الانتصار للقرآنالجزء 1 · ص 293 - 299

(باب) الكشف عن وجوب ترتيب آيات السور وأن ذلك إنما حصل بالنص والتوقيف دون الاجتهاد

(باب)

(باب) الكشف عن وجوب ترتيب آيات السور وأن ذلك إنما حصل بالنص والتوقيف دون الاجتهاد

الكشفِ عن وجوبِ ترتيبِ آياتِ السور وأنّ ذلك إنّما حصلَ

بالنصِّ والتوقيفِ دونَ الاجتهاد وأنّه ليس لأحدٍ أن يَخلِطَ

آياتِ السُّورِ بغيرِها ولا يضعَ مكانَ الآية ِغيرَها مما قبلَها أو بعدَها

فإن قال قائلٌ: قد قُلتم في غير موضعٍ إنَّ ترتيبَ آيات السُّور فيها واجبٌ

وإنّ ذلك لم يكن إلا عن نص وتوقيف، فما الدليلُ على ذلك، وما الحجَّة ُ

في أنّه ليس لأحدٍ أن يَخلطَ في التلاوة بعضَ آياتِ السورةِ بغيرِها، وأن يقدِّم

من آياتِها المؤخر، ويؤخِّر المقدَّم؟

قيل له: يدلُّ على ذلك أمورٌ، أحدها: جميعُ ما قدَّمناه من الأخبار في

الباب الذي قبلَ هذا" لأنّ جميع ذلك يدلُّ على أن رسولَ الله - ﷺ - هو الذي كان يأمُرُهم ويُوقِفُهم على إثباتِ آيات السورة وترتيبها، وأنّه ليس لهم في ذلك خيارٌ، ولا هو مما رُدَّ إلى آرائهم، فيجبُ أن تكونَ هذه حالَ التلاوة والدرس

ومما يدلُّ على ذلك أنّه لا يخلو أن يكونَ النبيُّ صلى الله عليه قد أخذ

على القَرَأةِ والكتبةِ أن يُرتِّبوا سورَ القرآن في الرسم والتلاوة، وضَيَّق ذلك

عليهم، وجعلَهم في فُسحةٍ من تقديمِ بعضِ الآيات ِ على بعض، وجَعلِ أول

السورة آخرَها وآخِرَها أولَها، وجَعْلِ شطرِها في غيرها وشطرِ غيرِها فيها،

293

وأن يضعوا في ذلك كيف رأوا وأحبوا، فإن كان قد وقفهم على الترتيب

وتأليف آياتِها على النظام الذي هيَ عليه في الإمام فذلك ما نقولُ، وإن كان

قد نصَّ لهم على التخيير في ذلك وجبَ أن يظهر هذا من دِينه ويُعرَفَ من

حالِه وتتوفَّر الدواعي على نقله وذكره، وأن لا يَسُوغَ أن يقعَ من الأمّة ترتيب للسور وحصر لها وتتميزَ بأسماءٍ تُدعى بها، وأمورٍ تُذكَرُ فيها، كما أنّه لو نصَّ - ﷺ - على جوازِ تقديمِ الآية ِ على غيرِها وتأخيرِ المتقدِّم منها من كلماتِها وحرفها وتقديمِ المتأخِّر، وعلى جوازِ القراءة من آخر السورةِ إلى أوّلها: لوجب أن يكونَ ذلك ظاهرًا منتشرًا عنه ومعلومًا من دينه، وفي العلمِ ببطلانِ ذلك وعدمِ ذكره، وعملِ الأمّةِ بخلافِه بأخذهم أنفسَهم ومَن يُعلِّمونه بقراءةِ السورة على ترتيبِ آياتِها، وحظرِ تأخيرِ المقدَّم منها وتقديمِ المتأخِّر وخلطِها بغيرِها: أوضحُ دليلٍ على فسادِ هذا القول، فأمّا نصه على الترتيبِ الذي قلناه، فقد ذكرنا تظاهُرَ الأخبارِ به مِن قبل، وبينّا أنّ عملَ الأمّة مستقِرّ بذلك، وحاصل إلى اليوم.

ويدلُّ على ذلك أيضا ويُوضِحه ما قدَّمنا ذكرَه من قول عبدِ الله بن مسعودٍ

وابنِ عُمرَ فيمَن يقرأ القرآنَ منكوسًا: "ذاك رجل منكوسُ القلب "، و"لو رآه السلطانُ لعاقَبه "، وقد بيّنا أنّ ذلك غيرُ واجبٍ في تقديم بعض السور على بعض، فيجبُ أن يكونَ في تقديمِ بعضِ آياتِ السور على بعض، وعلى أنّهما إن كانا عَنَيا بذلك تقديمَ بعضِ السور على بعضٍ فلأن يكون تقديمُ بعضِ آياتِ السور على بعضٍ وخلطُها بغيرها أولى وأحرى أن تستحق ذلك، فهذا أيضًا يدلُّ دلالةً قاطعةً على علمِهم بوجوبِ ترتيبِ آياتِ السور في الكتابةِ والتلاوة.

ولو كان الأمرُ على ما يدَّعيه السائلُ عن هذا الباب لم تَحتَجِ السورُ إلى

أن يكونَ لها أوَّل وآخِر، وابتداءٌ وخاتمة، ولم يكن على أحدٍ في حفظ

294

القرآن كلفة إذا كان له خَلْطُهُ وتلاوتُه كيف شاء، ومما يدلُّ أيضا على صحة

ما قلناه ويؤكَده ما رواه عبد الرحمن بن حَرْملة عن سعيد بن المسيّب

قال: "مرَّ رسول الله - ﷺ - على بلالٍ هو يقرأُ القرآنَ من هذه السورة ومِن هذه السورة، قال: مررتُ بك يا بلالُ وأنت تقرأُ من هذه السورة ومن هذه، فقال: بأبي أنتَ يا رسولَ الله، إني أردتُ أن أخلِطَ الطيبَ بالطيب، فقال: اقرأ السورةَ على نحوِها"، يعني - ﷺ -: على نظامِها وترتيبِها من غيرِ خلطٍ لآياتِها بغيرِ ما هو منها، وهذا نص على ما قلناه.

ومما يدلُّ على ذلك ويوضحه، أنّ رسولَ الله - ﷺ - كان ربما سهى وأسقطَ من تلاوته آيةً فيستعِيدُها ممن حَفظها عنه، وإذا أسقطَ آيةً وهو في الصلاة شعرَ بذلك مَن خلفَه، وكانوا يسألونه إذا فرغ ويقولون له: تركتَ آيةَ كذا يا رسولَ الله، ليتعلَّموا بذلك أنه قد سها، أو حدث نسخٌ أو رفع وتغيير، ولذلك قال له أُبيّ وغيرُه في مثل هذا: "يا رسولَ الله نسيتَ آيةَ كذا، فقال: "نُسيتُها"، ولو كان له أن يؤخرَ ويقدّمَ ويضعَ موضعَ الآية ِ

غيرها ويجعل بعض آيات السورة في غيرِها لساغَ له أيضًا أن يترك قراءةَ

بعضِ السور، ويزيدَ في ذلك ويُنقِصَ منه، ولم يكن لقولهم "نُسيت " أم

"نُسِخَت " معنىً، وكلُّ هذا يدلُّ دلالةً قاطعةً على أن الواجبَ رسمُ السورة

وتلاوتُها في الصلاةِ وغيرها على نظامِ آياتها وترتيبها.

295

ومما يدلُّ على ذلك ويؤكِّدُه ما رواه الفَضْلُ بن دُكَينٍ عن الوليدِ بن

جُمَيعٍ أنّ خالدَ بن الوليد أمَّ الناسَ بالحِيرة فقرأ مِن سُوَرٍ شتّى، ثم التفت

حينَ انصرفَ فقال: "شغلني الجهادُ عن تعلُّم القرآن ".

وفي روايةٍ أخرى أنّه قال: "إنّي بطّأتُ عن الإسلام وشغلني الجهادُ عن تعلُّم القرآن "، ولو كان للناس تقديمُ المؤخَّر من الآي وتأخيرُ المقدَّم، وخلطُ آياتِ السور بآياتِ سُوَرٍ غيرِها، ولم يكن عليهم في ذلك ترتيبٌ وحدٌّ محدودٌ: لم يحتج خالدٌ إلى اعتذار، ولم يقل: "شغلني الجهادُ عن حفظ القرآن "، لأنّ القرآنَ لا يجبُ حفظُه عندَ الخصم إلا على ما قرأه خالدٌ وأورده، فهذه أيضًا روايةٌ تنبىءُ عن وجوبِ ترتيبِ آياتِ السُّورِ وتلاوتها على سياقِها، اللهم إلا أن يَعرِضَ عارضٌ مثلُ الذي عرضَ لخالدٍ من النسيان والأمور الصادَّة عن ذلك.

فإن قال قائلٌ: أفليسَ قد رُوِيَ عن عبد الله بن مسعودٍ أنّه قال: "نَزَلَت

على رسولِ الله - ﷺ - سورةُ المرسَلات ونحنُ في غار فأقرأنيها، وأنا أقرؤها قريبًا مما أقرأني، فلا أدري أخَتَمَها بقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) .

أو بقوله: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50) .

296

وهذا نص منه على أنه لا يعلم خاتمتَها، وأنّه قد يختمُ تارة بهذا وتارةً

بهذا، وأن الأمرَ في ذلك عندَه سهلٌ قريبٌ بقوله: "فأنا أقرؤها قريبًا مما

أقرأني "، ولأجل أنه ترك أن يستثبتَ ذلك من رسولِ الله - ﷺ - إلى أن مات، فلو كان ترتيبُ آياتِ السور وختمُها بآيةٍ منها مخصوصةٍ لا يجوزُ وضعُ غيرِها مكانَها أمرا مضيَّقًا: لم يُهمِل عبدُ الله سؤالَ رسول الله صلى الله عليه عن ذلك، ولم يَستجِزْ أن يقول: "فأنا أقرؤها قريبا مما أقرأني "، وهذا يدلّ على خلاف ما ادَّعيتم.

يقال له: ليس فيما ذكرته ما يدفعُ قولَنا، بل هو من أدل الأمور على

صحّة ما نذهبُ إليه وفسادِ قولكَ، لأجلِ أنّ عبدَ الله لو لم يجب عندَه مراعاةُ

خاتمة السورة وسياقِها على نظمِ آياتِها وعلى وجه ما لُقَنوه عن رسولِ الله

صلى الله عليه ولولا ذلك لم يكن لذكر إقراءِ رسولِ الله - ﷺ - له معنىً ولذكر خاتمةِ السورة، ولقوله: "فأنا أقرؤها قريبًا مما أقرأنيها"، فهذا الخبرُ بأن يدل على صحّةِ قولنا أولى.

فإن قيل: فإذا كان ذلك عندَكم كذلك فلمَ لم يستثبت عبدُ الله ذلك من

رسولِ الله - ﷺ - ويعرفْه حتى لا يخالف نهجَ قراءته ونظمِه، قيل لهم: إنّما لم يفعل ذلك لأجل أنّه كان يعتقدُ أنّ لسورة المرسَلات خاتمتين إذا قُرئت على وجهين، فيَختِمُ بإحدى خاتمتيها إذا قُرئت على وجه وبالآية الأخرى إذا قُرئت على وجهٍ آخر، لأنه قد صرّح بذلك فيما صحَّ عنه من الرواية لهذه القصة، وذلك أنّ الأعمشَ روى عن ابن رزين عن زرِّ بن حُبَيش قال: قال ابنُ مسعودٍ: "نزلتْ على النبيِّ - ﷺ - (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) ونحن في غارٍ، فأقرأنيها، فإني لأقرؤها قريبًا مما أقرأني، فما أدري بأي خاتمتها ختم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)، أو (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50) .

297

وهذا نص منه على أن لها عندَ الرسول خاتمتَين يختمُ بهما هذه

السورة، وليس يمتنعُ أن يجعلَ اللهُ سبحانه لبعضِ السُّور خاتمتين، إما على

التخييرِ بأن يختمَ القارىءُ بأيهما شاء، ويجعلَ الخاتمةَ الأخرى قبلَ أن يختمَ

بها وأقربَ الآيات ِ إليها لكونها خاتمةً مثلها، أو يجعلَها حيثُ شاءَ من

السورة، أو بأن يجعلَ لها خاتمتين إذا قُرِئت على وجهين مختلفَين في

الترتيب، فإن قُرِئت على وجهِ كذا كانت خاتمُها كذا، وإن قُرِئت على الوجه الآخر ختَمْتَها بالآيةِ الأخرى.

ويكونُ هذا الوجهُ أحدَ الأحرفِ السبعةِ التي أُنزل القرآنُ عليها، أو أحدَ

الوجوه من سبعةِ أحرف أُخَرَ غيرِ السبعةِ الثابتة، وأن يكون اللهُ سبحانه قد

نسخَ إطلاقَ ذلك بعدَ أن أطلقَه وجعلَ للمرسَلات خاتمةً واحدة، وعرفَ ذلك المسلمون وذهبَ على عبدِ الله بن مسعودٍ إذ لم يسمعه، لأن نسخَ ذلك كان قريبا من موتِ النبي - ﷺ - لأن الأمَّة قد أجمعت على أنّه ليس لهذه السورة بعد موت النبي صلى الله عليه إلا خاتمة واحدة، ويكونُ عبدُ الله قد تمسَّكَ بالحكم الأول، فلمّا عرفَه المسلمون ذلكم عرفه وعَلمَ صحّة ما نقلوه، من نسخِ ما كان مباحًا، والدليلُ على ذلك اتفاقُ جميع أصحاب عبد الله وكلّ مَن أخذَ القراءةَ منه وروى عنه على أنه ليس لهذه السورةِ عندَه فيما ثبتَ واستقرَّ به عملُه وقراءتُه إلا خاتمةٌ واحدة، فيجبُ إذا كان ذلك كذلك أن يكونَ نُسِخَ إحدى خاتمتيها.

فإن قيل على هذا: أفَليسَ من دينكم أن السبعة الأحرف والوجوه من

القراءاتِ كلها شافيةٌ كافيةٌ باقيةٌ لم تُنسخ؟

قيل لهم: أجل، وقد ينزلُ القرآنُ على سبعة أوجهِ وأحرفِ أُخَرَ يُنسَخُ

بعضُها ويبقى البعضُ، ويتركُ على ثلاثة أحرف، وقد وردت بذلك الأخبارُ

298

وفُسِّرت السبعةُ الأوجُه بتفسير وردَ عن النبيِّ - ﷺ - والصحابة لا يجوزُ أن تُلغي من الوجوهِ السبعةِ وجها ثابتًا غير منسوخ، فوجبَ أن لا يكونَ للمرسَلات خاتمتان بإجماعهم على منعِ ذلك، وأن لا يكون هو من السبعةِ الأوجهِ من القراءات الثابتة على ما سنبيّنه فيما بعدُ عندَ بلوغِنا إلى الكلام في هذا الباب إن شاء الله.

فإن قيل: فلمَ لم يظهر في الناس نقلُ هذا الحكم وهو أن للمرسَلات

خاتمتين نُسِخَت إحداهما؟

قيل لهم: لأنّه ليس من شأنِ الناسِ في العادة أن يَصرِفوا هِمَمَهم إلى

نقلِ ما كان ورُفِعَ وإذاعته، وإنّما يأخذون أنفسَهم بذكرِ ما ثبتَ واستقرَّ عليهم فرضه، وربّما نقلوا فرضَ التلاوةِ المنسوخة والحكمَ الذي تضمَّنها وعدلوا عن نقلِ التلاوةِ الموجِبةِ لها إذا نُسِخَت وأُزيلَت وبقيَ حُكمها، وإذا كان ذلك كذلك لم يجب أن يعبأَ الناسُ بأنّه كان للمرسَلاتِ خاتمتان نُسخَت إحداهما، وإنّما ذكرَ ذلك ابن مسعود لنسيانٍ كان عن نسخِ إحدى الخاتمتين.

فلما عرفَ ذلك بنقلِ مَن نقله إليه وأخبرَه به استقرَت قراءَتُه وعملُه

بذلك، وهذا ينفي التخييرَ الذي ادّعوه، وهذا الذي ذكرناه أولى مِن قول من قال إنّه قد كان لها خاتمتان إذا قُرئت على وجهين، وإنّ عبدَ الله شكَّ في

الوجهِ الذي قُرِئت عليه كانت خاتمته كذا وكذا ولم يشك في الخاتمتين.

وإنّ إطلاقَ قراءَتِها على الوجهين وخَتْمَها بالخاتمتين ثابت مستقِر إلى أن

ماتَ رسولُ الله - ﷺ -.

299