اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملةالجزء 1 · ص 209 - 217

ب- بيان معنى الآية

ب- بيان معنى الآية

الآية لغة: العلامة (1). قال تعالى: ﴿إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَاتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)﴾ (2).

وقال تعالى عن الحواريين أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ﴾ (3).

وقال الأسير الموصي لقومه (4): «بآية ما أكلت معكم حيسا».

وقال النابغة الذبياني (5):

توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع

جج

وتطلق الآية بمعنى الجماعة، يقال: خرج القوم بآيتهم: أي بجماعتهم (6).

قال برج بن مسهر الطائي (7):

  • (1) انظر: «تفسير الطبري» 1: 106، «المحرر الوجيز» 1: 47، «النهاية» مادة «آية»، «تفسير ابن كثير» 1: 18.
  • (2) سورة البقرة، الآية: 248.
  • (3) سورة المائدة، الآية: 114.
  • (4) انظر قصته في كتاب «الأمالي» لأبي علي القالي 1: 6 - 7، وانظر: «المحرر الوجيز» 1: 47.
  • (5) انظر: «ديوانه» ص162، «تفسير ابن كثير» 1: 18.
  • (6) انظر: «النهاية» مادة «آية».
  • (7) انظر: «المحرر الوجيز» 1: 47، «تفسير ابن كثير» 1: 18. ومعنى نزجي: نسوق، واللقاح: ذوات الألبان، والمطافلا: النوق معها أولادها.
209

خرجنا من النقيين لا حي مثلنا ... بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا

والآية القرآنية مأخوذة من معنى العلامة، لأن الآية القرآنية علامة على وجود الله وكماله في ذاته وصفاته. كما أنها علامة للفصل بين ما قبلها وما بعدها (1).

ويحتمل أنها من المعنيين جميعًا من معنى العلامة، ومعنى الجماعة لأنها مع كونها من معنى العلامة فهي أيضًا فيها معنى الجمع، لأنها تجمع حروفًا وكلمات من القرآن» (2).

وتجمع الآية على آيات، وآيات الله تنقسم إلى قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية.

فالآيات الشرعية هي ما يتعلق بالوحي، من كلام الله تعالى، وسميت بذلك لمباينتها كلام البشر، وعجزهم عن الإتيان بمثلها، ولأن في إصلاح هذا الوحي لمن أنزله الله عليه، حسب ما شرع الله. علامة ودلالة واضحة على أنه من عند الله ذو الكمال في ذاته وصفاته، كما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (3).

والآية الشرعية في الاصطلاح: هي القطعة من كلام الله - تعالى-

  • (1) انظر: «تفسير الطبري» 1: 106، «المحرر الوجيز» 1: 47، «تفسير ابن كثير» 1: 18.
  • (2) انظر: «المحرر الوجيز» 1: 47، «النهاية «مادة: «آية».
  • (3) سورة النساء، الآية: 82.
210

ذات بداية ونهاية، منفصلة عما قبلها وعما بعدها، مندرجة تحت سورة من سور القرآن الكريم (1). وأطول آية في القرآن آية الدين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ ...﴾ (2) الآية، وأقصر آية ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ (3) باستثناء الحروف المقطعة أوائل السور.

والآيات الكونية: ما يتعلق بالخلق والتقدير، وهي تشمل كل ما خلق الله في هذا الكون من أرض وسماء، وليل ونهار، وشمس وقمر، وحجر وشجر، وجن وإنس، وحيوان، وسائر المخلوقات. لأن في إيجاد هذه المخلوقات وانتظامها علامة ودلالة واضحة على وجود خالقها وباريها، وعلى قدرته وحكمته ووحدانيته ورحمته، وكماله في ذاته وصفاته.

قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (4).

وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (5).

وقال تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَاكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ*﴾

  • (1) انظر: «تفسير الطبري» 1: 106، «تفسير ابن كثير» 1: 18.
  • (2) سورة البقرة، آية: 282.
  • (3) سورة الرحمن، آية: 64.
  • (4) سورة الروم، آية: 22.
  • (5) سورة الروم، آية: 25.
211

﴿لِيَاكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ (1).

وقال تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ*وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (2).

وقال تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ (3).

وقال تعالى: ﴿مِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (4).

وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (5).


  • (1) سورة يس، الآيات: 33 - 35.
  • (2) سورة يس، الآيات: 37 - 39.
  • (3) سورة يس، الآيتان: 41 - 42.
  • (4) سورة فصلت، آية: 37.
  • (5) سورة الذاريات، الآيتان: 20 - 21.
212

المبحث السابع تفسير مفردات الفاتحة، وبيان معاني آياتها.

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

الحمد مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. وهو مصدر سماعي للفعل «حمد» دخلت عليه «أل».

و«أل»: إذا دخلت على الأوصاف، وأسماء الأجناس دلت على الاستغراق والشمول والاستقصاء (1)، وعلامتها صحة وضع كل الشمولية مكانها: أي كل الحمد بجميع صنوفه وأجناسه لله تعالى.

والحمد: وصف المحمود بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم. فإن لم يكن مع المحبة والتعظيم كان نفاقًا ورياء، وكذبًا وتزلفا ومدحًا مذمومًا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (2): «الحمد الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة لها. فلو أخبر مخبر بمحاسن غيره من غير محبة لها لم يكن حامدًا، ولو أحبها ولم يخبر بها لم يكن حامدًا».

وإذا كرر الحمد مرة ثانية سمي ثناء، وإذا كرر ثالثة سمي «تمجيدًا»

  • (1) انظر: «تفسير الطبري» 1: 138، «المحرر الوجيز» 1: 63، «الجامع لأحكام القرآن» 1: 133، «تفسير النسفي» 1: 4، «مجموع الفتاوى» 1: 89 «البحر المحيط» 1: 18.
  • (2) في مجموع الفتاوى 8/ 378. وانظر 6: 259.
213

بدليل ما جاء في حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذ قال العبد ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدي ...» الحديث رواه مسلم (1).

فقوله (الحمد لله) حمد مطلق. و«الحمد» اسم جنس والجنس له كمية وكيفية. فالثناء كمية الحمد وتكثيره والتمجيد كيفيته وتعظيمه.

وهذا يدل على خلاف ما درج عليه كثير من المفسرين وأهل اللغة من تفسير الحمد مطلقًا بالثناء (2).

الفرق بين الحمد والشكر

فسر بعض أهل العلم الحمد بمعنى الشكر، منهم المبرد (3) والطبري (4). قال الطبري: «العرب تقول الحمد لله شكرًا».

والصحيح أن الحمد غير الشكر فالحمد كالمدح نقيضه الذم،

  • (1) سبق تخريجه في ذكر أسماء الفاتحة في المبحث الثاني.
  • (2) انظر «مجموع الفتاوى» 6: 266. وانظر: «تفسير الطبري» 1: 139، «الكشاف» 1: 7، «المحرر الوجيز» 1: 63، «زاد المسير» 1: 11، «الجامع لأحكام القرآن» 1: 133، 134، «أنوار التنزيل» 1: 7، «لسان العرب» مادة (حمد) «البحر المحيط» 1: 18، «أضواء البيان» 1: 39.
  • (3) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» 1: 133.
  • (4) في «تفسيره» 1: 135 - 138.
214

والشكر نقيضه الكفران (1) وبين الحمد والشكر عموم وخصوص (2).

فالحمد أعم من حيث ما يقع عليه، فهو يقع على الصفات اللازمة والمتعدية تقول: حمدته لفروسيته وشجاعته، وحمدته لكرمه.

وهو أخص من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع على الصفات اللازمة والمتعدية تقول: حمدته لفروسيته وشجاعته، وحمدته لكرمه.

وهو أخص من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع باللسان فقط، قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (3).

قال الزمخشري (4):

«وهو إحدى شعب الشكر «.

قلت: وليس معنى كونه يقع باللسان فقط أن يكون ذلك بدون مواطأة القلب وموافقته، لأن الحمد كما تقدم وصف المحمود بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم في القلب، ومعلوم أن مدار الأعمال كلها صلاحًا أو فسادًا على القلب قال - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى «(5) وقال - ﷺ -: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي

  • (1) انظر: «الكشاف» 1: 8، «الجامع لأحكام القرآن» 1: 133.
  • (2) انظر: «المفردات» مادة «شكر»، «معالم التنزيل» 1: 39، «الكشاف» 1: 7، 8، «المحرر الوجيز» 1: 63، «زاد المسير» 1: 11، «الجامع لأحكام القرآن» 1: 134، «تفسير النسفي» 1: 3، «مجموع الفتاوى» 11: 133 - 134 - 135، 146 «تفسير ابن كثير» 1: 45.
  • (3) سورة الإسراء، الآية: 111.
  • (4) في «تفسيره» 1: 7، وانظر: «الجامع لأحكام القرآن» 1: 133 - 134.
  • (5) أخرجه من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - البخاري في بدء الوحي- الحديث (1)، ومسلم في الإمارة- الحديث 7091.
215

القلب «(1).

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية (2) رحمه الله: (والحمد إنما يكون بالقلب واللسان ...).

والشكر أخص من حيث ما يقع عليه فهو لا يقع إلا على الصفات المتعدية. تقول: شكرته لكرمه، ولا تقول: شكرته لفروسيته وشجاعته، فهو لا يكون إلا جزاء على نعمة بينما الحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ابتداء.

وهو: أي الشكر أعم من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع في القلب واللسان والجوارح كما قال الشاعر:

ولكنني حاولت في الجهد مذهبًا

وما كان شكري وافيًا بِنَوَالِكُم

أفادتكم النعماء مني ثلاثة

يدي ولساني والضمير المحجبا (3)

فالشكر بالقلب بالاعتراف بالنعمة باطنًا ونسبتها إلى المُنعم بها ومسديها.

والشكر باللسان بالاعتراف بالنعمة ظاهرًا والتحدث بها باللسان. قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (4).

  • (1) أخرجه من حديث النعمان بن بشير - البخاري- في الإيمان- الحديث 52، ومسلم في المساقاة- الحديث 1599.
  • (2) في «مجموع الفتاوى» 11: 134.
  • (3) انظر «الكشاف» 1: 7، «مجموع الفتاوى» 11: 133 - 134، «تفسير ابن كثير» 1: 45.
  • (4) سورة الضحى، الآية: 11.
216

وهذا على القول بأنه يدخل تحت معنى الآية التحدث بنعم الله عامة والآية تحتمله بلا شك، لأنه لا ينافي القول بأن المراد بالنعمة هنا نعمة النبوة.

والشكر بالجوارح بالاستعانة بالنعمة على طاعة المُنعم قولًا وعملًا كما قال تعالى ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (1). وقام - ﷺ - حتى تورمت قدماه، وقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (2). ويكون بظهور أثر النعمة على المنعم عليه. كما في الحديث «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده «(3). وفي حديث أبي مالك الجشمي أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا آتاك الله مالًا فلْيُرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته» (4).

والمدح أعم منهما جميعًا: من حيث ما يقع عليه (5)، فإنه يقال مما يقع من الإنسان بالتسخير، ومما يقع منه باختياره متعديًا أو لازمًا، فقد يُمدح الإنسان بطول قامته، كما يُمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه،

  • (1) سورة سبأ، آية: 13.
  • (2) أخرجه البخاري في التفسير - الحديث 4836 عن المغيرة قال: قام النبي - ﷺ - حتى تورمت قدماه، فقيل له غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا».
    وأخرجه أيضًا بنحوه من حديث عائشة ﵂ - الحديث رقم 4837. وانظر «تيسير الكريم الرحمن» 6: 267.
  • (3) أخرجه الترمذي في الأدب- الحديث 2819 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وقال «حديث حسن». وأخرجه أحمد 2: 311 من حديث أبي هريرة، 4: 438 من حديث عمران بن حصين.
  • (4) أخرجه أبو داود - في اللباس- الحديث 40634، والنسائي في الزينة الحديث 4819 - وصححه الألباني.
  • (5) انظر: «الصحاح» و«المفردات» مادة: «مدح»، «تفسير ابن كثير» 1: 46.
217