سنن سعيد بن منصورالمقدمة · ص 17 - 35

المبحث الأول التعريف بالمؤلف (1 من 6)

المبحث الأول التعريف بالمؤلف

المبحث الأول

التعريف بالمؤلف (^1)

  • (^1) مصادر ترجمته هي: الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد (5/ 502)، ومعرفة الرجال لابن معين (رواية ابن محرز) (1/ 101 رقم 444)، والتاريخ الكبير للبخاري (3/ 516 رقم 1722)، والكنى لمسلم (ص 73)، والمعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان (انظر فهرسه والمواضع المحال عليها هنا)، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي (انظر فهرسه والمواضع المحال عليها هنا)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (4/ 68 رقم 284)، والثقات لاين حبان (8/ 268 - 269)، وتاريخ مولد العلماء ووفياتهم لابن زَبْر الرَّبَعي (2/ 499 و501)، ورجال صحيح البخاري المسمى: (الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد) للكَلابَاذِي (1/ 295 - 296 رقم 407)، ورجال مسلم لابن مَنْجُوْيَهْ (1/ 249 رقم 536)، و: (تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن سعيد بن منصور عاليًا) لأبي نعيم الأصبهاني (ص 26)، والإرشاد للخليلي (1/ 231 رقم 60)، والمتفق والمفترق للخطيب البغدادي (ل 109 - 110)، والتعديل والجرح لأبي الوليد الباجي (3/ 1087 رقم 1276)، والجمع بين رجال الصحيحين لابن القيسراني (1/ 170)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (1/ 78، 168) و(3/ 200، 240)، والمعجم المشتمل (ص 129 رقم 375)، وتاريخ دمشق كلاهما لابن عساكر (7/ 354 - 357، مخطوط الظاهرية) ومختصره لابن منظور (10/ 12 - 13 رقم 8) وتهذيبه لابن بدران (6/ 177)، والتقييد لابن نقطة (2/ 17 - 18)، ومعجم البلدان لياقوت (1/ 420، 425)، و(2/ 367)، و(3/ 230)، والعلم المشهور لابن دحية الكلبي (ص 161 و162)، وتهذيب الكمال للمزي (11/ 77 - 82 رقم 2361)، وسير أعلام النبلاء (10/ 586 - 590)، وتاريخ الإسلام (ص 184 - 186 / وفيات 221 - 230)، وتذكرة الحفاظ (2/ 416)، ودول الإسلام (1/ 137)، والعبر (1/ 399)، وميزان الاعتدال (2/ 159 رقم 3277)، والكاشف (1/ 373 رقم 1982)، وذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (ص 169 رقم 128) جميعها للذهبي، والوافي بالوفيات للصَّفَدي (15/ 263 رقم 370)، والبداية والنهاية لابن كثير (10/ 299)، وإكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (ل 98 / ب - 99 / ب)، والعقد الثمين للفاسي (4/ 586 - 587) وتهذيب التهذيب (4/ 89 - 90 رقم 148)، وتقريب التهذيب (ص 241 رقم 2399) كلاهما لابن حجر، وطبقات الحفاظ للسيوطي (ص 179، رقم 403)، وبحر الدم =
17

1 - بيئته وعصره: -

ولد سعيد بن منصور- كما سيأتي- قبل سنة سبع وثلاثين ومائة، أو بعدها بيسير، وتوفي في سنة سبع وعشرين ومائتين، فهو إذًا عاش في الفترة التي نشأت فيها الدولة العباسية إلى أن بلغت أوْجَ قوَّتها، وكان يقال: (لبني العباس فاتحة وواسطة وخاتمة. فالفاتحة السَّفَّاح، والواسطة المأمون، والخاتمة المُعْتَضِد) (^1).

فنشأة الدولة العباسية كانت في سنة اثنتين وثلاثين ومائة (132 هـ) على أنقاض الدولة الأموية، وكان هذا قريبًا من ولادة سعيد بن منصور الذي عاش بداية حياته في خراسان مُنْطَلَقِ الدعوة العباسية ومحطّ قوَّتها بقيادة أبي مسلم الخراساني الذي أَبْلَى مع العباسيين بلاءً كان عاقبته القتل من قبل ثاني خلفاء بني العباس: أبي جعفر المنصور؛ بعد أن أحسّ بخطر أبي مسلم الخراساني على دولتهم.

عاش سعيد هذه الحياة الطويلة التي تزيد على تسعين عامًا، وعايش فيها أحداثًا كثيرة، سأتناول الحديث عنها بإيجاز، مقسَّمًا على

  • = ليوسف بن عبد الهادي (ص 178 رقم 370)، وخلاصة تذهيب الكمال للخزرجي (ص 143)، وشذرات الذهب لابن العماد (2/ 62)، والرسالة المستطرفة للكتّاني (ص 34)، والفكر السامي للفاسي (2/ 73 رقم 268)، ومعجم المؤلفين لعمر كحالة (4/ 232).
    (^1) تاريخ الخلفاء (ص 490).
    والمعتضد هو الخليفة العباسي أبو العباس أحمد بن الموفق بالله طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد. ولد في سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وتولّى الخلافة سنة تسع وسبعين ومائتين، وتوفي سنة تسع وثمانين ومائتين، قال الذهبي في وصفه: (وكان ملكًا مهيبًا شجاعًا كامل العقل ذا سياسة عظيمة، وفي دولته سكنت الفتن، وأسقط المَكْسَ، ونشر العدل، وقلل من الظلم، وكان يُسَمَّى السَّفّاح الثاني، أحيا رميم الخلافة التي ضعفت من مقتل المتوكل) اهـ بتصرف من سير أعلام النبلاء (13/ 463 - 479).
    وأما السَّفَّاح والمأمون فسيأتي الحديث عنهما.
18

عناوين ثلاثة: الحالة السياسية، والحالة الفكرية، والحالة العلمية.

أ - الحالة السياسية:

كانت الحالة السياسية في بداية حياة المؤلف (سعيد بن منصور) تشهد فتنًا وقلاقل بسبب قيام الدولة العباسية التي وجدت مناهضين لها، شأنها في ذلك شأن أي دولة تنهض من مرحلة الضعف، فتكون عرضة لأطماع الطامعين، فإذا قُدِّر لها أن تقوى شوكتُها، ويصلب عودُها استطاعت أن ترسِّخ دعائم سلطانها، وتبسط نفوذها، وتبطش بأعدائها، وهذا ما حصل للدولة العباسية. فإنها قامت في سنة (132 هـ) على يد أبي العباس السَّفَّاح عبد الله ويقال: المرتضى، ويقال: القاسم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب أوّل الخلفاء العباسيين الذي أخذ يطارد فُلُولَ الأمويين، إلى أن استقرّ له الأمر بعد مقتل آخر خلفاء بني أمية: مروان بن محمد. ثم أخذ أبو العباس يبسط نفوذه على البلاد والأقاليم، إلا أن كثيرًا من الأقاليم كانت تنشقّ عنه بعد أن تكون أعطته البيعة، مثل قنسرين، ودمشق، وحمص، والجزيرة، وقرقيسيا، والرَّقَّة، وغيرها كثير (^1).

كما أن هناك من قام بالخروج عليه، والتحم معه في قتال، مثل بسام بن إبراهيم، والخوارج، وشريك المهري ببخارى، وزياد بن صالح من وراء نهر بَلْخ (^2).

ولم تدم الحياة طويلًا بالسفاح، فإنه ما لبث أن توفي في سنة ست وثلاثين ومائة (136 هـ). ثم تولّى بعده أخوه أبو جعفر المنصور عبد الله بن محمد الذي استقبل تصدُّعًا في أجزاء دولته استطاع بدهائه رَأْبَه. فأول ذلك: حينما جاءه خبر وفاة أخيه أبي العباس، كان في الطريق

  • (^1) انظر تفاصيل ذلك في البداية والنهاية (10/ 52 - 57).
    (^2) المرجع السابق.
19

عائدًا من الحج، فتعجل حتى أتى العراق، فأُخذت له البيعة من أهل العراق وخراسان وسائر البلاد، سوى الشام، فإنه خرج بها عمُّه عبد الله بن علي مدَّعيًا أن السَّفَّاح كان عهد إليه بالخلافة، فأرسل إليه أبو جعفر أبا مسلم الخراساني الذي استطاع أن يوقع به الهزيمة بعد حروب يطول ذكرها، كان من نتيجتها أن هرب عبد الله بن علي إلى أخيه سليمان بن علي في البصرة، فاختفى عنده، فعلم به المنصور، فأخذه، ويقال إنه سجنه في بيت بَنَى أساسه على الملح، ثم أطلق عليه الماء، فذاب الملح، وسقط البيت على عبد الله بن علي، فمات.

ثم أحس أبو جعفر بعد ذلك باستفحال أمر أبي مسلم واستخفافه به واحتقاره له، فأوجس منه خيفة، فسعى في إهلاكه، فما زال به يستدرجه ويَعِدُهُ ويُمَنِّيه، إلى أن أقدمه عليه، فلما تمكَّن منه، أخذ يعاتبه على ما بدر منه، وأبو مسلم يعتذر، وكان أبو جعفر أمر بعض حرسه وقال لهم: كونوا من وراء الرُّواق، فإذا صَفَّقت بيدي، فاخرجوا عليه فاقتلوه، فخرجوا عليه فقتلوه، فيقال: إن المنصور أنشد عند ذلك:

فَأَلْقَتْ عَصَاها واسْتَقَرَّ بها النَّوَىكما قَرَّ عَيْنًا بالإِيَابِ المسافِرُ

وشهد عصر المنصور بعد ذلك فتنًا وقلاقل كثيرة، من أهمِّها:

خروج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وأخيه إبراهيم بن عبد الله في المدينة والبصرة، وبعد معارك ضارية استطاع المنصور إخماد هذه الفتنة بعد مقتل محمد وأخيه إبراهيم.

وبدأت الأمور تستقرّ للمنصور، فشرع في تطوير مملكته، فبنى مدينة بغداد (^1)، وجعلها دار مملكته، وبنى مدنًا أخرى، وهدأت الفتن والحروب، وتوجه للإصلاح الداخلي، ويعتبر أبو جعفر بحق الخليفة

  • (^1) انظر تفاصيل بنائها في البداية والنهاية (10/ 96 - 103).
20

الذي أرسى دعائم الدولة العباسية. وبعد هذه المدة التي عاشها في الحكم منذ سنة ست وثلاثين ومائة، أدركت أبا جعفر الوفاة في سنة ثمان وخمسين ومائة (158 هـ) بعد أن عهد بالخلافة لابنه محمد المهدي، ومن بعده لعيسى بن موسُى (^1)، إلا أن المهدي لما تولّى الخلافة، أَلَحَّ على عيسى أن يخلع نفسه ويتنازل عن الخلافة للهادي، فامتنع، ثم أجاب بعد ترغيب وترهيب ووعد ووعيد من المهدي له يطول ذكره (^2).

وكان المهدي أتى للخلافة والأمور مستقرّة، فكان عصره بداية عصر ازدهار الدولة العباسية، لذلك نجده أول من عمل البريد من الحجاز إلى العراق (^3)، وأمر بعمارة طريق مكة، فبنى بها القصور، وحَفَرَ الآبار، وعمل المصانع والبِرَكَ، حتى صارت طريق الحجاز من العراق من أرفق الطرقات وآمنها وأطيبها (^4). ونجده أول خليفة حمل له الثَّلْجُ إلى مكة (^5). وفي سنة سبع وستين ومائة أمر بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام، وأدخل في ذلك دورًا كثيرة (^6).

وقد شهد عصره شيئًا من الاضطراب (^7)، لكنه لا يداني ما

  • (^1) هو عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ابن أخ أبي جعفر، وكان فارس بني العباس، وسَيْفَهم المسلول، جعله السَّفّاح ولي العهد بعد المنصور، فتحيَّل عليه المنصور بكل ممكن حتى أخّره وقدّم عليه المهدي، فيقال: بذل له بعد الرغبة والرهبة عشرة آلاف ألف درهم. انظر سير أعلام النبلاء (7/ 434 - 435).
    (^2) انظر البداية والنهاية (10/ 130، 131).
    (^3) تاريخ الخلفاء (ص 437).
    (^4) انظر البداية والنهاية (10/ 133)، وتاريخ الخلفاء (ص 436).
    (^5) كما في البداية (10/ 132)، ويقول الذهبي: (لم يتهيّأ ذلك لملك قط) كما في تاريخ الخلفاء (ص 436).
    (^6) تاريخ الخلفاء (ص 436).
    (^7) انظر البداية والنهاية (10/ 133، 135، 145).
21

حصل في عصر والده.

كما أن عصره كان عصر فتوحات في بلاد الروم وجهة جُرْجَان (^1).

وكان رحمه الله سَمْحَ الخلق، محبًّا للسنة، معظِّمًا لحُرُمات الله، حسن الاعتقاد، مبغضًا للزنادقة.

كان يصلي بالناس الصلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها، فأقيمت الصلاة يومًا، فقال أعرابي: لستُ على طُهْرٍ، وقد رغبت في الصلاة خلفك، فَأْمُرْ هولاء بانتظاري، فقال: انتظروه، ودخل المحراب، فوقف إلى أن قيل: قد جاء الرجل، فكبَّر، فعجب الناس من سماحة أخلاقه (^2). وأصدر أمره بترك المقاصير التي في جوامع الإسلام، وقصّر المنابر، وصيّرها على مقدار منبر رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (^3).

وكان إذا عرضت قضيّة، واستُدِلَّ لها بحديث، وَثَبَ عند ذكر النَّبِيِّ - ﷺ - حتى يُلْصِقَ خَدَّهُ بالتراب ويقول: سمعت لما قال وأطعت (^4).

وهاجت ريح سوداء ذات مرّة حتى خافوا أن تكون القيامة قد قامت، فطلبه أحد حُجَّابه، فلم يجده في الإيوان، فإذا هو في بيت ساجد على التراب يقول: اللهم لا تُشْمت بنا أعداءنا من الأمم، ولا تفجع بنا نبيّنا، اللهم إن كنت أخذتَ العامة بذنبي، فهذه ناصيتي بيدك، فما أتمّ كلامه حتى انْجلتْ (^5).

  • (^1) انظر البداية والنهاية (10/ 146 - 150).
    (^2) تاريخ الخلفاء (ص 442).
    (^3) المرجع السابق (ص 436).
    (^4) السابق أيضًا (ص 442).
    (^5) سير أعلام النبلاء (7/ 402، 403).
22

ويقول الذهبي عنه: (كان غارقًا- كنحوه من الملوك- في بحر اللذات، واللهو والصيد، ولكنه خائف من الله، معادٍ لأولي الضلالة، حَنِقٌ عليهم) (^1).

وهذا الذي ذكره الذهبي من معاداة المهدي لأولي الضلالة وحَنَقِهِ عليهم، دليل على حسن اعتقاده الذي أشار إليه السيوطي بقوله: (كان المهدي جوادًا ممدَّحًا، مليح الشكل، محبّبًا إلى الرّعيّة، حسن الاعتقاد، تتبع الزنادقة، وأفنى منهم خلقًا كثيرًا، وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرَّدّ على الزنادقة والملحدين) (^2).

ويصفه الذهبي بأنه كان قصّابًا في الزنادقة، باحثًا عنهم (^3).

والسبب في حرص المهدي على تتبع الزنادقة: أن الزندقة قد نشطت في ذلك العهد، مما اضطر المهدي في سنة ست وستين ومائة وفيما بعدها إلى أن يجدّ في تتبع الزنادقة وإبادتهم والبحث عنهم في الآفاق والقتل على التهمة (^4)، بل أنشأ ديوانًا خاصًا للبحث عن الزنادقة، والتفتيش عنهم، ومحاكمتهم، وعهد به إلى رجل أطلق عليه اسم: (صاحب الزنادقة)، كما أمر بوضع الكتب للرد عليهم ومناظرتهم، فإذا لم تُجْدِ هذه الوسائل كان يلجأ إلى العنف، فيسرف في قتل الملحدين (^5)، وتابعه على هذه السياسة ابنه الهادي الذي جَدّ

  • (^1) سير أعلام النبلاء (7/ 402، 403).
    (^2) تاريخ الخلفاء (ص 434).
    (^3) سير أعلام النبلاء (7/ 401).
    (^4) تاريخ الخلفاء (ص 437).
    (^5) وصفه السيوطي كما سبق بأنه كان يقتل على التهمة، وإليك هذه القصة التي تحكي تعامله مع من اتهم بالزندقة:-
    رفع له ذات مرة صالح بن عبد القدوس البصري في الزندقة، فأراد قتله، فقال: =
23

في القضاء عليهم (^1) بعد وفاة أبيه في سنة تسع وستين ومائة (169 هـ)، حيث تولى الخلافة بعده، وعمل بوصية أبيه الذي أوصاه بقتل الزنادقة، واقتدى به في ذلك، وشرع في تَطَلُّبهم من الآفاق، وَجَدَّ في ذلك، فقتل منهم خلقًا كثيرًا (^2).

وكان موسى الهادي لما تولى الخلافة عزم على خلع أخيه هارون الرشيد من ولاية العهد بعده، والعهد بها لابنه جعفر كما صنع أبوه بعيسى بن موسى، فانقاد هارون لذلك ولم يظهر منازعة، واستدعى الهادي جماعة من الأمراء، فأجابوه لذلك، وأَبَتْ أُمُّهما الخيزران، وكانت تميل إلى ابنها هارون أكثر من موسى، فأَلَحَّ الهادي على أخيه هارون في الخلع، واستشار يحيى بن خالد بن بَرْمَك، فقال له: ماذا ترى فيما أريد من خلع هارون وتولية ابني جعفر؟ فقال: إني أخشى أن تهون الأيمان على الناس، ولكن المصلحة تقتضي أن تجعل جعفرًا وليَّ العهد من بعد هارون، وأيضًا فإني أخشى أن لا يجيب أكثر الناس إلى البيعة لجعفر، لأنه دون البلوغ، فيتفاقم الأمر ويختلف الناس، فعدل الهادي عن رأيه، ولم يلبث إلا يسيرًا حتى توفي في سنة سبعين ومائة (170 هـ) (^3)، وتولَّى الخلافة بعده أخوه هارون الرشيد،

  • = أتوب إلى الله، وأنشده لنفسه:
    ما يبلغ الأعداء من جاهل … ما يبلغ الجاهل من نفسِهِ
    والشيخ لا يترك أخلاقه … حتى يُوَارَى في ثرى رَمْسِهِ
    فصرفه المهدي، فلما قرب من الخروج، ردَّه، فقال: ألم تقل: والشيخ لا يترك أخلاقه؟ قال: بلى قال: فكذلك أنت، لا تدع أخلاقك حتى تموت، ثم أمر بقتله.
    انظر تاريخ الخلفاء (ص 438 - 439).
    (^1) الشعوبية وأثرها الاجتماعي والسياسي في الحياة الإسلامية في العصر العباسي الأول (ص 132).
    (^2) البداية والنهاية (10/ 157)، وتاريخ الخلفاء (ص 446).
    (^3) البداية والنهاية (10/ 158).
24

وكان عمره إذ ذاك ثنتين وعشرين سنة، فبعث إلى يحيى بن خالد بن بَرْمَك، وولاه الوزارة، وتمكَّن عنده (^1).

وكان هارون من أَمْيَزِ الخلفاء، وأَجَلِّ ملوك الدنيا، ذا شجاعة ورأي، كثير الغزو والحج والصلاة والصدقة، مُحِبًّا للعلم وأهله، معظِّمًا لحُرُمات الإسلام، مبغضًا للمِرَاء والجَدَل في الدين، والكلامِ في معارضة النصّ، وكان يبكي على نفسه ولهوه وذنوبه، لا سيّما إذا وُعِظَ (^2).

دخل عليه مرَّة ابن السَّمَّاك الواعظ، فبالغ في إجلاله، فقال ابن السَّمَّاك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك، ثم وعظه فأبكاه (^3).

ووعظه الفضيل بن عياض مرَّة حتى شهق في بكائه (^4).

وقال عبد الرزاق: كنت مع الفضيل بمكة، فمرّ هارون، فقال فضيل: الناس يكرهون هذا، وما في الأرض أعزّ عليّ منه، لو مات لرأيت أمورًا عظامًا (^5).

وقال عمّار الواسطي: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما من نفس تموت أشد عليّ موتًا من أمير المؤمنين هارون، ولوددت أن الله زاد من عمري في عمره. قال: فكبُر ذلك علينا، فلما مات هارون، وظهرت الفتن، وكان من المأمون ما حمل الناس على خلق القرآن، قلنا: الشيخ كان أعلم بما تكلم (^6). ولما بلغه موت ابن المبارك، حزن عليه، وجلس للعزاء، فعزّاه الأكابر (^7).

  • (^1) البداية والنهاية (10/ 160).
    (^2، 3، 4، 5) سير أعلام النبلاء (9/ 287 - 289)، وتاريخ الخلفاء (ص 452 - 454).
    (^6) سير أعلام النبلاء (9/ 289).
    (^7) سير أعلام النبلاء (9/ 288)، وتاريخ الخلفاء (ص 454، 455).
25

وقال أبو معاوية الضَّرير: صبّ على يدي بعد الأكل شخص لا أعرفه، فقال الرشيد: تدري من يصبّ عليك؟ قلت: لا، قال: أنا، إجلالًا للعلم (^1).

وقال القاضي الفاضل: ما أعلم أن لملك رحلة قطّ في طلب العلم، إلا للرشيد؛ فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطّأ على مالك رحمه الله، وكان أصل الموطّأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين، قال: ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندريّة، فسمعه على ابن طاهر بن عوف، ولا أعلم لهما ثالثًا (^2).

وحدث أبو معاوية الضرير الرشيدَ يومًا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، أبي هريرة بحديث احتجاج آدم وموسى، فقال عمّ الرشيد: أين التقيا يا أبا معاوية؟ فغضب الرشيد من ذلك غضبًا شديدًا، وقال: أتعترض على الحديث؟ عليّ بالنّطع والسيف، زنديق يطعن في الحديث، فأحضر ذلك، فقام الناس إليه يشفعون فيه، وما زال أبو معاوية يُسَكِّنه ويقول: بَادِرَةٌ منه يا أمير المؤمنين، حتى سكن، ثم قال: هذه زندقة، فأمر بسجنه، وأقسم أن لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا، فأقسم عمّه بالأيمان المُغَلَّظَة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بَادِرَةٌ منه، وهو يستغفر الله ويتوب إليه منها، فأطلقه (^3).

ودخل بعضهم عليه وبين يديه رجل مضروب عنقه، والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول، فقال الرشيد: قتلته لأنه قال: القرآن مخلوق، فقتلته على ذلك قربة إلى الله عز وجل (^4).

  • (^1) سير أعلام النبلاء (9/ 288)، وتاريخ الخلفاء (ص 454، 455).
    (^2) تاريخ الخلفاء (ص 468 - 469).
    (^3) سير أعلام النبلاء (9/ 288)، والبداية والنهاية (10/ 215)، وتاريخ الخلفاء (ص 454).
    (^4) الموضع السابق من البداية والنهاية.
26

وبلغه عن بشر المِرِّيسي القول بخلق القرآن، فقال: بلغني أن بشر بن غياث المِرِّيسي يقول: القرآن مخلوق، فلله علي إن أظْفَرَني به لأقتلنّه. فكان متواريًا أيام الرشيد، فلما مات الرشيد ظهر، ودعا إلى الضلالة (^1).

وأَخَذَ مَرَّةً زنديقًا، فأمر بضرب عنقه، فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي؟ قال له: أريح العباد منك. قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، كلُّها ما فيها حرف نَطَقَ به؟ قال: فأين أنت يا عدوَّ الله من أبي إسحاق الفَزَاري وعبد الله بن المبارك يَنْخُلانها، فيخرجانها حرفًا حرفًا (^2)؟.

وكان عهد هارون الرشيد أطول عهود خلفاء بني العباس وأزهاها؛ فقد كثر فيه الغزو، واتَّسَعَت الفتوحات، ومن ذلك: أنه أرسل الفضل بن يحيى إلى خراسان، فأحسن السيرة فيها، وبنى الرُّبُطَ والمساجد، وغزا ما وراء النهر، واتخذ بها جندًا من العجم سَمَّاهم: العَبَّاسِيَّةَ، وفتح الفضل بلادًا كثيرة، منها كابل وما وراء النهر، وقَهَرَ مَلِكَ التُّرك وكان ممتنعًا، وأطلق أموالًا جزيلة، ثم قفل راجعًا إلى بغداد (^3).

وغزا الرشيد بنفسه بلاد الروم، فافتتح حصنًا يقال له: الصَّفْصَاف (^4) وغيره (^5)، حتى إن الروم كانوا يدفعون إليه الأموال تعبيرًا عن خضوعهم له مقابل صلح عقدوه بينهم وبينه في عهد

  • (^1) سير أعلام النبلاء (11/ 236 - 237)، وتاريخ الخلفاء (ص 453).
    (^2) تاريخ الخلفاء (ص 466).
    (^3) البداية والنهاية (10/ 172 - 173).
    (^4) الصَّفْصَافُ- بالفتح والسكون- كُورَةٌ من ثغور المِصيِّصَة. معجم البلدان (3/ 413).
    (^5) البداية والنهاية (10/ 177، 179).
27

ملكتهم (رَنَى) الملقَّبة: (أغسطة)، إلى أن قام الروم بعزل هذه الملكة، ونقض الصلح الذي كان بينهم وبين المسلمين، وملّكوا عليهم رجلًا يقال له (نقفور) وكان شجاعًا، وخلعوا (رنى)، وسملوا عينيها، وكتب (نقفور) إلى الرشيد كتابًا يذكر فيه ضعف الملكة التي كانت قبله ويقول: (حملت إليك من أموالها ما كنت حقيقًا بحمل أمثاله إليها، وذلك من ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إليّ ما حملته إليك من الأموال، وافتد نفسك به، وإلا فالسيف بيننا وبينك). فلما قرأ هارون كتابه، أخذه الغضب الشديد، حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إليه، ولا يستطيع مخاطبته، وأشفق عليه جلساؤه خوفًا منه، ثم استدعى بدواة وكتب على ظهر الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم. من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام).

ثم شخص من فوره وسار حتى نزل بباب هَرَقْلَةَ (^1)، ففتحها، واصطفى ابنة ملكها، وغنم من الأموال شيئًا كثيرًا، وخرَّب وأحرق، فطلب منه (نقفور) الموادعة على خراج يؤديه إليه في كل سنة، فأجابه الرشيد إلى ذلك (^2). وبعد أن استمرّ في الخلافة مدة ثلاث وعشرين سنة أدركته الوفاة رحمه الله في سنة ثلاث وتسعين ومائة بعد أن عهد

  • (^1) قال ياقوت في معجم البلدان (5/ 398): (هِرَقْلَةُ: بالكسر ثم الفتح: مدينة ببلاد الروم، سُمِّيَتْ بهرقْلة بنت الروم بن اليفز بن سام بن نوح ﵇، وكان الرشيد غزاها بنفسه، ثم افتتحها عنوة بعد حصار وحرب شديد ورمي بالنار والنفط حتى غلب أهلها، فلذلك قال المكّي الشاعر:
    هَوَتْ هِرَقْلَةُ لمّا أنْ رَأتْ عَجَبًا … جَوَّ السَّماءِ تَرْتَمي بالنَّفْطِ والنّارِ
    كأنّ نيرانَنا في جَنْبِ قَلْعَتِهم … مُصَبَّغات على أرْسَانِ قَصَّارِ) اهـ
    (^2) البداية والنهاية (10/ 193 - 194، 199، 203).
28

بالخلافة لابنه محمد الأمين، ومن بعده لابنه عبد الله المأمون (^1). ولما عهد الرشيد لابنه محمد الأمين بولاية العهد من بعده وقدَّمه على عبد الله المأمون قال: (إني لأعرف في عبد الله حَزْمَ المنصور، ونُسُكَ المهدي، وعِزَّةَ الهادي، ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع- يعني نفسه- لنسبته، وقد قدَّمت محمدًا عليه، وإني لأعلم أنه منقادٌ إلى هواه، مُبَذِّر لما حوته يده، يشاركه في رأيه الإماء والنساء، ولولا أمُّ جعفر (^2)، ومَيْلُ بني هاشم إليه، لقدَّمتُ عبد الله عليه) (^3).

وكان الأمين رحمه الله سُنِّيًا، لكنه مسرف على نفسه، سيء التدبير.

يقول الإمام أحمد: (إني لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره على إسماعيل بن عُلَيَّة؛ فإنه أُدْخِلَ عليه، فقال له: يا ابن الفاعلة، أنت الذي تقول: كلام الله مخلوق؟!) (^4).

  • (^1) المرجع السابق (10/ 222، 223) وتاريخ الخلفاء (ص 474، 490).
    (^2) هي زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، وهي أم الأمين، وأما المأمون فأمه أم ولد اسمها: مراجل، وإنما قدم الرشيد ابنه الأمين لأن أمه نسيبة، ولذلك يقول المسعودي: (ما ولي الخلافة إلى وقتنا هذا هاشمي بن هاشمية سوى علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، والأمين، فإن أمه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، واسمها: أمة العزيز، وزبيدة لقب لها) اهـ. من تاريخ الخلفاء (ص 484)، وانظر (ص 489) منه أيضًا.
    (^3) المرجع السابق (ص 490).
    (^4) المرجع السابق أيضًا (ص 483). والقصة مطوَّلة في تاريخ بغداد (6/ 237 - 238)، وخلاصتها: أن إسماعيل بن علية حدّث بالحديث الآتي في تخريج الحديث رقم [484]، وهو قوله - ﷺ -: «تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان- أو غيايتان، أو فرقان من طير صوافّ- تحاجّان عن صاحبهما». فقيل له: ألهما لسانان؟ قال: نعم، فكيف تكلما؟ فشنّعوا عليه وقالوا: إنه يقول القرآن مخلوق، وهو لم =
29

وأما إسرافه على نفسه وسوء تدبيره فأشار إليه أبوه هارون كما سبق، وتجد جملة من أخباره في ذلك في البداية والنهاية (^1) وتاريخ الخلفاء (^2)، وقد أعرضت عن ذكرها قصدًا؛ لخروجها عن الغرض؛ ولأنها تحتاج إلى تمحيص.

ولما تولى الأمين الخلافة سعى في جعل البيعة من بعده لابنه موسى، فعزل أخاه القاسم عمّا كان الرشيد ولاّه، وأرسل إلى أخيه

  • = يقله، وإنما غلط، فأحضر للأمين محمد بن هارون، فشتمه وقال: يا ابن كذا وكذا، أَيْشٍ قلت؟ فقال: أنا تائب إلى الله، لم أعلم، أخطات.
    وذكر الفضل بن زياد أنه سأل الإمام أحمد عن إسماعيل بن إبراهيم بن علية، فقال: ما زال إسماعيل وضيعًا من الكلام الذي تكلم به إلى أن مات. قال الفضل: قلت: أليس قد رجع وتاب على روؤس الناس؟ فقال: بلى، ولكن ما زال مبغضًا لأهل الحديث بعد كلامه ذاك إلى أن مات، ولقد بلغني أنه أدخل على محمد بن هارون، فلما رآه زحف إليه، وجعل محمد يقول له: يا ابن …، يا ابن …، تتكلم في القرآن؟ قال: وجعل إسماعيل يقول له: جعله الله فداه، زلّة من عالم، جعله الله فداه، زلّة من عالم. قال الفضل: ثم قال لي أبو عبد الله: لعلّ الله أن يغفر له- أي للأمين- لإنكاره على إسماعيل، ثم قال بعدُ: هو ثبت- يعني إسماعيل-. اهـ وانظر التهذيب (1/ 278 - 279).
    وهذا من إنصاف الإمام أحمد ﵀، فإسماعيل ﵀ ثقة حافظ كما سيأتي في ترجمته في الحديث [59]، ولذا فإن الذهبي ﵀ ذكر إسماعيل هذا في الميزان للدفاع عنه (1/ 216 - 220)، ولما ذكر كلام الإمام أحمد فيه قال: (قلت: إمامة إسماعيل وثيقة لا نزاع فيها، وقد بدت منه هفوة، وتاب، فكان ماذا؟ إني أخاف الله لا يكون ذكرنا له من الغيبة) اهـ.
    وأما ما يتعلق بمسألة القرآن، فإن قوله فيه موافق لقول أهل السنة، قال الخطيب البغدادي في تاريخه (6/ 239): (وقد رُوي عن ابن علية في القرآن قول أهل الحق …) ثم ساق بإسناده عن عبد الصمد بن يزيد مردويه أنه قال: (سمعت إسماعيل ابن علية يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق).
    (^1) ص 241 فما بعد من الجزء العاشر.
    (^2) ص 474 - 488.
30

المأمون يطلب منه أن يقدِّم موسى على نفسه، فردّ المأمون ذلك وأباه، ووقعت الوحشة بينهما، فخلع الأمين أخاه المأمون من ولاية العهد، فلما تيقن المأمون ذلك، تسمَّى بإمام المؤمنين وكان في خراسان، فأرسل إليه الأمين جيشًا لقتاله، وأرسل المأمون جيشًا، فالتقيا، وتقاتلا، وكانت الغلبة لجيش المأمون، واستمرّ القتال بينهما في حروب يطول ذكرها، انتهت بقتل الأمين في أول سنة ثمان وتسعين ومائة، وتولِّي المأمون الخلافة بعده (^1).

وكان المأمون من أفضل رجال بني العباس حزمًا وعزمًا وحلمًا وعلمًا ورأيًا ودهاء وهيبة وشجاعة وسؤددًا وسماحة، وله محاسن وسيرة طويلة، لولا ما أتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن، ومع ذلك كان معروفًا بالتشيع (^2)، وقد حمله ذلك على خلع أخيه المؤتمن في سنة إحدى ومائتين، وجعل ولي العهد من بعده عليًا الرِّضا بن موسى الكَاظِم بن جعفر الصادق، حمله على ذلك إفراطه في التشيع، حتى قيل: إنه همّ أن يخلع نفسه ويفوِّض الأمر إليه، وهو الذي لقَّبه الرِّضا، وضرب الدراهم باسمه، وزوَّجه ابنته، وكتب إلى الآفاق بذلك، وأمر بترك لبس السواد شعار بني العباس ولبس الخضرة بدلًا منه، فاشتدّ ذلك على بني العباس جدًا، وخرجوا عليه، وبايعوا إبراهيم

  • (^1) انظر البداية والنهاية (10/ 222 - 227، 236 - 244)، وتاريخ الخلفاء (ص 474 - 489).
    (^2) يقول عنه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (10/ 275): (وقد كان فيه تشيع واعتزال وجهل بالسنة الصحيحة …، وكان على مذهب الاعتزال لأنه اجتمع بجماعة منهم: بشر بن غياث المِرِّيسي، فخدعوه، وأخذ عنهم هذا المذهب الباطل، وكان يحب العلم، ولم يكن له بصيرة نافذة فيه، فدخل عليه بسبب ذلك الداخل، وراج عنده الباطل، ودعا إليه، وحمل الناس عليه قهرًا، وذلك في آخر أيامه وانقضاء دولته). اهـ.
31

ابن المهدي، ولُقَّب: (المبارك)، فجهَّز المأمون لقتاله، وجرت أمور وحروب، وكان المأمون بخراسان، فسار نحو العراق، فلم يلبث علي الرِّضا أن مات في سنة ثلاث ومائتين، فكتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم أنهم إنما نقموا عليه بيعته لعلي الرِّضا وقد مات، فردّوا جوابه أغلظ جواب، فسار إليهم، ثم بدأ الناس يتسللون من عهد إبراهيم بن المهدي، فعلم بذلك، فاختفى، ووصل المأمون إلى بغداد، فكلمه العباسيون في لبس السواد، فتوقف، ثم أجاب إلى ذلك (^1). وبلغ من تشيع المأمون: أنه في سنة إحدى عشرة ومائتين أمر بأن يُنَادَى: برئت الذِّمّة ممن ذكر معاوية بخير، وإن أفضل الخلق بعد رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: علي بن أبي طالب (^2). وفي سنة اثنتي عشرة ومائتين أظهر القول بخلق القرآن مضافًا إلى تفضيل علي على أبي بكر وعمر رضي الله عنهم من غير سبّ لهما (^3)، فاشمأزَّت النفوس منه، وكاد البلد

  • (^1، 2) تاريخ الخلفاء (ص 489 - 491، 492).
    (^3) يقول ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (10/ 266 - 267): (وفي ربيع الأول- يعني سنة ثنتي عشرة ومائتين- أظهر المأمون في الناس بدعتين فظيعتين، إحداهما أَطَمُّ من الأخرى، وهي: القول بخلق القرآن، والثانية: تفضيل علي بن أبي طالب على الناس بعد رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وقد أخطأ في كل منهما خطأ كبيرًا فاحشًا، وأثم إثمًا عظيمًا)، ثم نقل (ص 276 - 277) عن ابن عساكر أنه روى من طريق النَّضْر بن شُمَيْل قال: دخلت على المأمون، فقال: كيف أصبحت يا نضر؟ قلت: بخير يا أمير المؤمنين، فقال: ما الإرجاء؟ فقلت: دين يوافق الملوك يصيبون به من دنياهم وينقصون به من دينهم. قال: صدقت. ثم قال: يا نضر، أتدري ما قلت صبيحة هذا اليوم؟ قلت: إني لمن علم الغيب لبعيد، فقال: قلت أبياتًا، وهي:
    أصبح ديني الذي أدين به … ولست منه الغداة معتذرا
    حبّ علي بعد النبي ولا … أشْتُم صِدِّيقًا ولا عُمرا
    ثم ابن عفّان في الجنان مع الـ … أبرار ذاك القتيل مُصْطبرا
    ألا ولا أشتم الزبير ولا … طلحة إن قال قائلٌ غَدَرَا
32

يفتتن، فكفّ عن ذلك حتى سنة ثمان عشرة ومائتين حيث امتحن الناس بالقول بخلق القرآن (^1)، ولم يتمّ له ما أراد لوفاته في نفس العام، ثم تولى زمام الفتنة من بعده أخوه المعتصم كما سيأتي.

وما يدلّ على تميز المأمون بالحزم والدَّهاء والشجاعة وباقي الصفات المتقدم ذكرها: أن عصره شهد فتنًا عظيمة وانصداعًا في رعيته، استطاع بدهائه وحزمه ورأيه أن يخمد الفتن ويسوس الناس، لولا خوضه فيما خاض فيه من أمور المعتقد (^2)، حتى إن هناك من يتهمه فيما أظهره من التشيع وحب آل البيت الذي أدّى به إلى أخذ البيعة لعلي الرِّضا بولاية العهد من بعده وتزويجه ابنته، ويرى أنه غير صادق في ذلك، وأنه إنما فعله سياسة لاكتساب ولاء الخراسانيين

  • = وعائش الأُمّ لست أشْتُمها … من يفتريها فنحن منه بَرَا
    ثم قال ابن كثير بعد ذلك: (وهذا المذهب ثاني مراتب الشيعة، وفيه تفضيل علي على الصحابة، وقد قال جماعة من السلف والدارقطني: من فضّل عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار- يعني في اجتهادهم ثلاثة أيام، ثم اتفقوا على عثمان، وتقديمه على علي بعد مقتل عمر-، وبعد ذلك ست عشرة مرتبة في التشيع على ما ذكره صاحب كتاب البلاغ الأكبر والناموس الأعظم، وهو كتاب ينتهي به إلى أكفر الكفر) اهـ.
    (^1) تاريخ الخلفاء (ص 492، 493).
    (^2) ولما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (10/ 277) قصة النَّضْر ين شُميل- السابق ذكرها- مع المأمون التي تدل على تشيعه قال- أي ابن كثير-: (وقد أضاف المأمون إلى بدعته هذه التي أزرى بها على المهاجرين والأنصار البدعة الأخرى والطّامّة الكبرى، وهي القول بخلق القرآن، مع ما فيه من الانهماك على تعاطي المسكر وغير ذلك من الأفعال التي تعدد فيها المنكر، ولكن كان فيه شهامة عظيمة وقوّة جسيمة في القتال وحصار الأعداء ومصابرة الروم وحصرهم، وقتل رجالهم وسبي نسائهم، وكان يقول: لعمر بن عبد العزيز وعبد الملك حُجَّاب، وأنا بنفسي، وكان يتحرَّى العدل ويتولّى بنفسه الحكم بين الناس والفصل). اهـ.
33

الذين تشبعت نفوسهم بالعقائد الشيعية.

ويحتج أصحاب هذا الرأي بأن عليًا الرِّضا لم يكن راغبًا في ولاية العهد، وإنما قبلها تحت ضغط المأمون عليه وتهديده له بضرب عنقه إن لم يقبل، ومع ذلك كان موته بسبب أكله لعنب يقال إنه كان مسمومًا دسّه له المأمون للتخلص منه بعد أن ظفر منه بما أراد (^1)، فالله أعلم.

وشهد عصر المأمون فتوحات كثيرة وبخاصة في بلاد الروم، وكان يخرج للغزو بنفسه (^2). ولما توفي خلفه من بعده أخوه أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد، الذي كان عَرِيًّا من العلم كما يقول السيوطي (^3)، فإنه كان أُمِّيًا لا يحسن الكتابة، وكان سبب ذلك: أنه كان يتردد معه إلى الكُتّاب غلام، فمات الغلام، فقال له أبوه الرشيد: ما فعل غلامك؟ قال: مات فاستراح من الكُتّاب، فقال الرشيد: وقد بلغ منك كراهة الكُتّاب إلى أن تجعل الموت راحة منه؟ والله يا بني لا تذهب بعد اليوم إلى الكُتّاب، فتركوه، فكان أُمِّيًّا، وقيل: بل كان يكتب كتابة ضعيفة (^4).

وكان المعتصم ذا شجاعة وقوة وهمّة، حتى إنه كان يجعل زَنْدَ الرجل بين إصبعيه فيكسره (^5).

وكتب إليه ملك الروم مرة كتابًا يتهدده فيه، فأمر بجوابه، فلما

  • (^1) انظر مروج الذهب للمسعودي (4/ 33)، ومقاتل الطالبين (ص 562 - 565)، والشعوبية وأثرها الاجتماعي والسياسي في الحياة الإسلامية في العصر العباسي الأول (ص 299 - 300).
    (^2) انظر البداية والنهاية (10/ 269، 270، 271، 277).
    (^3) تاريخ الخلفاء (ص 531).
    (^4) سير أعلام النبلاء (10/ 291)، والبداية والنهاية (10/ 295).
    (^5) تاريخ الخلفاء (ص 531، 532).
34

عُرِض عليه رماه، وقال للكاتب: اكتب: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (^1).

وهو الذي استطاع القضاء على بَابِك الخُرَّمي الذي يقول عنه الذهبي: (كان أحد الأبطال، أخاف الإسلام وأهله، وهزم الجيوش عشرين سنة، وغلب على أَذِرْ بِيجَان وغيرها، وأراد أن يقيم الملّة المجوسية، وظهر في أيامه المازيار أيضًا بالمجوسية بطبرستان، وعظم البلاء، وكان المعتصم والمأمون قد انفقوا على حرب بابك قناطير مقنطرة من الذهب والفضة) (^2). ولما استنفر المعتصم الجيوش لحرب بابك، ضعفت جبهته مع الروم، وحينما أحيط ببابك الخُرَّمي، كتب الخبيث إلى ملك الروم يقول له: إن ملك العرب قد جهّز إليّ جمهور جيشه، ولم يبق في أطراف بلاده من يحفظها، فإن كنت تريد الغنيمة، فانهض سريعًا إلى ما حولك من بلاده، فخذها، فإنك لا تجد أحدًا يمانعك عنها، فركب ملك الروم بعسكره حتى وصل إلى مَلَطْيَة (^3)، فقتلوا من أهلها خلقًا كثيرًا، وأسروا نساءهم. فلما بلغ ذلك المعتصم انزعج جدًا، وصرخ في قصره بالنفير، ثم نهض من فوره، وأمر بتعبئة الجيوش، وقال للأمراء: أي بلاد الروم أمنع؟ قالوا: عَمُّورِيَّة (^4)، لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهي أشرف

  • (^1) سير أعلام النبلاء (10/ 291)، والبداية والنهاية (10/ 296).
    (^2) سير أعلام النبلاء (10/ 293 - 294).
    (^3) مَلَطْيَةُ- بفتح أوّله وثانيه، وسكون الطاء، وتخفيف الياء-: بلدة من بلاد الروم مشهورة مذكورة تتاخم الشام، وهي للمسلمين. معجم البلدان (5/ 192 - 193).
    (^4) عَمُّورية- بفتح أوّله وتشديد ثانيه-: بلد في بلاد الروم، سُمِّيَت بعمورية بنت الروم بن اليفز بن سام بن نوح، وهي التي افتتحها المعتصم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين. المرجع السابق (4/ 158).
35