استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعديالجزء 1 · ص 74 - 84

المبحث الثامن: استنباطات السياسة الشرعية.

المبحث الثامن: استنباطات السياسة الشرعية.

استنبط السعدي عددًا من الاستنباطات المتعلقة بالسياسة الشرعية، فمن الأمثلة على ذلك:

قول السعدي - رحمه الله -: (قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)﴾ [البقرة: 124]، أي: لا ينال الإمامة في الدي، من ظلم نفسه وضرها، وحط قدرها، لمنافاة الظلم لهذا المقام، فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، والشمائل السديدة، والمحبة التامة، والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام؟ ودل مفهوم الآية، أن غير الظالم، سينال الإمامة، ولكن مع إتيانه بأسبابها). ا. هـ (^1)

وقول السعدي - رحمه الله -: (ومنها-أي من العبر في القصة-: أن العلم والرأي: مع القوة المنفذة بهما كمال الولايات، وبفقدهما أو فقد أحدهما نقصانها وضررها) ا. هـ (^2)

وقول السعدي - رحمه الله -: (وفي هذه الآية أيضا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة

  • (^1) انظر: تفسير السعدي
  • (65) الاستنباط رقم 21.
    (^2) انظر: تفسير السعدي
  • (109) الاستنباط رقم 70.
74

من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدا واحدا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور). ا. هـ (^1)

وقول السعدي - رحمه الله -: (ومنها-أي من فوائد الآية-: أن المستشار مؤتمن، يجب عليه -إذا استشير في أمر من الأمور- أن يشير بما يعلمه أصلح للمستشير ولو كان له حظ نفس، فتقدم مصلحة المستشير على هوى نفسه وغرضه). ا. هـ (^2)

وقول السعدي - رحمه الله -: (ويستثنى من هذا الأصل-وهو العفو عن الناس- العفو عن المجرم المفسد المتمرد الذي العفو عنه مما يزيده في عتوه وتمرده، فالواجب في مثل هذا الردع والزجر بكل ممكن، ولعل هذا يؤخذ من القيد الذي ذكره الله بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى: 40]، فشرط الله أن يكون العفو فيه صلاح، فأما العفو الذي لا صلاح فيه، بل فيه ضده، فهو منهي عنه والله أعلم). ا. هـ (^3)

  • (^1) انظر: تفسير السعدي
  • (355) الاستنباط رقم 255.
    (^2) انظر: تفسير السعدي
  • (666) الاستنباط رقم 377.
    (^3) انظر: تفسير السعدي (760)، ومجموع الفوائد للسعدي
  • (56) الاستنباط رقم 396، وانظر كذلك: الاستنباط رقم: 57 و68 و279 و356 و357 و388.
75

الفصل الرابع منهج الشيخ السعدي في طرق الاستنباط من القرآن

77

الفصل الرابع: منهج الشيخ السعدي في طرق الاستنباط من القرآن، وفيه أحد عشر مبحثًا:

استخدم السعدي طرقًا علمية لاستخراجه هذه الاستنباطات من النصوص القرآنية، فقال في تقرير ذلك: (وتارة-أي الأحكام الشرعية- تؤخذ من المنطوق وهو ما دل على الحكم في محل النطق، وتارة تؤخذ من المفهوم وهو ما دل على الحكم بمفهوم موافقة إن كان مساويا للمنطوق أو أولى منه، أو بمفهوم مخالفة إذا خالف المنطوق في حكمه لكون المنطوق وصف بوصف أو شرط فيه شرط إذا تخلف ذلك الوصف أو الشرط تخلف الحكم، والدلالة من الكتاب والسنة ثلاثة أقسام: دلالة مطابقة إذا طبقنا اللفظ على جميع المعنى، ودلالة تضمن إذا استدللنا باللفظ على بعض معناه، ودلالة التزام إذا استدللنا بلفظ الكتاب والسنة ومعناهما على توابع ذلك ومتمماته وشروطه وما لا يتم ذلك المحكوم فيه أو المخبر عنه إلا به) (^1)، وقال كذلك: (فمن وفق لذلك، لم يبق عليه إلا الإقبال على تدبره وتفهمه وكثرة التفكر في ألفاظه ومعانيه ولوازمها، وما تتضمنه، وما تدل عليه منطوقًا ومفهومًا، فإذا بذل وسعه في ذلك، فالرب

  • (^1) انظر: رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة للسعدي (9 - 10).
78

أكرم من عبده، فلا بد أن يفتح عليه من علومه أمورًا لا تدخل تحت كسبه) (^1)، وقال كذلك: (ثم أمر برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى الله وإلى رسوله أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما أو عمومهما؛ أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه، لأن كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما) (^2)، وكان استخدام السعدي لطرق الاستنباط متفاوتًا، ومن خلال دراسة استنباطات السعدي، ظهر استخدامه لهذه الطرق كما يلي مرتبة حسب الأكثر استعمالًا:

الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة)، ثم الاستنباط بدلالة الالتزام، ثم الاستنباط بالقياس، ثم الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن، ثم الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة)، ثم الاستنباط بدلالة التضمن، ثم الاستنباط بدلالة الاقتران.

  • (^1) انظر: تفسير السعدي (30).
    (^2) انظر: تفسير السعدي (184).
79

المبحث الأول: الاستنباط بدلالة الالتزام.

تعريفها: دلالة اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في الأصل، لكنه لازم للمقصود فكأنه مقصود بالتبع لا بالأصل (^1).

استخدم السعدي دلالة الالتزام، وكان يرى أنها مهمة للاستنباط من النصوص، فقال: (كما أن المفسر للقرآن يراعي ما دلت عليه ألفاظه مطابقة وما دخل في ضمنها فعليه أن يراعي لوازم تلك المعاني وما تستدعيه من المعاني التي لم يصرح اللفظ بذكرها، وهذه القاعدة من أجل قواعد التفسير وأنفعها وتستدعي قوة فكر وحسن تدبر وصحة قصد ; فإن الذي أنزله هو العالم بكل شيء الذي أحاط علمه بما تحتوي عليه القلوب وما تضمنه المعاني وما يتبعها ويتقدمها وتتوقف هي عليه ; ولهذا أجمع العلماء على الاستدلال باللازم في كلام الله لهذا السبب، والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع أن تفهم ما دل عليه اللفظ من المعاني فإذا فهمتها فهما جيدا ففكر في الأمور التي تتوقف عليها ولا تحصل بدونها وما يشترط لها وكذلك فكر فيما يترتب عليها وما يتفرع عنها وينبني عليها ولا تزال تفكر في هذه الأمور حتى يصير لك ملكة جيدة في الغوص على

  • (^1) انظر: روضة الناظر (1/ 95)، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي (235)، ورسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة للسعدي (9 - 10)، وتفسير النصوص د. محمد صالح (1/ 478).
80

المعاني الدقيقة ; فإن القرآن حق ولازم الحق حق وما يتوقف على الحق حق وما يتفرع على الحق حق) (^1)، فمن الأمثلة على ذلك:

قول السعدي - رحمه الله -: (قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا شَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]. . . وفيه أيضا دليل على أنه يجوز أن يدركه الفجر وهو جنب من الجماع قبل أن يغتسل، ويصح صيامه، لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر، أن يدركه الفجر وهو جنب، ولازم الحق حق) ا. هـ (^2).

وقول السعدي - رحمه الله -: (وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم، لأن تمام إيتائه ماله حفظه والقيام به بما يصلحه وينميه وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار) ا. هـ (^3)

وقول السعدي - رحمه الله -: (دلت هذه الآية على أمور منها: جواز اقتناء كلب الصيد، كما ورد في الحديث الصحيح، مع أن اقتناء الكلب محرم، لأن من لازم إباحة صيده وتعليمه جواز اقتنائه) ا. هـ (^4)

وقول السعدي - رحمه الله -: (ودلت هذه الآية ونحوها باللزوم على الأمر بالسعي بالأسباب التي تتم بها نصرة الحق، كالتعلم والتعليم للعلوم النافعة ونحوها). ا. هـ (^5)

  • (^1) انظر: القواعد الحسان للسعدي (19).
    (^2) انظر: تفسير السعدي (87)، وفتح الرحيم العلام
  • (131) الاستنباط رقم: 40.
    (^3) انظر: تفسير السعدي
  • (163) الاستنباط رقم: 114.
    (^4) انظر: تفسير السعدي
  • (221) الاستنباط رقم: 173.
    (^5) انظر: المواهب الربانبة للسعدي (77)، وتفسير السعدي
  • (861) الاستنباط رقم: 430، وانظر كذلك الاستنباط رقم: 9 و15 و48 و60 و113 و134 و149 و204 و212 و331 و451 و454.
81

المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة).

تعريفها: دلالة اللفظ على مخالفة حكم المسكوت عنه لحكم المنطوق، وذلك لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في هذا الحكم (^1).

استخدم السعدي مفهوم المخالفة كثيرًا، كما تبين في بداية هذا الفصل أن هذه الدلالة كانت الأكثر استعمالًا عند السعدي، وقد أشار السعدي إلى استخدام هذه الدلالة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، ومن الأمثلة على استخدامه لهذه الدلالة:

قول السعدي - رحمه الله -: (. . . وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ شَهْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: 184]، ودل تقييد التطوع بالخير، أن من تطوع بالبدع، التي لم يشرعها الله ولا رسوله، أنه لا يحصل له إلا العناء، وليس بخير له، بل قد يكون شرا له إن كان متعمدا عالما بعدم مشروعية العمل) ا. هـ (^2).

وقول السعدي - رحمه الله -: (قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا﴾

  • (^1) انظر: روضة الناظر (2/ 775)، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي (236)، ورسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة للسعدي (9 - 10)، وتفسير النصوص د. محمد صالح (1/ 665).
    (^2) انظر: تفسير السعدي
  • (77) الاستنباط رقم: 25.
82

﴿اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، ويدل مفهوم الآية، على أن المفرد للحج، ليس عليه هدي) ا. هـ (^1).

وقول السعدي - رحمه الله -: (﴿كانوا في الجاهلية إذا مات أحدهم عن زوجته، رأى قريبُه كأخيه وابن عمه ونحوهما أنه أحق بزوجته من كل أحد، وحماها عن غيره، أحبت أو كرهت.

فإن أحبها تزوجها على صداق يحبه دونها، وإن لم يرضها عضلها فلا يزوجها إلا من يختاره هو، وربما امتنع من تزويجها حتى تبذل له شيئًا من ميراث قريبه أو من صداقها، وكان الرجل أيضا يعضل زوجته التي [يكون] يكرهها ليذهب ببعض ما آتاها، فنهى الله المؤمنين عن جميع هذه الأحوال إلا حالتين: إذا رضيت واختارت نكاح قريب زوجها الأول، كما هو مفهوم قوله: ﴿كَرْهًا﴾ وإذا أتين بفاحشة مبينة كالزنا والكلام الفاحش وأذيتها لزوجها فإنه في هذه الحال يجوز له أن يعضلها، عقوبة لها على فعلها لتفتدي منه إذا كان عضلا بالعدل) ا. هـ (^2)

وقول السعدي - رحمه الله -: (ودل مفهوم الآية على أن توبة المحارب -بعد القدرة عليه- أنها لا تسقط عنه شيئا، والحكمة في ذلك ظاهرة) ا. هـ (^3)

وقول السعدي - رحمه الله -: (ومفهوم الآية أن من لم يؤمن بالله، بل استعان بها على معاصيه، فإنها غير خالصة له ولا مباحة، بل يعاقب عليها وعلى التنعم بها، ويُسأل عن النعيم يوم القيامة). ا. هـ (^4)

وقول السعدي - رحمه الله -: (ومفهوم الآية الكريمة، أن العبد إذا لم يطلب الكتابة، لا يؤمر سيده أن يبتدئ بكتابته، وأنه إذا لم يعلم منه خيرا،

  • (^1) انظر: تفسير السعدي
  • (91) الاستنباط رقم: 46.
    (^2) انظر: تفسير السعدي
  • (172) الاستنباط رقم: 142.
    (^3) انظر: تفسير السعدي
  • (230) الاستنباط رقم: 195.
    (^4) انظر: تفسير السعدي
  • (287) الاستنباط رقم: 224.
83

بأن علم منه عكسه، إما أنه يعلم أنه لا كسب له، فيكون بسبب ذلك كلا على الناس، ضائعا، وإما أن يخاف إذا أعتق، وصار في حرية نفسه، أن يتمكن من الفساد، فهذا لا يؤمر بكتابته، بل ينهى عن ذلك لما فيه من المحذور المذكور). ا. هـ (^1)

وقول السعدي - رحمه الله -: (ومفهوم الآية أنه إن لم تنفع الذكرى، بأن كان التذكير يزيد في الشر، أو ينقص من الخير، لم تكن الذكرى مأمورًا بها، بل منهيًا عنها). ا. هـ (^2)

  • (^1) انظر: تفسير السعدي
  • (568) الاستنباط رقم: 341.
    (^2) انظر: تفسير السعدي (921)، والقواعد الحسان للسعدي (71)، وفتح الرحيم للسعدي
  • (170) الاستنباط رقم: 448.
84