التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهتالجزء 1 · ص 58 - 66

تحليل كتاب التصاريف

تحليل كتاب التصاريف

يتكون كتاب التصاريف من فقرات، تحتوي كل فقرة منها:

- على كلمة قرآنية قد تناولها المؤلف بالتفسير عن طريق ذكر وجوهها، يعني معانيها التي وردت بها في القرآن.

- على مجموعة من الآيات وقع توزيعها باعتبار الوجوه المذكورة للَّفظ المدروس.

ففي الكتاب إذن تجميع للآيات المتحدة في مادة معينة، ثم توزيع لتلك الآيات على وجوه تلك المادة.

ويمكن أن تطرح في نطاق هذا الكتاب ثلاثة أسئلة:

1- على أيّ أساس وقع اختيار الألفاظ؟

2- كيف تم ترتيبها؟

3- ما هي طبيعة التفاسير التي فسرت بها؟

58

الأساس الذي وقع اختيار الألفاظ عليه:

لم يذكر ابن سلاّم الأساس الذي اختار على ضوئه الألفاظ المفسَّرة، وذلك لأنه لم يضع في أول تأليفه مقدّمة يوضّح فيها منهجه. لذلك يتعذّر على الباحث الوصول إلى القول الفصل في المسألة.

وقد سبق أن رأينا من بين الأسباب الداعية إلى التأليف في الوجوه والنَّظائر وجود كلمات يكثر ورودها في القرآن، فجمعها المؤلفون في هذا الفنّ، مبيّنين معانيها المختلفة التي استعملت بها في النصّ القرآني.

غير أن هذا السبب لا نراه كافيا ليعتبر أساسا لانتقاء الألفاظ في كتاب التصاريف لأنه لم يستوعب كلّ الكلمات التي هي من هذا النَّوع. والكتاب، وإن كان به نقص، فإننا نعتقد أنَّه قد وصلنا معظمه، وذلك بمقارنته بكتاب مقاتل الذي كان معاصرا لابن سلاّم، والذي يتفق معه ابن سلاّم في التَّصاريف، في أغلب ما أورده.

ولعلّ النظر في نوع الكلمات المفسَّرة يعين على حلّ المسألة. فالذي يلاحظه القارئ، أنّ أغلب الكلمات الواردة يسهل وضعها في إطاره مثل: الكفر، والهدى، والإيمان، والشِّرك فإنَّها كلمات تستعمل في ميدان العقيدة.

ومثل: الصيحة، والصّراط، والآخرة فإنَّها من علوم الآخرة.

ومثل: إمام، وفتنة، وعدوان، ووليّ فإنَّها من مشمولات الحقل الديني والحقل السياسي. وبتتبَّع هذه الكلمات وغيرها، نلاحظ أن الجانب الغالب عليها هو جانب أصول الدّين: العقيدة وما يتعلَّق بها.

فقد فسَّر ابن سلاّم كلمات الكفر، والشِّرك، والإيمان، والهدى، والضّلال وهي كما لا يخفى كلمات أساسيَّة للتعبير عن العقيدة.

ولم يكتف المؤلف بعقد فصل خاصّ لكلّ مصطلح منها، فقد ذكرها أيضًا باعتبارها وجها من أوجه كلمات عديدة أخرى وقع تفسيرها في الكتاب. فورد الشرك وجها لثلاث عشرة كلمة هي: هدى، إيمان، سوء، سيئة، فتنة، طهور، منكر وجها لثلاث عشرة كلمة هي: هدى، إيمان، سوء، سيئة، فتنة، طهور، منكر، ظلمات، ظالمين، ظلم، باطل، خاطئين وحنث.

وقد علَّق المؤلف على قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ بقوله: "يعني الذنب العظيم، وهو الشرك".

59

وورد الكفر وجها من أوجه كلمة هدى، وفتنة، وحرب وضلال.

وورد الإيمان وجها من أوجه كلمة مشي، ورحمة، وخير، وصلاح وكلام.

وإلى جانب هذه المصطلحات العقدية، تعرض ابن سلاّم إلى المصطلحات الدَّالَّة على مشمولات العقيدة.

فذكر القرآن والكتب في كلمات: رحمة، وفرقان، وذكر، وحكمة.

وتعرّض إلى الأعمال من طاعة وعصيان في كلمات: فساد، وسوء، وخيانة، ولباس، وقانتين ومطيعين.

وذكر اليوم الآخر وما يتعلق به في كلمات إمام، وصيحة، وأمر، وأرض ونشور، وكلام، وأجل وصراط.

إلى جانب هذا يجد الباحث في الكتاب، ما يذكره بمسائل كان الخوض فيها حثيثا في عصر ابن سلاّم، من ذلك: الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وهي من الأصول الاعتزالية، وتفسير: قضى وكتب، حيث أكَّد أن كلّ ما يقع إنما هو من الله، أو الإشارة إلى نفي رؤية الله في الدّنيا، وتأويل الوجه إلى معنى الله. وتتعلق المسألة الأخيرة بالمتشابه من الصّفات في القرآن.

بحيث يمكن للباحث أن يتبيَّن عموما الاتجاه السنّي الذي درج عليه المؤلف في هذا الكتاب، ولا تستوقفه أية إشارة يتبين من خلالها التهمة الَّتي ألصقت به في نسبة الإرجاء إليه. وربَّما رأينا عكس ما يثبتها إذ نراه يؤكد على قيمة الأعمال كلما سنحت له الفرصة بذلك.

وليس من الغريب أن يتعيَّن اهتمام ابن سلاّم بالجانب الأصولي في انتقاء الكلمات. فالعصر الذي ظهر فيه، والبلاد التي نشأ فيها، يفسران وجهته تلك.

فقد نشأ ابن سلام في عصر كانت للعقيدة فيه المكانة المرموقة. فهو عصر تبلورت فيه المذاهب الكلامية، وتحمَّست كلّ فرقة فيه لما رأته.

كما أنه نشأ بالبصرة، ذلك البلد الذي التقى فيه الخارجي بالشيعي، وصاحب الأرجاء بالمعتزلي، للخوض في مسائل عقدية معلومة، كمسألة الكفر والإيمان، ومرتكب الكبيرة، وخلق القرآن والصّفات. وقد قال يحيى بن سلاّم حين سئل بالقيروان "ما أدركت النَّاس يقولون في الإيمان؟ " فأجاب: "أدركت مالكا وسفيان

60

الثوري وغيرهم يقولون: الإيمان قول وعمل، وأدركت مالك بن مغول، وقطن ابن خليفة وعمر بن ذر يقولون: الإيمان قول".

لكن الذي ينبغي ملاحظته في رأيي، هو أن النَّاظر في كتاب التصاريف لا يشعر بحرص المؤلف على نقل ما كان يدور بين هؤلاء وهؤلاء في تلك المسائل. فلا يفسّر الكلمة إلاّ بقول واحد، كما أنه لا يتعمَّق في شروحه. وغايته القصوى، بيان الاستعمال القرآني للألفاظ.

أوّل ملاحظة نبديها بالنسبة لهذه المسألة الاتفاق في ترتيب مجموعات من الكلمات بين كتاب التصاريف وكتاب الأشباه والنظائر لمقاتل بن سليمان. وقد أشرنا إلى هذه الملاحظة في موضع سابق.

ولم يتمّ ترتيب الكلمات في الكتابين على الأحرف الهجائية ولا حسب المحاور.

وقد لاحظت بالنسبة للجزء الأوّل، أن ابن سلاّم كان يبدأ دائما في ذكر النظائر بسورة البقرة، ولا يشذ عن ذلك إلا في شرح بعض الكلمات. كما لاحظت أنه قد تدرج بآياتها، من الآية الثالثة، وهي الآية التي وردت فيها كلمة هدى، أوّل ما جاء في الكتاب من الكلمات، إلى أن وصل إلى الآيات الأخيرة منها. ولم تتخلف هذه الطريقة في الجزء الأول إلا في القليل.

يستنتج من هذه الملاحظة أن ترتيب الكلمات في هذا الجزء ناتج عن أسبقية ورود الكلمة في المصحف. فكلمة "هدًى"، وردت في الآية الثالثة من سورة البقرة، لذلك جاءت قبل كلمة "الكفر" المذكورة في الآية السادسة. ثم وردت كلمة "المرض"، وهي في الآية العاشرة. وكلمة "الفساد"، وهي في الآية الحادية عشر. و"المشي"، وهي في الآية العشرين. الخ ... .

وهذا الترتيب شبيه بالذي جاء عليه كتاب لغات القرآن المرويّ عن ابن عباس. فإنه مرتب على السور، وقد استعرض راويه مجموعة من الكلمات، فأورد كل واحدة منها في آية أو بعض الآية، مثلما فعل ابن سلاّم في كتاب التصاريف، ثم شرحها. وعقَّب على ذلك باسم القبيلة التي تستعمل فيها الكلمة بذلك المعنى المذكور. مثال

61

ذلك: سورة البقرة، قال الله عز وجل: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء﴾ والسفيه الجاهل بلغة كنانة. وقوله: ﴿رَغَدًا﴾ [البقرة: 35] يعني الخصب بلغة طيء. الخ. وإلى جانب هذه الملاحظة الأولى، تبينت ملاحظة ثانية، وهي أنّ تسلسل بعض الكلمات ناتج عن انتمائها لنفس المحور، كتسلسل كلمات: "الكفر"، و"الشرك" و"الإيمان"، وثلاثتها كان الاستشهاد الأوّل فيها من سور مختلفة. وكذلك تسلسل كلمات: "سوء"، "الحسنة" و"السَّيِّئة" و"الحسنى".

لكن ملاحظتينا لا تطَّردان في بقية الأجزاء من الكتاب، لذلك لا نجزم بهما، إلاّ أن يكون قد دخل تغيير على ترتيب تلك الأجزاء وهو الأقرب إلى المعقول إذ تصور الشيخ الملقي لكتاب في الوجوه والنظائر يستعرض الكلمات في ترتيب تنازليّ للمصحف مُبيِّنًا لكلّ آية ذُكرت فيها الكلمةُ لأوّل مرّة نظائرها في بقية السور الأخرى. هذه الإجابة لا تعدو أن تكون احتمالا نظرا لانعدام المستندات التي يمكن الاعتماد عليها بصفة يقينية.

طبيعة التفسير في كتاب التصاريف:

لقد سبق أن أشرنا إلى اتفاق كتاب التصاريف في المعاني التى ذكرها للكلمات مع كتاب التفسير ليحيى بن سلام. وهذا الكتاب، الذي نعُدّه اليوم أقدم تفسير تناول القرآن كاملا بالشرح، إذ هو من القرن الثاني للهجرة، يعتبر تفسيرا بالمنقول في عمومه. فقد اختص ابن سلاّم بكثرة مروياته عن عدد كبير من الذين التقى بهم في حياته، كما روى عمَّن لم يلتق بهم مباشرة؛ مثلما فعل مع الحسن البصري، إذ أنَّه أخذ عن تلاميذه.

فالتفاسير طُبعت في كتاب التَّصاريف بطابع الرواية. يؤيد ذلك ما أشرنا إليه من اتفاق الكتاب مع كتاب التفسير، كما يؤيده ظهور أسماء بعض الرواة فيه مثل: مجاهد، والحسن، وابن عباس، والكلبي وغيرهم.

62

ويقتصر ابن سلاّم عند شرح الكلمة في الغالب على الشرح اللّغوي والشرح القرآني يقدمها في إيجاز. فكلمة "هدى" تعني البيان، ودين الإسلام، والدعاء والمعرفة الخ ... . وكلمة "توحيد" تعني الإقرار باللسان، والتصديق، والتوحيد الخ ...

وهكذا بالنسبة لكل الكلمات الواردة في الكتاب.

لكن هذا لا يمنع أن يجد الباحث في كتاب التصاريف أيضا تعرّضا لذكر أسباب النزول، أو لذكر القراءات، أو لذكر المكي والمدني من الآيات. غير أنّ ذلك لم يرد فيه بكثرة.

فبالرجوع إلى ما ذكرنا يصحّ أن نعتبر كتاب التصاريف كتاب تفسير، إذ يصدق عليه تعريف كلمة التفسير بأنه بيان اللَّفظ عن طريق القرآن، أو عن طريق السَّماع والرواية. مع ملاحظة أنَّه يختلف عن كتب التفسير المعهودة في كيفية تقديم مادّته لأنه يرمي إلى غايتين معلومتين: الشرح والجمع.

ويجوز أن نتساءل، هل يوجد في الكتاب تأويل إلى جانب التَّفسير لما نعلمه من علاقة بين المصطلحين؟

فإن كان بعض العلماء قد وحَّد بين الكلمتين فإن البعض الآخر قد جعلهما مختلفتين، وقد عرّف بعضهم التفسير بأنه: "بيان لفظ لا يحتمل إلاّ وجها واحدا، والتَّأويل توجيه لفظ متوجّه إلى معان مختلفة إلى واحد منها، بما ظهر من الأدلة". وأضاف الأصبهاني: "وأما التأويل فإنَّه يستعمل مرّة عاما، ومرة خاصا، نحو الكفر المستعمل تارة في الجحود المطلق، وتارة في جحود الباري عز وجل خاصّة ... وإما في لفظ مشترك بين معان مختلفة، نحو لفظ وجد المستعمل في الجِدة، والوجد والوجود".

على هذا الأساس يعتبر كتاب التصاريف مشتملًا على التأويل مثلما هو كتاب تفسير. فهو كتاب تفسير بما فيه من الرواية، وهو كتاب تأويل أيضا بتوجيه اللَّفظ إلى المعنى المقصود دون غيره من المعاني المشتركة.

لكن ينبغي أن لا نغفل عن ملاحظة هامَّة. وهي أن التَّوجيه المقصود في التَّعريف المذكور موكول إلى الاجتهاد، ما دامت هنالك أدلَّة يتصرّف فيها المفسر، ويرجّح على ضوئها المعنى المقصود؛ فالمؤوّل يستنبط المعنى استنباطا.

63

أمَّا في التصاريف فلا أعتقد أنّ فيه من التأويل بهذا المعنى شيئا، لأنه كما سبق أن قدّمنا كتاب مبنيّ على الرّواية أساسا. والوجوه المذكورة للَّفظ الواحد إنَّما أخذها ابن سلاّم عمَّن روى عنهم. وهي راجعة على ما يبدو، إمَّا إلى اختلاف اللَّهجات العربية، والقرآن لم يخل من تلك اللَّهجات، أو إلى نتيجة تطوّر الكلمة في بيئة معيَّنة، من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، وهذا ما يفسّر الاتفاق الملاحظ بين كتاب مقاتل وكتاب ابن سلام في الوجوه القرآنية، وكذلك اتفاق التصاريف مع كتب التفسير بالمأثور كالطبري، وكتب اللّغة كلسان العرب.

ما تمتاز به كتب الوجوه والنظائر

إن كان يوجد هذا الاتفاق بين كتاب التصاريف الذي هو في فنّ الوجوه والنظائر القرآنية، وبين كتب التفسير بالمأثور وكتب اللغة، فما هي فائدة كتب الوجوه والنظائر؟

لعل ذلك يبدو في أنه يوجد فيها ما لا يوجد في التَّفسير إلاّ نادرا. ذلك أنّ الباحث يظفر في تلك التآليف بتجميع الآيات المتحدة المعنى في مكان واحد. وهذا أمر هام، لأنه من ناحية شرح للقرآن بالقرآن، وهو كما نعلم أوّل أنواع التَّفاسير وأسماها.

وتظهر أهميته من ناحية أخرى لمن أراد الإحاطة بالمعاني القرآنية المتحدة في نظرة عضوية متكاملة، خاصّة وأن الفترة الَّتي ألَّف فيها كتاب التصاريف لم تكن المعاجم اللّغوية، أو المعجمات العامة، قد ظهرت فيها بعد. فاللّغة لم تزل مفرّقة في الصّدور، يأخذها الناس مشافهة، ويتناقلونها عن طريق الرواية. وأوّل معجم عام ظهورا هو كتاب العين للخليل بن أحمد، من رجال القرن الثاني.

لكتب الوجوه والنظائر إذن أهمية أتتْها خاصة من المنهج الذي سارت عليه في تقديم مادّتها. فهو يسهّل على النَّاظر فيها استيعاب ما ورد فيها بسرعة وبوضوح.

قيمة كتاب التصاريف

لكتاب التصاريف قيمة مزدوجة: تاريخية وفنية.

فهو يعتبر من الناحية التاريخية، إلى جانب كتاب مقاتل، من أقدم ما وصلنا من

64

آثار القرن الثاني، وذلك هام بالنسبة لدراسة نشأة تفسير القرآن، خاصّة وأنّ الكتاب معزّز بوجود كتاب التفسير لابن سلاّم ذاته، فبطل بذلك قول من جعل كتاب الطبري أقدم أثر وصلنا في تفسير القرآن كاملا.

وما دام ابن سلاّم قد تأخَّر في التاريخ عن مقاتل إذ توفي ابن سلام سنة (200/815) وتوفي مقاتل سنة (150/767) فإن اتفاق كتابه مع أغلب كتاب مقاتل طريق لتوثيقه. فنُبعد بذلك عن مقاتل ما رمي به من الكذب، في هذا الكتاب على الأقلّ، ونزيد اطمئنانا لما ورد في كتاب التصاريف، وبالتَّالي لكلّ ما وصلنا من كتب ابن سلاّم.

أمّا من الناحية الفنية فإنّ كتاب التصاريف هام، لأنَّه طرق موضوعا من أقدم المواضيع التي وقع تناول النَّص القرآني بها. والغريب ان ابن النَّديم لم يخصص فقرة للحديث عن كتب الوجوه والنظائر، وقد أشار إلى عدة تآليف تتعلَّق بمواضيع قرآنية مختلفة كلغات القرآن، وغريب القرآن والتفسير الخ ...

وقد ذكّرنا قبل حين بأهمية موضوع هذا العلم فيما يتعلق بدراسة القرآن، دراسة لغوية من جهة، إذ هو يعمد إلى شرح الكلمات شرحا لغويا، ودراسة معجمية من جهة أخرى إذ هو يعمد إلى تجميع الآيات النظائر يعني المتفقة في اللَّفظ والمعنى. فهو خطوة أولى لوضع المعاجم تتطلب من صاحبها يقظة ذهن ومعرفة دقيقة بالقرآن وباللّغة معا.

وممَّا يدل على أهمية كتب هذا الفن أنَّه قد استمرَّ وجودها ولم يقْض عليها ظهورُ المعاجم اللّغوية. والسَّبب في ذلك أنَّه رغم اتفاق المعاجم اللّغوية مع كتب الوجوه والنظائر في أغلب المعاني الموجودة فيها، فإن هذه الكتب طغت عليها الصّبغة القرآنية. فربَّما وجدنا فيها معاني لا تتعرّض إليها كتب اللّغة، لأنَّها قرآنية محضة. نذكر على سبيل المثال تفسير كلمة: "الناس" التي جعل لها ابن سلاّم أحد عشر وجها، لم يذكر منها ابن منظور سوى وجه واحد. وكذلك كلمة "المشي".

وربما كان هذا هو الذي أكسب كتب الوجوه والنظائر خصوصيتها، وإن شئت قلت: انعزاليتها، إذ لم نعثر في كتب التفسير أو في غيرها من كتب الدراسات

65

القرآنية واللغوية على من اعتمد هذا النَّوع من الكتب. فبقيت كتب هذا الفنّ كتب اختصاص، يقصدها من أراد تحقيق غاية معيَّنة وهي الإلمام بمعاني الكلمات القرآنية، في نسقها القرآني، واستحضار نظائرها بسرعة، فيعين ذلك حفَّاظ القرآن على امتلاكه لفظا ومعنى، مثلما امتلكوا المتشابه من لظفه مثلا عن طريق تجميع الآيات المتشابهة في مكان واحد.

وهذا ولا شكّ له أهميته في حفظ نوع معيَّن من التفسير، هو التفسير بالمأثور، ولكن يوجد إلى جانب ذلك في هذه الكتب شيء من السلبية إذ أنّ هذا النَّوع من التأليف يعتبر عاملا يقيّد الأفهام ويشدها إلى تلك المعاني المأثورة فيتحجَّر بذلك النَّص وتتضاءل فرص الإفادة منه.

ودليلنا على ذلك ما وجدنا في كتب الوجوه والنظائر ذاتها على مرّ العصور. فهي هي هي، لم تغيّر من معانيها إلا في القليل الذي لا يكاد يذكر. فمطالعة أقدم أثر في هذا الفنّ وأعني بذلك كتاب مقاتل وكتاب ابن سلاّم وكلاهما من القرن الثاني، تغني عن مطالعة أحدث ما وصلنا فيه وأعني بذلك كتاب ابن العماد الذي ظهر في القرن التاسع.

ولا أعتقد أنّ ملاحظة P. Nwyia صائبة عندما اعتبر مقاتل بن سليمان قد نظر إلى النص القرآني في كتاب الوجوه نظرة تركيبية شاملة. ذلك لأن ما لاحظناه من تشابه كبير بين كتاب مقاتل وكتاب ابن سلاّم، يدلّ على أنّ كتاب مقاتل مبنيّ على الرّواية وليس على الاجتهاد الفردي. أضف إلى ذلك أنّ التفاسير المذكورة في الكتاب، بالاستناد إلى ما جاء في كتاب ابن سلاّم، لم تُرو عن مفسّر واحد. فكيف يصحّ القول بالنظرة التركيبيَّة بهذا الاعتبار؟

إن هذا الذي ذكرناه يطرح المشكلة الكلاسيكية المعروفة من جديد: هل ينبغي أن نتقيَّد في التَّفسير بما أثر عن الأوائل، أو ينبغي أن نجتهد فيه الرأي؟ وبعبارة أخرى: هل ينبغي أن نقتصر في فهمنا للقرآن على المنهج الأثري، اللّغوي ونُغفل ما وصل إليه الباحثون، خاصّة فيما يتعلَّق بتطوّر المفاهيم اللّغوية ونمُوّها عبر العصور؟

66