التفسير البياني للقرآن الكريمالجزء 2 · ص 37 - 54

سورة القلم (1 من 2)

سورة القلم

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ﴾

37

﴿رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52)﴾

صدق الله العظيم

38

السورة مكية مبكرة، إلا آيات (17: 33، 48: 50) فمدنية.

والمشهور أنها نزلت بعد العلق، فتكون ثانية السور في ترتيب النزول بعد "اقرأ" أول الحوى. وهو الذي ذهب إليه أكثر الأئمة بنص عبارة "ابن حجر" فيما نقل السيوطى. وقال "البرهان الجعبرى" في منظومته (تقريب المأمول في ترتيب النزول):

اقرأ، ونون، مزمل، مدثر والحمد، تبت، كورت، الأعلى علا

ومهما يكن الخلاف في ترتيب نزول القلم، فهي من أوائل السور المكية المبكرة التي تهدينا إلى الجو العام في منزل الوحي، أول المبعث.


وذكر بعضهم في أسباب نزولها أنها أو معظمها "في الوليد بن المغيرة المخزومي وأبى جهل بن هشام المخزومي. ومناسبتها لما قبلها أنه فيما قبلها ذكر أشياء من أحوال السعداء والأشقياء، وذكر قدرته الباهرة وعلمه الواسع وأنه تعالى لو شاء لخسف بهم الأرض أو لأرسل عليهم حاصبًا. وكان ما أخبر تعالى به هو ما يلقنه رسول الله - ﷺ - بالوحي، وكان الكفار ينسبونه مرة إلى الشعر ومرة إلى السحر ومرة إلى الجنون، فبدأ سبحانه وتعالى هذه السورة ببراءته مما كانوا ينسبونه إليه من الجنون، وتعظيم أجره على صبره على أذاهم، والثناء على خلقه العظيم".

قولهم: مناسبتها لما قبلها، يعنون سورة "الملك" التي وضعت قبلها في ترتيب المصحف. وفيه التفات إلى نسق هذا الترتيب، ولا يفوتنا معه أن سورة الملك نزلت متأخرة، فهي السابعة والسبعون في ترتيب النزول على المشهور، بينها وبين سورة القلم، على أي قول في ترتيب نزولها، أكثر من سبعين سورة!

39

وكونها نزلت في الوليد أو أبي جهل لا يقتضي الإعتبار بخصوص السبب، حيث لا قرينة تصرف إليه عموم لفظ الآية، وأسباب النزول لا تعدو أن تكون قرائن مما حول النص، تعين على فهم الظروف التي نزلت فيها السورة أو الآية. على ما سبق بيانه في تفسير سورة الضحى.


﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .

وتبدأ السورة بحرف (ن) يكتب هكذا حرفًا واحدًا. ورسمها في المصحف الإمام على هذا، يجعلنا نستبعد ابتداء ما نقل الإمام الطبري من اختلاف أهل التأويل فيه:

قيل هو النون أي الحوت واحد النينان، أو هو لوح من نور، أو اسم للدواة.... ويمنعه أن هذا النون يرسم ثلاثة أحرف "نون" وليس حرفًا واحدًا (ن) .

وهذا الاستبعاد يعفينا من الوقوف عندما ما روى عن "ابن عباس ومجاهد" في هذا الحوت الذي عليه الأرضون، تحت الأرض السابعة! وإن الله سبحانه خلقه قبل السموات والأرض، فلما دحيت الأرض اضطرت الحوت فمادت الأرض فأثبت بالجبال!.

كما يعفينا من العقد اللغوية والنحوية والصرفية في إعراب نون، اسمًا للدواة، وقد صرح الزمخشري بأنه لا يدري - ولا أدري معه - "أهو وضع لغوي أم شرعي؟ وهل اسم جنس، أو علم لنون يمنع من الصرف؟ ".

وفي قول آخر إن (ن) اسم للسورة. وليس فذ هذا القول ما يغني، لأن السورة على هذا القول إنما سميت بهذا الحرف في أولها، كما سميت سورتا (ص، ق) بالحرفين لإي أولهما.

ويبدو أن الراغب الأصفهاني، اختار أن تكون (ن) الحرف المعروق من حروف الهجاء، وهو ما نطمئن إليه، فتكون سورة القلم هي أول سورة نزلت مفتتحة بحرف

40

من هذه الحروف المقطعة بفواتح السور، وبعدها نزلت ثمان وعشرون سورة مفتتحة بهذه الحروف، منها ست وعشرون سورة مكية، وثلاث سور من أوائل العهد المدني: البقرة وآل عمران، والرعد.

ومجموع حروفها بغير المكرر منها أربعة حرفًا، هي نصف حروف معجمنا.

وقد اختلف المفسرون في تأويلها، وأنقل بإيجاز من أقوالهم فيها:

* إنخا إشارات إلى صفاته تعالى أو أسمائه، وأصحاب هذا القول لا يكادون يجمعون على دلالات الحروف فيه، ففي الكاف مثلًا، قيل، أو كريم، أو كبير. وفي حرف (ق) قيل: قادر أو قاهر. وفي حرف (ن) قيل: ناصر، أو نور.....

* وقيل هي علامات وضعها كتاب الوحي. ويمنعه أن تدخل هذه العلامات، وهي من قول البشر، في آيات القرآن بعد البسملة.

* وقيل هي من حساب الجمل. وهذا من إسرائيليات "حيى بن أخطب اليهودي" فتقول الراوية إن أخاه أبا ياسر مر في رجال من يهود برسول الله - ﷺ - وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم" فأخبر حيى بن أخطب بذلك، فمشى إلى المصطفى عليه الصلاة والسلام، فقال: "لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما ملكه وما أجل أمته غيرك: الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. أفندخل في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟

ثم سأل: هل مع هذا غيره؟ أجاب عليه الصلاة والسلام: نعم، المص. فعدها اليهودي بحساب الجمل فإذا هي إحدى وستون ومائة سنة، ثم عد "المر" فإذا هي إحدى وسبعون ومائتا سنة "وانصرف بقومه للنبي عليه الصلاة والسلام: لقد لبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلًا ما أعطيت أم كثيرًا".

* وقيل هي بمثابة تنبيهات لما يكون بعدها من الحديث، وأكثر ما يكون بعدها ذكر القرآن الكريم. وقد فصل "الفخر الرازي" هذا الوجه، وكذلك "ابن قيم

41

الجوزية" في (التبيان) واستوفاه "ابن كثير" في تفسيره على وجه الاستقراء.

* وقيل إنها من المتشابهات التي استأثر الله بعلمها. وقريب منه ما روى عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور: إن لكل كتاب سرًا وإن سر هذا القرآن فواتح السور.

* واختار ابن القيم أن يكون في افتتاح السور بها، تنبيه على شرف الحروف وعظم قدرها وجلالتها، إذ هي مبانى كلامه تعالى وكتبه التي أنزلها على رسله، وأقدر عباده على التكلم بها، وهذا من أعظم نعمه عليهم كما هو من أعظم آياته.

وهذا الوجه قريب إلى مجال دراستنا البيانية، وأقرب منه قول من قالوا إن هذه الحروف "ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من مثل حروفهم.... ليدل القوم الذين نزل القرآن بلغتهم أنه بالحروف التي يعرفوها فيكون ذلك تعريفًا لهم ودلالة على عجزهم أن يأتوا بمثله".

وقد عرضت للموضوع بمزيد تفصيل وتدبر، في كتاب (الإعجاز البياني للقرآن) .


ومجيء الحرف (ن) في (سورة القلم) المكية المبكرة، فيه لفت واضح إلى سر الحرف في البيان المعجز. وفي السورة جدل من المشركين في نبوة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وجحد لمعجزته، وقول بأنها من أساطير الأولين. فكأن هذه تمهيد للمعاجزة التي تتحداهم أن يأتوا بمثله، واستدراجهم إلى أن تلزمهم الحجة، بأن يعرضوه على ما عرفوا من أساطير الأولين. وإن كلماته لمن الحروف التي عرفوها في عربيتهم، لغة الكتاب العربي المبين....

42

وقد كانت كلمة الوحي الأولى "اقرأ" لافته إلى آية الله الكبرى، في الإنسان الذي خلقه سبحانه من علق، وعلم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم.

وبعدها نزلت سورة القلم مبتدأة بحرف (ن) لافته إلى سر الحرف الذي هو مناط القراءة والعلم والبيان، تنطق به منفردًا منقطعًا فلا يعطي أي معنى أو دلالة، بل لا يكاد يخرج عن مجرد صوت، ثم يأخذ الحرف موضعه من الكلمة في البيان، فيتجلى سره الأكبر.


﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .

قال الإمام الطبري إن القلم معروف "غير أن الذي أقسم به ربنا من الأقلام، القلم الذي خلقه تعالى فأمره بكتابه ما هو كائن إلى يوم القيامة".

وأطال "ابن قيم الجوزية" في شرح فوائد القلم وبيان عظمته، قال: "فأقسم بالكتاب - ن - وبالقلم الذي هو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه وكتب به الوحي وقيد به الدين واثبت به الشريعة وحفظ بها العلم وقامت مصالح العباد في المعاش والمعاد".

ثم عقد فصلًا في مراتب الأقلام فجعلها اثنى عشر قلمًا، أعلاها وأجلها قدرًا قلم القدر السابق. وقد أقسم به إعظامًا له.

ويوجه هذا إلى تأويلهم ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ بأن الضمير في الفعل للحفظة من الملائكة الذين يكتبون بأمر الله أقدار الخلائق وأعمالهم في اللوح المحفوظ.

وفيه قول آخر، هو أنه القلم المألوف المعتاد الذي يسطر به الناس كتاباتهم ووجه إعظامه بالقسم، أن الله تعالى هو ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .

والذي نطمئن إليه - والله أعلم - هو أن تكون الواو هنا قد خرجت عن معناها

43

الأول في القسم للتعظيم، لملحظ بياني، هو اللفت إلى ما عهدوا من أمر القلم والكتابة واعتمادها على سر الخوف، توطئةً إيضاحية للرد على جدل المشركين في كلمات الله تعالى.

والأقرب عندنا أن يكون الضمير في ﴿يَسْطُرُونَ﴾ لمن كانوا ينقلون من العرب أساطير القدماء ويحلولون أن يشبهوا القرآن الكريم بها، إذ نلمح في إيثار ﴿يَسْطُرُونَ﴾ على: يكتبون: ما يتجه بها قوله تعالى في الآية بعدها من سورة القلم: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ .

ونظيره ما في الآيات:

﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفرقان5)

﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الأنعام 25)

﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الأنفال 31)

﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (النمل 68)

وآيات (النحل 24، الأحقاف 17، المطففين 13) .

هم إذن، كانوا على علم باساطير الأولين، وفيهم من كان يكتتبها ويتلو منها تحديدًا للمصطفى عليه الصلاة والسلام، على ما روى "ابن إسحاق" في (السيرة النبوية) . وهذه هي آيات الكتاب المعجز معروضة عليهم بلغتهم وحروفهم، فليقابلوها على ما لديهم مما كانوا يسطرون.


والرسول عليه الصلاة والسلام في أول عهدده بالوحي، كان في أشد الحاجة إلى ما يثبت فؤاده ويذهب عنه قلق النفس وشواغل البال. وكتب الحديث والسيرة،

44

تصف حالته النفسية حين آب من غار في ليلة القدر، مرتعدًا بادى الحيرة والقلق، وأفضى إلى زوجه السيدة خديجة بما رأى وما سمع فقالت رضي الله عنها: أبشر يا ابن العم واثبت فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتؤدى الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث....

كما نقلت كتب الحديث والسيرة وطبقات الصحابة، ما كان من تلقي "ورقة بن نوفل" لخبر الوحي الأول، وقوله للمصطفى عليه الصلاو والسلام: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتقاتلنه ولتخرجنه!.

وفي ضوء ما تواتر كم أخبار عن حالة المصطفى عليه الصلاة والسلام أول عهده بالوحي: وما واجه من تكذي المشركين وحيرتهم فيما يصفونه به، نتلو الآيات:

﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .

فندرك عمق أثرها في تثبيت المصطفى وتقوية فؤاده، وتهيئته لما هو بسيل أن يحتمل من أعباء التبليغ لرسالته، والصبر على ما يلقى من عنت المكذبين الضالين، وسفة الوثنية القرشية العاتية.

وجمهرة المفسرين على أن جملة ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ اعتراضية، كما تقول لصاحبك: أنت بحمد الله فاضل.

وهذا أقرب ممن تأولوه: ما أنت بمحنون والنعمة بربك. ذكره "أبو حيان" في (البحر) وقال إنه تفسير معنى لا تفسير إعراب.

وفيه تكلف لا يسيغه حس العربية المرهف الذي يجلوه البيان القرآني في ذورة نقائه. وإنما يفهم في بساطة ويسر، بالمألوف كم بيان العربية في مثل: قولك: ما أنت بفضل الله بشقي.

وقد سبق استقراء ما في القرآن من لفظ نعمة، مادة وصيغة، في تفسير آية التكاثر: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ وهدى الاستقراء إلى أن القرآن يستعمل النعمة

45

لنعم الدنيا، ويخص صيغة النعيم بدلالة إسلامية على نعيم الآخرة.

ونقف هنا عند هذه الباء في خبر ما: ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ وقد جرى النحاة والمفسرون على القول بأنها زائدة، فهي تعمل في لفظ الخبر، ويبقى الحكم الإعرابي على أصله، يمنع من ظهور حركته، اشتغال المحل بكسرة حرف الجر الزائد.

وباستقراء ما في القرآن الكريم من خبر ليس وما، يلقانا اطراد وقوع هذه الباء المقول بزيادتها، في خبرهما المفرد غير المؤول. لم تتخلف إلا في بضع آيات لها سياقها الخاص الذي يوجه إلى الاستغناء عن الباء.

ولا يهون القول بأن الباء حرف جر زائد، إذ مقتضى القول بزيادتها إمكان الاستغناء عنها، وهو ما لا يؤنس إليه البيان القرآني.

والنحويون من المفسرين، يذهبون إلى أن الباء زائدة لتأكيد النفي.

ونقول إن الآية لا تؤخذ بمعزل عن نظائرها، والذي نطمئن إليه، في هدى التدبر لما استقرأنا من هذا الأسلوب في القرآن، هو أن الباء تأتي في خبر المنفي بما أو ليس، فتجعله جحدًا وإنكارًا:

﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾

﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .

﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾

﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾

﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾

﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾

﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾

46

﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾

﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾

﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾

فإذا جاءت الباء في خبر المنفي بأسلوب الاستفهام: أليس.... ألست؟ لم تكن لتأكيد النفي، بل تخرجه بيانيًا من النفي، إلى تقرير ملزم وإثبات مؤكد، وفي هذا الأسلوب، تلزم الخبر الباء المقول بزيادتها، باستقراء كل آياتها:

﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾؟

﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؟

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾؟

﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾؟

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾؟

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾؟

﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾؟

﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؟

وفي آية القلم، تأتي الباء في خبر المنفي بما، فتصير به إلى إنكار بات:

﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .


﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ .

الأجر في أصل الوضع اللغوي، الجزاء المادي على عمل أو منفعة، ومن الإيجاز والاستئجار في المعاملات. وينتقل إلى الجزاء المعنوي، فيخص بصيغة الأجر دون الأجرة التي يغلب استعمالها في المعاملات.

ثم جاء الأجر في المصطلح الديني، بمعنى الثواب، ملحوظًا فيه ما يعود من جزاء العمل.

زمن الاستعمال القرآني للأجر بمعناه الأول، الأجور في مهور النساء:

47

﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾

وآيتا القصص في ابنتى شعيب وموسى:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾

ومن استعماله القرآني بدلالة مجازية أو اصطلاحية:

﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾

﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾

﴿أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾

وآية القلم:

﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾

ومن معاني المن في العربية، ما يوزن به. والمنون الموزون، ومنه جاءت المنة بمعنى النعمة ذات القيمة والوزن. ومن على فلان أنعم عليه.

قال الراغب في (المفردات): وذلك لا يكون على الحقيقة إلا من الله سبحانه وتعالى.

وبملحظ من الوزن، جاء الممنون بمعنى المحسوب المعدود: من على فلان، حسب عليه ما قدم إليه من خير أو منفعة، وذلك مستقبح بين الناس، ومنه القول المأثور: "المنةُ تهدم الصنيعة" لأنها تقطع الشكر وتنقص النعمة. وذهب "الراغب" إلى أن المنون. بمعنى المنية، جاءت من كونها تنقص العدد وتقطع المدد.

والاستقراء القرآني للمادة، يرجع ما ذهب إليه الراغب من أن المن لا يكون في الحقيقة إلا من الله، إذ يأتي المن مسندًا إليه تعالى، في سياق التفضل

والتذكير بنعمه على خلقه. كالذي في آيات:

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (آل عمران 164)

﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ (يوسف 90)

48

﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ (القصص 82)

﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ (الطور 27)

﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ (الصافات 114)

ومعها آيات: الأنعام 53، النساء 94، طه 37، القصص 5، إبراهيم 11.

أما حين يأتي المن في القرآن مسندًا إلى المخلوقين، فالسياق على وجه النهي أو النفي، كالذي في آيات:

﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (المدثر 6)

﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات 17)

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ....﴾ (البقرة 262)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (البقرة 264)

إلا أن يكون في نص السياق قرينة صارفة لمن البشر عن وجهه المذموم، كالذي في آية "محمد" في قتال الذين كفروا: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ والمن فيها بمعى: إطلاق بغير فدية.

وآية (ص) في سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ 39.

وفي تفسير ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ بآية القلم، قال "الراغب": إنه غير مثطوع ولا منقوص.

ومثله "ابن القيم" في (التبيان): غير مقطوع بل هو دائم مستمر.

ومما فسره به "الزمخشري":

"غير ممنون به عليك لأنه ثواب تستوجبه على عملك، وليس بتفضل ابتداء،

49

وإنما تمن الفواضل لا الأجور على الأعمال".

أنكره "أبو حيان" ورأى فيه "دسيسة اعتزال".

وكذلك أنكره "ابن المنير الإسكندري"، فقال في (الانتصاف):

"..... ما كان النبي - ﷺ - يرضى من الزمخشري بتفسير الآية هكذا، وهو - ﷺ - بقول: لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، حتى أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة.... لقد بلغ الزمخشري سوء الأدب إلى حد يوجب الحد، وحاصل قوله أن الله لا منة له على أحد ولا فضل في دخول الجنة لأنه قام بواجب عليه. نعوذ بالله من الجراءة عليه".

ونحتكم إلى القرآن الكريم، فيهدينا تدبر ما نقلنا من ىيات المن، إلى أن الله تعالى أن يمن على عباده تفضلًا وتذكيراُ بنعمه، وإنما يكره المن من البشر، حين يكون على وجه التعالي والمحاسبة. ولآية القلم نظائر في آيات:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (فصلت 8)

(ومعها آيتا: التين 6، والانشقاق 25) .

وبها نستأنس في فهم آية القلم، فنطمئن إلى تفسيره بأنه أجر غير معدود ولا مشوب بما ينغضه. وليس على الوجه الذي ذهب إليه "الزمخشري". فالله سبحانه وتعالى يمن على نبيه المصطفى وعلى عباده، تفضلًا وإنعامًا.

وتنكير "أجر" يفيد الإطلاق، والتعميم غير المقيد بتعريف يخصصه.


وفي تفسير آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .

نقل "الإمام الطبري" قول من فهموها بحديث السيدة عائشة رضي الله عنها، أنها سئلت عن خلق الرسول - ﷺ - فقالت: كان خلقه القرآن.

وقد يرد عليه أن الآية مكية مبكرة من أوائل الوحي، ولم يكن قد نزل من القرآن الكريم ما تعرف به القيم الخلقية القرآنية.....

50

وفسرها بعضهم بالدين: وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام.

وليس في القرآن كله، ما يؤنس إلى استعمال بمعنى الدين.

وإنما تؤكد الآية، ما علم الله من خلق نبيه المصطفى، وقد كان منذ صباه معروفًا في قومه بسموالخلق، كما كان في شبابه فتى قريش أمانة وصدقًا ونبلًا وعفة، أو كما قال عمه أبو طالب في خطبة زواج محمد من خديجة بنت خويلد:

"أما بعد فإن محمدًا ممن لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح به شرفًا ونبلًا وفضلًا وعقلًا".

وقالت أم المؤمنين الأولى، رضي الله عنها، في ليلة القدر:

"الله يرعانا يا أبا القاسم، أبشر يا ابن عم واثبت.... والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتص الرحم وتؤجي الأمانة وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق".

ومعهاما تواتر به الخبر من لقب الأمين الذي أطلقته قريش على محمد بن عبد الله قبل المبعث.

وهذه آية القلم، من أوائل الوحي: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .

شهادة إلهية بعظمة خلق المصطفى عليه الصلاة والسلام، تتوج ما كان معروفًا من مكارم أخلاقه، وتمنحه القوة على مواجهة المكذبين الطاغين.


﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ .

أصل الاستعمال اللغوي في البصر، للعين الباصرة، ومنه في القرآن الكريم مثل آيات:

﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (النحل 77)

﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ (البقرة 20)

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (النور 30)

51

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (النور 31)

﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (القيامة 7)

﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ (الأحزاب 10)

﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (النور 43)

ثم قيل للإدراك الثاقب: بصر، بملحظ من قوة التحقيق ونفاذ النظر. واختصت القوة المدركة بلفظ البصيرة، فلا يكاد يقال للحاسة بصيرة، ويقال لذي البصيرة بصير، ولا يقال في الحاسة إلا مبصر.

ومن الأسماء الحسنى البصير، وليس المبصر من أسمائه تعالى أو صفاته.

وأكثر ما في القرآن من البصر، هو من معنى البصيرة، كالذي في آيات:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (آل عمران 13)

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق 22)

﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ (الأنعام 104)

﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ (الأعراف 179)

﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف 198)

﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ (يونس 43)

﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (النمل 13)

ويبدو ان استعمال البصر في رؤية العين، ملحوظ فيه غالبًا، التميز ونفاذ النظر، بشاهد من آيات:

﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾؟ (الأنبياء 3)

﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾؟ (الزخرف 51)

﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾؟ (الطور 15)

﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾؟ (يس 9)

ونطمئن إلى أن البصر في آية القلم، بمعنى النظر الثاقب المميز والمعرفة

52

المدركة، وزمن الفعل فيه منقول إلى المستقبل القريب بحرف السين:

﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ .

ولا اشق على القارئ بنقل الخلاف بين النحويين في توجيه آية ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ وإعرابها. وقد لخصه "ابن قيم الجوزية" بإيجاز واف، نراه يغني هنا، قال:

"وقد اختلف في تقدير قوله ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ فقال أبو عثمان المازني: هو كلام مستأنف، والمفتون عنده مصدر، أي بأيكم الفتنة. والاستفهام عن أمر دائر بين اثنين قد علم انتقاؤه عن أحدهما قطعًا، فتعين حصوله للآخر. والجمهور على خلاف هذا التقدير، والآية عندهم متصلة بما قبلها، ثم لهم فيه أربعة أوجه:

أحدها، أن الباء زائدة، والمعنى: أيكم المفتون، وزيدت في المبتدأ كما زيدت في قولك: بحسبك أن تفعل. قاله أبو عبيد.

الثاني: أن المفتون بمعنى الفتنة، أي: ستبصر ويبصرون بأيكم الفتنة. والباء على هذا ليست بزائدة. قاله الأخفش.

الثالث: أن المفتون مفعول على بابه، ولكن هنا مضاف محذوف تقديره بأيكم فتون المفتون. وليست الباء زائدة. قاله الأخفش أيضًا.

الرابع: أن الباء بمعنى في، والتقدير: في أي فريق منكم النوع المفتون. والباء على هذا، ظرفية".

ونقول مع ابن القيم: "وهذه الأقوال كلها تكلف ظاهر لا حاجة إلى شيء منه و﴿سَتُبْصِرُ﴾ مضمن معنى تشعر وتعلم، فعدى بالباء.... وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من قريب فلا تجب من دعاك إليه من مكان بعيد".

والعربية تستعمل الفتنة حسيًا في إذابة الذهب والفضة وصهر المعدن بالنار.

ومن معاني الفتنة في المعجم: الفن، والحال، والإبتلاء، والإعجاب بالشيء، والضلال والكفر، والإيقاع بين الناس.

وهي تحتمل في الآية، أن يكون المفتون من الإبتلاء بالضلال والبغي. ولعلها تحتمل كذلك ما قاله بعض المفسرين من معنى الجنون. وإن يكن حمل الفتنة على

53

الضلال أقرب إلى حس البيان، كما أنه أقرب إلى سياق الآية بعده:

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ .

وقد سبق استقراء الاستعمال القرآني للهدى والضلال، في تفسير آية الضحى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ .

وأصلهما في الضلال عن الطريق أو الإهتداء إليع، حسيًا ومعنويًا. ثم نقلا إلى الدلالة الإسلامية على الكفر والإيمان، وهذا هو معناهما الظاهر في آية القلم، مع ارتباطهما بأصل المعنى الأول، بلفظ السبيل، ترشيحًا للاستعارة على المصطلح البلاغي.

وقال الطبري: "وهذا من معاريض الكلام، وإنما معنى الكلام: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وبقومك من كفار قريش وأنهم الضالون عن سبيل الحق".

وهذا أقرب من قول الزمخشري: "هو أعلم بالعقلاء وهم المهتدون، أو يكون وعيدًا ووعدًا بجزاء الفريقين".

والآية أمسكت عن ذكر مفضول * أعلم * وهذا يطلقه من قيد المفاضلة بين عالم وأعلم، دون حاجة إلى تأويل مفضولٍ تقديره عند بعضهم: أعلم منكم، أو أعلم من سواه. . .


﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ .

التكذيب هنا، بآيات الله ونبوة رسوله عليه الصلاة والسلام.

والإدهان: اللين والتساهل والمداراة، والمداهنة التحايل واللاينة والمداجاة.

وترجع استعمالات المادة وصيغها في الأصل اللغوي إلى الدهن، يتخذ للتليين والتطرية. والدهان الصبغة. والدهين، المكان الزلق كأنه دهن بالدهن.

54