اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملةالجزء 1 · ص 192 - 199

المبحث الثالث عدد آيات الفاتحة، وهل البسملة آية منها؟

المبحث الثالث عدد آيات الفاتحة، وهل البسملة آية منها؟

عدد آيات الفاتحة سبع آيات بإجماع المسلمين (1)، لقوله تعالى في سورة الحجر ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87)﴾ (2).

وقد فسر الرسول - ﷺ - السبع المثاني والقرآن العظيم بالفاتحة - كما سبق ذكره- في حديث أبي سعيد بن المعلى وأبي بن كعب وأبي هريرة (3).

وهي سبع آيات بدون البسملة آية الأولى منها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾، والثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، والرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والخامسة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والسادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (4). والبسملة ليست آية منها - على الصحيح- الذي تؤيده

  • (1) انظر «تفسير الطبري» 1:109، «المحرر الوجيز» 1: 89، «أحكام القرآن» لابن العربي 1: 5، «الجامع لأحكام القرآن» 1: 114، «مجموع الفتاوى» 22: 351، «تفسير ابن كثير» 1: 22، «فتح الباري» 8: 159. وما قيل من أنها ست أو ثمان آيات فذلك شاذ لا يعتد به.
  • (2) سورة الحجر، الآية: 87.
  • (3) راجع المبحث الأول من هذا الفصل.
  • (4) انظر: «المحرر الوجيز» 1: 89.
192

الأدلة الصحيحة الصريحة.

أما الترقيم الموجود في المصاحف فهو وفق قول قراء الكوفة وبعض أهل العلم، لكن الصحيح خلافه. وقد تقدم بيان ذلك وبسط الأدلة فيه في الكلام على البسملة (1).


  • (1) راجع المبحث الثالث في الكلام على البسملة، في الفصل الثاني من الباب الأول.
193

المبحث الرابع فضل سورة الفاتحة

سورة الفاتحة من أعظم سور القرآن، وأفضلها، بل هي أفضل سورة في القرآن، ومما يدل على فضلها:

1 - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87)﴾ (1).

2 - ما رواه البخاري وغيره عن أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله - ﷺ - قال: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم، الذي أوتيته» (2).

وقد أخرج الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما عن أبي بن كعب نحوه (3).

وفي بعض روايات حديث أُبيّ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما أنزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرن مثلها، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته «.

3 - ما رواه مسلم وغيره (4) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:

  • (1) سورة الحجر، الآية: 87.
  • (2) سبق تخريجه في المبحث الأول من هذا الفصل.
  • (3) سبق تخريجه في المبحث الأول من هذا الفصل.
  • (4) أخرجه مسلم - في صلاة المسافرين وقصرها- باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة الحديث 806، والنسائي -في الافتتاح- باب فضل فاتحة الكتاب - الحديث 875.
    وأخرجه بهذا اللفظ أو بنحوه - أيضًا- مالك في «الموطأ» الحديث 183، وابن المنذر في «الأوسط» الحديث 1300
194

«بينما جبريل قاعد عند النبي - ﷺ - سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف إلا أعطيته «(1).

4 - ما رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».

وغيره من الأحاديث الدالة على وجوب قراءة الفاتحة (2)، وأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها، مما يدل على فضلها.

5 - ما رواه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ﷺ - «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج، ثلاثًا - غير تمام ...» (3).

  • (1) أخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث أن جبريل - ﵇ - لم ينزل بسورة الفاتحة، ولا خواتيم سورة البقرة، وإنما نزل بذلك ملك غيره والحق أنه ليس في هذا الحديث ما يدل على أن الملك الذي نزل - وجبريل عند النبي - ﷺ - هو الذي نزل بسورة الفاتحة، وخواتيم سورة البقرة، وإنما الذي فيه بيان فضل هذه السورة وتلك الآيات: أي التبشير بفضلهما وعظيم ثوابهما. والثابت أن ملك الوحي هو جبريل ﵇. قال الله - تعالى عن القرآن ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
  • (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ الآيتان (193 - 194) الشعراء. انظر: «الجامع لأحكام القرآن» 1: 116.
  • (2) سبق تخريجها كلها في المبحث الثاني من هذا الفصل.
  • (3) سبق تخريجها كلها في المبحث الثاني من هذا الفصل.
195

وكذا ما جاء من الأحاديث في الدالة على أن من صلى صلاة لا يقرأ فيها بالفاتحة فصلاته ناقصة غير تامة، أو أنها غير مجزئة، فهذا أيضًا يدل على فضلها.

6 - ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل ...» الحديث (1).

فقد سمى الله - تعالى- الفاتحة الصلاة وقسمها بينه وبين عبده، فأولها حمد وثناء وتمجيد للرب، وآخرها للعبد دعاء ومسألة. وكل هذا يدل على عظمها وفضلها (2).

7 - ما رواه البخاري ومسلم - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: «أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر وعثمان -رضي عنهم- كانوا يفتتحون الصلاة، وفي بعض الروايات يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ (3).

8 - ما رواه مسلم عن عائشة - رضي الله عنها -: «أن رسول الله - ﷺ - كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين» (4).

  • (1) سبق تخريجه في المبحث الثاني من هذا الفصل.
  • (2) انظر: «دقائق التفسير» 1: 172 - 173.
  • (3) أخرجه البخاري في الأذان - ما يقول بعد التكبير- الحديث 743 ومسلم في الصلاة - الحديث 399.
  • (4) أخرجه مسلم في الصلاة - ما يجمع صفة الصلاة- الحديث 498، وأبو داوود - في الصلاة- الحديث 783.
196

9 - ما وراه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري في قصة اللديغ وأن رجلا منهم رقاه بأم الكتاب، وفي بعض رواياته «فقام الرجل كأنما نشط من عقال».

وقوله - ﷺ -: «وما يدريه أنها رقية، اقسموا واضربوا لي بسهم».

وفي حديث خارجة عن عمه (1): «أنه مر بقوم فأتوه برجل معتوه في القيود فرقاه بأم القرآن» وذكر نحوه.

فأثرها في إبراء المريض يدل عظمها وفضلها، ولهذا سماها الرسول - ﷺ - بالرقية.

10 - وعن عبد الله بن جابر أن رسول الله - ﷺ - قال: «ألا أخبرك بخير سورة في القرآن، قلت: بلى يا رسول الله - قال: اقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ حتى تختمها» (2).

11 - ومما يدل على عظم سورة الفاتحة، وفضلها اشتمالها على معاني القرآن كله، من حمد الله وثنائه وتمجيده، وأنواع توحيده، وإثبات الرسالات والبعث والجزاء، وذكر العامل وعمله وأقسام الناس وغير ذلك -كما سيأتي بسط ذلك قريبًا إن شاء الله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (3) - في الكلام على الفاتحة: «والصلاة

  • (1) سبق تخريجهما في المبحث الثاني، من هذا الفصل.
  • (2) أخرجه أحمد 4: 177. قال ابن كثير في «تفسيره» 1: 25 «هذا إسناد جيد، وابن عقيل هذا يحتج به الأئمة الكبار، وعبد الله بن جابر.
  • (3) انظر «دقائق التفسير» 1: 171 - 172 وانظر «مجموع الفتاوى» 14: 5 - 7، 17: 14 - 18.
197

أفضل الأعمال، وهي مؤلفة من كلم طيب وعمل صالح، أفضل كلمها الطيب، وأوجبه أم القرآن، وأفضل عملها الصالح وأوجبه السجود».

وقال أيضًا: «وأم الكتاب كما أنها القراءة الواجبة، فهي أفضل سورة في القرآن ..».

وفضائلها كثيرة جدًا. وقد جاء مأثورًا عن الحسن البصري، رواه ابن ماجه وغيره: أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، جمع علمها في الأربعة، وجمع علم الأربعة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصل، وجمع علم المفصل في أم القرآن، وجمع علم أم القرآن في هاتين الكلمتين ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

فائدة

حيث ثبت بالأحاديث الصريحة الصحيحة عن النبي - ﷺ - أن الفاتحة أعظم سورة في القرآن فتجوز المفاضلة بين السور، خلافًا لمن منع ذلك (1).

وقد أخرج مسلم وغيره عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: فضرب في

  • (1) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» 1: 109، «تفسير ابن كثير» 1: 109.
198

صدري، وقال: والله ليهنك العلم أبا المنذر (1)».

لكن التفضيل بين السور والآيات مقيد بأن يكون ثبت بالنص الصحيح الصريح عن النبي - ﷺ - أما المفاضلة بين السور والآيات بلا دليل صحيح فإنها لا تجوز.


  • (1) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها -باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي- الحديث 810، وأبو داوود في الصلاة - ما جاء في آية الكرسي الحديث 1460. وانظر «مجموع الفتاوى» 17: 13، 129 - 130.
199