الاستنباط عند الخطيب الشربيني فيالجزء 1 · ص 65 - 72

المطلب الأول: الاستنباطات في علوم القرآن.

المبحث الأول:

الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط.

تنوعت موضوعات الاستنباط عند الخطيب، ومن أبرز هذه الموضوعات عناية وظهورًا في استنباطاته ما يأتي:

المطلب الأول: الاستنباطات في علوم القرآن.

ظهرت عناية الخطيب بعلوم القرآن ومباحثه جليةً في تفسيره واستنباطاته، خاصة فيما يتعلق بمناسبات الألفاظ (^1)، وقصص القرآن (^2)، وإعجازه، ومعاني التكرار في ألفاظه، ومنطوقه ومفهومه، وأسرار تقديمه وتأخيره، وخصوصه وعمومه، وفي جواز النسخ، ومرسوم الخط وكتابته، على تفاوت بين هذه المباحث في كثرة طرقه لها وقِلته.

وتأتي استنباطاته في علوم القرآن في المرتبة الخامسة من حيث الاستنباطات الأكثر ورودًا عنده (^3).

والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدًا، وسأكتفي بذكر بعض الأمثلة الموجزة لكل موضوع منها، وبسط ذلك في قسم الدراسة.

  • (^1) وهي الأكثر عناية وظهورًا من بين استنباطاته في علوم القرآن.
    (^2) وتأتي في المرتبة الثانية بعد مناسبة الألفاظ في الآيات.
    (^3) حيث بلغ مجموع استنباطاته في علوم القرآن
  • (23) استنباطًا.
65

ومن الأمثلة على استنباطاته في علوم القرآن

أولًا: في مناسبات الألفاظ

- عند قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]

قال الخطيب - رحمه الله -: (ويوم الدين: يوم الجزاء، ومنه قولهم: كما تدين تدان، وهو يوم القيامة، وخُص بالذكر: لأنه لا ملك ظاهر فيه لأحد إلا لله تعالى ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾) [غافر: 16]. (^1)

ثانيًا: في أسرار التقديم والتأخير في القرآن.

- عند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

قال الخطيب - رحمه الله -: (فإن قيل: لم قدّمت العبادة على الاستعانة، أجيب: لتتوافق رؤوس الآي، وليعلم منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة، وأيضًا لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك فرحًا واعترافًا منه بما يصدر عنه فعقبه بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ليدل على أنّ العبادة أيضًا مما لا تتم ولا تتيسر له إلا بمعونة منه تعالى وتوفيق). (^2)

ثالثًا: في فوائد التكرار في القرآن الكريم

- عند قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: 54]

قال الخطيب - رحمه الله -: فإن قيل: ما فائدة تكرير هذه الآية مرّة ثانية؟

  • (^1) السراج المنير (1/ 10)، و(2/ 254)
    (^2) السراج المنير (1/ 10)
66

أجيب: بأنّ فيها فوائد: منها: أنّ الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأوّل؛ لأن الكلام الأوّل فيه ذكر أخذهم، وفي الثاني ذكر إغراقهم وذلك تفصيل.

ومنها: أنه ذَكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله، وفي الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم ففي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها وكفرهم بها

ومنها: أنّ تكرير هذه القصة للتأكيد، ولما نيط به من الدلالة على كفران النعم بقوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ وبيان ما أخذ به آل فرعون.

ومنها: أنّ الأولى لسببية الكفر، والثانية لسببية التغيير، والنقمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم. (^1)

رابعًا: في جواز وقوع النسخ في القرآن

- عند قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة 106]

قال الخطيب - رحمه الله -: (الآية دلت على جواز النسخ وتأخير الإنزال؛ إذ الأصل اختصاص (أن) وما يتضمنها بالأمور المحتملة؛ وذلك لأنّ الأحكام شرعت والآيات نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلًا من الله ورحمة، وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كأسباب المعاش، فإن النافع في عصر قد يضرّ في عصر غيره). (^2)

  • (^1) السراج المنير (1/ 659)، و(3/ 350)
    (^2) السراج المنير (1/ 96)
67

خامسًا: في قصص القرآن

- عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243]

قال الخطيب - رحمه الله -: (فائدة هذه القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وحثُّهم على التوكل والاستسلام للقضاء فإنّ الموت إذا لم يكن منه بُد، ولم ينفع منه مفرّ، فأولى أن يكون في سبيل الله تعالى). (^1)

سادسًا: في المنطوق والمفهوم

- عند قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران 86 - 87]

قال الخطيب - رحمه الله -: (دلَّت هذه الآية بمنطوقها على جواز لعن القوم

المذكورين، وبمفهومها على نفي جواز لعن غيرهم من الكفار الذين لم يكفروا بعد إيمانهم). (^2)

سابعًا: في الخصوص والعموم

- عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران 98]

قال الخطيب - رحمه الله -: (تخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل على أنّ كفرهم أقبح، وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل فهم كافرون بهما). (^3)

إلى غير ذلك من المباحث التي يطول حصرها، والتمثيل عليها، وتكفي الإشارة فيما مضى إلى جزء منها.

  • (^1) السراج المنير (1/ 182)
    (^2) السراج المنير (1/ 263)
    (^3) السراج المنير (1/ 270)
68

المطلب الثاني: الاستنباطات العقدية

اهتم الخطيب بالاستنباط في جانب العقيدة، وأولى هذه الاستنباطات مزيد عناية وتفصيل على غيرها، فهي أكثر موضوعات الاستنباط ورودًا عنده؛ إذ تأتي في المرتبة الأولى من بين مجموع استنباطاته (^1)، ولهذا كان حظها من الدراسة بالتفصيل والرد أكثر من غيرها، خاصة فيما يستدعي التنبيه على مذهبه الأشعري المخالف لمذهب أهل السنة.

ويلحظ الناظر في هذه الاستنباطات إضافة إلى كثرتها، تكرارها مرارًا، فلا يكاد يمر بآية فيها ملمح عقدي، أو فائدة يمكن أن يستنبط منها رد على المخالف، إلا ونبَّه عليها مستعينًا في غالبها بنقولاته عمن سبقه من الأئمة، خاصة كبار متكلمي الأشاعرة كالرازي وغيره، فيستغل كل مناسبة لتقرير عقيدة الأشاعرة في تفسيره.

ويمكن تقسيم استنباطاته في مسائل العقيدة إلى قسمين:

القسم الأول: استنباطات فيها تقرير مباشر لمسائل العقيدة، وهي على نوعين

النوع الأول: تقرير مسائل على عقيدته الأشعرية

كما هو معلوم أن عقيدة المفسر ذات تأثير كبير على تفسيره، ومن ثمَّ استنباطاته، إذ غالبًا ما ينهج كل مفسر تنزيل الآيات على ما يوافق مذهبه وعقيدته، وقد عُني الخطيب - رحمه الله - بتقرير عقيدة الأشاعرة في تفسيره عند كل مناسبة.

  • (^1) بلغت استنباطاته في العقيدة
  • (52) استنباطًا، من ببن مجموع الاستنباطات.
69

ومن الأمثلة على ذلك:

- عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: 35]

قال الخطيب - رحمه الله -: (دلت الآية على أنه يجوز وصفه تعالى بأنه مقت بعض عباده، إلا أنها صفة واجبة التأويل في حق الله تعالى كالغضب والحياء والعجب). (^1)

- وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: 44]

قال الخطيب - رحمه الله -: (في ذلك دليل على أنّ للعبد كسبًا، وأنه ليس مسلوب الاختيار كما زعمت المجبرة). (^2)

النوع الثاني: تقرير مسائل على عقيدة أهل السنة والجماعة

ومن الأمثلة على ذلك:

- عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة 24]

قال الخطيب - رحمه الله -: (﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: هيئت ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، وجعلت عدّة ... لعذابهم، وفي ذلك دليل على أنّ النار مخلوقة معدّة لهم الآن). (^3)

- وعند قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50]

قال الخطيب - رحمه الله -: (﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: من الطاعة والتدبير، وفي ذلك دليل على أنّ الملائكة مكلفون، مُدارون على الأمر والنهي والوعد والوعيد كسائر المكلفين، وأنهم بين الخوف والرجاء). (^4)

القسم الثاني: استنباطات فيها تقرير لمسائل عقدية على مذهب أهل السنة والجماعة والرد على مخالفيهم

وفيه تقرير أصول عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، ومناقشة مخالفيهم من أهل الفرق والضلال، بتبيين باطلهم، ورد مزاعمهم عليهم داحضة، بنصوص القرآن والسنة المبطلة لاعتقاداتهم الفاسدة، وتأويلاتهم الباطلة.

  • (^1) السراج المنير (3/ 577)
    (^2) السراج المنير (2/ 26)
    (^3) السراج المنير (1/ 45)
    (^4) السراج المنير 2/ 264.
70

ومن الأمثلة على ذلك:

- عند قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 39]

قال الخطيب - رحمه الله -: (﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾ إضلاله ﴿يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ﴾ هدايته ﴿يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو دين الإسلام، وهو دليل واضح لأهل السنة على المعتزلة في قولهم: إنهما من العبد). (^1)

- وعند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: 179]

قال الخطيب - رحمه الله -: (في الآية دليل وحجة واضحة لمذهب أهل السنة في أن الله تعالى خالق أفعال العباد جميعها خيرها وشرّها؛ لأنه تعالى بيَّن باللفظ الصريح أنه خلق كثيرًا من الجنّ والإنس للنار، ولا مزيد على بيان الله تعالى؛ ولأن العاقل لا يختار لنفسه دخول النار، فلما عمل بما يوجب عليه دخول النار به علم أنّ له من يضطرّه إلى ذلك العمل الموجب لدخول النار وهو الله تعالى). (^2)

  • (^1) السراج المنير (1/ 484)
    (^2) المرجع السابق (1/ 610)
71

المطلب الثالث: الاستنباطات الأصولية.

اعتنى الخطيب - رحمه الله - بالاستنباط في أصول الفقه، وتميَّز بدقة هذه الاستنباطات وقوّتها، وتأتي استنباطاته الأصولية في المرتبة الرابعة (^1) من إجمالي مجموع الاستنباطات عنده.

ومن أمثلة الاستنباطات الأصولية عند الخطيب:

- عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: 71].

قال الخطيب - رحمه الله -: (في الآية دليل على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع؛ لأن الملائكة بيَّنوا لهم أنهم ما بقي لهم عذر ولا على بعد مجيء الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلو لم يكن مجيء الرسل شرطًا في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدة) (^2).

- وعند قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]

قال الخطيب - رحمه الله -: (الآية تدل على أن الأمر للوجوب؛ لأن تارك الأمور مخالف للأمر، ومخالف الأمر يستحق العذاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك). (^3)

- وعند قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف 20]

قال الخطيب - رحمه الله -: (دلَّت الآية على أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لأنّ الله تعالى علَّل عذابهم بأمرين؛ أولهما: الكفر، وثانيهما: الفسق، وهذا الفسق لا بدّ وأن يكون مغايرًا لذلك الكفر، لأنّ العطف يوجب المغايرة فثبت أنّ فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات) (^4).

  • (^1) بعد الاستنباطات العقدية، والتربوية، والفقهية حيث بلغت
  • (29) استنباطًا من بين مجموع الاستنباطات.
    (^2) السراج المنير (3/ 455)
    (^3) السراج المنير (2/ 645)
    (^4) السراج المنير (3/ 723)
72