التفسير البياني للقرآن الكريمالجزء 2 · ص 11 - 23

سورة العلق (1 من 2)

سورة العلق

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)﴾

صدق الله العظيم

11

المشهور في اسمها: "سورة العلق" ويذكرها بعض المفسرين، كالطبري باسم "سورة اقرأ" أو "اقرأ باسم ربك" وجاء بها "الرازي" في تفسيره الكبير باسم "سورة القلم" زهذا الاسم يلتبس بالسورة بعدها: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ واسمها في تفسير الرازي "سورة ن".


والمشهور كذلك أنه أمل سورة نزلت من الوحي. ولم يشر "ابن إسحاق" في (السيرة النبوية) إلي خلاف في لذك. ومثله "الطبري" في تفسيره. وفيهما الحديث عن "السيدة عائشة أم المؤمنين" قالت: "كان أول ما ابتدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي، الرؤيا الصادقة، كانت تجئ مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها. حتى فجأه الحق فأتاه فقال: يا محمد أنت رسول الله..... ثم قال: اقرأ. قال الرسول - ﷺ -: فغطني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، فقال: اقرأ قلت: ماذا أقرأ؟ فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فقرأتها، ثم انتهى وانصرف عني فكأنما كتبت في قلبي كتابًا. فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول: "يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل". فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، ما أتقدم وما أتأخر، فمازلت واقفًا حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني. وانصرفت راجعًا إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت، فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا لي؟ ثد حدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يا ابن عم واثبت، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق.

13

ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد، قال: أسمع من ابن أخيك، فسألني وأخبرته خبري، فقال: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه، ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه! ليتني أكون حيًا حتى يخرجك قومك. قلت: أو مخرجني هم؟ قال: نعم، إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلا عودى، ولئن أدركني يومك لأنصرنك نصرًا مؤزرًا....

ثم كان أول ما نزل علي من القرآن بعد اقرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ......﴾ .


ولكن هناك قولًا - في الكشاف وتفسير الرازي - أن الفاتحة كانت أول سورة نزلت من الوحي، وبعدها نزلت سورة العلق.

وفي قوله آخر نقله الرازي، أن الذي نزل من السورة أول الوحي، آياتها الخمس الأولى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلي قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . ثم نزلت البقية بعد أن أبلغ المصطفى رسالته، وتصدى له من تصدى من طواغيت قريش بالتكذيب، وأمر النبي - ﷺ - بضم هذه الآيات إلى أول السورة. لأن تأليف الآيات إنما كان بأمر الله تعالى.

وجاء في البحر المحيط:

"هذه السورة مكية، وصدرها أول ما نزل من القرآن، وذلك في غار حراء على ما ثبت في صحيح البخاري وغيره، وقول جابر: أول ما نزل المدثر، وقول أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل: أول ما نزل الفاتحة، لا يصح".

وسياق الآيات قد يرجح هذا القول بأن صدر سورة العلق، أول ما نزل من

14

القرآن، ثم لا يبدو مخالفًا لما في تفسير الطبري والسيرة النبوية، حيث يقف الحديث فيهما عن اول ما نزل من الوحي، عند الآية الخامسة: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .


﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .

من عجب أن تكون كلمة ﴿اقْرَأْ﴾ أول ما استهل به الوحي إلى النبي الأمي المبعوث في الأميين رسولًا منهم، وأن يكون "الكتاب" معجزة هذا النبي المصطفى لختام رسالات الدين منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان، والعصر عصر بداوة، والبيئة وثنية جافية لا عهد لها بمظاهر الحضارة المادية والفكرية التي ازدهرت في بيئات أخرى كوادي النيل، ووادي الرافدين....

ونحتاج هنا في هذه السورة المبكرة من أول الوحي، إلى تمثل ما كان لها من وقع في نفوس الذين تلاها فيهم المصطفى عليه السلام، مستأنسين بما كانت البيئة العربية في عصر النبوة تفهمه وتدركه، بعيدًا عما أضيف إلى هذا الفهم من محدث التأويلات التي أضافتها عصور متأخرة.

واللافت أن الإمام الطبري لم يجد حاجة إلى تأويل آية: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ لوضوح معناها. فليست القراءة بحيث تحتمل التأويل بغير المألوف من دلالتها على التلاوة. والعربية كانت تستعملها في التلاوة من نص مكتوب أو غير مكتوب.

كما عرفت الرب بدلالته على المالك والمعبود.

وإذ كانت الكلمة وحيًا إلهيًا، فباسم ربه الذي خلق، أمر المصطفى أن يقرأ. وقد كان لقبائل العرب الوثنية أربابها من أوثان وأصنام، ومحمد كان قبل المبعث في حيرة من أمره وأمر قومه، يراهم على سفه وضلال، وينكر عبادتهم لأرباب صنعوها بأيديهم من خشب وحجر وطين، ثم نسوا أنهم صانعوها وكدسوها في ساحة البيت العتيق، وعطفوا عليها عابدين.

وطال به التأمل التماسًا لما يهديه من حيرته، وقد صد عما يعبده قومه من أوثان صماء بلهاء، ولم يجد ما يطمئن إليه لدى من عرفت الجزيرة من عصابات يهود التي

15

طرأت على شمال الحجاز فأنشبت مخالبها في الأرض الطيبة، ونسيت "موسى" وربه، واتخذت من الذهب وثنها المعبود.

والنصارى - في الشام ونجران - قد مزقتهم التفرقة المذهبية، فبعضهم لبعض عدو، وكل طائفة ترمى الأخرى بالكفر والضلال....

ومن بعيد كان لهب النار يسطع من معابد المجوس، وقد أحاط بها القوم طائفين عابدين!

وفي تلك الظلمة الغاشية، كانت كلمة الوحي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ للأمي المختلى في حراء، توجيهًا وهداية إلى الحق الذيى طال التماسه إياه، وإذانًا بانتهاء حيرته التي طالما أجهدته في تأملاته، وانبثاقًا لنور فجر جديد ينسخ ظلمات ليل ادلهم وطال.


وقد يجدي أن ننقل عن الفخر الرازي أن في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إشعارًا بأن كل قراءة القرآن يجب أن تبدأ باسم الله. لكنا نتوقف حيال ما ذكره من أن في قوله تعالى: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ بدلًا من: باسم الله، أن الرب من صفات الفعل والله من أسماء الذات.... فالأمر هنا يستوجب العبادة بصفات الفعل....

وأن في كلمة ربك ﴿ما يزيل فزع الرسول من الوحي. فكأنه قال: ربك هو الذي رباك فكيف يفزعك؟ فأقاد هذا الحرف معنيين في أحدهما: ربيتك فلزمك القضاء فلا تتكاسل. والثاني: قد ربيتك حين كنت علقًا فكيف أضيعك بعد أن صرت خلقًا نفسيًا موحدًا عارفًا بي؟ ".

وإنما حسبنا أن نلمح ما في ﴿رَبِّكَ﴾ من صلة بحال المصطفى وقومه قبل المبعث، وطول حيرته التماسًا للهدى والحة، وطول خلوته المتأملة في ملكوت السموات والأرض. وهذا هو نور الكلمة يشرق فيهديه إلى ربه الذي خلق، الجدير بالعبادة دون هذه الأرباب المخلوقة التي عبدتها الوثنية العربية.

ولا وجه عندنا لما تعلق به بعض المفسرين من تأول مفعول لـ ﴿خَلَقَ﴾ في الآية الأولى، بل ندعها على إطلاقها الذي يفيد معنى العموم، ثم تتولى الآية بعدها

16

تخصيص هذا العام، باللفت إلى خلق الإنسان، من حيث كان الوحي القرآني لهداية هذا الإنسان، دون غيره من الكائنات.

كما لا نجد حاجة إلى الوقوف عندما قدره بعضهم - فيما نقل الرازي - من أن "في قوله تعالى: الذي خلق، من التمهيد لاعتراف عباد الأوثان به، ما ليس في قوله: الذي لا شريك له. لأنه لم بدأهم بهذه المواجهة لأبوا أن يقبلوا ذلك منه، فقدم تعالى في ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به، فكأنه قال: واذكر لهم أنهم هم الذين خلقوا من العلقمة فلا يمكنهم إنكاره، ثم قل: ولابد للفعل من فاعل، فلا يمكنهم أن يضيفوا الخلق إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه. فبهذا التدريج يقرون بأني المستحق للثناء".

وسياق الآيات صريح في أنه تقرير لربوبية الخالق. وتخصيص خلق الإنسان بالذكر دون سائر المخلوقات، لأن الإنسان هو المختص بالقراءة والعلم، المنفرد بتبعية التكليف، المخاطب بكل ما سوف ينزل به الوحي من كلمات اللله.


﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ .

من السلف من تأويله على أن المقصود به إيناس الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ربه الذي دعاه ورباه مذ كان علقًا. وآخرون منهم تأولوه على قصد التدرج بعباد الأوثان إلى الإقرار بخالفتهم. وعلى ما نقلنا من كلام الفخر الرازي.

وقال الزمخشري إن في الآية تفخيمًا لخلق الإنسان ودلالة على عجيب فطرته. وقد نقله الرازي، ثم أضاف إليه، في تأويل ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾: كون الإنسان من علقة وهي أخس الأشياء، ثم صيرورته عالمًا والعلم أشرف المراتب، فكأنه تعالى يقول: انتقلت من أخس المراتب إلى أعلى المراتب، فلابد لك من مدبر مقدر ينقلك من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشريفة.

17

ولفت "أبو حيان" إلى أن ذكر ﴿رَبَّكُ﴾ في الآية الأولى، إيناس للمصطفى وتعيين لربه، لا رب غيره. ثم جاء بصفة الخالق، وهو المنشئ للعالم، لما كانت العرب تسمى الأصنام أربابًا، فأتى بالصفة التي لا يمكن شركة الأصنام فيها.

وكل هذا مما يمكن أن يقال.

وليس هو، على أي حال، بأبعد مما ابتدعه محدثون اتجهوا بهذه الآية إلى مجال البحث في علم الأجنة، والتمسوا المراجع الأجنبية لعلماء الفسيولوجيا والبيولوجيا، لفهم آية نزلت على النبي الأمي في قوم أميين لم يسمعوا قط، ولا سمع عصرهم، بعلم الأجنة. وغير متصور أن يكون القرآن الكريم قدم لهم من آيات ربوبية الخالق وقدرته، ما لا سبيل لأحد منهم إلى تصوره، فضلًا عن فهمه وإدراكه.

وإنما فهموا من العلق ما تعرفه لغتهم وبيئتهم وعصرهم، والعربية قد استعملت العلق ماديًا في كل ما يعلق وينشب: كالدم، والمحور الذي تعلق عليه البكرة، وعلقت النرآة حملت، ومعنويًا في العلاقة تنشب بين لثنين حبًا أوبغضًا، وفي الصلة تربط بينهما.

ولم يكونوا في حاجة إلى درس في علم الأجنة أو مراجعة كتاب في المكتبة الأمريكية التي ظهرت بعدهم بقرون، ليفهموا آية خلق هذا الإنسان من علق في أرحام الأمهات، وهم الذين ألفوا استعمال: علقت المرآة، بمعنى حملت.

واستعمال العلق هنا، جمع علقة، إيذان بما ذهبت إليه من إطلاق في عموم لفظ الإنسان.

ولا يشير السياق إلى أن القصد من ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ توجيه المصطفى ومن يؤمنون برسالته إلى النظر في علم الأجنة، وإنما هي آية الله في هذا الإنسان، خلقه من علق، وخصه بالعلم، واحتمل أمانة التكليف، فازدهاه الغرور وأطغاه الشعور بوهم الاستغناء عن خالقه، فنسى أن إليه، سبحانه، الرجعى والمصير.....

18

وهذه هي قصة الإنسان، من المبدأ إلى المنتهى، تلفت إليه سورة الوحي الأولى، بإيجاز، توطئة لما سوف يتتابع من آيات الوحي التي تزيد كل هذه الملامح المجملة تفصيلًا وبيانًا.

فهذا الإنسان الذي خلق الله من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم، وإليه رجعاع، هو الإنسان الذي نزلت في خلقه آياته تعالى، على ترتيب النزول:

﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾

(سورة عبس)

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾

(سورة الطارق)

﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾

(سورة يس)

﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾

(سورة الكهف)

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾

(سورة الحج)

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾

(سورة الإنسان)

وما من آية فيها، يؤذن سياقها بتوجيه إلى النظر في علم الأجنة وعلم الأحياء والتشريح، وإنما تأتي جميعًا في الاستدلال لقدرة الذي خلق الإنسان من علق، أو

19

من نطفة أو من تراب، على النشأة الأخرى التي هي مدار الثواب والعقاب، ومناط ما يوجه إليه كتاب الإسلام من تكليف وبشرى ووعيد.


﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ .

ذهب بعض المفسرين، فيما نقل الفخر الرازي، إلى أن ﴿اقْرَأْ﴾ في الآية الأولى تعني: "اقرأ لنفسك، وهي في هذه الآية بمعنى التبليغ، أو أن الأولى للتعلم، والثانية للتعليم، أو أن الأولى: اقرأ في صلاتك، والثانية: اقرأ خارج صلاتك".

وهي أقوال متقاربة، وإن كان الأولى لأخذ السياق على ظاهره، بما يفيد من تأكيد الأمر الإلهي للمصطفى بالقراءة. وإذ كان لا يدري ماذا يقرأ، فقد تولى الوحي بيانه، فليقرأ باسم ربه الذي خلق.... وليقرأ وربه الأكرم.

والكرم في العربية نقيض اللؤم، ودلالته على العزة مألوفة في استمعال لكرام الناس. والإكرتم ضد الإهانة والإذلال.

ومن الكرم بمعنى العزة، جاء الكريم في القرآن وصفًا لذي الجلالة أو امًا من أسمائه الحسنى، ووصفًا لعرشه:

﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ .

﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ .

كما جاء وصفًا لرسول، وملك، وكتاب، وقرآن كريم، ووعد المتقون برزق، وأجر، ومدخل ومقام كريم.

وجاء الكرتم، جمع كريم، وصفًا لملائكة بررة، كاتبين. وللمؤمنين في سياق اليسرى.

وفي سياق الوعيد والسخرية، جاءت آية الدخان في الأثيم:

﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ - 49.

وفي التكريم والإكرام، نقيضًا للتحقير والإذلال، جاءت صيغة مكرمة وصفًا لصحف الوحي، والمكرمون وصفًا للملائكة، ولضيف إبراهيم منهم، ولأهل الجنة.

20

وجاء الفعل في تكريم الله وإكرامه للمتقين، وقوبل بالإهانة في آية الحج.

﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ - 18.

أما أفعل التفضيل، فجاء مرة مضافًا إلى ضمير المخاطبين في آية الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ - 13.

وانفردت آية العلق بصيغة ﴿الْأَكْرَمُ﴾ معرفة بـ: ال، بما يفيد اختصاصه تعالى بهذه الرتبة العليا على عموم إطلاقها.

دون تعلق بتأويل أكرميته تعالى، وقد تأولها الزمخشري بأنه: "الذي له الكمال زيادة كرمه على كل كرم، ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم فلا يعالجهم بعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فمالكرمه غاية ولا أمد".

وساق الفخر الرازي في أكرميته تعالى وجوهًا أربعة:

* أنه تعالى لا يحلن وقت جناية الإنسان فحسب، بل يزيد إحسانه بعد الجناية.

ونظر له الشاعر:

متى زدت تقصيرًا تزد لي تفضيلًا كأنى بالتقصير أستوجب الفضلا

* أنك كريم يا محمد، لكن ربك الأكرم.

* أنه تعالى له الابتداء في كل كرم وإحسان، وكرمه غير مشوب بتقصير.

* يحتمل أن يكون فيهخ حث على القراءة أو على الإخلاص، بمعنى: فهو يجازيك بكل حرف مما تقرأ عشرًا. أو بمعنى: تجرد لدعوة الخلق ولا تخف أحدًا، فأنا أكرم من أن آمرك بهذا التكليف الشافي ثم لا أنصرك.

ونلاحظ عليهم أن في كل ما تأولوه، تقييدًا لصيغة الأكرم، ينقلها إلى المفاضلة بين كريم وأكرم منه. والحق أن البيان القرآني حين قيد أفعل التفضيل في آية الحجرات بإضافتها إلى ضمير المخاطبين، جعل أكرميتهم محدودة بنطاق الناس الذين خاطبهم في

21

الآية. واستأثر سبحانه بصيغة ﴿الْأَكْرَمُ﴾ على الإطىق ونظيره الأعلى في آيتى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ .

لافتًا إلى حس العربية الأصيل حين تأتي بأفعل التفضيل معرفًا بأل، وغير مميز، فتفيد من العموم والإطلاق ما لا تفيده الصيغة نفسها من المفاضلة مقيدة بمضاف إليه لا تتجاوزه أو مميزة بوجه تفاضل لا تعدوه.


﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .

العلم إدراك الشيء على حقيقته، ونقيضه الجهل.

وقد سبق استقراء آيات العلم في القرآن الكريم، في تفسير آية ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ من سورة التكاثر.

والقلك أداة الكتابة، ومنه آية القلم: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .

فسره الطبري في آية العلق، فقال: "علم الإنسان الخط بالقلم ولم يكن يعلمه".

وكذلك فسره الزمخشري بعلم الكتابة، واستطرد فذكر ما لهذا العلم من "المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا". ونقله أبو حيان في "البحر المحيط".

وقريب منه ما ذكره الفخر الرازي في شرف القلم وحكمة خلقه. وعقد "ابن قيم الجوزية" في تفسيره لسورة القلم فصلًا مسبهًا في شرف القلم وفوائده، ثم ذيله بفصل طريف في منازل الأقلام على تفاوت رتبتها من الشرف، فجعلها اثنى عشر نوعًا:

22

أولها: وأعلاها وأجلها قدرًا قلم القدر السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق.

ثانيها: قلم الوحي يكتب به وحي الله تعالى إللا سرله وأنبيائه.

ثالثها: قلم الفقهاء والمفتين. ويتلوه على الترتيب التنازلي: قلم طب الأبدان، وقلم التوقيع عن الملوك والساسة، وقلم الحساب تضبط به الأموال، وقلم الحكم تثبت به الحقوق وتنفذ القضايا، وقلم الشهادة تحفظ به الحقوق وتصان عن الإضاعة، وقلم تعبير الرؤيا ووحي المنام، وفقلم التأريخ، وقلم اللغة يشرح معاني الأفاظها ونحوها وتصريفها وأسرار تراكيبها، ثم القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين.

وأضاف الفر الرازي إلى تأويل الآية، أن فيها إشارة إلى الأدلة السمعية والأحكام المكتوبة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالسمع، بعد أن أشرات آية: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ إلى الجلالة العقلية على كمال القدرة والحكمة والعلم. فكأنها إشارة إلى معرفة الربوبية، والتعليم بالقلم إشارة إلى النبوة.

ومثله النيسابورى في (تفسير غرائب القرآن) .

وحيث لا مجال للإشاريات في منهجنا، نطمئن إلى أن الآية لفتت إلى سر القلم، من حيث هو أداة الكتابة التي يدون بها العلم ويحفظ وينتقل على امتداد الزمان والمكان وتتابع الأجيال. ويتسع المقام لكل ما عده المفسرون من شرف القلم وفوائد الكتابة، على أن يظل للبيان القرلآني دلالته في لفت النبي الأمي والعرب الأميين إلى جلال القلم، آية من أيات الخالق الذي خلق الإنسان من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم. بما تعني من اختصاص الإنسان دون سائر الكائنات بالقلم وكسب العلم. وهذا من الخصائص الإنسانية التي يضيف إليها الوحي من بعد ذلك ما يجلوها ويزيدها بيانًا، إذ يجعل العلم مناط تكريم آدم، الإنسان الأول، وحقه في الخلافة في الأرض، ويسوق الآيات ويضرب الأمثال للذين يعلمون، ويقصر خشيته تعالى على العلماء.....


23