الزيادة والإحسان في علوم القرآنالجزء 8 · ص 12 - 19

2 - أجل

تخفيف الميم؛ أي: يا صاحب هذه الصفات.

قال ابن هشام: يبعده أنه ليس في التنزيل نداء بغير «ياء»، ويقربه سلامته من دعوى كثرة الحذف، إذ التقدير عند من جعلها للاستفهام: [أمن هو قانت] خير أم هذا الكافر؟؛ أي: المخاطب بقوله: ﴿قل تمتع بكفرك قليلًا﴾ [الزمر: 9]، فحذف شيئان: معادل الهمزة، و[الخبر].

2 - أجل

[أجل] كلمة جواب مثل نعم، والأجل: المدة المضروبة [للناس]، قال تعالى: ﴿ولتبلغوا أجلًا مسمى] [غافر: 67]، وقال تعالى: ﴿وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾ [الأنعام: 128]، ويقال: فعلت كذا من أجله، [وقال] تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾ [المائدة: 32]؛ أي: من جرائهم.

3 - أحد

قال أبو حاتم في كتاب «الزينة»: هو اسم أكمل من الواحد، ألا ترى

12

أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد، جاز في المعنى أن يقوم له اثنان فأكثر، بخلاف قولك: لا يقوم له أحد، وفي الأحد خصوصية ليس في الواحد، تقول: ليس في الدار واحد، فيجوز أن يكون من الدواب والطير والوحش والإنس، فيعم الناس وغيرهم، بخلاف: ليس في الدار أحد، فإنه مخصوص بالآدميين دون غيرهم. قال: ويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى الأول، وبمعنى الواحد، فيستعمل في الإثبات، وفي النفي نحو: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: 1]؛ أي: واحد، وأول، ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم﴾ [الكهف: 19]، وبخلافهما فلا يستعمل إلا في النفي، تقول: ما جاءني من أحد، ومنه: ﴿أيحسب أن لن يقدر عليه أحد﴾ [البلد: 5]، ﴿أن لم يرده أحد﴾ [البلد: 7]، ﴿فما منكم من أحد﴾ [الحاقة: 47]، ﴿ولا تصل على أحد﴾ [التوبة: 84]، وواحد يستعمل فيهما مطلقًا، وأحد يستوي فيه الذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿لستن كأحد من النساء﴾ [الأحزاب: 32]، بخلاف الواحد فلا يقال: كواحد من النساء بل كواحدة، والأحد يصلح للإفراد والجمع، قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -: قلت: ولهذا وصف به في قوله تعالى: ﴿فما منكم من أحد عنه حجزين﴾، بخلاف الواحد. والأحد له جمع من لفظه، وهو الأحدون، والآحاد، وليس للواحد جمع [من] لفظه، فلا يقال: واحدون، بل اثنان وثلاثة، والأحد ممتنع الدخول في الضرب والعدد والقسمة وفي شيء من الحساب، بخلاف الواحد، انتهى ملخصًا، وقد تحصل من كلامه ها هنا سبعة فروق.

13

وفي «أسرار التنزيل» للبارزي في سورة (الإخلاص): فإن قيل: المشهور في كلام العرب أن الأحد يستعمل بعد النفي، والواحد بعد الإثبات، فكيف جاء أحد هنا بعد الإثبات؟ قلنا: قد اختار أبو عبيد: أنهما بمعنى واحد، وحينئذ فلا يختص أحدهما بمكان دون الآخر، وإن غلب استعمال الواحد في النفي، ويجوز أن يكون العدول هنا عن الغالب رعاية للفواصل، اهـ.

وقال الراغب في «مفردات القرآن»: ﴿أحد﴾ تستعمل على ضربين:

أحدهما: في النفي فقط، والآخر في الإثبات، فالأول لاستغراق جنس الناطقين، ويتناول الكثير والقليل، وكذلك صح أن يقال: ما من أحد فاضلين، كقوله تعالى: ﴿فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ [الحاقة: 47].

[والثاني] على ثلاثة أوجه:

الأول: المستعمل في العدد مع العشرات نحو أحد عشر، [وأحد

14

وعشرون].

والثاني: المستعمل مضافًا إليه بمعنى الأول، نحو: ﴿أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا﴾ [يوسف: 41].

[والثالث]: المستعمل وصفًا مطلقًا، ويختص بوصف الله تعالى، نحو: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: 1]، وأصله واحد، إلا أن واحدًا يستعمل في غيره انتهى.

وقال بعضهم: الواحد هو الأول الذي لم يسبقه شيء، ومنه سمي الأول في العدد [واحد]، والواحد: الفرد الذي لا يكون معه غيره، وأما الأحد فهو المتمكن في معنى الواحد، وهو الذي لا يقبل القسمة ولا التعدد، ولا المماثلة لشيء.

4 - إذ

ترد على أوجه:

أحدها: أن تكون اسمًا للزمن الماضي، وهو الغالب، ولها في هذه الحالة أربعة استعمالات.

أحدها: أن تكون ظرفًا، وهو الغالب، نحو: ﴿فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا﴾ [التوبة: 40].

[والثاني]: أن تكون مفعولًا بتقدير: اذكر، [نحو قوله تعالى: ﴿واذكروا إذ كنتم] قليلًا فكثركم﴾ [الأعراف: 87]، والتي ترد في تأويل القصص، نحو: ﴿وإذ قلنا للملائكة﴾ [البقرة: 34]، ﴿وإذ فرقنا بكم البحر﴾ [البقرة: 50]، فهي مفعول بتقدير: واذكر.

15

الثالث: أن تكون بدلًا [من المفعول]، نحو: ﴿واذكر في الكتب مريم إذ انتبذت﴾ [مريم: 16]، «فإذ» بدل من مريم.

الرابع: أن يكون مضافًا إليها اسم زمان صالح للحذف، نحو: ﴿يومئذ﴾ [آل عمران: 167]، أو غير صالح نحو: ﴿إذ هديتنا﴾ [آل عمران: 8].

وقال الجمهور: لا تقع إلا ظرفًا أو مضافًا إليها، وأنها في نحو: ﴿وأذكر في الكتب مريم إذ انتبذت﴾ [مريم: 16] ظرف لمضاف وهو المفعول المحذوف أي: اذكر [قصة] مريم، وفي نحو: ﴿واذكروا إذ كنتم قليلًا فكثركم﴾ [الأعراف: 86] ظرف لمفعول محذوف، [تقديره]: واذكروا نعمة الله عليكم [إذ كنتم] قليلًا، ويؤيد هذا القول التصريح بالمفعول في قوله: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء﴾ [آل عمران: 103].

[الوجه الثاني من معاني (إذ): أن تخرج] عن الماضي إلى الاستقبال نحو: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ [الزلزلة: 4]، والجمهور أنكروا ذلك، وجعلوا الآية من باب: ﴿ونفخ في الصور﴾ [الكهف: 99)، أعني من تنزيل المستقبل الواجب الوقوع منزلة الماضي الواقع، واحتج المثبتون منهم ابن مالك بقوله: ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ [غافر: 70، 71]، فإن ﴿يعلمون﴾ مستقبل لفظًا ومعنى لدخول حروف التنفيس عليه، وقد عمل في «إذ»، فيلزم أن تكون بمنزلة «إذا».

16

وذكر بعضهم أنها تأتي للحال، نحو: ﴿ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودًا إذ تفيضون فيه﴾ [يونس: 61].

فائدة: أخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك [قال]: ما كان في القرآن «إن» بكسر الألف فلم يكن، وما كان «إذ» فقد كان.

الوجه الثالث: أن تكون للتعليل، نحو: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: 39]؛ أي: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب؛ لأجل ظلمكم في الدنيا.

وهل هي حرف بمنزلة لام العلة أو ظرف بمعنى وقت؟ والتعليل مستفاد من

17

قوة الكلام لا من اللفظ؟ قولان، المنسوب إلى سيبويه: الأول، وعلى الثاني في الآية إشكال؛ لأن «إذ» لا يبدل من اليوم لاختلاف الزمانين، ولا يكون ظرفًا لـ «ينفع»؛ لأنه لا يعمل في ظرفين ولا لـ «مشتركون»؛ لأن معمول خبر «إن» وأخواتها لا يتقدم عليها؛ ولأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول؛ ولأن اشتراكهم في الآخرة لا في زمن ظلمهم، ومما حمل على التعليل: ﴿وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم﴾ [الأحقاف: 11)، ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأوا إلى الكهف﴾ [الكهف: 16]، وأنكر الجمهور هذا القسم وقالوا: التقدير: بعد إذ ظلمتم، وقال ابن جني: راجعت أبا علي مرارًا في قوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم﴾ الآية، مستشكلًا إبدال «إذ» من اليوم، فآخر ما تحصل منه أن الدنيا والآخرة متصلتان وأنهما في حكم الله سواء، فكأنما اليوم ماض. [انتهى].

الوجه الرابع: التوكيد، بأن يحمل على الزيادة، قاله أبو عبيدة، وابن

18

قتيبة، وحمل عليه آيات، منها قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة﴾ [البقرة: 30].

الوجه الخامس: التحقيق كـ «قد»، وحملت عليه الآية المذكورة، وجعل منه السهيلي، ﴿بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [آل عمران: 80]، قال ابن هشام: وليس القولان بشيء.

السادس من أوجه «إذ»: أن تكون للمفاجأة، وهي الواقعة بعد «بين»، و«بينما»، نص على ذلك سيبويه، كقوله:

أستقدر الله خيرًا [وأستعين] به ... فبينما العسر إذ دارت مياسر

وهل هي ظرف زمان أو مكان؟ أو حرف بمعنى المفاجأة؟ أو زائدة للتأكيد؟ أقوال.

19