الزيادة والإحسان في علوم القرآنالجزء 8 · ص 1 - 11

النوع الرابع والأربعون بعد المائة علم معاني الأدوات التي يحتاج إليها المفسر

- (الجزء الثامن) -

1

النوع الرابع والأربعون بعد المائة علم معاني الأدوات التي يحتاج إليها المفسر

5

النوع الرابع والأربعون بعد المائة

علم معاني الأدوات التي يحتاج إليها المفسر

قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى - في «الإتقان»: وأعني بالأدوات الحروف وما شاكلها من الأسماء والأفعال والظروف.

ثم قال: واعلم أن معرفة ذلك من المهمات المطلوبة لاختلاف مواقعها، ولهذا يختلف الكلام والاستنباط بحسبها، كما في قوله تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ [سبأ: 24]، فاستعملت (على) في جانب الحق، وفي جانب الضلال: (في)؛ لأن صاحب الحق كأنه مستعل يصرف نظره كيف شاء، وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض لا يدري أين يتوجه.

وقوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعامًا فليأتكم برزق منه وليتلطف﴾ [الكهف: 19]، عطف الجملة الأولى بالفاء، والأخيرة بالواو لما انقطع نظام الترتيب؛ لأن التلطف غير مرتب على

6

الإتيان بالطعام، كما كان الإتيان به مترتبًا على النظر فيه، [والنظر فيه مترتبًا] على التوجه في طلبه، والتوجه في طلبه مترتبًا على قطع الجدال في المسألة عن مدة اللبث وتسليم العلم له تعالى.

وقوله تعالى: ﴿وإنما الصدقات للفقراء﴾ الآية [التوبة: 60]، عدل عن اللام إلى (في) [في] الأربعة الأخيرة، [إيذانًا إلى] أنهم أكثر استحقاقًا للمتصدق عليهم ممن سبق ذكره [منهم] باللام؛ لأن (في) للوعاء، فنبه باستعمالها على أنهم أحق بأن يجعلوا مظنة لوضع الصدقات فيهم، كما يوضع الشيء في وعائه مستقرًا فيه، وقال الفارسي: إنما قال: ﴿وفي الرقاب﴾ [التوبة: 60]، ولم يقل: وللرقاب؛ ليدل على أن العبد لا يملك.

وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: الحمد لله الذي قال: ﴿وعن صلاتهم ساهون﴾ [الماعون: 5]، ولم يقل: «في صلاتهم ساهون».

وسيأتي ذكر كثير من أشباه ذلك.

7

وهذا سردها مرتبة على حروف المعجم، وقد أفرد هذا النوع بالتصنيف خلائق [من] المتقدمين، كالهروي في «الأزهية»، والمتأخرين، كابن أم قاسم في «الجنى الداني».

أقول: من أحسن من تكلم [في] الحروف المفردة والأدوات ابن هشام في «المغني»، فقد أتى في أول كتاب «المغني» منها بجملة نفيسة، وهي أفضل أبواب «المغني»، وقد نقلت عنه في هذا النوع [شيئًا] مما ذكر، مما ستقف [عليه] إن شاء الله تعالى.

1 - الهمزة

تأتي على وجهين:

أحدهما: الاستفهام، وحقيقته طلب الإفهام، وهي أصل أدواته.

8

ومن ثم اختصت بأمور.

أحدها: جواز حذفها.

ثانيها: أنها ترد لطلب التصور والتصديق بخلاف هل، فإنها للتصديق خاصة، وسائر الأدوات للتصور خاصة.

ثالثها: أنها تدخل على الإثبات، نحو قوله تعالى: ﴿أكان للناس عجبًا﴾ [يونس: 2]، ﴿ءالذكرين حرم﴾ [الأنعام: 143]، وعلى النفي نحو: ﴿ألم نشرح﴾ [الشرح: 1]، وتفيد حينئذ معنيين:

أحدهما: التذكير والتنبيه، كالمثال المذكور، وكقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظل﴾ [الفرقان: 45].

والآخر: التعجب من الأمر العظيم، كقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾ [البقرة: 243]، وفي كلا الحالين هي تحذير، نحو: ﴿ألم نهلك الأولين﴾ في [المرسلات: 16].

رابعها: تقديمها على العاطف تنبيهًا على أصالتها في التصدر، نحو: ﴿أوكلما عاهدوا عهدًا﴾ [البقرة: 100]، ﴿أفأمن أهل القرى﴾ [الأعراف: 97]، ﴿أثم إذا ما وقع﴾ [يونس: 51]، وسائر أخواتها تتأخر عنه، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو: ﴿فكيف تتقون﴾ [المزمل: 17]، ﴿فأين تذهبون﴾ [التكوير: 26]، ﴿فأنى تؤفكون﴾ [الأنعام: 95]، ﴿فهل﴾

9

﴿يهلك﴾ [الأحقاف: 35]، ﴿فأي الفريقين﴾ [الأنعام: 81]، ﴿فما لكم في المنفقين﴾ [النساء: 188].

خامسها: أنه لا يستفهم بها حتى يهجس في النفس إثبات ما يستفهم عنه، بخلاف (هل) فإنه لا يترجح عنده نفي ولا إثبات، حكاه أبو حيان عن بعضهم.

سادسها: أنها تدخل على الشرط، نحو: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون﴾ [الأنبياء: 34]، ﴿أفإين مات أو قتل انقلبتم﴾ [آل عمران: 144] بخلاف غيرها.

وتخرج عن الاستفهام الحقيقي، فتأتي لمعان ثمانية، ذكرها ابن هشام في المغني:

الأول: أن تكون للتسوية، كقوله تعالى: ﴿سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة: 6]، والمعنى سواء عليهم الإنذار وعدمه، وضابط هذه الهمزة أنها التي يحل المصدر محلها هي وما دخلت عليه، سواء وقعت بعد «سواء» أو بعد «ما أبالي»، و«ما أدري»، و«ليت شعري»، وما أشبه ذلك.

الثاني: أن تكون الهمزة للإنكار الإبطالي، نحو قوله تعالى: ﴿أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثًا﴾ [الإسراء: 40]، معناها يقتضي أن ما بعدها غير واقع، وأن مدعيه كاذب.

الثالث: الإنكار التوبيخي، نحو: ﴿قال أتعبدون ما تنحتون﴾ [الصافات: 95]، وهو يقتضي أن ما بعده واقع، وأن فاعله ملوم.

10

الرابع: التقرير، ومنه: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: 1]، و﴿أليس الله بكاف عبده﴾ [الزمر: 36]، ومعناه حملك المخاطب على الإقرار بأمر مستقر عنده ثبوته أو نفيه.

الخامس: التهكم، نحو: ﴿قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاؤا إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ [هود: 87].

السادس: الأمر، نحو: ﴿ءأسلمتم﴾ [آل عمران: 20]؛ أي: أسلموا، كذا قاله ابن هشام في المغني، وعندي أنه من الاستفهام الحقيقي أو التقريري.

السابع: التعجب، نحو: ﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظل﴾ [الفرقان: 45].

الثامن: الاستبطاء، نحو: ﴿ألم يأن للذين امنوا﴾ [الحديد: 16].

فائدة:

فائدة: إذا دخلت على رأيت امتنع أن يكون من رؤية البصر أو القلب

إذا دخلت على رأيت امتنع أن يكون من رؤية البصر أو القلب، وصارت بمعنى أخبرني، وقد تبدل هاء، وخرج على ذلك قراءة قنبل: ﴿ها أنتم هؤلاء﴾ [آل عمران: 66] بالقصر، وقد تقع في القسم، ومنه ما قرئ: ﴿ولا نكتم شهدة﴾ [المائدة: 106]، بالتنوين، «الله» بالمد.

الثاني: من وجهي الهمزة: أن تكون حرفًا ينادى به القريب، وجعل منه [الفراء] قوله تعالى: ﴿أمن هو قنت ءاناء اليل﴾ [الزمر: 9]، على قراءة

11