تام. وليس لنا من الجزء الثالث سوى بقية كلمة الصّلاح الَّتي يبدو أنَّها آخر كلم واردة فيه، وربَّما أيضا بعض كلمات من أوّله. والكلمة الأولى من الجزء الخامس.

51

فهل أن عدد أجزاء التَّصاريف خمسة؟

الأقرب إلى الذهن أنَّها كذلك، نظرا لأسبقية التصاريف في التَّاريخ. وكلّ فنّ في أيامه الأولى، يستبعد فيه الشمول.

وصف مخطوطات التصاريف

توجد جميع نسخ التصاريف بالمكتبة العتيقة بالقيروان.

ويندرج الجزء الأوّل تحت رقم: 151، ملفّ: 211.

تحتوي القطعة على 28 ورقة مكتوبة، يتوقَّف النَّص في منتصف الورقة: 27 ليسجَّل في بقيَّتها وبعض الورقة الموالية عدد من السَّماعات.

وقد وقع ترقيمها من طرف الأستاذ البهلي النَّيَّال من 404-1-211 إلى 431.

وقد كتبت على الرّق، بخط مغربي، واضح نسبيًّا، لم يطرد فيه الإعجام. مقاسها: (5، 28 × 16. 5سم) .

عدد الأسطر غير قارّ ويتراوح بين: 25 سطرا و35 سطرا.

وفي هذا الجزء تشويش في كتابة النَّص خلافا لما عليه بقية الأجزاء الأخرى. فالناسخ لا يعود إلى السَّطر لكتابة العناوين، ويكتب أشباه العناوين حيث ينتهي به الكلام السَّابق، إلاّ في القليل النَّادر. لذلك كان الخطّ في هذا الجزء فيه شيء من التَّداخل.

ولا نجد تاريخ كتابة هذه القطعة، ولا اسم النَّاسخ. ونجد في الورقة الأخيرة منها سماعات، أرّخ بعضها سنة 370هـ، والبعض الآخر 371 هـ.

52

وهذا التَّاريخ قريب من الَّذي نراه على بعض نسخ تفسير يحيى بن سلاّم. فهنالك قطعة تحمل سماعا مؤرخا سنة 345هـ. وقد تمّ نسخها سنة 335هـ.

فهذا الجزء يجعلنا نميل إلى أن تكون كتابة هذا الجزء من التَّصاريف قد تمَّت حوالي منتصف القرن الرابع.

أما الجزء الثاني، فإنه يندرج تحت رقم: 159، ملف: 11.

به 32 ورقة، بعد حذف الكلمات المشتركة بينه وبين الجزء الأول. وقد رقَّمها الأستاذ البهلي النَّيَّال من 437 إلى 465.

وإن كنا نعلم بداية هذا الجزء - وهي كلمة "عدوان" - فلسنا نعلم على وجه التحديد آخر كلمة وردت فيه.

وقد كتب هذا الجزء بدوره على الرّقّ بخطّ مغربي، شديد الوضوح، إلاّ في أماكن معدودة.

مقاسه: (29. 5 × 17سم) .

عدد الأسطر يتراوح بين: 30 و33.

ويمتاز هذا الجزء بنظامه الجميل في كيفية تقديم النَّص إذ كتبت العناوين الكبرى وسط السَّطر، ويعود الكاتب إلى السَّطر، كلّ مرة، لتسجيل أشباه العناوين. كما جعل هامشا جانبيًّا يسجّل في الكلمة المدروسة مع معناها المذكور لها.

ونلاحظ أن الناسخ قد جعل في الهامش أيضا حرفا أو حرفين أمام العنوان الأصلي للكلمة المشروحة. مثال ذلك: ز، هـ، ج، ج ي، أي الخ.

وقد لاحظنا هذه الظاهرة في السجلّ القديم لمكتبة القيروان. ولعلَّها طريقة قديمة في الترقيم.

أما الجزء الرَّابع، فإن مخطوطته توجد في أوراق مبعثرة، بها نقص، قد سجلت تحت رقم: 169، وقد تم جبر ذلك النّقص بالاعتماد على صورة للمخطوط جلبت من القاهرة.

53

ويشتمل الجزء على 27 ورقة، قد ظهر ترقيم الأستاذ البهلي النَّيَّال لها في الورقة الأولى: 432 - 1 - 211، لكنه اختفى بعد ذلك إلاّ من بعض الورقات. وبهذه القطعة نقص أيضًا بآخرها، قد أتممته بالرجوع إلى صورة ميكروفلم بها تفسير ابن سلام.

كما أنَّ به خروما لا بأس بها أتلفت جزءا كبيرا من تفسير بعض الكلمات. وقد كتب هذا الجزء أيضا على الرّقّ، بنفس الخطّ، وعلى نفس النِّظام الَّذي سار عليه الجزء الثَّاني.

ويحمل هذا الجزء سماعات في أعلى الورقة الأولى، وهي غير واضحة، كما يحمل سماعات في الورقتين الأخيرتين منه، معظمها غير واضح.

الخط والرسم في قطع التصاريف

قد ذكرنا بأن الخط الذي كتبت به أجزاء التَّصاريف خط مغربي قديم، والخط المغربي القديم النشأة ظهر بمجرد استقرار المسلمين بالقيروان بعد فتح عقبة لها. وهو مشتق من الخط الكوفي القديم، ويمتاز الرسم في قطع التصاريف بعدم اطِّراد الإعجام فيها، خاصة منها الجزء الأوّل، الذي خلا أيضًا خلوًا كليًّا من الحركات، وقد نجد شيئا منها في الجزءين الثاني والرّابع.

وقد سلك الناسخ في رسم بعض الأحرف مسلكا خاصا، فهو يضع مثلا تحت حرف السين ثلاث نقاط أفقية للتنبيه على كونها ليست شينا. مثال بببفلوا، حبببر. لـ: سفلوا، خسر. وعوض أن يرسم الألف مقصورة في الكلمات التي أصلها ياء فإنَّهُ يجعلها في الغالب ألفا ممدودة.

كما أهمل الناسخ رسم الهمزة، خاصة في آخر الكلمة، ولم يتَّبع في كتاب الآيات الرسم التَّوفيقي.

وقد أرجعت رسم المخطوط إلى الكتابة المتعارفة لدينا دون أن أنبَّه إلى ذلك.

الإضافات في قطع التصاريف

هنالك ملاحظة ينبغي لفت الانتباه إليها لأهميَّتها. ذلك أن المتتبّع لأجزاء

54

التَّصاريف، يلاحظ في الجزءين الأول والثاني، نسبة الأقوال أحيانا إلى قائليها كالحسن، ومجاهد، ويحيى (يعني ابن سلاّم الجدّ) . ولا نجد ذلك في الجزء الرّابع إلا نادرا.

وإذا تتبعنا كيفية إيراد نسبة الأقوال إلى قائليها، نجدها تختلف بين الجزء الأوّل والثَّاني.

فقد وردت في الجزء الأوّل، مدرجة وسط النَّص، بنفس الخطْ الَّذي كتب به النص. بينما نجدها في الجزء الثَّاني، قد وردت على صورة إضافات في الهامش أو بين الأسطر، بخطّ وحبر يختلفان عن الذي نجده في النَّص.

نستنتج من هذا أن تلك الإضافات ليست من الأصل، وإنما قد تم إدخالها عليه. وربَّما كان ذلك اثناء إلقاء الشيخ للكتاب.

والذي يجعلنا نطمئن إلى هذا الاحتمال، وجود عبارة تدل على الموضع الذي منه يستأنف الدرس في الحصة الموالية. وهي: "غدا عرضنا من هنا". فإنّ خطَّها يشبه كثيرا الخط الذي كتبت به تلك الإضافات. وينبغي أن نشير إلى أنّ الذي قام بهذه الإضافات لا بدّ أنَّه كان ملمّا بتفسير يحيى الجدّ، للاتفاق الموجود بينهما وبين ما ورد فيه.

55

السماعات

يحمل الجزء الأوّل والجزء الرابع، عددا من السَّماعات. لكنّ الكتابة في هذه السماعات لم تكن دائما واضحة. فنتج عن ذلك عدم التوفيق إلى معرفة كل الأسماء المذكورة.

ويظهر أن الأشخاص المذكورين لم يكونوا أولي شهرة، إذ لم نعثر في كتب التراجم إلاّ على واحد منهم، ذكر في سماعات الجزء الرابع. وهو: أبو حفص عمرون بن محمد بن عمرون السّوسي (ت 395/1004) . ويبدو من نسبه ومن

56

الشيوخ الَّذين درس عليهم، أنَّه من سوسة. ولم يشر عياض إلى شيخ تفقّه به أبو حفص يكنى أبا زكرياء. وهو الشيخ الذي ورد اسمه في السَّماعات.

وقد عمّر أبو حفص طويلا إذ توفي وقد بلغ المائة سنة أو تجاوزها بأربع سنوات.

وذكر عياض أَنَّه كان فقيها، فاضلا، متوقِّفا عن الشبهات. ويظهر أنه جلس للتَّدريس.

وقد وقفت على قطعة من تفسير يحيى الجدّ برواية يحيى الحفيد، كان الملقي لها هو "أبو حفص عمرون بن محمد الفقيه" وذلك سنة 345هـ.

وإذا قارنَّا هذا التاريخ بتاريخ سماع ابي حفص للتَّصاريف، يعني سنة 371هـ. نجده قد ألقى التفسير وعمره حوالي 54 سنة، وسمع التَّصاريف وعمره حوالي 80 سنة.

ويبدو أن هذا ليس أمرا غريبا. فقد ذكر عياض أن أحد شيوخ أبي حفص وهو عبد الله بن أحمد بن ابراهيم بن اسحق، المعروف بالإبياني (أبو العباس) (ت352/963) قد استكمل حفظ القرآن وله سبعون سنة.

57