حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 6 · ص 334 - 349

سورة المؤمنون (2 من 2)

فالميم زائدة وهو من عانه بمعنى أبصره بعينه كرأسه بمعنى أصاب رأسه وركبه ضربه بركبته. قوله: (وصف ماؤها) أي الربوة بذلك أي بالمعين والتنزه المسرّة وانشراح الصدر من النزهة وأصل معناه التباعد ثم استعمل في العرف للخروج للبساتين ونحوها وقيل مكان نزه لما فيه من الرياض والرياحين لأنه يكون غالبا متباعدًا عن العمران وليس بخطا كما زعمه الحريري وصاحب القاموس كما فصلناه في شرح الدرة. قوله: (نداء) يعني أنّ النداء والخطاب ليس وضعهما فيه على ظاهرهما لاختلاف أزمنتهم وهو كذلك سواء جوّز خطاب المعدوم أو لا لأنّ تعلق التخيير بالاتفاق لا يجوز فليس نفحة اعتزالية وقد غفل عنها المصنف كما توهم. قوله: (فيدخل تحتة عيسى عليه الصلاة والسلام دخولًا أوّليا الخ) فالمعنى وكنا نقول لهؤلاء يا أيها الخ وإضمار القول كثير وإنما صرّح بدخول عيسى عليه الصلاة والسلام دخولًا أوّليًا ليظهر اتصاله بما قبله بخلافه على الحكاية فانه لا يدخل في منطوقه وإنما يدخل التزاما لاقتدائه بهم. قوله: (أو يكون ابتداء كلام الخ) بالعطف بأو الفاصلة أي من غير تقدير فهو استئناف نحويّ أو بياني بتقدير هل هذه التهيئة مخصوصة بعيسى عليه الصلاة والسلام أولًا وهو معطوف على ما قبله في الوجه الأوّل وقوله لم تكن له خاصة أي لعيسى عليه الصلاة والسلام خاصة، وكونها له من قوله آويناها الخ وقوله: واحتجاجا على الرهبانية أي احتجاجًا على تركها أو خلافها والرفض كالترك لفظًا ومعنى. وقوله: إباحة الطيبات إشارة إلى أنّ الأمر للإباحة والترفيه على أنّ المراد بالطيبات ما ذكره المصنف واعترض! عليه بأنه يحتمل أن يراد بالطيب ما حل والأمر تكليفيّ فلا يتمّ الاحتجاج وردّه بأنّ السياق يقتضي الأوّل ويؤيده تعقيبه لقوله وآويناهما كما في الكشاف يعارضه قوله واعملوا صالحا فإنه يرجح ما ذكره المعترضى وفي نسخة وبكون بالواو على أنه ابتداء كلام مع النبي ﷺ أي وقلنا يا محمد إنا قلنا للرسل الخ فهو معطوف على ما قبله وهو مع ما قبله كلام واحد أو هو جواب سؤال مقدر كما مرّ قيل وهو الوجه فتأمّل. قوله: (أو

حكاية الخ) معطوف على قوله ابتداء كلام وقيل على قوله نداء وفي نسخة بدون أو فهو تتميم لقوله احتجاجا على الرهبانية التي ابتدعتها النصارى والصحيح في النسخ الأولى وهو متصل حينئذ بما قبله لا ابتداء كلام والتقدير آويناهما وقلنا لهما هذا أي أعلمناهما أنّ الرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم خوطبوا بهذا فكلا واعملا اقتداء بهم هذا على تقدير وجود العاطف ويحتمل أن يكون حالًا أي يوحى إليهما أو قائلين لهما. وقوله: لما ذكر اللام فيه زائدة للتقوية وهو متعلق بقوله حكاية ولعيسى أيضًا متعلق به ولا يلزم تعلق حرفي جرّ بمعنى بمتعلق واحد كما توهم حتى يقال إنّ الجارّ الثاني متعلق بذكر مع أنه أورد عليه أنّ الحكاية لهما لا لمحمد بأن يكون حكاية ما أوحى إليهما ودخول عيسى عليه الصلاة والسلام أولى بطريق الوحي لا الاقتداء فظهر أنّ قوله لعيسى ليس متعلقا بذكر ليكون المعنى حكاية لمحمد ما ذكر لعيسى كما توهم وليقتديا متعلق به أيضا. قوله: (وقيل النداء له) أي لعيسى عليه الصلاة والسلام وهو معطوف على قوله نداء وخطاب لجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقد قيل إنّ ضمير الجمع أيضا لنبينا ﷺ تعظيما بما شرّفه الله به وما وقع في شرح التلخيص تبعا للرضي من أنّ قصد التعظيم بصيغة الجمع في غير ضمير المتكلم لم يقع في الكلام القديم خطأ لكثرته في كلام العرب مطلقًا بل في جميع الألسنة وقد صرّح به الثعالبي في فقه اللغة وكان فيه شبهة عندي لكونه من الأدباء حتى رأيته في كثير من كلام المتقدمين ولولا خوف الملل لأوردت لك من النقول ما لا يحصى. فحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. قوله: (والطيبات ما يستلذ به) فالأمر للإباحة والترفيه وإذا كان الحلال فهو تكليفي كما مرّ وقوله الحلال الخ في الكشاف الرزق حلال وصاف وقوام فالحلال الذي لا يعصى الله فيه والصافي الذي لا ينسى الله فيه والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل انتهى لأنّ فعالًا اسم آلة فالمراد ما به قوام الإنسانية وهذا تقسيم للرزق أمّا القسم الأوّل منه فظاهر وأمّا الثاني فأخص من الأوّل لأنه حلال لا يمنع عن حقوق العبودية وأمّ الثالث فمقدار الكفاية وهو أخص من الثاني فقوله الصافي القوام صفتان

334

للحلال وقوله فأجازيكم عليه لأنّ علم الله يذكر ويراد به الجزاء كما مرّ تحقيقه. قوله: (والمعلل به فاتقون الخ) يعني أنه على قراءة الفتح والتشديد قبله لام تعليل جارة مقدرة فلما حذفت جرى فيه الخلاف المشهور وهذه اللام متعلقة باتقون والكلام في الفاء كالكلام في فاء قوله تعالى ﴿فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ وهي للسببية أو للعطف على ما قبله وهو اعملوا والمعنى اتقوني لأنّ العقول متفقة على ربوبيتي والعقائد الحقة الموجبة للتقوى. وقوله أو واعلموا معطوف على قوله ولأنّ أو هو مفعول لأعلموا مقدر معطوف على اعملوا.

587

قوله: (معطوف على ما تعملون (والمعنى إني عليم بما تعملون وبأن هذه أمّتكم أمّة واحدة الخ فهو داخل في حيز المعلوم قيل إنه مرضه لعدم جزالة معناه وقوله على الاستئناف لأنه معطوف على جملة إني المستأنفة والمعطوف على المستأنف مستأنف لا لأنّ الواو ليست بعاطفة كما قيل وهذه إشارة إلى ما بعده أو إلى الملة وقوله بالتخفيف أي بفتح الهمزة وسكون النون مخففة من أنّ الثقيلة. قوله: (ملتكم الخ (أصل معنى الأمّة جماعة تجتمع على أمر ديني أو غيره ثم أطلقت على ما يجتمعون عليه كما أشار إليه الزجاج بتفسيره بالطريقة والى المعنيين أشار المصنف رحمه الله والحال المذكورة مبينة لا مؤكدة وهي من الخبر والعامل معنى الإشارة وخطاب أفتكم للرسل عليهم الصلاة والسلام أو عامّ وقوله فاتقون قيل إنه اختير على قوله فاعبدون الواقع في سورة الأنبياء لأنه أبلغ في التخويف لذكره بعد إهلاك الأمم بخلاف ما ثمة وهذا بناء على أنه تذييل للقصص السابقة أو لقصة عيسى عليه الصلاة والسلام لا ابتداء كلام فإنه حينئذ لا يفيده إلا أن يراد أنه وقع في الحكاية لهذه المناسبة كما قيل. قوله: (في شق العصا ومخالفة الكلمة) شق العصا العصيان ومخالفة الكلمة مفارقة الدين والجماعة أو هو عطف تفسيري واتحاد الملة سبب لإبقائه وكذا علم الله به فلا ركاكة فيه معنى. قوله: (فتقطعوا أمرهم (يعني أنّ تقطع بمعنى قطع كتقدم بمعنى قدم متعد وفي نسخة فتقطعوا أي تقسموا وقوله جعلوه أديانا تفسير له والمراد بأمرهم أمر دينهم أمّا على تقدير مضاف أو على جعل الإضافة عهدية فالأمر هو الديني وهذا جار على تفسيري الأمّة وليس ناظرًا إلى تفسير الأمّة بالملة كما قيل وقوله فتفزقوا على طريق المجاز وجعل التفعل لازما وليس ناظرًا إلى تفسير الأمّة بالجماعة وعلى هذا أمرهم منصوب بنزع الخافض أي في أمرهم أو التمييز عند من أجاز تعريفه وهم الكوفيون. قوله: (والضمير لما دل عليه الآمّة (إن كانت بمعنى الملة أولها إن كانت بمعنى جماعة الناس أو بمعنى الملة على الاستخدام ولا يتعين هذا على الثاني كما توهم فتأمّل ولم يجعله للمخاطبين التفاتًا لأنهم أنبياء ولا يصح إسناد التقطع إليهم بالمعنى المذكور بخلاف ما في سورة الأنبياء ولا إلى الناس كما قيل. قوله: (قطعًا جمع زيور الذي بمعنى الفرقة (بضمتين بمعنى قطعًا جمع زبور بمعنى فرتة قال الراغب قوله فتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا أي صاروا فيه أحزابا وهو مروفي عن الحسن وذكره في القاموس وقوله ويؤيده أي كونه بمعنى قطعا وفرقا

القراءة بضم الزاي وفتح الباء فإنه مشهور ثابت في جمع زبرة بمعنى قطعة وإنما غير المشهور فيه زبور فما قيل إنه رد للزمخشري في جزمه بكون زبرا بضمتين جمع زبور بمعنى الكتاب لا غير إلا أن هذا إنما يتم إذا ثبت ما ذكره عن أئمة اللغة لا وجه لما سمعته وقوله حال من أمرهم أو من الواو أو مفعول ثان على التفسيرين. قوله: (وقيل كتبا (جمع زبور وزبرت بمعنى كتبت وزبور فعول بمعنى مفعول كرسول وقوله مفعولًا ثانيًا لتقطعوا المتعذي بمعنى الجعل أو حال على لزومه وقيك إنها حال مقدرة أو بنزع الخافض أي في كتب ومرضه لما فيه من الخفاء لاحتياجه إلى التأويل بأن يراد فرقوها في كتب كتبوها أو يراد بالكتب الأديان أو يقدر مضاف أي مثل الكتب السماوية عندهم أو في اختلافهما فتأمل وقوله من المتحزبين أي المجتمعين لا المنقطعين وقوله معجبون بيان للمراد منه وأصل معناه السرور وانشراح الصدر. قوله: (شبهها بالماء الذي يغمر الخ (لما ذكر توزعهم واقتسامهم ما كان يجب الاتفاق عليه وفرحهم بباطلهم قال لنبيه ﷺ دعهم في جهلهم تخلية وخذلانا لعدم فائدة القول لهم وسلاه بالغاية وعلى الثاني لما ذكر فرحهم بالغفلة والغرور جعلهم لاعبين

335

والأوّلء أظهر وعلى الوجهين هو استعارة تمثيلية مبنية على التشبيه لكن وجه الشبه مختلف فيهما كذا قرّره شراح الكشاف ويصح أن يكون استعارة تصريحية أو مكنية والجامع الغلبة والاستهلاك فيه وقوله إنّ ما نعطيهم إشارة إلى أنّ ما موصولة لا كافة وقد جوّز فيها أن تكون مصدرية. قوله: (بيان لما (فهو حال وقوله وليس خبرا له أي لما التي هي اسم وإن وليس خبرًا لها لأنّ الله أمدهم بالمال والبنين فلا يعاب ولا ينكر عليهم اعتقاد المدد بهما كما يفيده الاستفهام الإنكاري وقد قيل عليه إنه لا يبعد أن يكون المراد ما يجعله مددا نافعًا لهم في الآخرة ليس المال والبنين بل الاعتقاد والعمل الصالح كقوله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ورد بأنه خلاف الظاهر فلا يحمل عليه بدون قرينة وأنه يبعده تعلق الإمداد بهم فإن المناسب أن لا يذكر المفعول على معنى نمد من نمده أو نفعل الإمداد وفيه نظر وقوله فإنه أي الحسبان المتعلق به!. قوله: (والراجع محذوف) أي العائد من الخبر وهو قوله به بقرينة ذكره في

الصلة إلا أنّ حذف مثله قليل وقيل الرابط الاسم الظاهر وهو الخيرات وهو مذهب الأخفش واكرامهم مهم عطف تفسير للخير وقوله بل هم كالبهائم حمل قوله لا يشعرون على أنه ليس من شأنهم الشعور لأنه أبلغ والمسارعة في الخير المبادرة إلى ما هو خير لهم وقوله وكذلك أي قرئ وقوله فيهما أي في يسرع ويسارع والممد به المال والبنون وقوله ويسارع أي قرى يسارع. قوله: (من خوف عذابه) إمّا إشارة لتقدير مضاف أو بيان للمراد من خشية الله ومن في المفسر والمفسر تعليلية أو صلة لمشفقون كما ذهب إليه المعرب لكنه لا يلائم تفسير المصنف لأنّ الحذر والخوف ليس من نفس الخوف بل من المخوف إلا أن تجعل إضافة الخوف إلى العذاب والخشية إليه على تقديره من إضافة الصفة إلى الموصوف أي العذاب المخشى والمخوف وقد تقدّم في سورة الأنبياء الفرق بين الشفقة والخشية وذكرنا ما فيه ثمة وقول ابن عطية هنا أنّ من خشية لبيان جنس الإشفاق يريد أنها صلة له مبينة للمشفق منه فلا قلاقة فيه كما زعمه المعرب. قوله: (بآيات ربهم) أي بعلامات ربوبيته واليه أشار بقوله المنصوبة أو بكلامه واليه أشار بقوله المنزلة وهو متعلق بقوله يؤمنون والباء للملابسة وقوله بتصديق مدلولها بدل منه أو عطف بيان لتفشر الملابسة فيه فلا حاجة إلى جعله متعلقًا به بعد اعتبار تعلق الأوّل لدفع المحذور كما توهم. قوله: (شركا مليا ولا خفيًا) كالنفاق وقوله يعطون ما أعطوه تفسير على قراءة اكثر من الإيتاء فيهما بمعنى الإعطاء للصدقات وقراءة غيرهم من الإتيان فيهما وهو الفعل للطاعات وهو المروي عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم كما أسنده المحدّثون متصلًا وان قيل إنّ في سنده ضعفا واقتصر أبو البقاء على الخلاف في أتوا وليس بجيد قالوا وهي قرأءة رسول الله ﷺ يعنون أن المحذثين نقلوها عنه ولم يدوّنها القراء من طرقهم والا فجميع القراآت قراءة رسول الله ﷺ وهو اصورح للمفسرين كما في التوشيح. قوله: (خائفة) وهو معنى قوله في غير هذه السورة الوجل اضطراب النفس لتوقع ما يكره وهذا التفسير جار على الوجهين وقوله فيؤاخذ به بصيغة المجهول وبه قائم مقام الفاعل أو المعلوم والضمير لله فليس الأظهر أن يقال فيؤاخذوا بالجمع كما قيل وخص الخوف بما ذكر لمناسبته ولو عممه صح. قوله: (لأن مرجعهم) أي رجوعهم إلى الله فهو على تقدير اللام التعليلية أو على تقدير من الابتدائية التي يتعدى بها الخوف في نحو خاف من ألله وليست من السببية حتى يقال أو للتخيير في التعبير والتقدير فإنه خلاف الظاهر وقوله وهو يعلم ما يخفى عليهم أي من عدم القبول أو وقوعه على ما لا يليق فيؤاخذهم به وهو بيان لوجه التعليل فيه

وليس هذا ناظرا إلى قوله أن لا يقع على الوجه اللائق فقط كما توهم. قوله: (يرغبون في الطاعات الخ) إشارة إلى أنه ضمن معنى الرغبة أو هو كناية عنها فلذا عدى بفي دون إلى والمبادرة العجلة وهي تتعدى بإلى وبنفسها كما في القاموس ولذا استعمله المصنف بهما والنيل بمعنى الوصول أو الأخذ وبالمبادرة متعلق به أو بيسارعون ولو عمم لهما صح وقوله فيكون إثباتا لهم الخ ففيه مقابلة وطباق للآية المتقدمة ولذا قال في الكشاف إنه أحسن مما قبله وجملة أولئك خبر أنّ. قوله: (لأجلها فاعلون السبق) بمعنى أن سبق المتعدي نزل هنا منزلة اللازم واللام تعليلية لا مقوّية وقوله لأجلها

336

أي الخيرات الدنيوية لأنها هي المتصفة بأنهم فاعلون لها فكونه ناظرا إليهما كما قيل خلاف الظاهر فتأمّل وفيه إشارة إلى ترجيح الثاني كما مرّ. قوله: (أو سابقون الناس إلى الطاعة) فهو متعد لمفعولين أحدهما مفعول وهو ما تعدى إليه بنفسه والثاني بواسطة لأنه يتعدى بإلى واللام وقوله أو الثواب بمعناه المعروف وهو أعمّ من الجنة لا الدنيوي. قيل المراد بالخيرات المعنى الأوّل وهو الطاعات والمفعول غاية متأخرة وقد يتوهم أنّ إلى الطاعة وما بعده تفسير ولذا قيل الأظهر المثوبة لتأنيثه فتأمّله وقوله أو الجنة فسبقهم في القيامة وليس وجها آخر كما توهم. قوله: (أو سابقونها) يعني أنه متعد للضمير بنفسه واللام مزيدة حسن زيادتها كون العامل فرعيا وتقديم المعمول المضمر وأعترض عليه في البحر بأنه غير صحيح لأنّ سبق الشيء الشيء يدل على تقدم السابق على المسبوق فكيف يقال هم يسبقون الخيرات وهذا معنى قول بعض شرإح الكشاف فيه أنّ الخيرات على هذا مسبوق إليها لا مسبوقة وفي الدر المصون كلام في ردّه لا طائل تحته وهذا كله غفلة عن قوله ينالونها فإنه أراد به أنّ المراد به حينئذ لازم معناه وهو النيل فلا يتوجه عليه شيء لكنه لا يخلو عن تكلف لما فيه من دعوى التجوّز والزيادة من غير ضرورة وقوله هم لها عاملون أي إياها عاملون كما فيما نحن فيه وفي الكشاف ويجوز أن يكون لها سابقون خبرًا بعد خبر ومعنى وهم لها كمعنى قوله:

أنت لها أحمد من بين البشر

يقال لمن يطلب منه أمر لا يرجى من غيره أنت لها أي أنت معد لفعل مثلها من الأمور العظيمة وهي من بليغ كلامهم وهو معنى الآية على إعرابه خبرًا بعد خبر كقوله:

مشكلات أعضلت ودهت يارسول الله أنت لها ...

قوله: (قدر طافتها) تفسير للوسع والتحريض لأنّ الأعمال الصالحة إذا كانت مقدورة

فتركها من قصور الهمم والمراد بصحيفة الأعمال جنسها وقوله لا يوجد فيه الخ إشارة إلى أنّ النطق استعارة هنا وقوله في غفلة إشارة إلى ما مرّ وهؤلاء إشارة إلى الصالحين أو إلى الجميع. قوله: (متجاوزة لما وصفوا الخ) وصفوا بصيغة المجهول والمتجاوز! عنه من الصفات إمّا صفات الكفار بأن يكون لهم صفات أخبث مما وصفوا به أو صفات المؤمنين فهم متجاوزون عما يحمد إلى ما يذم وقوله متخطية بالباء من التخطية للرقاب والصفوف بمعنى التجاوز وفي بعض التفاسير وقيل متخطية لما وصف به المؤمنون من الأعمال الصالحة المذكورة وفيه أنه لا مزية في وصف أعمالهم الخبيثة بالتخطي لأعمال المؤمنين الحسنة وقيل متخطية عما هم عليه من الشرك ولا يخفى بعده لعدم جريان ذكره ولا يخفى سقوطه لأنّ ما وصف به المؤمنون ما في حيز الصلات من عدم الشرك والخوف من الله والطاعة والصدقة وتجاوزهم عنها اتصافهم بأضدادها وأيّ مزية أتمّ من هذا والشرك مستفاد من قوله في غمرة من هذا وهو غنيّ عن البيان. قوله: (معتادون فعلها) هو من جعلها عملاَ كما هو في المتعارف ومن التعبير بالاسم الدال على الثبوت والغاية الدالة على امتداده وقوله: أو الجوع الخ هو وارد في الحديث الححيح عن ابن مسعود رضي الله عنه كما سيأتي تفسير. في سورة الدخان والوطأة المشي لشدة وهي مجاز عن الوقعة المزلة وسني يوسف جمع سنة والمراد بها القحط وهي معروفة بالقحط وقوله فاجؤوا إشارة إلى أنّ إذا فجائية والجؤار الصراخ وخصه بالاستغاثة بقرينة المقام والشرط إذا وقوله والجملة مبتدأة يعني أنّ حتى هنا حرف ابتداء لا عاطفة ولا جازة وقد مرّ تفصيله في سورة الأنعام. قوله: (ويجوز أن يكون الجواب الخ) وقدره بالقول لأن النهي لا يكون جوابا بدون الفاء وحينئذ يكون إذا هم يجأرون قيدًا للشرط أو بدلًا من إذا الأولى وعلى

الأوّل المعنى أخذنا مترفيهم وقت جؤارهم أو حال مفاجأتهم الجؤار لجواز كون إذا ظرفية أو فجائية حينئذ. قوله: (تعليل للنهي الخ) يعني أن النصر ضصور، معني! المنع أو تجوز به عنه فمن صلته أو هو بمعناه ومن ابتدائية وقيل إنه سمع نصره الله منه أي جعله منتصرا منه بلا تضمين وقوله تعرض! ون مدبرين يعني أنّ النكوص الرجوع فاستعير للإعراض والأدبار والإعقاب جمع عقب وهو مؤخر الرجل والرجوع على عقبيه الرجوع في طريقه الأولى كما يقال رجع عوده على بدئه قاله الراغب وقيل إنه للتاكيد كًا بصرته بعيني. قوله: (الضمير للبيت (أي الكعبة وقريب منه أنه للحرم ولما لم يجر له ذكر هنا

337

اعتذر عنه بأنه معلوم بقرينة ذكر المشركين وأنّ استكبارهم وافتخارهم به أشهر من أن يذكر واليه أشار بقوله وشهرة الخ وقوّام بالتشديد جمع قائم على الأمر أي معتنون بخدمته وسدإنته والباء فيه سببية وكون لضمير للنكوص كما في البحر ليس فيه كبير فائدة ومستكبرين حال كذا قيل وفيه أنه لا يلزم من النكوص التكذيب به فالتضمين يدفع اللغوية فتأمّل. قوله: (أو لآياتي الخ) والتضمين على هذا فالباء للتعدية أو سببية أو للتالي المعلوم منه وقوله بمعنى مكذبين أي على التضمين والتجوّز ركيك وقوله بذكر القرآن أي الضمير على هذا للقرآن المفهوم من الآيات أو المؤوّلة هي به ولم يذكر تعلقه بتهجرون لبعده لفظا ومعنى لما فيه من الإيهام وقوله تسمرون عبر به دون سامرين لإفادة استمرارهم عليه ولذا قدّم متعلقه. قوله: (وهو في الأصل مصدر الخ الما أريد به الجمع وهو بوزن المفرد هنا وقد ورد كذلك اختلف في توجيهه فذهب بعضم إلى أنه اسم جمع لأنهم يقولون السامر! ماعة الذين يسمرون فهو كالحاج والحاضر والجامل والباقر وهذا أحسن الوجوه والسمر الحديث بالليل وقيل إنه واحد أقيم مقام الجمع وقيل إنه مصدر في الأصل فيشمل القليل والكثير باعتبار أصله لكن مجيء المصدر على وزن فاعل نادر وقرئ سمرا بضم وتشديد وسما بزيادة ألف. قوله: (من الهجرة بالفتح (إقا بمعنى القطيعة أو الهذيان وهو التكلم بما لا يعقل لمرض! ونحوه وفيه أنه قال في الدؤ المصون إنّ الهجر بمعنى القطع والصد بفتح الهاء وسكون الجيم وبمعنى الهذيان بفتح اا! اء والجيم وفعله أهجر فليس مصدرهما واحدا كص ذكره المصنف رحمه الله وأمّا قوله في الكشاف والهجر بالفقح الهذيان فمحتمل لفتع الهاء والجيم إلا

أنّ ما ذكره المصنف بعينيه في الصحاح فليحرّر. قوله: (أي تعرضون عن القرآن) هذا على معنى الهجر الأوّل وما بعده على الثاني والفحش التكلم بالقبيح أو نفس الكلام القبيح وقوله ويؤيد الثاني وهو الهذيان تأييده له لما عرفت أنّ فعله مزيد دون الأوّل وسيأتي تحريره وقراءة التشديد تحتمل المعاني الثلاثة وقوله والهجر بالضم لم يعطفه بأو وان كان هو الظاهر كما قيل لقربه من الهذيان وقمد ورد بمعناه في اللغة كما في لسان العرب وبينهما مغايرة على الأوّل هذا على تقدير جرّه عطافا على الهجو بالفتح وأمّا على كونه مرفوعا مبتدأ خبر. الفحش وذكر إشارة إلى فائدة التقييد بالفتح يعني أنّ الفعل من الهجر المفتوح بمعنييه لا من المضموم الذي هو اسم لقبيح الكلام ولا مصدر فلا يرد عليه شيء لكن هذا إنما يتمشى إذا كان لم يسمع منه هجر بل أهجر كما مرّ وهو الظاهر من كلام المصنف كذا قيل ويرد عليه ما في القاموس حيث قال هجره هجرًا بالفتح وهجرانا بالكسر صرمه والشيء تركه كأهجره انتهى وقوله في المصباج هجرته هجرا من باب قتل قطعته وهجر المريض في كلامه هذي والهجر بالضم اسم ومصدر بمعنى الفحش من هجر كقتل وفيه لغة أخرى أهجر بالألف انتهى فلا وجه لما ذكر وفوله وبؤيد الثاني أي كونه بمعنى الهذيان لا كونه بمعنى الفحش كما قيل لأنه ثالث إلا أن يعدا وجهًا واحدًا ووجه التأييد غير تام إلا أن ينبني على اكثر الأفصح وما ذكره هذا القائل يقتضي أن الفعل المذكور في النظم لا يصح أن يكون من الهجر بالضم مع أنه فسر به أيضا في كتب اللغة وغيرها فتأمّل. قوله: (أفلم يدبزوا القول) الاستفهام إنكاريّ لعدم تدبرهم ويجوز أن يكون تقريريًا انضمّ لمن تدبر وأورد عليه أن دلالة الإعجاز على كونه كلام الله ظاهرة وأمّا دلالة الوضوح فغير واضحة فكم للعرب من كلام واضح ويدفع بأنه على تقدير تسليم دخله في الدلالة فإنه ذكر لتسليم دلالة الإعجاز فإنّ المعجز بما يتوهم لكونه غير معهود لهم صعوبة فهمه لا سيما إذا نصب وضوح على أنه مفعول معه والمراد بالوضوح وضوح خاص وهو كونه على نهج من الفصاحة بحيث يفهمه كل من خوطب به من العوب لعدم تعقيده وكونه على أحسن الوجوه من أوّله إلى آخر. على نسق نير سالكًا طريقا سهلًا محميًا عن سلوك أحد فيه وهو الذي يقول له الأدباء السهل الممتنع فلا حاجة إلى أن يقال المراد وضوح دلالته على كونه ليس من كلام البشر فإنه مصادرة فتأمّل وقوله ليعلموا أي فيصدقوا به وبمن جاء به. قوله: (من الرسول والكتاب) فاستبعدوه فهو كقوله لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم لا مخالفة بينهما حتى يقال الآباء هنا الأوّلون

338

وثمة الأقربون لعدم توصيفهم فيها فالمراد بالآباء على هذا الكفرة والاستفهام تقريريّ لا إنكاريّ كما توهم. قوله: (او من الأمن من عذاب الله) أي لهم من الأمن من عذاب الله وخوفه

ما ليس لآبائهم الأوّلين والمراد المؤمنون منهم كما صرّج به المصنف وفي الآية المتلوّة آنفا الكفرة وتوصيفهم بالأوّلين لإخراجهم لا للتأكيد كما في الوجه السابق والاستفهام إمّا إنكارفي أو تقريريّ فتأمّل وأعقابه من بعد. من أولاده كعدنان ومضر فإنّ الكفر حدث بعدهم كما يعلم من كتب الآثار وأخره لأنّ إسناد المجيء إليه غير ظاهر ظهوره في الأوّل. قوله: (بالآمانة والصدق) إشارة إلى أنّ الاستفهام إنكارفي لأنهم عرفوه بما ذكر فأم للإضراب عما قبله مع الإنكار. قوله: (فهم له منكرون) الفاء فيه سببية لتسبب الإنكار عن عدم المعرفة فهو داخل في حيز الإنكار وماك! المعنى هم عرفوه بما ذكر فكيف ينكرونه والضمير للرسول ﷺ واللام فيه للتقوية وتقديمه للتخصيص أو الفاصلة وهو على تقدير مضاف أي منكرون لدعواه وهي الرسالة من الله مع قيام البرهان الشاهد على خلافه مما ذكر واليه أشار بقوله دعواه لأنه لا يمكن إنكار ذاته وهو فيهم. قوله: (لأحد هذه الوجوه) المذكورة تعليل للإنكار بوجوه مذكورة في قوله أفلم يدبروا إلى هنا فإنها وجوه للإنكار ترتب عليها لا وجه له أي للإنكار غيرها إذ إنكار ما جاء به القرآن الدال على مدعي الرسالة من الله إمّا من عدم تدبره والنظر في مدلوله ووجوه إعجازه أو لكونه لم يسبق مثله حتى سمعوه هم وآباؤهم أو لكون من أتى به معروفا بصفات تنافي مدّعاه كعدم علمه وصدقه وقد بين هذا بقوله فإنّ إنكار الشيء الخ وقوله بحسب النوع ناظر إلى قوله أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين وقوله أو الشخص ناظر إلى قوله أفلم يدبروا القول وأقصى ما يمكن فاعل يدل وهو إشارة إلى التدبر لأنه النظر في أدبار الأمور وعواقبها وغاياتها وقوله: قطعا راجع إلى الامتناع بحسب النوع أو الشخص وظنًا راجع للبحث وقوله فلم يوجد أي ما يدل على امتناعه فلا وج! لإشكاره هذا تحقيق كلامه وتوضيح مرامه ولأرباب الحواشي هنا كلام يتعجب منه أفلم يدئروا القول ولولا خوف الإطالة لأوردنإه مع بيان ماله وعليه. قوله: (أم يقولون به جنة) إضراب انتقاليّ عما قبله فلذا قاد فلا يبالون لأنّ ما قبله ناشئ من التقليد والمبالاة وقوله وكانوا الخ إشارة إلى أنه ناشئ من حيرتهم في عنادهم لا عن سبب وأثقب استعارة من الثقب بمعنى التنفيذ أو التنوير والمراد أشدهم وأسدّهم نظرا. قوله تعالى: (﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾) ظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه عين الحق الأوّل على قاعدة إعادة المعرفة وأظهر في مقام الإضمار لأنه أظهر في الذمّ والضمير ربما يتوهم عوده للرسول، وقيل: اللام في الأوّل للعهد وفي الثاني للاستغراق أو للجنس أي كثرهم للحق أيّ حق كان لا لهذا الحق فقط

كما ينبئ عته الإظهار وتخصيص أكثرهم بهذا لا يقتضي إلا عدم كراهة الباقين لكل حق وهو لا ينافي كراهتهم لهذا الحق والتعرّض لعدم كراهة بعضهم للحق مع اتفاق الكل على الكفر به لا يساعده المقام وهو وجه آخر مناسب للتذييل لكن ما ردّ به على المصنف غير متجه كيف وهو المناسب للواقع بخلاف ما ذكره فإنه ليس أكثرهم يكره الحق مطلقا وعدم الكراهة من وجه لا ينافي الكفر كما مرّ. قوله: (لآنه يخالف شهواتهم) بيان لسبب كراهته وقوله فلذلك أي لمخالفة طبائعهم الفاسدة أو لكراهته وقوله: وإنما قيد الحكم بالأكثر الخ ويجوز أن يكون الضمير للناس لا لقريش كقوله وما أكثر النار ولو حرصت بمؤمنين ومن المستنكمين أبو طالب ومن قلت فطنته البله منهم والرعاع وقوله لا كراهة للحق من حيث هو حق فلا وجه لما قيل إن من أحب شيئًا كره ضده فإذا أحبوا البقاء على الكفر فقد كرهوا الانتقال إلى الإيمان ضرورة وحمل الأكثر على الكل بعيد. قوله: (بأن كان ني الواقع آلهة شتى (فالمراد بالحق ما يطابق الواقع خلاف الباطل لا الله خالى! الفته وان صح واتباعه موافقته لأهوائهم وعقائدهم الفاسدة فليس بحقيقه كما توهم إذ ليس حقيقة الاتباع الموافقة وان لزمته كما لا يخفى وقوله وقيل لو اتبع الخ فالمراد بالحقي أيضًا ما مرّ والفرق بينه وبين ما قبله أنّ المعنى فيه لو كان الواقع مطابقا لأهوائهم ابتداء وفي هذا لو كان موافقًا بعد مخالفته كما أشار إليه بقوله

339

وانقلب والحق في الأوّل مخصوص بالألوهية وكذا في هذا لكن فيه إيماء للعموم وفي الكشاف إنه يدلّ على عظم شأن الحق وأنّ السموات والأرض! ما قامت ولا من فيهن إلا به وفي قوله العالم إيماء إلى أنّ المراد بالسموات والأرض الموجودات بأسرها. قوله: (أو لو اتبع الحق الخ (فتعريف الحق بالمعنى السابق للعهد والإسناد مجازي والاتباع حقيقيّ أي لو اتبع النبيّ ﷺ أهواءهم فجاءهم بالشرك بدل ما أرسل به لخرّب الله العالم وأقام القيامة لفرط غضبه، وهو فرض محال من تبديله ما أرسل به من عنده.

قوله: (أو لو اتبع الله) فالمراد بالحق الله تعالى، وقوله: لخرج عن الألوهية أي لم يكن

إلها لأنه لا يأمر بالفحشاء فالآمر بها ليس ب! له وهذا في الكشاف منقول عن قتادة وقال الطيبي:

إنه لا يليق نسبته له لما فيه من سوء الأدب ولذا غير المصنف رحمه الله عبارته، وقوله: ولم يقدر الخ لأنه ليس بإله ولا يمسكهما غيره وقوله وهو أي هذا التفسير مبنيّ على أصل المعتزلة المراد بأصلهم هنا إنّ الله لا يوجد الكفر والمعاصي ويخلقها إذ هو ظلم ونقص تعالى الله عنه وأهل السنة لا يقولون بهذا، وفرق بين إنزاله كإنزال الشرائع وايجاده كما تقرّر في الكلام وأشار إليه بعضى الفضلاء هنا فما ذكره الزمخشري هنا حق أريد به باطل وليس مراد المصنف رحمه الله أنه مبنيّ على إيجاب الأصلح وقاعدة الحسن والقبح كما قيل لأنّ عدم جواز هذا مستفاد من الشرع كهذه الآية ونظائرها وقد قام عليه الدليل العقلي لأنّ إنزال الشرك والمعاصي نقص مخالف للواقع يجب تنزيه الله عنه بلا خلاف. قوله: (بل أتيناهم الخ) إضراب عن كراهته أي ليس ما جاءهم به مكروها بل هو عظة لهم لو اتعظوا أو فخرهم أو متمناهم، وفسر الذكر بالوعظ والصيت هو الذكر الجميل والفخر وفي نسخة ووصيتهم والأولى أولى وأصح. وقوله: تمنوه إشارة إلى أنّ لو للتمني لأنه الأنسب هنا وان جاز كونها شرطية، وذكرا بمعنى كتابا. وقوله: عن ذكرهم أعاده تفخيما وإضافة لهم لسبقه وفي سورة، لأنبياء ذكر ربهم لاقتضاء ما قبله له، وقوله: قسيم أي مقابله وغير للخطاب لمناسبة ما بعده وقا له أو ثوابه أو لمنع الخلوّ لأنه يعلم من خيرية كل منهما خيرية المجموع. وقوله ففيه مندو- تة لك عن عطائهم إشارة إلى المفضل عليه. وقوله: بإزاء الدخل أي يستعمل في مقابلته، والضريبة ما يوظف على الأرض، وإشعاره بالكثرة لأنه معتاد في الخراج، واللزوم لأنه يكون في كل سنة ومن جانب الله بفضل وعده وقوله: فيكون أبلغ أي من الخرج، وتوله: عبر به عن عطاء الله أي دون الأجر في هذه القراءة لأن زيادة اللفظ تدل على زيادة المعنى والمزاوجة بمعنى المشاكلة لا ما ذكر في البديع والمشاكلة في القراءتين وإلا فالمناسب ما يدلّ على القلة في جانبه والكثرة في جانب الله لا تساويهما ولا معنى لتعليله بأن طلب الأجر منتف منه قليلا أو كثيرًا. قوله: (تقرير لخيرية خراجه (أي تأكيد له لأنّ من كان خير الرازقين يكون رزقه خيرًا من رزق غيره، وقوله: يوجب اتهامهم له اللام صلة الاتهام أو تعليلية والضمير للصراط أو للنبيّ بسببه. وقوله: أزاح العلة أي أزال ما يتعللون به في عدم القبول له. قوله: (بأن حصر الخ) أي في قوله: أفلم يدبروا القول

إلى قوله فهم له منكرون، كما تشهد له الفاء وقد مرّ تقريره لأنّ الإنكار منهم والاتهام إما لعدم معرفة ما أتى به لعدم فهمه أو لعدم مثله أو لعدم معرفة من أتى به وتبيين انتفائها بالاستفهام الإنكارفي الذي في معنى النفي، وكراهة الحق من قوله: أكثرهم للحق كارهون، وعدم الفطنة من نفي التدبر ولا وجه لما قيل إنه اكتفى بذكرهما عن ذكر الاستنكاف إذ لا ذكر له في النظم ولم يذكر أمر الجنة وطلب الأجر لأنه داخل في معرفته بكمال العلم وحسن الخلق الشامل للكرم وعلوّ الهمة بحيث لا يرجو من غير مولاه الكريم. وقوله الصراط السويّ أي المستقيم إشارة إلى أنّ تعريفه للعهد إلا أنه يفهم من ذكره هنا أنها تمت هنا لأنّ منها الجنة والخرج فينافي قوله: لا وجه له غيرها ودفعه بما مرّ من أنها داخلة في الثلاثة الأول لكنها ذكرت للبسط والتصريح بما صرّحوا به. قوله: (فإنّ خوف الآخرة الخ) إشارة إلى أنّ الصلة علة لما في الخبر من الحكم كما تقرّر في المعاني. وقوله: لثبتوا هذا تفسير للجاج لأنّ التمادي تفاعل من المدى وهو يفيد الاستمرار والثبات، ويحتمل أنه تأويل له لأنّ لجاجهم ثابت قبل الكشف

340

ولذا قيل إنّ معناه لعادوا إلى اللجاج وقوله في الكفر مأخوذ مما سبق والعمه الحيرة وعمى البصيرة. قوله: (العلهز) بكسر العين والهاء وبينهما لام ساكنة وفي الفائق هو دم كان يخلط بوبر ويعالج بالنار وقيل كان فيه قراد والقراد الضخم يقال له علهز وقيل هو شيء كأصل البردى أي القصب وقيل دم القراد مع الصوف كأنهم ركبوه من العل وهو القراد واللهز وهو الدق. قوله: (أنشدك الله والرحم) مضارع نشد ينشد بمعنى سأل أي أسألك بالله والله منصوب بنزع الخافض وهو قسم استعطافي وقوله تزعم لغلوّه في الكفر قبل إسلامه وقوله قتلت الخ يعني فكيف تكون رحمة فنزلت هذه الآية جوابًا له بأنه يكتب رحمته لن يستحقها وهم لعنادهم لا يرحمون وقوله: فما

استكانوا الخ أي ما خضعوا ولا تضرّعوا بعده وقوله أقاموا ليس فيه ترجيح لكونه من الكون كما قيل وقوله: يعني القتل يوم بدر يدلّ على أنّ هذه الآيات من قوله حتى إذا أخذنا مترفيهم مدنية وأمّا كونه إخبارا عن المستقبل بالماضي فبعيد. قوله: (واستكان) هو بمعنى ذل وخضع بلا خلاف فمعنى استكانو! انتقلوا من كون العمه والتحير إلى كون الخضوع وإنما الخلاف في وزنه هل هو استفعل من الكون أي انتقل من كون إلى كون كاستحال إذا انتقل من حال إلى حال كما في الكشاف وأورد عليه أنه كان عليه أن يمثل باستحجر الطين واستنوق الجمل وأمّا تمثيله باستحال للدلالة على التحوّل فوهم لأنه ليس إفادته للتحوّل من صيغة الاستفعال بل من مادّته كما في تحوّل وحال فاستفعل فيه بمعنى فعل وهو أحد أقسامه وأن استكان وان أفاد انتقاله من كون إلى كون فليس حمله على أنه انتقال من كبر إلى خضوع بأولى من عكسه فلو كان من الكون كان مجملاَ وأجيب بأنها بحسب الوضمع لكن العرف والاستعمال خصها بأحد الاحتمالين بالغلبة فيه وقال جدي إنها من قول العرب كنت لك إذا خضعت وهي لغة هذيلية كما ذكره أبو عبيد في الغريبين وهو أحسن الوجوه وأسلمها فاستفعل فيه بمعنى فعل كقرّ واستقرّ ولا يجوز كون استفعل فيه للمبالغة لأنّ نفي الأبلغ لا يقتضي نفي أصله وهو المراد وقيل إنه من الكين أي لحمة الفرج لذلته وردّ ما أورده أوّلًا في الكشف بان الحول والاستحالة وإن اتحدا في التغير إلا أنّ بينهما فرقا معنى واشتقاقا فالأوّل يلاحظ فيه معنى الانتقال وسبق حالة أخرى وإنما التغير فيه بمرور الحول المبلى لكل جدّة أو بالحول بمعنى الحركة والاستحالة تبذل! من حال إلى حال البتة وما قيل من أنه يدلّ لما في الانتصاف قول الأساس حال الشيء واستحال تغير وحال عن مكانه تحوّل إلا أنه يرد عليه أنه لا مانع من اعتبار كون استفعل من الحول للتحوّل والانتقال فيصح ذكره بهذا الاعتبار للمثال وعلى هذا ينبغي حمل كلام الكشف فلا يمنع قوله يلاحظ فيه معنى الانتقال كلام ناشئ من عدم الفهم. واعلم أنّ قوله في الانتصاف جدي المراد به ابن فارس كما صرّح به وكان رحمه الله دخل بغداد في زمن الناصر فجمعه بالعلماء وسألوه عما ذكر. قوله: (أو افتعل من السكون الخ) اعتر ضعليه بامرين أحدهما أنّ الإشباع كمنتزاج في منتزج مخصوص بضرورة الشعر وبانه لم يعهد أنه يكون في جميع تصاريف الكلمة واستكان كذلك جميع تصاريفه فهو يدلّ على أنه ليس كذلك. قوله: (وليس من عا تهم) معطوف على أقاموا على عتوّهم والأوّل تفسير لاستكانوا وهذا تفسير لقوله وما يتضرّعون والمعنى إنا محناهم بالعذاب الواقع بهم فلم يفد وضمنه الإشارة إلى وجه التعبير في الاستكانة بالماضي وفي التضرّع بالمضارع وأشار بقوله أقاموا الخ إلى أنه يفيد دوام النفي أيضا لأنه إذا لم يعقب المحنة استكانة لم تقع منهم أبدا فأريد به الإقامة على العتوّ بطريق الكناية فليس فيه إشارة إلى ترجيح

كونه من الكون كما توهم وقوله وليس من عادتهم التضرّع إشارة إلى أن العدول إلى المضارع للدلالة على الاستمرار وإذا نفى تضرّعهم المستمر ربما يتوهم ثبوته أحيانا فجعله لاستمرار النفي لا لنفي الاستمرار ولو حمل على ظاهره لقوله إذا هم يجأرون سابقًا كان له وجه لكن التضرّع يستعمل فيما إذا كان عن صميم القلب لا باللسان فقط ولذا عبر عن استغاثتهم أولًا بالجؤار الذي هو من أصوات الحيوان فلا منافاة بينهما كما توهم أو المراد نفيه بعده وذاك في أثنائه فسقط السؤال وما قيل إنه لبيان حال المقتولين وهذا لبيان

341

حال الباقين أو الجؤار من ألم القتل والعذاب لا يستلزم الاستكانة والتضرع لله فمع مخالفته لكلام المصنف رحمه الله سابقًا في أحد تفسيريه تكلف غير متوجه وقد جوّز فيه تأخر النفي فيدل على استمراره وقوله وهو استشهاد الخ إثبات للثبات على الطغيان والعمه وما قبله ولو رحمناهم الخ. قوله: (فإنه أشدّ من القتل والآسرا لو أبقاه على ظاهره من الدلالة على شدته في نفسه صح لكن ما ذكره يدلّ على ترتيب الحيرة عليه دون ما قبله وأشديته لعمومه واستمراره وفسر الإبلاس بالحيرة واليأس وقيل إنه الحزن الناشئ عن اليأس وهو قريب منه. قوله: (حتى جاءك أعتاهم) أي أشدهم عتوّا وهو أبو سفيان قبل إسلامه رضي الله عنه والاستعطاف ليزول بأسهم بدعائه وهو لا ينافي اليأس أو لأنّ المراد اليأس من غيره ولولاه لما أتوه وهو لا ينافي قوله للجوا وان فسر بالثبات ولو فسر العذاب بعذاب الآخرة لم يرد شيء ولذا رجحه بعضهم. قوله: (لتحسوا بها الخ (يعني المقصود من خلقها ذلك وقدم السمع لكثرة منافعه وافراده لأنه مصدر في الأصل ولم يجمعه الفصحاء في الأكثر وأشار بذكرهما وذكر الأفئدة إلى الدليل الحسيّ والعقليّ ولذا قدم الأوّل لتقدّمه وقوله فيها أي في الآيات. قوله: (تشكرونها شكرًا قليلاَ) أي تشكرون نعم الحواس قال في القاموس يقال شكرت نعم الله وبها فالشكر يضاف حقيقة إلى الله وإلى نعمه فلا حاجة إلى جعله من الحذف والإيصال أو التجوّز في النسبة وقوله شكرا قليلًا إشارة إلى أنه صفة مصدر مقدر وقوله لأنّ العمدة أي الأقوى فيه إشارة إلى أنه ليس شكرًا لسانيا وأن القلة على ظاهرها لا بمعنى النفي بناء على أنّ الخطاب للمشركين التفاتا لا للناس بتغليب المؤمنين كما اختاره المصنف رحمه الله وما خلقت لأجله إدراك:

وفي كل شيء له آية تدلّ على أنه الواحد ...

والإذعان لمانحها الانقياد لمعطيها وقوله تجمعون الخ إشارة إلى أن فيه مع الذرء طباقا.

قوله: (ويختص به (هو معنى اللام أو تقديم الجار والمجرور أو هما والضمير دثه. واختلافهما تعاقبهمما أي مجيء أحدهما عقب الآخر من قولهم فلان يختلف إلى فلان أي يتردّد عليه بالمجيء والذهاب ولا يقدر عليه غيره تفسير للمراد بالاختصاص ونسبته إلى الشمس أي النهار بطلوعها والليل بذهابها. قوله: (لآمره وقضائه تعاقبهما) هو قريب من الأوّل والاختلاف والضمير فيهما سواء إلا أنّ فيه تقدير مضاف لا أنّ الضمير راجع للأمر وقيل اللام في هذا للتعليل وقوله أو انتقاص الخ فالاختلاف تخالفهما زيادة ونقصا وقوله بالنظر والتأمّل أي الاستدلال بما ذكر على البعث وقد مرّ تقريره. قوله: (على أق الخطاب السابق لتغليب المؤمنين (أي على الكافرين والغيبة في هذا لكونه للكفار فقط ولو كان الخطاب للكفرة كان التفاتا ومن دان بدينهم الذين كفروا وأنكروا البعث من أقوام غيرهم. وقوله: استبعادًا أي لإعادتهم بعد الفناء ولذا أعادوا الاستفهام مؤكدا بأن واللام والاسمية وهو أهون من البدء كما مرّ وهذا إشارة إلى البعث. قوله: (إلا كاذيبهم (فسر الأساطير بالأكاذيب وبينه بأنه جمع أسطورة ووزن أفعولة لا جمعه كما توهم يختص! بما يتلهى ويلعب به قولًا كان أو فعلًا ولذا لم يجوز في أحاديث النبيّ ﷺ أن يكون جمع أحدوثة كما صرّحوا به. والأعاجيب جمع أعجوبة والأضاحيك جمع أضحوكة وقوله جمع سطر أي بفتح الطاء كفرس وأفراس وسطر المفتوح كالمسكن بمعنى الصف فهو جمع الجمع ولذا مرضه لقلته ولأنه لا يدل حيحئذ على كذبها وهو المقصود. قوله: (إن كنتم من أهل العلم (ومن العقلاء فهو منزل منزلة اللازم وما بعده إشارة لمفعوله المقدر وقوله فيكون استهانة على الوجهين للشك في الأوّل في كونهم عقلاء وفي الثاني في علمهم بالضروريات وهذا لا ينافي كون السؤال عن البديهي استهانة أيضًا إن سلم لأنّ أصل وضعه للاستعلام حتى يقال إنّ الأولى أن يقول زيادة استهانة مع أنه أشار إليه بقوله وتقريرا الخ وزيادة الاستهانة استهانة والمسكة بالضبم القليل من مسكة الطعام والشراب وهو ما

يمسك الرمق وقوله: جهلوا مثل هذا الجليّ أي عدوّا جاهلين به على التنزيل وهذا ناظر إلى حذف مفعوله وقوله: إلزاما

342

جار على الوجهين وقوله: ولذلك أي لقوله لا يمكن الخ وقوله: لأنّ الخ تعليل لقولهم في الجواب وقوله: خالقها إشارة إلى أنّ لام لله للملك بالخلق وهو لا ينافي جهلهم السابق لأنه إلزاميّ فرضيّ كما مرّ وقوله ليس أهون أي الأمر بالعكس لسبق مثله ووجود مادّته. وقوله: أعظم من ذلك أي الأرض ومن فيها فهو ترق. قوله: (بغير لام) أي سيقولون الله وكذا في الآية الآتية وأمّا في الأولى فلم يقرأ بها أحد وقد وهم فيه أبو حيان في عدم الفرق كما قاله الفاضل المحشي والقراءة بترك اللام على الظاهر وباللام على المعنى لأنّ فولك من رب الدار بمعنى لمن هي وقد وردا في كلامهم كما قال الشاعر:

إذا قيل من رلث المزالف والقرى ورب الجياد الجرد قيل لخالد

وقال الآخر في عكسه:

وقال السائلون لمن حضرتم فقال المخبرون لهم وزير ...

قوله: (فلا تشركوا به بعض مخلوقاته) كالأصنام وهو مترتب على الاتقاء وللترقي في

عظم المخلوقات ترقي في التذييل لأنّ هذا أبلغ في الوعيد مما قبله وقوله: ولا يمنع منه قيل إنه جار على عادة عظماء العرب حيث كانوا لا يجير أحدهم جار أحدهم ولو أجاره لم يفد. وقوله: معنى النصرة أو الاستعلاء. قوله: (ملكه غاية ما يمكن) يعني أنّ صيغة الملكوت للمبالغة في الملك فهي ملك أقصى ما يمكن ملكه أو الملكوت بمعنى الخزينة وقيل هي المالكية والمدبرية وقوله: إن كنتم تعلمون تكرير لاستهانتهم وتجهيلهم لكمال ظهوره وقوله فمن أين تخدعون كون أني بمعنى من أين تقدّم في آل عمران وأشار بقوله: تخدعون إلى أنّ

السحر هنا مستعار للخديعة. قوله: (من التوحيد والوعد بالنشور) هو إضراب عن قولهم أساطير الأوّلين فكان الظاهر اقتصار على الثاني لكنه لا حظ فيه معنى ما بعده من التوحيد بنفي الولد أو ما فهم من سياق ما قبله لكون الكلام مع المشركين وهو أولى وقوله حيث أنكروا ذلك وقالوا إنه أساطير الأوّلين وهو تفسير لحاصل المعنى لا أنّ الكذب مجاز عن الإنكار فإنه لا حاجة إليه وقوله: لتقدسه الخ لأنه لو كان له ولدتا تأله ولزم مشاركته في الإلوهية وهو معنى قوله يساهمه أي يقاسمه وفي نسخة يشابهه. قوله: (جواب محاجتهم وجزاء الخ (هذا على مذهب الفراء من أنّ إذن جواب وجزاء دأئما لشرط ملفوظ أو مقدر وقد مرّ تحقيقه والمقدر هنا لو كما أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله أي لو كان معه آلهة الخ قال الفراء حيث وقعت اللام بعد إذن فقبلها لو مقدرة إن لم تكن ظاهرة والمحاجة على زعمهم والا فلا حجة لهم ولا دليل على زعمهم الفاسد. قوله: (واستبدّ به الخ) أي استقل به تصرّفا وملكًا وهو تفسير لقوله ذهب وقوله: وظهر بينهم التحارب وفي نسخة وتع وهو تفسير لقوله لعلا وقوله: كما هو حال ملوك الدنيا يعني أنه أمر عادي لا إلزامي قطعيّ ولذا قيل إنه دليل إقناعي لا قطعيّ وقوله وقيام البرهان صريح فيه لكن صاحب الكشف قدس سرّه خالف في هذا وقال لاج لي أنه برهان غير قطعي كما في قوله لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وأطال فيه هنا وقد مرّ تحقيقه وقوله فلم يكن الني متفرّع على قوله لظهر بينهم التحارب أو على جميع ما قبله لأنه نتيجته فلا وجه لما قيل إن الظاهر عطفه بالواو على ظهر فإنه يترتب على ما يترتب عليه وقوله: وحده قيل الأولى تركه وهو تأكيد لا ضرر فيه. قوله: (واللازم باطل بالإجماع والاستقراء) المراد بالإجماع إجماع المسلمين ومشركي العرب لأنّ المراد إلزامهم فلا يرد إنه إن أراد إجماع المسلمين لم يفد وان أراد إجماع جميع أهل الملل ورد عليه الثنوية والاستقراء لأنه لم يوجد ملكان في مملكة إلا وبينهما ذلك وإذا ان هذا الكلام خطابيا إقناعيا لا يرد عليه ما قيل إنّ الإجماع والاستقراء لا يناسب المقام لأنهما ليسا حجة عقلية مع أنهما غير تامين والبرهان إنما قام على انتهاء سلسلة الموجودات إلى واجب الوجود بالذات ولا يلزم منه عدم تعدده مع تعدد السلاسل وما ذكره إنما يرد على برهان التمانع والبرهان ليس منحصرا فيه وإليه أشار المصنف رحمه الله البرهان لا ما زعمه المعترض! فإنّ برهان الوحدة مقرّر منوّر في الكلام بطرق متعددة فلا وجه لما ذكره أصلا إلا أنّ العرب لا يدعون لآلهتهم الخلق والدليل المذكور لا يدل على نفيها

343

إلا بضم مقدمة

أخرى تثبت لزوم الخلق لمن كان إلها فتأمّل وقوله إلى واجب الوجود في نسخة واجب واحد بدله. قوله: (من الولد والشريك) إشارة إلى أن ما موصولة ويجوز كونها مصدرية وضمير فساده لما وسبحان للتنزيه وقد مرّ تفسيره وقوله على الصفة لأنه أريد به الثبوت والاستمرار فيتعرّف بالإضافة وقوله وهو دليل آخر أي بضم مقدمة وهي أنّ الإله لا بد أن يعلم كل شيء وليس غيره كذلك وقوله على توافقهم أي المشركين والمسلمين وقوله بالفاء أي التفريعية التي تدخل على النتيجة وقوله ولهذا أي لكونه دليلا. قوله: (إن كان لا بدّ من أن تريني) نزول ما وعدتهم من العذاب العاجل والآجل وكونه لا بد منه من زيادة التأكيد وقوله: قرينًا لهم إشارة إلى معنى الظرفية وأنه من وضع الظاهر موضع المضمر لبيان سبب استحقاقهم للعذاب وهضم النفس التواضع بمقتضى مقام العبودية والمراد بمن وراءهم سواهم مجازا والمراد بأقته أمّة الدعوة لا أمّة الإجابة وقيل هو مطلق وقوله لم يطلعه الخ أي أهو في حياته أم بعدها وقوله وتصدير الخ الظاهر أنه تكرار كتكرير جؤار فتركه أولى خصوصا ما في لفظ الجؤار من الهجنة وما توعدون من الإيعاد ويصح أن يكون من الوعد العاتم. قوله: الكنا نؤخره) يعلم من التعبير بقادرون دون فاعلون وقوله لا نعذبهم وأنت فيهم اعترض عليه بأنه لا يلزم ما سبق لأنّ خبره تعالى لا يتخلف فليس العذاب المذكور ما في هذه الآية وإذا كان غيره يكفي لعدم تخلفه وقوعه بعده فتأمّل. قوله: (ولعله) أي ما ذكر في هذه الآية واستعجالهم بالجرّ معطوف على إنكارهم وضمير له للموعود والاستهزاء في قوله إنا لقادرون كما إذا قلت لمن توعدته بالضرب أنا قادر على ضربك وقوله قد أراه مفعوله مقدر أي ذلك وليس هذا وجهًا آخر بل تقرير لما ذكره. قوله: (وهو الصفح عنها والأحسان) الضمائر الثلاثة للتي وتذكير الأوّل والثالث باعتبار الخبر أو

لكونها عين الأحسن وتأنيث الثاني لمطابقته المرجع والخبر أو هما باعتبار لفظ أحسن ومعناه وتخصيص الثاني بالثاني لمناسبة الخبر. قوله: (لم يؤد (لو قال لا يؤذي كان أحسن فعلى هذا هي غير منسوخة والوهن الضعف وقوله كلمة التوحيد الخ فالمعنى اذهب شركهم بإعلاء دعوة الدين واعلاء اكمة الله وقوله: هو الأمر بالمعروف هذا هو المشهور وفي تقديم التي هي أحسن من الحسن ما لا يخفى. قوله: (من التنصيص على التفضيل) أي بقوله أحسن فإن دفع السيئة يكون بالصفح فإذا زيد معه الإحسان إلى المسيء كان دفعا بالأحسن وتقريرا بالإحسان كما هو عادة الكرام واليه أشار المصنف بتفسيره أولا وفي التعبير بالموصول وما فيه من الإبهام بلاغة أخرى كقوله يهدي للتي هي أقوم والتفضيل في هذا الوجه المختار على ظاهره لأنّ الصفح مع الإحسان أحسن من الصفح وحده وقيل المفاضلة بين الحسنة والسيئة والمراد أن الحسنة في بابها أزيد من السيئة في بابها وهذا شأن كل مفاضلة بين ضدين كالعسل أحلى من الخل أي هو في الأصناف الحلوة أميز من الخل في الأصناف الحامضة لا أن بينهما اشتراكا خاصا ومن هذا القبيل ما حكي عن أشعث الماجن أنه قال نشأت أنا والأعمش في حجر فلان فما زلنا يعلو وأسفل حتى استوينا يعني أنهما استويا في بلوغ كل منهما الغاية لكن أحدهما في غاية التعلّي والآخر في غاية التدني وهذه فائدة بديعة يعلم منها أن هذا لا يختص بباب التفضيل فاحفظه فإنه نفيس. قوله: (بما يصفونك به (فهو وعيد لهم وتسلية له ىلمجرو ولم يحمله على ما وصفوا الله به لسبقه والنخس بالنون والخاء المعجمة والسين المهملة الطعن والمهماز حديدة تربط على مؤخر رجل الفارس وتسمى مهموز الحث الدابة بنخسها ولذا قيل إن الهمزة بمعنى الحرفة لا تعرفها العرب قديما والراضة كالسادة جمع رائض وهو من يروض الخيل على الجري وذكر نكتة الجمع لدفع ما يقال لم لم يتعوّذ من الهمزة الواحدة وهو أبلغ بأنه في الواقع كذلك فيلزم التعؤذ من كل واحدة منها فتأمل. قوله: (يحوموا حولي) أي يقربوا مني للوسوسة وتخصيص حال الصلاة يعني أنه ورد في بعض الآثار والتفاسير كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما تخصيصها بهذه فلم جعلتها عامّة أجاب بأنهم ليس قصدهم التخصيص! بل ذكر محال يشتد فيها الخوف ويكثر حضور الشياطين فيها ولذا قيل اللهمّ إني أعوذ بك من النزغ

344

عند النزع وأحرى بالمهملة بمعنى أحق.

قوله: (متعلق بيصفون) أي الثانية كما في الكشاف أو الأولى كما جوّزه بعضهم وهي

ابتدائية كما مرّ والمعنى لا يزإلون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما بينهما اعتراض أو بقوله إنهم لكاذبون أو بمقدر يدل عليه ما قبله أي فلا أكون كالكفار الذين تهمزهم الشياطين وتحضرهم حتى إذا الخ وهذا أقرب عندي وقوله الإغضاء أي الصفح في قوله ادفع بالتي هي أحسن وأصله غض الجفن فجعله كناية عنه وهي مشهورة وما في نسخة من الاعتناء تحريف للنساخ وبالاستعاذة متعلق بالتأكيد وقوله أو بقوله معطوف على قوله بيصفون وما بينهما اعتراض أيضا تحقيقا لكذبهم أيضا. قوله: (تحسرًا على ما فرط فيه) الضمير المجرور لما وقوله على الأمر أي في نفس الأمر أو حقيقة الأمر أو الأمر الحق وقوله والواو لتعظيم المخاطب وهو الله عز وجل وقد عرفت أنه يكون في ضمير المتكلم والمخاطب بل والغائب والاسم الظاهر ولا عبرة بمن أنكره اغترارا بكلام الرضي ومن فرّ منه فجعله خطابًا للملائكة بعد الاستغاثة بالله فقد تعسف وأقرب منه تقدير المضاف أي ملائكة ربي وأمّا اعتراض ابن مالك بأنه لا يعرف أحدا يقول رب ارحمون ونحوه لما فيه من إيهام التعدد فمدفوع بأنه لا يلزم من عدم صدوره عنا كذلك أن لا يطلقه الله تعالى على نفسه كما في ضمير المتكلم فتأمّل. قوله: (وقيل لتكرير قوله ارجعني الخ) هذا منقول عن المازني في قفا نبك وأطرقا ونحوه فأصله قف قف على التأكيد وبه فسر قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ لكنه مشكل جدًّا لأنه إذا كان أصل قفا قف قف مثلا لم يكن ضمير التثنية بل تركيبه الذي منه حقيقة فإذا كان مجازًا فمن أي أنواعه وكيف دلالته على المراد وما علاقته والا فهو مما لا وجه له. ومن غريبه أن ضميره كان مفردًا واجب الاستتار فصار غير مفرد واجب الإظهار ولم تزل هذه الشبهة قديما في خاطري والذي خطر لي أنّ لنا استعارة أخرى غير ما ذكر في المعاني ولكونها لا علاقة لها بالمعنى لم تذكر وهي استعارة لفظ مكان لفظ آخر لنكتة بقطع النظر عن معناه وهو كثير في الضمائر كاستعمال الضمير المجرور الظاهر مكان المرفوع المستتر في كفي به حتى لزم انتقاله عن صفة إلى صفة أخرى ومن لفظ إلى آخر وما نحن فيه من هذا القبيل فإنه غير الضميران المستتران إلى ضمير مثنى ظاهر فلزم الاكتفاء بأحد لفظي الفعل وجعل دلالة الضمير المثنى على تكرير الفعل قائما مقامه في التأكيد من غير تجوّز فيه ولابن جني في الخصائص كلام يدل على ما ذكرناه فتأمّل. قوله: (في الإيمان الذي تركتة) جعل الإيمان ظرفا للعمل الصالح لعدم انفكاكه عنه والترجي إما لهما لعلمه

بعدم الرجوع أو للعمل فقط لتحقق إيمانه إن أعيد فهو إمّا كقولك لعلي أربح في هذا المال أو كقولك لعلي أبني على أس أي " سس ثم أبني والمراد بالمال ما تركه وعلى الأخير جعل مفارقة الدنيا تركا لها وقوله: أنرجعك من رجعه أو أرجعه وقوله: إلى دار الهموم تقديره أأرجع إلى دار الخ وهو إنكار وقدوما بتقدير أختار قدوما وقوله للملائكة ارجعوني يدلّ على الوجه المرجوح في النظم. قوله: (والكلمة) يعني ليس المراد بها معناها المشهور لغة واصطلاحا بل هي هنا بمعنى الكلام كما يقال كلمة الشهادة وهي في هذا المعنى مجاز عند النحاة وأما عند أهل اللغة فقيل إنه حقيقة وقيل مجاز مشهور. قوله: (لا محالة الخ (يشير إلى التأكيد بالاسمية والتقوية بتقديم الضمير وترك ما في الكشاف من قوله هو قائلها لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها الاستيلاء الحسرة عليه وتسلط الندم أو هو قائلها وحده لا يجاب إليها ولا تسمع منه. وقوله أو هو قائلها وحده يعني به أن التقديم إقا للتقوى أو للاختصاص وقوله: لإيجاب الخ توجيه للقصر المستفاد منه فإن الظاهر منه أنّ المنفي قول غيره لهذه الكلمة وليس بمراد فأشار إلى أنه نزل فيه الإجابة والاعتداد والاستماع منزلة قولها حتى كان المعتذ بها شريك لقائلها وأفاد الشارح الطيبي أنه متداول مثله فمن قال إنه تركه لعدم صحة القصر فيه إلا بتكلف جعل ضمير قائلها لجنس الكلمة المتعلقة بالرجعة لم يصب. قوله: (إمامهم) يعني وراء هنا بمعنى إمام لأنه كل ما واراك أو من الأضداد والمراد بالجماعة الكفار وقوله وهو إقناط كليئ الخ ليس مراده أن الغاية داخلة في المغيا لأنه خلاف الاستعمال حتى أن بعض الأصوليين جعلها

345

من المنطوق وإنما المراد إنه علق رجعتهم بالمحال كما في قوله حتى يلج الجمل في سمّ الخياط وحتى يشيب الغراب فسقط ما قيل إنه لا يصلح غاية لعدم الرجوع المذكور والعلم بأنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا يفيد الإقناط ولكنه لا يصحح أمر الغاية. قوله: (لقيام الساعة (أي لوقت قيامها أو لأجله فاللام وقتية أو تعليلية وقيل إنها اختصاصية وقوله والقراءة بفتح الواو الخ يعني

أن قراءة العامّة بضم الصاد وسكون الواو وابن عباس والحسن بفتح الواو جمع صورة أيضا وهو شاذ عكس لحى بضم اللام جمع لحية بكسرها وهاتان القراءتان تدلان على أنّ القراءة المشهورة جمع صورة أيضًا حقيقة أو جمع اصطلاحيّ كتمر وتمرة لأنّ الأصل توافق معاني القرا آت فالمعنى إذا نفخت الأرواج في الأبدان لكن هذا التأييد ينافيه وصريح آيات أخر كنقر

في الناقور وسيأتي توفيقه. قوله: (تنفعهم الخ) يعني أنّ الأنساب بينهم محققة فنفيها لأنها لعدم نفعها نزلت منزلة العدم أو لأن افتخارهم بها في الدنيا فإذا لم يفتخروا بها ثمة فكأنها لم تكن كماقال:

لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقع ...

فهو استعارة وقيل تشبيه بليغ ويجوز أن يكون فيه صفة مقدرة أي لا أنساب نافعة أو يفتخر بها لأنّ الفخر بالدين والنجاة وقوله: من فرط الحيرة إشارة إلى أنه أمر طبيعيّ وإنما الحيرة أذهلتهم عنه وقوله لزوال التعاطف والتراحم علة لعدم النفع إمّا على ظنهم لقياسهم على أحوال الدنيا أو لأن المراد بالنفع ما يشمل التسلية ولو بالتألم كما قيل:

ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة يواسيك أويسليك أويتوجع ...

فلا يرد عليه ما قيل إنه يشعر بأن التعاطف لو وتع نفعهم وليس كذلك لأن النفع حينئذ

ليس بغير الأعمال فالظاهر تعليله به وما قيل من أن التراحم واقع بين الأطفال وأصولهم كما ورد وزواله لا يستلزم عدم النفع والفرار المذكور حذرا من المطالبة ردّ بأن رحمة الأطفال عند دخول الجنة لا عقب النفخة الثانية وبأن انتفاعهم بالأنساب ليس بسبب التراحم كما في الدنيا فانتفاؤه ويستلزم المراد وكون الفرار مما ذكر غير متعين كما سيأتي وأورد عليه أن قوله بحيث الخ ظرف لزوال التعاطف لا لفرط الحيرة فلا ينافي الحذر مما ذكر وأما عدم التعين فلا يفيد لأن السوق مقتض للجزم به وأمّا حديث الأطفال فغير وارد لأنهم أطفال المؤمنين وهذا في شأن الكفار بدليل سياقه وما ذكر تخصيص من غير مخصص. قوله: (او يفتخرون بها (معطوف على تنفعهم وفي الكشاف يحتمل أن التقاطع يقع بينهم حق يتفرّقون مثابين ومعاقبين ولم يذكره المصنف لأنه مبنيئ على عمومه وهو في شأن الكفرة وأمّا الفاء فلا تأباه إفا لأنها سببية أو لأنّ التعقيب عرفيّ. قوله: (وهو لا يناقض قوله الخ (قيل إن قوله لاشتغاله بنفسه يدل على أن المراد بالسؤال سؤال التعارف فلا تناقض لأن الواقع للتوبيخ والخصومة وجوابه لا يناسبه قوله يومئذ لإطلاقه وكذا ما في الكشاف من أنه في النفخة الأولى إذ السياق والسباق يأباه يعني أن تقديم قوله يومئذ عليه يقتضي إطلاقه وفيه نظر وقوله لأنه عند النفخة قيل عليه ليس هذا عقيب نفخة البعث بل بعده لقوله من بعثنا من مرقدنا لصراحته في التساؤل وقوله وأقبل الخ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه عند النفخة الثانية وفاء الجزاء لا تفيد تعقيبا وقيل عليه إن ما ذكره المصنف رحمه الله أقرب لتعاضد الأخبار على استيلاء الدهشة واشتغال كل بشأنه في بعث

القبور، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه عند القيام من القبور وهول المطلع شغل كل بنف4 ومن بعثنا من مرقدنا ولو سلم أنه عقب النفخة الثانية لا يدلّ على أنه بطريق التساؤل ثم المختار دلالة الفاء الجزائية على التعقيب وقال الإمام أن قوله لا يتساءلون في الكفار وقوله: فأقبل الآية في المؤمنين بعد دخول الجنة وردّ بأن النقض ليس بقوله فأقبل بالفاء بل بالواو وهي في الكفار بلا شبهة وكلاهما في الصافات ثم إن يوم القيامة ممتد وفيه مشاهد ومواقف فيقع في بعضها تساؤل وفي بعض دهشة تمنع منه هذا خلاصة ما هنا فاختر لنفسك ما يحلو. قوله: (موزونات عقائده الخ) فالموازين جمع موزون وقد مر في الأعراف جواز كونه جمع ميزان مع وحدته جمعه لتعدد الوزن وقوله لها وزن عند الله تعالى وقدر إشارة

346

إلى التفسيرين والمذهبين كما فصل في الكلام. قوله: (ومن لم يكن له ورّن وهم الكفار (قد مرّ في الأعراف تفصيله أيضا قال بعض المفسرين أي موازين أعماله أو أعماله التي لا وزن لها ولا اعتداد بها وهي أعماله السيئة انتهى يعني أنّ موازين أعماله الحسنة خفت بناء على أن أعمال الكفرة توزن لحكم الهية ولم يقيده بكونها حسنة لعلمه من تقييد الثاني المقابل له وبالجملة الحالية وهي قوله وهي أعماله السيئة وقوله أو أعماله الخ هذا هو القول الثاني وهو أنّ أعمال الكفار لا توزن بخلاف المسلمين لقوله لا نقيم لهم يوم القيامة وزنا وجعلناه هنا منثورا ونحوه وليس هذا مذهب المعتزلة لأن مذهبهم إنكار الوزن مطلقا وإنما بينا مراده مع وضوحه لأنّ بعض علماء العصر تردّد فيه واستشكله وأتى بما يتعجب منه حتى أنّ بعض الجهلة قال إن عبارته ليست السيئة بل السنية أي الحسنة وهذا ليس إلا لجهله وخفة ميزان عقله:

وما آفة الأخبار إلا رواتها

قوله: (غبنوها) يعني الخسارة والغبن وهو بيع متاعه بدون قيمته المراد به هنا على طريق الاستعارة التمثيلية تضييع زمانه في الضلال وترك ما أعطاه الله له من رأس المال وهو الاستعداد لأن يربح في تجارة الكمال بفطرة الإيمان وصالح الأعمال ولله در القائل كما تقدم مرارا.

إذا كان رأس المال عمرك فاحترس عليه من الإنفاق في غير واجب ...

قوله: (بدل من الصلة (ظاهره أنّ مجموعه بدل قال أبو حيان هذا بدل غريب وحقيقته أن

يكون البدل الذي يتعلق به في جهنم أي استقرّوا وكأنه من بدل الشيء من الشيء وهما لمسمى واحد على سبيل المجاز لأنّ من خسر نفسه استقرّ في جهنم قال الحلبي فجعل الجار والمجرور

بدلًا دون خالدون والزمخشري جعل جميعه بدلًا بدليل قوله أو خبرا بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف وهذان إنما يليقان بخالدون وأمّا في جهنم فمتعلق به فيحتاج كلام الزمخشري إلى جواب وأيضا يصير خالدون مفلتا انتهى) أقول (ما قاله أبو حيان أن لا وجه له فإن خلودهم في النار يشتمل على خسرانهم فهو بدل اشتمال لا غرابة فيه ولا تجوّز وجعل جميعه بدلأنظرًا لأنه بمعنى يخلدون فيها بلا تقدير لوقوعه صلة فهو جملة ميلا مع المعنى على عادته كما أشار إليه بعض شرّاحه. قوله: (تحرقها) بيان لحاصل المعنى واللفح والنفح مس لهب النار ولكون النفح أشد استعمل في الريح الطيبة نفحة دون لفحة وهذه الجملة حال أو مستأنفة والتقلص التباعد من شبه الشيخ وكلحون جمع كلح كحذر وقوله تأنيب بالنون والباء الموحدة بمعنى اللوم والتوبيخ والاستفهام إنكارفي. قوله: (ملكتنا الخ) يعني أنه من غلب فلان على كذا إذا أخذه وتملكه فهو إقا تمثيل أو شبهت المشقوة كالفطنة وهي كالشقاوة بالفتح والكسر مصدر بمعنى سوء العاقبة بمتغلب جائر وأسند الملك إليها تخييلًا والمراد أن جميع أحوالهم مؤدّية إليها وأنه غلب علينا ما قدر من الشقاء فأطعناه فليس فيه جبر وقوله إلى التكذيب كأنه جعل العود إلى التكذيب عودا إلى النار فتأمّل. قوله: (اسكتوا سكوت هوان) يعني أنه استعير من خسأت الكلب إذا طردته لهذا وفيه تشبيه لهم بالكلاب في الدال والهوان باعتبار أنها مكنية قرينتها تصريحية كما في ينقضون عهد الله وضمير فإنها للنار وقوله: فخسأ إشارة إلى أنه يكون لازمًا متعذيًا وما في الآية من اللازم وعطفه بالفاء إشارة إلى أن الثاني مطاوع للأوّل وأنه قد يكون ثلاثيا مثل جبرته فجبر ورجعته فرجع كما في شرح الإيضاج لأبي عليّ وغيره وقوله في رفع العذاب تقديره بقرينة السياق وقوله: رأسا أي أبدًا وأصلا وهو مجاز مشهور. قوله: (قيل إن أهل النار الخ) هذا تأييد للتفسير الثاني وقولهم أبصرنا وسمعنا يعني آمنا يرجون به انقطاع العذاب وقوله حق القول أي بالخلود وأنه لا يفيد إيمانكم اليوم وعواء بضم ومد صياج الكلب

ونباحه فالمراد التشبيه به. قوله: (أي لآئه (وهو تعليل على القراءتين لزجرهم باتخاذهم من ذكر سخرة وسخريا مفعول ثان لاتخذ وجعل عين السخرة مبالغة وقرئ بالضم والكسر واختلف أهل اللغة هل هما بمعنى واحد أو بينهما فرق بالمباينة أو الأعمية وأصله من التسخير وهو الإحضار قهرًا فإن كان للهزؤ به فهو السخرية بالكسر ومنه المسخرة وان كان لعمل واستخدام من غير أجرة فبالضم وقيل غير ذلك وهو مصدر زيدت فيه ياء

347

النسبة للمبالغة كالخصوص والخصوصية كما زيدت في أحمريّ. قوله: (من فرط (من تعليلية والفرط الزيادة والتجاوز يعني أنكم لم تخافوا الله فيهم فذكر الله كناية عن خوفه لأن من خافه ذكره ونسيان ذكره لعدم المبالاة والخوف وإسناد الإنساء إليهم لأنهم سببه إذ بسبب التشاغل بهم نسوه كما أشار إليه المصنف رحمه الله وقوله في أوليائي أي في شأنهم والاستهزاء بهم. قوله: (فوزهم بمجامع مراداتهم الخ (بنصب فوزهم على أنه تفسير لأنهم هم الفائزون على قراءة الفتح وأنه مفعول ثان لجزي وهو متعد له بنفسه وبالباء يقال جزيته كذا وبكذا كما قاله الراغب وقوله: بمجامع مراداتهم أي بجميعها إشارة إلى أنّ مفعول فائزين حذف للعموم وقوله مخصوصين حال أي حال كونهم مخصوصين بذلك الفوز وفي نسخة مخصوصون أي وهم مخصوصون وهو بيان للاختصاص المفهوم من ضمير الفصل وقيل إنه على هذا بتقدير لام التعليل قال المعرب وهو الآظهر لموافقته القراءة الأخرى فإن الاستئناف يعلل به أيضا وتبعه القائل المعنى لأنهم هم الفائزون بالمراد من خلقهم وهو توحيده تعالى بالعبادة كقوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وعدل عن المضيّ مع سبق ما ذكره لاستحضار صورة فوزهم أو لأنهم الذين يحق لهم الفوز لدلالة الاسم على أنه ثبت لهم ذلك فالمفعول الثاني محذوف على القراءتين وقيل إنه بعيد لاحتياجه إلى التقدير والتعليل على قراءة الكسر ليس بظاهر لأنه لا وجه للسؤال عن السبب المطلق وهو مذكور بقوله بما صبروا ولا عن السبب الخاص لفوزهم لأن السائلين هم القائلون ربنا أخرجنا الخ

- ا-5، 511ءاد، 6 / 5 " 3

وهم عارفون به فالظاهر أنّ السؤال عن كيفية الجزاء المبهم أي كيف جزاؤهم فأجيب بالفوز بجميع ما يريدون ثم أورد على قوله بالمراد من خلقهم الخ أنه مراد الله والفوز الظفر بمراد نفسه لا مراد الله وليس بشيء لأنّ التقدير إذا أريد العموم كثير بليغ لا ينكر وهو متعين في القراءة الثانية وكون توافق القرا آت أحسن مما لا شبهة فيه وأمّا أمر التعليل فعدم وروده ظاهر لأنّ العلل والأسباب تتعدد لأنها ليست علة تامة فإذا ذكر أنهم جزوا بسبب صبرهم على المكاره فلا مغ من أن يقال لم اختص الجزاء على الصبر بهم فيقال لأنهم فازوا بالتوحيد المؤدّي إلى كل سعادة نعم ما ذكره وجه آخر ولكل وجهة هو موليها فافهم. قوله: (قال الخ) جملة مستأنفة وقوله على الأمر الخ في الدر المصون الفعلان مرسومان بغير ألف في مصاحف الكوفة وبألف في مصاحف مكة والمدينة والشام والبصرة فحمزة والكسائيّ وافقا مصاحف الكوفة وخالفهما عاصم أو وافقهما على تقدير حذف الألف من الرسم الخ ومنه يعلم أنّ الرسم بدون ألف يحتمل حذفها من الماضي على خلاف القياس فلا وجه لما قيل إن مخالفة القراآت السبعة لما ثبت في رسم المصحف من الغرائب وكون الخطاب لبعض رؤساء أهل النار بعيد وهو جار في القراءة الأخرى والاستفهام إنكاري لتوبيخهم بإنكار الآخرة. قوله: (استقصار الخ (تقدم تحقيقه وقوله أو لأنها أي أيام الدنيا وقصر أيام السرور لسرعة مرورها وعلى هذا فالسؤال عن لبثهم في الدنيا. وقوله والمنقضي في حكم المعدوم أي فلا يدري مقداره طولًا وقصرًا فيظن أنه كان قصيرا فلا يقال إن هذا يقتضي نفيه لا تقليله والعاديين بالتشديد جمع عادي نسبة إلى قوم عاد لأنهم كانوا يعمرون كثيرًا. قوله: الو أنكم كنتم تعلمون الخ اليست لو وصلية لأنها بدون الواو نادرة أو غير موجودة فجوابها محذوف تقديره لو كنتم تعلمون قلة لبثكم في الأرض بالنسبة للآخرة ما اغتررتم بالدنيا وعصيتم لا لما أجبتم بهذه المدة كما قدره أبو البقاء لأنه لا يلائم ما ذكره المصنف رحمه الله من كونه تصديقا لهم فلعله يجعله ردًا عليهم لا تصديقا فيصح ما قدره ويجوز أن تكون للتمني فلا تحتاج لجواب. قوله: (توبيخ على تغافلهم) كما أن تقليل مدتهم كذلك. وقوله حال أي من الفاعل وجمع لمشاكلة الضمير وقوله تلهيًا بكم لا لتلهوا وتلعبوا

أنتم كما قيل لأنه يختلف فيه الفاعل فلا يكون مفعولا بدون لام إلا على قول ضمعيف وقوله كالدليل على البعث فهو توطئة لما بعده والعبث كاللعب ما خلا عن الفائدة مطلقا أو عن الفائدة المعتد بها أو عما يقاوم الفعل كما ذكره الأصوليون والظاهر أنّ المراد الأوّل. قوله: (أو عبثا (أي أو معطوف على قوله عبثًا والظاهر أنه على تقدير كونه مفعولًا له وأما على تقدير الحالية

348

فيحتاج إلى تأويل أي مقدرين أنكم لا ترجعون فهي حال مقدرة وقوله وقرأ الخ وغيرهم قرأه مبنيا للمفعول وقد تقدم أن رجع يكون متعديا ولازما. وفي قوله فتعالى الله التفات للتفخيم والتوصيف بما بعده. قوله: (الذي يحق له الملك مطلقا (فالحق بمعنى الحقيق بالمالكية كما يقال هو السلطان حقا وبحق أو الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه ورجح بعضهم هذا لشهرته ولأنّ معنى الأوّل يفهم من الملك وفيه نظر وقوله مملوك أي لله بالذات لأنه مخلوق له أوجده بيده جميع أموره قادر على التصرّف فيه بكل ما يريد وفي كل حال مطلقا وهذا معنى المالكية الحقيقية وأمّا مالكية غيره فبالعرض لأنها بتمليك الله له ولو شاء لم يعطه ومتى شاء أخذ ما أعطاه منه فليس تملكه ذاتيًا ولا يقدر على التصرف فيما يملكه بكل وجه أراد حسا أو شرعا كما هو شأن المملوك فإسناد المالكية له بحسب الظاهر المتعارف حقيقة لا مجازا لتصرّفه وكسبه في الجملة كالعبد المأذون فلا حاجة إلى حمله على المبالغة أو التشبيه لأن ما ذكره بالنظر لنفس الأمر لا للعرف والشرع فإنهما ناظران للظاهر فقوله من وجه كالوجه الشريئ مثلا وقوله وفي حال كالحياة مثلًا فلا غبار عليه كما توهم. قوله: (الذي يحيط بالإجرام الخ) هذا على قراءة الجرّ على أنه صفة العرس أو الرفع على أنه نعت له مقطوع لا صفة الرب والمعنى أنه لإحاطته بالموجودات وكون جميع الأمور والرحمة والبركة تتنزل منه وصف بأنه كريم على لاستعارة المكنية والتخييلية أو التصريحية وقوله أو لنسبته يعني أنه كريم ربه فالإسناد إليه مجازي أو هو كناية عن كرم مالكه ونسبته هنا لفظة صادفت محزها وقوله يعبده تفسير ليدعو. قوله: (أفرادا أو إشراكا) سقط من بعض النسخ والصحيح إثباته واعترض على قوله أفرادًا بأنه لا يتأتى ذكره هنا مع المعية الواقعة في النظم في قوله مع الله فالوجه الاتتصار على الإشراك وقد دفع بوجوه منها أنهم ولو عبدوا إلها آخر أفرادًا فإنهم يعبدونه مع المعبود بحق وهو تعسف وقيل أراد بالإفراد أن يكون الإله الأوّل مفردا مستقلًا ومن الإشراك الإشراك في خلق الأشياء بأن يكون شريكا لله في الخلق والإيجاد وهو لا محصل له وقيل إنّ قوله إفرادا داخل في النص

دلالة لا عبارة وهذا كله من ضيق العطن فإنّ الإفراد والإشراك في العبادة ومعنى مع الله مع وجوده وتحققه ولا خفاء في القول بأنه مع وجود الله من الكفرة من يعبد غيره وحده ومنهم من يعبده مع عبادة الله وهذا لا غبار عليه فإن لم يقدر هذا فالمشرك إذا أفرد معبوده بالعبادة تارة وأشركه مع الله أخرى صدق عليه أنه عبد مع الله غيره وذكر آخر قيل إنه للتصريح بألوهيته تعالى وللدلالة على الشريك فيها وهو المقصود فليس ذكره مع المعية مستدركا فتأمّل. قوله: (لازمة له (أيمما لا مقيدة ومخصصة بل مؤكدة وقوله وبناء الحكم عليه بالجرّ معطوف على التأكيد والحكم هو ما يستفاد من جزاء الشرط من الوعيد له بأنه مجازي بما يستحقه وهو وان بني على الشرط وما يفيده من الإشراك لكن ليس فيه التنبيه على ما ذكر فقوله تنبيها تعليل لبناء الحكم عليه فإنّ القيود والصفات مقصودة بالذات ويجوز أن يكون تعليلًا له وللتأكيد معا وقوله أو اعتراض معطوف على قوله صفة. وقوله لذلك أي للتأكيد لا للبناء تنبيها كما قيل لأن الاعتراض لا يفيد غير التوكيد. قوله: (مجاز له الخ (فالحساب كناية عما ذكر لأنه المقصود منه وقوله أو الخبر يعني عن قوله حسابه وقوله حسابه عدم الفلاج يعني أنه على هذا التقدير من

تحية بينهم ضرب وجيع

وهذا أبلغ مع عدم أحتياجه إلى مقدر من تقدير اللام ولذا اقتصر عليه الزمخشري وموافقته للقراءة الأخرى تكفي باعتبار حاصل المعنى وكون إحداهما عين الأخرى مرجحة لا لازمة ولذا قدم الوجه الأوّل والكافرون من وضع الظاهر موضع المضمر وجمع نظر المعنى من. قوله: (بدأ السورة بتقرير فلاح المؤمنين) يشير إلى ما مرّ فيها من قد وصيغة الماضي الدالين على التقرير والتحقيق وقوله وختمها الخ يعني أن فيه حسن المبدأ والختام لما بينهما من التناسب التام. قوله: (ثم أمر رسوله ﷺ بأن يستغفره الخ (ليس فيه تقييد الطلب بأنه له فيبقى على عمومه ولا حاجة إلى التأويل بالدوام على ذلك والمراد تعظيم أفته والحديث الأوّل موضوع والثاني وارد مرويّ في السنن لكنهم اختلفوا في صحته

349