الانتصار للقرآنالجزء 2 · ص 567 - 582

بابُ ذكرِ مطاعنهم في صحةِ القرآن ونظمِه من جهة اللغة ووصف شبهٍ لهم تجمعُ ضروبًا من مطاعنِهم على التنزيل والكشف عن إبطالها (1 من 4)

بابُ ذكرِ مطاعنهم في صحةِ القرآن ونظمِه من جهة اللغة ووصف شبهٍ لهم تجمعُ ضروبًا من مطاعنِهم على التنزيل والكشف عن إبطالها

قالوا: ومما يدلُ على نقصان القرآن، وتغيير نظمه وزيادة الكلمةِ منه في

غير موضِعها، والعدول بها عن مكانها الذي هو أولى بها، ودخول الخلل

والغلط على جامعيه - فإن الصحيح المرسوم على ما أنزل ورتب عند الإمام

وشيعته القائمين لله بالحق فيه والذابين عنه - وجودنا فيه الكلام الذي ليس

له تمام ولا متناسب في اللفظ، ولا في المعنى، ووجودنا فيه كثيرًا من

الكلام المنقطع المنبتر الذي لا يقتضي صلته بتمامه، وإيراد جواب له حتى

يكون تاما مفيدًا، ووجودنا الاستثناءات منه وارد في غير مواضعها، ومبطلة

مناقضة لما قبلها، وما هي استثناء منه.

وعلمنا بأنه قد أحيل القول في كثير منه، ووصف الشيء فيه بغير صفته

ونُسبَ إلى ما ليس منه في شيء، نحو قوله تعالى: (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) .

والقوارير لا تكون من فضة أبدًا، وقوله: (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) .

والججارة لا تكون من طين، ووجدنا أيضا

567

المصحف الذي في أيديكم منطويا على وصف الهادي الباري تعالى بغير

صفته نحو قوله: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) .

موضوعة للشك وهو مستحيل في صفته.

وقوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) .

وهذا لفظ استخبار واستفهام، وهو ممتنع على علام الغيوب.

وقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) .

وذلك يقتضي أن خلقَ بعض الأشياءِ أصعبُ وأشق عليه من غيره الأهون

منه، وهو موجبٌ لأن يكون ممن يناله الوصبُ والتعب، يتعالى عن ذلك.

ووجدنا فيه أخبارًا متنافية متناقضة نحو قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا)، بعد إخباره في أول القصة

بأنه خلق الأرض قبل السماء.

وقوله في آية أخرى: (أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) .

يريد بعد خلق السماء وبنائها، وذلك خلف وتناقضٌ من القول.

ووجدناه أيضًا منطويا على ما لا معنى له، وعلى كنايات عن قوم لا

وجه لترك ذكرهم وإظهار أسمائهم، نحو قوله: (لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) .

وأمثال هذا مما سنذكر في كل فصل منه جملة مقنعة إن شاء الله.

قالوا: وقد عُلم أن هذا الاختلاف والتخليط واللّحنَ والتناقضَ والتكرارَ

للقصة بعينها على وجه يقتضي العي واللكنة والإطالة بما لا معنى له، لا

يجوز أن يكون واردًا من عند العليم الحكيم، فوجب أنه من تحريف جامعي

المصحف وغلطهم، أو إلباسهم وعنادهم، وإدغالهم (1) للدين وأهله

وإدخالهم فيه ما ليس منه.

  • (1) أي: إفسادهم، انظر "مختار الصحاح" مادة (دغ ل) .
568

واعلموا - رحمكم الله - قبلَ الكلام عليهم أن هذه المطاعنَ بأسرِها

مطاعن الملحدينَ في كتاب الله تعالى، وقد سبقوا إلى ذكرها والاحتجاج بها

وزادوا على قدر ما تذكره الرافضة من هذه الأبوإب، لأنها إنما تذكر قليلًا

من كثير من كلام الملحدين في هذا الباب، ومن هذه الفصول التي أحتج بها

الملحدون ما تودعه الرافضهُّ كتبها، وتحتج به على تخليطِ السلفِ في كتاب

الله، وتغييرهم له، وفيما تورده في نفس المناظرة والدعوةِ إلى ضلالتهم

على وجه التمويه على المستضعفينَ ممن يدعونَه أو يناظرونَه، وربما أجهدوا

أنفسَهم عند قوله للعامة الغوغاء مِن أتباعهم: إنَّ هذا المصحفَ مصحفُ

عثمان، وأنه مغيّر مبدّل ومزيد فيه ومنقوص منه ومتواضَع على تحريفه.

وقصدَ التخليطِ فيه في إيراد جميع شُبه الملحدينَ ومطاعنهم على كتابِ الله.

وإن كانوا عالمينَ بفسادِه ووجهِ المخرَج منه، وجواز استعماله في اللغة

قصدا منهم إلى الإلباس وتشكيك من اشتركوه في صحة كتاب الله.

والاستعانة بما يوردونه عليه، ضمنَ شبه الملحدين على ما يحاولونه من

استجابة الناس إلى ذم السلف، تركَ العملِ على مصحفِ عثمان، وتعلق

قلوبِ سامعِ شُبههم بالقرآن الصحيح الذي عند الإمام علمه، وليس على

أحد له أدنى فضل ومِسْكة ومطالبة شبهةٍ فيما يتعلقون به.

ونحن نذكر في كل ما تعلقوا به جملة بينة على ما وراءها، ونفتح طريقَ

العلم بصحَّة ما طعنوا فيه وتوهمهم وعنادهم فيما صاروا إليه على سبيل

الإشارة به والتلويح، وإننا إن قصدنا لاستيفاء الكلامِ في جميع هذه الفصولِ

والأبواب، احتجنا أن نبسطه ونتقَصَّاه في دسوس أوراقٍ وخرجنا بذلك

569

عن غرض الكتاب، ونحن نرجو إغناء من نصح نفسه وهُدي لرشده بقدر ما

نذكره واستقلاله به عن أمثاله، وما هو بمعناه وما توفيقنا إلا بالله وهو

المستعان.

قالوا: ومما يدل على تغيير القوم لكتاب الله تعالى ونقصانِهم منه ما في

مصحف عثمان من قوله عز وجل: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) .

فذكر أمة واحدة ولم يذكر أخرى، وسواءٌ. - تأتي للمعادلة بين شيئين، يستويان ويتفاضلان، ومتى ذُكرَ أحدَهما ولم يذكر الأخرى كان الكلام ناقصا، مبترًا غير مفيد، قالوا: ومن هذه أيضًا قوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) .

وينبغي أن يقال: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لنالكم كذى وكذى أو

لأصابكم بكذى ونحوه، وإلا لم يكن الكلام تاما.

قالوا: وفيه أيضا قوله: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى)، ولم يقل لكان هذا القرآن أو مثل هذا القرآن ونحو

ذلك مما تتم به الفائدة، ومن هذا أيضا قوله، (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا)، ولم يذكر ضد هذا، ولا بد من ذكره ضده وخلافه.

لأنك تقول أم مَن هو مصدقٌ لك ومنقادٌ لأمرك كمن هو مخالفٌ عليك

ومكذب لك، ومتى لم يذكر نقيض الموصوف الأول أخلت، وتبتر الكلام.

قالوا: فوجبَ أن يكون هذا أجمع وأمثاله يقتضي من ناحية وضع اللغة.

ومُقتضى الخطابِ أن يكونَ القرآنُ المرسومُ في مصحفِ عثمانَ مغيرًا ناقصا.

يقال لهم: لا يجبُ شيءٌ مما ظننتم، لأن سائر ما تعلقتم به وادعيتم الإحالة

فيه معروف مستعملٌ في اللغة، وقد تكلم فيه أربابها.

وقالوا: إنه باب حذف الجواب المقدر في الكلام على وجه الاختصار والاقتصارِ على شاهد الحال،

570

ومفهوم الخطاب، فأما قوله: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) إلى

آخر الآية، والمراد وأمة أخرى ليست كذلك فحذف الجواب على وجه

الاختصار.

وأمَّا قوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ)، فإنّما المراد والله أعلمُ لعذّبكم بذنوبكم أو أخذكم بها، ونحو ذلك الحذف أيضًا على الاختصار، وكذلك المقصد بقوله: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى)، لكان هذا القرآن أو مثل هذا القرآن ونحوه، فحذف اقتصارًا على العلم بالمراد به.

فأما قوله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا)، فالمراد به والله

أعلم كمن هو بضد هذه الصفة وتاركٌ لهذه القربة وهذا الاجتهاد، فحذف

اقتصاراَ على ما ذكره بعد ذلك من قوله: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، وقد ورد مثل هذا في اللغة والشعر كثير من ذلك.

قال الشاعر:

عصيتُ إليها القلبَ إني لأمرِها ... سميع فما أدري أرشدٌ طِلابُها

أراد: فما أدري أرشد طِلابُها، أم غيّ، فحذف ذِكرَ الغيّ.

وقال آخر:

فأقسمُ لو أنَّا يا رسولُ سواك ... ولكن لم نجد لك مدفعا

أراد به: ردَدَناه أو حجبناه، فحذف ذكر الرد والحجاب.

وقال آخر:

أراك فلا أدري أهمٌ هممتُه ... وذو الهم يوما خاشع متضائلُ

571

أراد أهم هممته أو شيء غيره فحذف ذكر غير الهم، وهذا كثير من أن

ومثل هذا ما يتعلّقون به قوله عز وجل: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) .

ثم وصفَ المؤمنين ثم قال: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5)

، ولم يذكر الشيء الذي شتهه بإخراج الله له من بيته بالحق، وكما أنّه يدخلُ في الكلام لتشبيه الشيءِ بغيره، وذلك أن الله تعالى شبه إخراجَه من بيتِه مع كراهةِ قوم من المؤمنين لذلك بتنفيله عليه السلام يوم بدر لسلبِ القاتل، وجعلِه لمن أتى بأسيرٍ كذى وكذى، وإنما فعل ذلك لقلة المسلمين يومئذ وكراهةِ كثير منهم القتال، وكره قوم منهم أن يكون لكل من قتلَ قتيلًا سلبُه، فقال الله لهم: قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، أي يضعُها حيث شاء، (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، أي فرقوها بينكم على ما أمر الله ثم قال: «كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ)، أي أنهم كرهوا ذلك كما كرهوا إخراجَك يوم أخرجتَ من بيتك، فحذفَ وجعلَ

ما تقدم في أول السورة جوابا لهذا الكلام، واقتصر على دلالة الكلام عليه.

ومثلُ هذا قولُ الشاعر:

فلا تدفنوني إنَّ دَفْني مُحرَّمٌ ... عليكم ولكن خامري أمّ عامر

يقول: لا تَدفِنوني، ولكن دَعوني للتي يقال لها إذا صيدت: خامري أم

عامر يقصدُ الضّبع لتأكلني، فحذف ولكن دَعوني، للعلم باقتضاء الخطاب

له.

572

قالوا: ومن هذا الباب أيضا قوله تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ)، ولم يأتِ بالشيء الذي جعل الجنّة مثلًا له، وهذا يتقضي فساد

الكلام وخلوّه من فائدة، واستعماله على غير ما يجب وذلك ينفي أن يكون

من عند الحليم العليم.

يقال لهم: ليس الأمر في ذلك على ما قدمتم لأن المثل قد يكون معناه

النسبة الذي هو مماثلةُ الشيء لغيره، لأنك تقول: هذا الشيء مثل هذا

وأمثاله، كما تقول هذا شبه الشيء، وشبيهُه وشبهُه، وقد يكونُ بمعنى صفة

الشيء وصورته، وكذلك المثلُ والمثالُ يكونُ بمعنى الصفةِ والصورة

والخلقة، يدلُّ على ذلك قولهم للمرأة الجميلة الرقيقة الرائعةِ كأنها تمثال

ومثال أي كأنّها صورة، وكما يقال كأنها دمية، يعني الصورة، وهذه المرأة

مثل أي صورة، ومنه قولهم مثلت له كذى أي صورته، وأَرني مثال الدار

ومثال زيد أي: صورة ذلك، وقولهم: مثّل له الحظ أي صوّره له ما يَقتفي

فيه أثرَ الممثل، وهذا أظهرُ وأشهرُ من أن يُحتاج إلى إكثار وإذا كان ذلك

كذلك حُملَ قوله تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ) إلى آخر ما نَعتَها به على أنه أراد أن صورتَها وصفتَها أنّ فيها كذى وكذى.

ومن هذا أيضا قوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، إلى آخر ما وصفهم وصوّرهم، لأنه لم يَضرب لهم مثلاَ

في أول الكلام، فيرد بمثلهم عليهم، ورُويَ أنّ عليًا عليه السلام كان يقرأُ:

"مثالُ الجنّة التي وُعدَ المتقون "، و"أمثالُ الجنهّ "، وهذا بمثابة مثلُ الجنّة.

فأمّا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) .

فإنه إنّما لم يأت بالمثل، لأنّ في الكلام معناه، وما يدلّ عليه وهو قوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)

573

فكأنه قال إنّما مثلكم أيها الناسُ في عبادةِ الأصنام

وغيرِها مثلُ من عبد إلها لا يقدرُ على خلقِ ذبابة ولا يقدرُ على الاعتصام من

سلبِ ما يسلبهم الذبابُ في أن عابدَ من هذه صفتُه جاهل مقصِّر وقاصد

بالعبادة والتعظيمِ من لا يجوزُ له فحذف على وجه الاختصار والاحتذاءِ بما

يدل على ما في سياق الكلام، ومن الحذف والاختصار أيضا حذفُ جواب

القسم، ومنه قوله: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) (إلى قوله) (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)، ثم قال (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ)، ولم يذكر ما أقسم لأجله وإنَّما معناه والنازعات

وكذى وكذى لتبعثن، وكذلك قوله: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) .

ثم قال (بَلْ عَجِبُوا) ولم ياتِ بذكر ما أوقعَ القسم له، والتقديرُ والقرآن لتُبعثُن، فقال الكافرون هذا شي عجيب، فحذفَ ذكرَ البعث لما في الكلام من الدلالةِ عليه من جحدِ الكفّار للبعثِ والنشور، ومن هذا أيضا قوله: (إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ)، فأراد إلا كباسطِ كفيه إلى الماء

ليفيضَ عليه ليبلُغ فاه، فاستطال وحذفَ لدلالةِ الكلام عليه.

قال الشاعر:

فإني وإتاكُم وشوقا إليكم ... كقابض ماء لم تسُقه أناملُه

أرادَ كقابضِ ماء ليرفَعه لم تسُقه أنامِله، فحذفَ واقتصر، وقد يقعُ الحذفُ

والاقتصارُ بالكنايةِ عن غير مذكور تقدم، كما نكنِّي عما تقدم له ذكرُ الاقتصارِ على دلالةِ الحال والخطاب، وما خرجَ الكلامُ عليه، ومنه قولُه تعالى: (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا)، يعني الوادي، وقوله: (إِذَا جَلَّاهَا)، يعني الدنيا، ولم يتقدم لها ذكر وقوله: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ)، يعني

574

الشمس، ولم يجر ذكرَها وقوله: (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ)، أي: بموسى، وإن لم يذكره وقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، يعني القرآن، ولم يتقدم ذكرُه وقال: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ)، يعني الأرض، وإن لم يتقدم لها ذكر، وهذا أجمعُ سائغ مستحسن في اللغة، ومعروف عند أهلها، وليس لأحد أن يقول: إن هذا كلام ناقص مبتّرٌ غيرُ مفيد، إذا كانت المقاصدُ به معروفةً والعادةُ باستعمالِ أمثالِه جارية مألوفة.

قال المثقب العَبْدي:

فما أدري إذا يَممتُ أرضا ... أريدُ الخيرَ أيهما يَلِيني

أألخيرُ الذي أنا أبْتَغِيه ... أم الشرُّ الذي هو يَبتغِيني

فكنَّا بقوله أيهما عن الخير والشر لما ذكرهما بعد الكناية.

وقال آخر:

إذا نُهيَ السفيهُ جَرى إليه ... وخالفَ والسفيهُ إلى خلافِ

يعني تاليه إلى السّفه.

ومنه قولُ حاتم:

أما ويٌّ ما يُغني الثراءُ عن الفتى ... إذا حَشْرجَت يوما وضاقَ بها الصدرُ

575

يعني النفس، ولم يتقدم لها ذكر.

وقال لبيد:

حتى إذا ألقت يدا في كافرٍ ... وأجن عورات الثغور ظلامها

يعني الشمس إذا أبتدأت في المغيب، والكافر المعط، والثغور الأودية

والشعاب، من كل موضع يخافه يسمى ثغرًا.

وقد يحذفُ ويختصرُ بأن يوقع على شيئين وهو لأحدهما ولا يذكرُ فعل

الآخر، ويقام فعلُ أحدهما مقامَ ما ذكرُ معه على وجه الإيجاز والاختصار

ويضمرُ في الكلام ما كان يجب أن يذكرَ ويُظهر، ومن هذا قوله تعالى:

(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) .

والفاكهة واللحم والحورُ لا يطافُ بها، وإنما معنى ذلك أنهم يؤتون

مع ما يطافُ به عليهم بلحم طير وفاكهة وحور عين، ومنه أيضا قوله تعالى:

(فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ)، أي فادعوا شركاءكم.

قال الشاعر:

تراه كان اللهُ يَجدعُ أنفَه ... وعينيه إن مولاه بانَ له وفرُ

وإنما عني تراه كان الله يجدع أنفه ويفقأ عينيه، فأجرى على العين فعل

الأنف على سبيل الحذف والاختصار.

576

وقال الشاعر:

ورأيت زوجكَ في الوغى متقلدًا سيفًا ورمحًا

والرمحُ لا يتقلد به، وأجرى عليه فعل السيف.

وقال آخر:

إذا ما الغانياتُ برزنَ يومًا ... وزجَّجنَ الحواجبَ والعيونا

والعيونُ لا تزججُ وإنّما أراد زججنَ الحواجبَ وكحَّلن العيونا.

وقد يحذفُ أيضًا المضافُ ويقامُ المضافُ إليه مقامَه، ويجعلُ الفعلُ له.

ومنه قوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ)، أي حبّ العجل

و(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، أي: وقت الحج، وقوله: (لَهُدِّمَتَ

صَوَامِعُ)، الصلو اتُ وبيوتُ الصلوات، وقوله: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ)، يريد ضعفَ عذاب الحياة وضعفَ عذابِ الممات، في أمثالٍ لهذا يطولُ ذكرُ جميعها، وليس لأحدٍ أن يدّعي

الفسادَ والإحالة والنقصانَ في شيءٍ من هذا، وإن ظنَّ ذلكَ الجاهلُ الذي

لا عِلمَ لَهُ بعادةِ الاستعمال، وطريقةِ أهلِ اللسان، ومنَ الحذفِ والاختصارِ

المعروفِ في كلامِهم حذفُ لا في القسم، ومنه قولُه: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)، أي: ألاّ تضلوا فحذفَ لا، وقولُه: (كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ)، أي لا تحبط.

قالَ الشاعرُ:

فقلتُ يَمينَ اللهِ أبرحُ قاعدًا ... ولو قَطَعوا رأسي لَدَيكِ وأوصالي

577

يريد: يمينُ اللهِ لازمة لي لا أبرحَ قاعدًا، فحُذفَ على وجهِ الاختصار.

وهذا أكثرُ من أن يتتبعَ فمن ادّعى الفسادَ والتخليطَ بمثلِ هذا فقد جَهلِ

وأبعد.

قالوا: ومما يدلُّ أيضا على نقصانِ القرآنِ وتغييرِ نظمهِ أننا وجَدنا في

مصحفِ عثمانَ ما ليسَ بملائمٍ ولا متناسبٍ من الكلام، واللهُ يَجل عن إنزالِ

كلامهِ على هذا الوجهِ من الفسادِ والنقصان.

قالوا فمن هذا قولهُ تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .

قالوا: فأيُّ مناسبةٍ بينَ جعلهِ البيتَ الحرامَ قياما للناسِ وبينَ قولهِ:

(لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .

وهل كانَ أن لو لم يجعلِ البيتَ قياما للناس أن لا يعلموا أن اللهَ بكلِ شيءٍ

عليم، وإذا كان بكل شيءٍ عليم جعلَ ذلكَ أو لم يجعله، فما معنى هذا

الكلام، وما معنى جعلِه البيتَ الحرامَ والشهرَ الحرامَ قياما للناس.

فيقالُ لهم: ليسَ الأمرُ في هذا على ما ظننتُم، وذلكَ أن العربَ كانت

في جاهليتها تَشُن الغارات، وتسفِكُ الدماءَ الحرام، وتأخذُ الأموالَ بغيرِ

الحق وتخيفُ السبيلَ وتطلبُ الثأرَ فيُقتلُ بالمقتولِ قاتلهُ وغيرُ قاتلة.

وبالواحدِ الجماعةُ ويُقتلُ القاتلُ وجارهُ ومن في ذمامه فجعلَ اللهُ الكعبةَ البيتَ

الحرامَ وما حولَه والشهرَ الحرامَ قواما للناسِ أي أمنًا لهم، لأن الخائفَ

منهم كان إذا لجأ إلى البيتِ حُقنَ دمه، وسلمتْ نفسُه وزال خوفه، قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) .

578

يعني بالقتلِ والإخافةِ والغاراتِ وكانوا إذا دخلَ الشهرُ الحرامُ يكُفونَ عن

الحربِ والقتلِ وشن الغاراتِ ويتبسَّطُونَ في الأرضِ آمنين على أموالِهم

وأنفسِهم، فجعلَ الله البيتَ الحرامَ وما حولهَ والهديَ والتقليدَ إليه من مصالح

خلقه، وعائدًا بحفظِ نفوسِهم وأموالِهم وحقنِ دمائِهم، ولو تركَهم على ما

كانوا عليه لتفانَوا ولذهبَت أموالَهم وأنفسهُم ولم يستقر بهم دار ولا قرار.

وعرفهم تعالى أنه جعلَ ذلكَ من مصالحهم، فقال تعالى: (ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .

يقولُ كما أنني علمتُ أن جعلَ الكعبةِ الحرامَ والحرمَ قياما للناسِ وأمنا لهم، فإن ذلكَ من مصالِحهم، واعلموا أيضا أنني أعلمُ ما في السموات وما في

الأرضِ من مصالحِ أهلِها ومرافِقِهم ووجوهِ دفع المضارِ عنهم، وأنني مع

ذلكَ بكل شيءٍ عليم، فأيُّ كلامٍ أليقُ بكلامٍ وأشَبهُ بهِ من هذا لولا الجهل

والتخليط.

قالوا: ومن هذا الباب أيضا قولهُ: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)، وهل يصيرون مقسطين في اليتامى بنكاحهم النساء، وكيفَ يكونُ ذلكَ وهُم عند نكاحِ النساءِ أعجزُ عن القسطِ والعدلِ في اليتامى، وأيُّ تناسُبٍ بينَ هذا الكلام؟

فيقال لهم: ليسَ الأمرُ في هذا أيضا على ما قدرتم، وذلك أن الله شبَّهَ

خوفَنا بالعجزِ عن العدلِ والقسطِ في اليتامى، بعجزِنا عن العدلِ بين أكثرَ من

أربعِ نسوة، لو أَطلقَ لنا نكاحُ أكثرَ من أربعة، فقالَ كما تخافون أن لا تعدِلوا بين اليتامى إذا كفلتموهُم، فخافوا أيضًا أن لا تعدلوا بين النساء إذا

نكحتموهُنّ وأكثرتُم منهن، فانكِحوا إذا كنتُم تخافونَ ذلك اثنتينِ وثلاثا

وأربعا، ولا تتجاوزوا ذلك، لا تُقَصّروا وتعجزوا عن العدِل بينهن، ثم قال

579

وإن خفتُم أيضًا أن لا تعدلوا بن الاثنتينِ والثلاثِ والأربع فانكحوا واحدة.

واقتصروا معها على ما ملكتْ أيمانكم من الإماء، ذلكَ أدَنى أن لا تَعولوا.

أي لا تميلوا وتُجاوزُوا.

وقد رُويَ هذا الذي قلناهُ بعينه عن ابنِ عباس، فإنّه قال: "قُصِرَ الرجالُ

على أربعٍ من أجلِ اليتامى فيقول لما كانَ النساءُ مكفولاتٍ بمنزلةِ اليتامى.

وكان العدلُ على اليتامى صعبٌ شديا على كافِلهمِ قصِرَ الرجالُ على ما بين

الواحدةِ إلى الأربعِ من النساء، ولم يُطلِق لهم ما فوقَ ذلكَ لأنْ لا يميلوا".

وإذا كان ذلك كذلك بطلَ توهمهم وزالَ تعجبهُم.

وقد قيل: إن تأويلَ هذه الآية ِ أنه قد كانَ مُباحًا لهم في صدرِ الإسلامِ أن

ينكحوا ربائبهمُ اللاتي في حُجورِهم من نسائهمُ اللاتي دخلوا بِهِنّ، وأن

منُهم من كانَ يخافُ أن لا يعدلَ بينَ الربيبةِ وبين غيرها ممن ليست بربيبَته.

لكونه واليًا على الربيبةِ ومرّبيًا لها ومستوليًا على أمرِها فقالَ لمَّا علمَ ذلكَ من

حالِهم: (وإنْ خفتُم أن لا تُقسِطوا في اليتامى) إذا أنتم نكحتموهنّ وتَزوجتم

بهن فيما يتعلق بحقوقِ الزوجيةِ والعدلِ بيَنهنَّ وبينَ غيرهن، فانكحوا غيرَهنّ

من النساءِ اللاتي ليسَ في حُجورِكم ولا لكم عليهن ولاية لتُحسَمَ أطماعكُمُ

في تحيُّفِهن، وهذا تأويلٌ صحيح.

وقيل أيضًا: إن تأويلَ الآية ِ ألكُم إن خفتمُ أن لا تعدِلوا في اليتامى

الأطفالِ إذا تزوجتم بهن وكن ذواتِ أموالٍ تخافونَ أخذَها وأكلَها بالباطلِ

وعَجَزَ الأطفالُ عن منعكم منها وصدكم عنها، واستيفاءِ ما تتلونه منها.

فانكحوا ما طابَ لكم النساءِ البُذَّلِ القادراتِ على تدبيرِ أموالهنّ، ومنعكم

من تَخَطُفها، لأنكم تكونون عند ذلكَ أبعدَ في أكلِ أموالهنّ بالباطل.

والاعتداءِ عليهن، وهذا أيضًا قريب ليسَ ببعيد.

580

ويُمكن أيضًا أن يكون التأويلُ في ذلكَ أنكم إذا خفتم الإثمَ والنارَ بأن

لا تعدِلوا بين اليتامى فخافوا مثلَ ذلكَ في تركِ العدلِ بين النساء، وانكِحوا ما طابَ لكم من النساء، يعني به من أُحِل لكم منهن وهم اثنتينِ أو ثلاث أو

ربُاع، ولا تنكحوا أكثرَ من ذلكَ فتتركوا العدلَ بينهنّ إذا كثُروا فتتَورطوا

لذلك في الإثمِ والنار، فكأنّه قال: إن خفتُم النارَ بتركِ العدلِ بينَ اليتامى

فخافوا ذلك في تركِ العدلِ بين النساءِ وانكِحوا قدرَ ما أحللتُه لكم ممّا أعلمُ

أنكم تستطيعونَ العدلَ بينهن، ولا تتجاوزوا ذلك، ولو قالَ مكانَ هذا فإن

خفتم أن لا تعدلوا بينَ اليتامى فاعدلوا في الحُكمِ وأوفوا الكيلَ وقُوموا

بالفرائضِ لتتبرؤا من الإثم، لكانَ ذلكَ صحيحاَ جائزاَ كما يقولُ القائل: إن

خفتَ السلطانَ في منعِ الحرامِ فلا تقذفِ المحصنات، ولا تشتمِ الناس، يريدُ

بذلكَ فإنّ الضَّررَ عليكَ في مثلِ هذا، ما خفتَ منه أو أكثر، وقد يمكنُ أيضًا

أن يكونَ أرادَ بالآيةِ أنكم إن خفتُم إذا تزوجتُم بالأيتامِ أو الأطفالِ اللاتيِ لا

وليَّ لهن وطالَبْنَكم بحقوقِ الزوجيةِ وإقامةِ العدلِ بينهن، فانكِحوا البالغاتِ

البُذلِ اللاتي يقدِرن على أخذكم بالعدلِ بينهن، وتكونونَ عند نكاحِهن أبعدَ

من الظلمِ لَهُنَ.

قالوا: ومنِ ذلكَ أيضًا قولُهُ: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) .

قالوا: فما معنى تخصيصَه للصبارِ الشكورِ دونِ غيره، وفيما ذكره آياتٌ لكلِ مُكَلَّفٍ ممن صبر وشكر وممّن ليست هذه صفتُه.

فيقالُ لهم: ليسَ فيما ذكرتُموه من هذا متعلقٌ وذلك أن اللهَ كنَّى وهو

أعلمُ بذكرِ الصبّارِ الشكورِ عن المؤمنِ لأجلِ أن أفضلَ صفاتِ المؤمنِ الصبرُ

المُقترنُ بالشكر، فكأنَّه قال: إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لكلِ مؤمن، وقد قالَ في

581

موضعٍ آخر: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) فلا تَعلقَ فيما وصفتُم، وإنما يخُص المؤمنين المتفكرينَ والمعتبرينَ بالذكرِ في ذلك، وتضافُ الآياتُ إليهم دونَ الكافرين، ومن أهَملَ نفسَه وصدقَ وعاندَ وتنكَر الحق لأجلِ أنهم هم المنتفعونَ بالنظرِ في هذهِ الآيات، والمستدلُونَ بها

والمعتَبِرونَ بعجيبِ صُنعِها ولطيفِ ما فيها، وكذلكَ قولُه: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) .

يعني من كان له علم، وإن كان لو نَظرَ في ذلكَ من لا عِلمَ له لعلِم بصحيحِ النظرِ ما عَلمهَ المؤمنون، واتعظ وانزجرَ بذلك، فذلك ما ظنوه.

قالوا: ومن هذا الباب أيضا قولُهُ تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ)، وكيفَ يُعجِبُ النباتُ الكفارَ دونَ المؤمنينَ الأبرار.

وهذا إذا طلعَ واخضر وأينَع، أعجبَ المؤمنينَ والكافرين.

فيقال لهم: لم يُردِ اللهُ تعالى بذكرِ الكفارِ ها هنا الكفارَ بالله تعالى

وبالأديان، وإنَّما عنى وهو أعلمُ بالزراعِ الكفار، لأن مغطي الزرعَ إذا بَذرهُ

في الأرضِ وسَترهُ كافر، ومنه قيلَ للمتسلّح المعتد: مُتكفر بسلاحه، أي:

متغطي به، من قولِ الشاعر:

في ليلةٍ كَفَر النجومَ غمامُها.

يريد غطى الغَمامُ النجومَ وسترَها وإنما قال يُعجبُ الزُراعَ نباتُه.

وخصهم بذلكَ لأنهم هم المُبلونَ به والمترقبونَ لما تُخرجهُ الأرضُ

والمنتفعونَ به قبل غيرهم، فأضافَ ذلك إليهم.

قالوا: ومنِ ذلكَ أيضا قولُهُ تعالى: (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) .

وقد عُلم أن القواريرَ لا تكونُ من فضة، وفي هذا الكلامِ إحالة وفساد

582