حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 6 · ص 350 - 367

النور (1 من 3)

وضعفه

والثالث قال العراقيّ وابن حجر أنه لم يوجد في كتب الحديث.

تم الجزء السادس، ويليه الجزء السابع وأوله: تفسير سورة النور

النور

سورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (مدنية الخ) المدنيّ والمكيّ معروف وإنما الكلام فيما نزل مزتين هل يكون مكيًا ومدنيا أو يعتبر أوّل النزولين ما لم يكن في الثاني زيادة أو نقص وبه يندفع بعض الشبه وسبأتي عن القرطبيّ أن آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ﴾ الخ مكية وفي التيسير أنه اختلف في آيتين منها وعدد الآيات توقيفي أيضا وقوله: وستون وقع في نسخة بدله سبعون وقد قيل إنه سهو لأنّ المقرّر في كتاب العدد للداني وهو المعتمد فيه ما ذكره من أنها ستون. قوله: (أي هذه سورة الخ) يعني أنه إمّا خبر مبتدأ محدّوف أو مبتدأ خبره محذوف وقدّر الخبر مقدما وان كانت النكرة هنا تخصصت بالوصف لأنه أحسن كما مر لكن أورد على الثاني أن فائدة الخبر ولازمها منتف هنا لأنّ السورة المنزلة عليه معلوم أنها وحي ودفع بأنه لا ضير فيه فإنه إنما يلزم ذلك فيما قصد به الإعلام والقصد هنا الامتنان والمدح والترغيب. قوله: (وفيه بحث (وان كان ما ذكره مما قرّره أهل المعاني كما فصله في شرح التلخيص لأنّ مثله مما قصد به الامتنان أو التحسر ونحوه لا يخلو من أن يكون لإنشاء ذلك كما اختاره في الكشف أو للإخبار عنه فإن كان إنشاء لم يكن مما نحن فيه وان كان إخبارا فلا بدّ من كونه دالًا على ذلك بإحدى الطرق المعروفة ولا! ك أنه ليس بحقيقة فبقي كونه مجازًا أو كناية وحينئذ فالمعنى المجازي أو الكنائي فائدة الخبر إذ نحو أراك تقدم رجلاَ وتؤخر أخرى فائدته التردد فتأمّل وأورد عليه أيضا أنه يأباه أن مقتضى المقام بين أنّ شأن السورة كذا وكذا والحمل عليها بمعونة المقام يوهم أق غيرها من السور ليس على تلك الصفات ولا يخفى أن هذا ليس من مفهوم الصفة لاشتراكه بين الوجوه فهو من تقديم المسند وهو على الأصح يفيد قصر المسند إليه على المسند فالمعنى أنّ السورة الموصوفة بما ذكر مقصورة على الإنصاف بأنها فيما أوحى إليه أي بعض الموحى لأنه من ظرفية الجزء لكله وهو يدلّ على أنّ القصر غير مراد كما في تلك آيات الكتاب المبين وأمّا بيان أنّ شأنه كدّا فحاصل من التوصيف ولكونه كالحاضر المشاهد لذكره عقبه والجمل بعد العلم بها صفات وقبله أخبار لم يحمل عليه مع أنه مر أنّ القصد الامتنان. قوله: (أنزلناها صفتها (قيل لعل فائدة الوصف المدح أو التأكيد لأن الإنزال يفهم من السورة لأنها

كما مر طائفة من القرآن مترجمة أقلها ثلاث آيات وهدّا على مذهب الزمخشري أمّا على مذهب أهل السنة فيجوز أن يكون للتخصيص احترازا عما هو قائم بذاته تعالى ولا يخفى أنه ليس بشيء لأنه وان لم يعترف بالكلام النفسي فهو معترف بكونها في اللوح المحفوظ ولأن المبتدأ والخبر المذكور إنما يتصوّران في المنزل إلينا فلا بد من القول بأنه للتنويه بشأنها ويشهد له ضمير العظمة. قوله: (ومن نصبها جعله مفسرا لناصبها فلا يكون لها محل (في المغني من الجمل التي لا محل لها من الإعراب التفسيرية وهي الفضلة المفسرة لحقيقة ما تليه واحترزت بالفضلة عن الجملة المفسرة لضمير الشأن فإنها كاشفة لحقيقة المعنى ولها موضع بالإجماع وعن المفسرة في الاشتغال فقد خالف فيها الشلوبين فزعم أنها بحسب ما تفسره فهي في مثل زيدا ضربت لا محل لها وفي نحو إنها كل شيء خلقناه بقدر ونحو زيد الخبز يأكله في محل رفع ولهذا يظهر الرفع إذا قلت آكله وقال:

فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن

فظهر الجزم وكأنها عنده عطف بيان أو بدل ولم يثبت الجمهور وقوعهما جملة وقد تبين

أن جملة الاشتغال ليست من الجمل التي تسمى في الاصطلاج مفسرة وان حصل بها تفسير ولم يثبت جواز حذف المعطوف عليه عطف بيان واختلف في المبدل منه (وفيه بحث (لم ينبه عليه شراحه وهو أن الجملة المفسرة في الاشتغال عنده لا تخلو إمّا أن يكون لها محل من الإعراب فينبغي إدخالها في المفسرة أوعدها على حدة ولم يات بشيء منهما أو يكون لها محل فإن كان بالتبعية فلا بد من الرجوع إلى ما ذكره الشلوبين وان كان له وجه آخر فليحمل

350

كلامه عليه فإنه لا نص منه في ذلك ولذا قال وكأنها الخ نعم لك أن تقول إنها تأكيد وحينئذ لا يلزم ما ذكره وادّعاء عطف البيان والبدل فيما اتحد لفظه غير ظاهر وكلام المصنف والزمخشري محتمل لموافقة الشلوبين ثم إنه بقي ههنا أنّ شرط المنصوب على الاشتغال أن يكون مختصًا ليصح رفعه بالابتداء ولهذا اعترض ابن الشجري على أبي عليّ في قوله تعالى ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ إنه من باب زيدا ضربته كما في الباب الخامس من المغني وقال بعدما قرّره المشهور أنه عطف على ما قبله وابتدعوها صفته ولا بد من تقدير مضاف أي حب ورهبانية قال وإنما لم يحمل أو عليئ الأمر على ذلك لاعتزاله ولذا قال فإنّ ما يبتدعونه لا يخلقه الله تعالى وقد أجاب عنه حفيد ابن هشام بأن الظاهر ما قاله أبو عليّ لأنّ من المسائل التي يجوز فيها ألاشتغال ما يجب النصب فيه ولا يصح الرفع على الابتداء وحينئذ فليس جواز الأمرين شرطا في صحة الاشتغال ويقويه تجويزهم له في سورة أنزلناها فإنه لا يصح فيه كون سورة مبتدأ أنزلنا خبره بل إذا جعل مبتدأ فأنزلنا صفته والخبر محذوف وهو الظاهر وقال العلوي في شرح الجامع إنّ ابن الشجري وابن هاشم لم يشترطا صحة الرفع على الابتداء حتى يقال إنّ فيه ما لا يصح فيه ذلك بل كونه قابلًا للابتدائية بناء على أنّ الأصل فيه جواز الرفع والنصسب وهو لا ينافي تعين النصب لعارض وتجويز الاشتغال في سورة أنزلناها كتجويز أبي عليئ فإمّا أن يمنع أو يتأوّل كما ذكر في وأخرى تحبونها فتأمل.

قوله: (إتل) قيل الظاهر اتلوا بصيغة الجمع لأنّ الخطابات التي بعده كذلك وهو بناء على ما اشتهر أنه لا يخاطب في كلام واحد اثنان فأكثر بدون تثنية أو جمع أو عطف ولنا فيه كلام فصلناه في طراز المجالس وزبدته إنه لما قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ في آل عمران إذ منصوب بإضمارًا ذكر أورد عليه القطب أنه مشكل إذ يصير المعنى اذكر يا محمد إذ تصعدون أيها المصعدون الذين تركوا الرسول ﷺ وفرّوا فالصواب اذكروا وأجاب بأنّ تقديره هذا على قراءة يصعدون بالتحتية وأجاب السعد بأنّ المراد جنس هذا الفعل فيقدّر اذكرو لا اذى أو هو من قبيل إذا طلقتم النساء وفيه أنّ نظم الآية وهو إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم الخ يأباه وما ذكروه من أصله غير وارد بل غير صحيح لأن ما قدروه من اذكر واتل ونحوه مما فيه معنى القول مصحح له بلا تأويل لأنه قول وما بعده مقول فالخطاب فيه محكيّ لتضمن عامله معنى القول أو تأويله به كما عرفت في مثله فيقصد لفظه حتى كأنه انسلخ عنه الخطاب أو تعدد قائله ومما يرشدك إلى ذلك نحو توله ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ *لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ فخطاب قل للرسول ﷺ من الله والخطاب بعده من الرسول ﷺ للكفرة فكأنهما خطابان أو كلامان أو المقصود الأوّل وهو كثير كقوله في هذه السورة قل أطيعوا الله وفي الكشف إشارة له وهذا تحقيق لا ريب فيه فعليك أن تعض عليه بالنواجذ. قوله: (أو دونك) ردّه في البحر بأنه لا يجوز حذف أداة الإغراء وقيل عليه إنه لا يسلم إلا بدليل ودليله أظهر من الشمس وهو ضعفه في العمل لأنه عمل بالحمل على الفعل لكن ابن مالك أجاز في قوله:

يا أيها المائح دلوي دونكا

أن يكون دلوي فعولًا لدونك آخر مضمرا وزعم أنه مذهب سيبويه وهو موافق لما هنا إن

لم يشترط فيه ذكر مثله بعده وذكر ابن هشام في الباب الخامس من المغني أنّ شرط الحذف أن لا يؤذي إلى اختصار المختصر فلا يحذف اسم الفعل وما نقل عن سيبويه رحمه الله من حذفه تفسير معنى لا تقدير إعراب ومراده تقدير حذف الزم ونحوه. قوله: (وفرضنا ما فيها من الأحكام) يحتمل أن يريد أن المفروض أحكامها وهي مشتملة على غير الأحكام فأسند إلى الكل ما هو لجزئه كبني تميم قتلوا فلانا والقاتل أحدهم أو المفروض مدلولها لا هي فأسند ما لأحدهما للأخر لملابسة بينهما تشبه الظرفية أو هو على تقدير مضاف كما سأل القرية وقيل إنه مجاز في المفرد بعلاقة الحلول وهو بعيد لأنه إن تجوّز في السورة فالتوصيف بأنزلنا لا يناسبه وان كان في ضميرها على الاستخدام فهو خلاف الظاهر وفيما ذكر براعة استهلال. قوله: (وشدّده ابن كثير الخ) يعني أن التضعيف للتكثير في الحدث كطوّقت أو في المفعول ولو بواسط كما هنا فإنه لتكثير المفروض عليهم والمبالغة بزيادة الكيفية بشدة

351

لزوم الفرضي

والإيجاب وقد فسر بفصلناها فهو من الفرض بمعنى القطع ويجري فيه ما ذكر. قوله: (فتتقون المحارم) قال الإمام ذكر الله في أوّل السورة أنواعا من الأحكام والحدود وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله فرضناها إشارة إلى الأحكام المبينة أوّلًا، وقوله وأنزلنا فيها آيات بينات إشارة إلى ما بين من دلائل التوحيد ويؤيده قوله لعلكم تذكرون فإنّ الأحكام لم تكن معلومة حتى يؤمر بتذكرها، وأشار المصنف رحمه الله إلى جوابه بأن لعلكم تذكرون راجع للأحكام أيضا لأنه تذييل لجميع ما قبله والمقصود من التذكير غايته وهو اتقاء المحاربم فلا حاجة لما ذكر. قوله: (أي فيما فرضنا أو أنزلنا الخ) في كتاب سيبويه أمّا قوله عز وجل الزانية والزاني الخ وقوله: والسارق والسارقة الخ فإنّ هذا لم يبن على الفعل ولكنه مثل قوله: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة الرعد، الآية: 35] ثم قال فيها أنها رفيهًا كذا فإنما وضع المثل للحدث الذي بعده فذكر أخبارا وأحاديث فكأنه قال ومن القصص مثل الجنة أو مما يقص عليكم مثل الجنة فهو محمول على هذا الإضمار وكذلك الزانية والزاني لما قال سورة أنزلناها وفرضناها قال في الفرإئض ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [سورة النور، الآية: 2] ثم جاء فاجلدوهما فجاء بالفعل بعد أن مضى فيهما الرفع كما قال:

وقائلة خولان فانكح فتاتهم

فجاء بالفعل بعد أن عمل فيه المضمر وعلى هذا قوله: واللذان ياتيانها منكم فآذوهما،

وقد قرأ أناس والسارق والسارقة والزانية والزاني بالنصب وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوّة ولكن أبت العامة إلا الرفع في ذلك انتهى يعني أنّ النهج المألوف في كلام العرب إذا أ! يد بيان معنى وتفصيله اعتناء بشأنه أن يذكر قبله ما هو عنوان وترجمة له وهذا لا يكون إلا بأن يبنى على جملتين فالرفع في نحوه أفصح وأبلغ من النصب من جهة المعنى وأفصح من الرفع على أنه جملة واحدة من جهتهما معا لما عرفت ولما يلزمه من زيادة الفاء وتقدير إمّا ووقوع الإنشاء خبرا كما فصل في شرح الكتاب إذا عرفت هذا فههنا أمور منها إنه مرّ في المائدة قوله في الكشاف وقرأ عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر وتبعه ابن الحاجب وليس في كلام سيبويه شيء مما ذكراه كما سمعته ولم ينبهوا عليه، ومنها أنّ الشارح العلامة رحمه الله قال عندي أن مثل هذا التركيب لا يتوجه إلا بأحد أمرين زيادة الفاء كما نقل عن الأخفش أو تقدير أمّا لأنّ جواز دخول الفاء في خبر المبتدأ إفا لتضمنه معنى الشرط وامّا لوقوع المبتدأ بعد إمّا ولما لم يكن الأوّل وجب الثاني، وقيل ربما دخلت الفاء الخبر إذا كان في المبتدأ معنى يستحق به أن يترتب عليه الخبر كما في قوله: وقائلة خولان الخ فإنّ في هذه القبيلة شرفا وحسنا بسببه أمر بنكاح نسائهم وهو راجع إلى تضمن معنى الشرط وقد عرفت أنّ في أبتنائه على جملتين ما يغني عن هذا التكلف ومنها أنه قيل إنّ سبب الخلاف أنّ سيبويه والخليل يشترطان في دخول الفاء الخبر كون المبتدأ موصولا بما يقبل مباشرة أداة

الشرط وغيرهما لا يشترط ذلك وليس هذا مبني الكلام وإنما هو من عدم الوقوف على المقصود لما مرّ. وقوله حكمهما إشارة إلى أنّ في الكلام مضافا مقدرًا وإذا بني الكلام على جملتين فالفاء سببية لا عاطفة وقيل زائدة. قوله: (لتضمنها) وفي نسخة لتضمنهما وهي أظهر وقوله وقرئتا بالنصب على إضمار فعل الخ قيل دخلت الفاء لأنّ حق المفسر أن يذكر عقب المفسر كالتفصيل بعد الإجمال في قوله فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ويجوز أن تكون عاطفة والمراد جلدًا بعد جلد وذلك لا ينافي كونه مفسرًا للمعطوف عليه لأنه باعتبار الاتحاد النوعي ولا يخفى أنّ المفسر إذا كان فيه إيضاح وتفصيل يعطف بالفاء وقد يعطف بالواو أمّا إذا اتحد لفظهما فلم يعهد عطفه عند النحاة ولو جازت المغايرة المذكورة لجاز زيدا فضربته وهو ممنوع بالاتفاق وما ذكر تكلف لم نر أحدا ذكره من النحاة فالظاهر ما قاله ابن جني من أنها جوابية لما في الكلام من معنى الشرط ولذا حسنت مع الأمر كما أشار إليه المصنف لأنه في معناه ألا تراه جزم جوابه لذلك إذ معنى أسلم تدخل الجنة إن تسلم تدخل الجنة والمراد كما في بعض شروح الكشاف إن أردتم معرفة حكم الزانية والزاني فاجلدوا الخ ولذ لم يجز زيدًا فضربته لأنّ الفاء لا تدخل في جواب الشرط إذ كان ماضيًا، وتقديره إن أردتم معرفة الخ أحسن من تقدير إن جلدتم لأنه لا يدلّ على الوجوب

352

المراد وقال أبو حيان إنّ الفاء في جواب أمر مقدو أي تنبهوا لحكمهما فاجلدوهما، وفي شروح الكشاف هنا كلام لا يخلو من الخلل. قوله: (للأمر) وفي نسخة لأجل الأمر علة لكونه أحسن لأنه في باب الاشتغال يختار النصب إذا كان بعده أمر إذ لو رفع على الابتداء لزم وقوع الإنشاء خبرًا وهو لا يكون بدون تأويل وقوله والزان بلا ياء أي قرىء الزان بلا ياء لحذفها تخفيفًا وقوله وإنما قدم الخ ولذا عكس في السرقة لغلبتها في الرجال والمفسدة اشتباه النسب وزيادة العار المتعدّي، والزانية في الأصل بمعنى المزنى بها. وقوله والجلد ضرب الجلد لأنّ فعل المفتوح العين الثلاثيّ اطرد صوغه من أسماء الأعيان لإصابتها كرأسه أصاب رأسه وعانه أصاب عينه كما في التسهيل. وقوله لما دل ما عبارة عن الدليل وهو الأحاديث المشهورة، وقيل إنها منسوخة في حى المحصن. وقوله بالبكر هي من لم تجامع في نكاح صحيح كما ذكره الكرماني. قوله: (وليس في الآية ما يدفعه الخ) في الهداية لنا قوله تعالى ﴿فَاجْلِدُوا﴾ الآية جعل كل الموجب رجوعا إلى حرف الفاء أو إلى كونه كل المذكور والحديث منسوخ كشطره وهو الثيب بالثيب جلد مائة ورجم الحجارة ثم قال إلا

أن يرى الإمام في ذلك مصلحة فيعزره على قدر ما يرى وذلك تعزير وسياسة لأنه قد يفيد في بعض الأحوال فيكون الرأي إلى الإمام انتهى، يعني أنّ ما ذكر وقع موقع الجزاء مبينًا لما يترتب على الزنا ويجازى به فلا بد أن يكون جميع جزائه درالا كان تجهيلا في مقام البيان فكأنه قيل ليس له إلا الجلد وحينئذ يعارضه الحديث فيكون ناسخًا ومنه ظهر الجواب عما قاله المصنف رحمه الله من طرف الشافعي من إثباته بالحديث وعدم نسخه لأنه لا يسلم كون ما بعد الفاء جميع الجزاء ولا يقول بأنه تعزير لأنه لا جمع بين الحد والتعزير بسبب واحد فإنه غير مسلم

فهو أمر للسياسة موكول لرأي الإمام وما قيل من أن الفاء للجزاء وهو ما كان كافيًا لأنه من جزأ بالهمز أي كفى وهو على إختيار الفراء والمبرد في إعراب الآية على ما مرّ وأنّ قوله الزانية والزاني شروع في بيان حكم الزنا ما هو فكان الصذكور تمام حكمه د والا كان تجهيلًا لا بيانا وتفصيلًا إذ يفهم منه أنه تمام وليس بتمام في الواقع فكان مع الشروع في البيان أبعد من البيان

لأنه اوقع في الجهل المركب وكان قبله في البسط وهذا يعم المذاهب في إعراب الآية فيه أنّ الجزأء مصدر جازيته جزأء وهو منقوص بلا شبهة كما يدلّ عليه الاستعمال واللغة وقلب حرف العلة فيه همزة لتطرفه كما في كساء وأمّا جزأ وأجزأ المهموز فهو مادة أخرى فهو خلط في اللغة

غير محتاج إليه ثم إنه كيف يكون تمام حكمه وليس فيه حكم المحصن والعبد فكيف يقال إنه تفصيل للحكم فالظهر أنّ الآية مجمل مبينة بفعله ﷺ الثابت بالأحاديث المحيحة فتأمّل. قوله:

(شمخا مقبولا أو مردودا) الزيادة على نص الكتاب عند علمائنا نسخ وعند الشافعيّ بيان مخصص حتى يجوز بخبر الوأحد والقياس ولا يقبل ذلك عندن! فقوله مقبولًا أو مردود إشارة

إلى مذهب الحنفية وفي الكشاف ما احتج به الشافعيّ على وجوب التغريب من قولهءتجيئ والبكر بالبكر الخ منسوخ أو محمول على التعزير والتأديب من غير وجوب واعترض عليه بأنه بناء على أنّ الزيادة على النص نسخ ولا ينسخ الكتاب بخبر الآحاد والحديث المذكور في مسلم والترمذيّ وأبي داود كما مر في سورة الشساء فلو سلم لهم الأصل الأوّل لا يسلم الثاني فأفا المروي عن الصحابة فلا يحتمل النسخ أصلا وردّ بأنّ قوله منسوخ متعلق بالحديث وقوله أو محمول جواب ثاني عن الحديث بما يصلح جوابا عن فعل الصحاية وليس بإجماع منهم ولو

كان إجماعا لصلح كاشفا عن ناسخ الآية على المذهبين وقال الطيبي ما رواه الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه ﷺ ضرب وغرّب وأنّ أبا بكر رضي الله عنه ضرب وغرّب وأنّ عمر رضي الله عنه ضرب وغرّب ولا يعلم منكر إجماع والحمل على التعزير لا وجه له إذ لا

يجتمع مع الحد انتهى ولا يخفى حاله أمّا الإجماع فكيف يتأتى مع مخالفة كثير كالإمام وغيره ولو سلم لكان ناسخًا كما تقرّر في الأصول فكان لظاهر الاقتصار على الجواب الثاني على ما فيه. قوله: (وله في العبد الخ (الأقوال عدم التغريب أو التغريب سنة أو نصفها. قوله: (وهو مردود الخ (كما في البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما

353

قال جاء اليهود إلى رسول الله ﷺ فذكروا أنّ رجلًا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله ﷺ ما تجدون في التوراة في شأن الرجم فقالوا نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقال عبد القه بن سلام رضي الله عنه ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما ولا دليل عليه قال الكرماني الأصح أنه! هـ كان متعبدًا بشرع من قبله ما لم يكن منسوخا وقيل إنما سألهم ليلزمهم ما يعتقدونه وقد قيل إنه! يم كان أوّل ما قدم المدينة يحكم بالتوراة ثم نسخ، وفيه بحث. قوله: (إذ المراد بالمحصن الذي يقتص! له من المسلم (قيل هذا تقييد للإطلاق بغير دليل وأكثر استعمال الإحصان في إحصان الرجم وفيه نظر لأنهم قالوا الدليل عليه ما مرّ من حديث البخاري وغيره فتأمل. قوله:) رأفة رحمة (فسرها هنا بالرحمة وفي البقرة تبعا للجوهري بأشد الرحمة وقال في قوله لرؤوف رحيم قدم الرؤوف مع أنه أبلغ محافظة على رؤوس الفواصل وفيه أنّ الرأفة حيث قارنت الرحمة قدمت سواء الفواصل وغيرها ألا تراها قدمت في قوله رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها وهي في الوسط فلا بد لتقديمها من وجه آخر وكونها أبلغ لا وجه له وان تفرد به الجوهري فقد فسرت في العين والمجمل وغيرهما بمطلق الرحمة وهي عند التحقيق نوع من الرحمة الحقيقية وهو التلطف والمعاملة برفق وشفقة ويقابلها العنف والتجبر فينبغي تقديمها على الرحمة بمعنى الأنعام كما في المثل الإيناس قبل الأساس وقال:

أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله

ومما يعنيه أنّ معاوية رضي الله عنه سأل الحسن رضي الله عنه وكرّم وجه أبيه عن الكرم

فقال هو التبرع بالمعروف قبل السؤال والرأفة مع البذل وقال سفيان بن عيينة رضي الله عنه في تفسير هذه الآية أي لا تبطلوا الحد شفقة عليهما وقال قيى الرقيات:

ملكه ملك رأفة ليس فيه جبروت منه ولاكبرياء ...

وقال ابن المعتز:

فحلمًا وإبقاء ورأفة واسع بالأنعام لا كبر ولا متضايق ...

وقال ابن نباتة السعدي:

وخير خليليك الصفيين ناصح يغصك بالتعنيف وهورؤوف ...

وفي نهج البلاغة ليرئف كبيركم بصغيركم وهذا كله مما ورد به استعمال البلغاء شاهد لا

يقبل الرشا وإنما أطلنا فيه لأنهم اغترّوا بكلام الجوهرفي رحمه الله وظواهر اللغة المبنية على التسامح فارتكبوا تكلفات لا حاجة إليها كما قيل الرأفة أشد الرحمة أو أن يدفع عنك المضار والرحمة أن يوصل إليك المسار فإن فسر بالأوّل لزم التكرار والانتقال من الأعلى إلى الأدنى فلا بد من الثاني وفسر الرؤوف في شرح المواقف بمريد التخفيف على العبيد. قوله: (فتعطلوه) بالترك أو تسامحوا فيه بالتخفيف. وقوله لو سرقت فاطمة الخ بعض حديث في البخاريّ عن عائشة رضي الله عنها: " أنّ قريشًا أهمهم أمر المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم رسول الله ﷺ ومن يجترىء عليه إلا أسامة حبّ رسول الله ﷺ فقال أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فخطب فقال أيها الناس إنما ضل من قبلكم إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحذ وايم الله لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ".

تنبيه: فاطمة هذه بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية صحابية رضي الله عنها سرقت فقطعها النبيّ ﷺ وقيل هي أم عمر وبنت نعيصان المخزومية وفي قوله لو سرقت فاطمة نكتة لأنّ اسم السارقة فاطمة أيضًا وقوله بنت محمد روي مرفوعًا ومنصوبًا وكانت شريفة في نسبها وكانت سرقت قطيفة وقيل حليًا وضرب لها مثلًا بالزهراء رضي الله عنها لنزاهته. قواسه: (فعالة) بفتح الفاء مصدر أو اسم مصدر كالسآمة والكآبة وقول الشارح الطيبي إنها شاذة كأنه اراد أنه في هذه الماذة قليل الاستعمال بالنسبة إلى الرأفة بالسكون والا ففعالة في المصادر كثير وليس شذوذه في القراءة لأنها قراءة قنبل كما ذكره الجعبرفي رحمه الله. قوله:) وهو من باب التهييج) كما يقال إن كنت رجلًا فافعل كذا ولا شك

354

في رجوليته وكذا المخاطبون هنا مقطرع بإيمانهم لكن قصد تهييجهم وتحريك حميتهم وعزتهم لله فلا يتوهم أنه ليس المحل محل إن لأنه لبس المقصود به الشك بل التهييج لإبرازه في معرضه.

قوله: (والطائفة الخ) قيل هذا مخالف لما مرّ في سورة التوبة وتحقيق المقام على وجه تندفع به الأوهام إنّ الطواف في الأصل الدوران أو الإحاطة كالطواف بالبيت والطاثفة في الأصل اسم فاعل مؤنث فهو إمّا صفة نفس فتطلق على الواحد أو صفة جماعة فتطلق على ما فوقه وهو كالمشترك بين تلك المعاني فيحمل في كل مقام على ما يناسبه بحسب القرائن فلا تنافي بينها، قال الراغب: الطائفة من الناس جماعة منهم ومن الشيء قطعة، وقال بعضهم: قد تقع على واحد فصاعدا فهي إذا أريد بها الجمع جمع طائفة دماذا أريد بها الواحد يصح أن تكون جمعًا كني به عن الواحد ويصح أن تكون كراوية وعلامة انتهى وفي حواشي العضد للهروي يصح أن يقال للواحد طائفة وبراد بها النفس الطائفة فهو من الطواف بمعنى الدوران وفي شرح البخاريّ حمل الشافعي الطائفة في مواضع من القرآن على أوجه مختلفة بحسب المواضعفهي في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ [سورة التربة، الآية: 122] واحد فأكثر واحتج به على قبول خبر الواحد وفي قوله: وليشهد عذابهما طائفة أربعة وفي قوله: فلتقم طائفة منهم معك ثلاثة وفرقوا في هذه المواضع بحسب القرائن أمّا في الأولى فلأنّ الإنذار يحصل به وأمّا في الثانية فلأنّ التشنيع فيه أشد وأمّ في الثالثة فلذكرهم بلفظ الجمع في قوله: فليأخذوا أسلحتهم وأقله ثلاثة وكونها مشتقة من الطواف لا ينافيه لأنه يكون بمعنى الدوران أو هو الأصل وقد لا ينظر إليه بعد الغلبة فلذا قيلى إنّ تاءها للنقل فلها معان وفيها اختلاف فلا يرد الاعتراض على المصنف رحمه الله ولا يصح إطلاق القول بأنّ إطلاقها على الواحد لا أصل له في اللغة. قوله تعالى: ﴿لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ الخ جوّز فيه أن يكون معناه ما في الحديث من أنّ من زنى تزني امرأته ومن زنت امرأته يزني زوجها. قوله: (وكان حق المقابلة الخ (وفي نسخة العبارة وتنكح قيل إنه بصيغة المجهول وكان الظاهر أن يقول لا تنكح إلا زانيا على البناء للفاعل لكنه ساق الكلام على مذهبه من أق النساء لا حق لهن في مباشرة العقد وفيه إنه وان قال بأنه لا يصح عقدهن مطلقا لحديث لا نكاج إلا بوليّ لكن إسناد النكاح والتزوّج إلى كل

منهما صحيح عنده وقد صرّح به في تفسير قوله تعالى ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ولك أن تقول إنه هنا مبنيّ للفاعل بتضمينه معنى تقبل النكاح منه وإنما اختاره إشارة إلى مذهبه وهو المناسب لمقابله ولو كان مجهولًا وفاعله المقدّر الوليّ عاد الذم إليه وليس بمراد. قوله: (نزلت في ضعفة المهاجرين الخ) المراد بالضعفة جمع ضعبف الفقراء ولما بالفتح والتشديد أو الكسر والتخفيف ويكرين بضم الياء وسكون الكاف من الإكراء يقال أكريت واكتريت واستكريت ولينفقن متعلق بقوله يتزوّجوا لا بيكرين أوهموا لأنّ الصحابة رضي الله عنهم أورع من أن يصدر مثله عنهم والوارد في كتب ا- لحديث كما رواه ابن أبي شيبة عن ابن جبير أنه قال كن بغايا بمكة قبل الإسلام فلما جاء الإسلام أراد رجال من أهل الإسلام أن يتزوّجوهن فحرّم ذلك رسول الله ﷺ ذكره العراقي وابن حجر فينبغي تنزيل ما هنا عليه لكن الظاهر منه أنّ الآية مكية. قوله: (ولذلك قدّم الزاني) أي لكون المراد بيان ما نزلت له من أحوال الرجال! وتقديم الزانية أولًا لما مرّ. وفي الكشاف أنه لأنّ الآية مسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه وقوله لسوء القالة هي كما قاله الراغب كل قوله فيه طعن فعطف الطعن للتفسير وقيل هي ما تيسر من القول وقال الخليل القالة تكون بمعنى القائلة، وفي نسخة المقالة وهو مصدر ميمي بمعنى القول. وقوله عبر عن التنزيه بالتحريم على أنه بالمعنى اللغوي وهو المنع مطلقًا ولو تنزيهًا أو المراد معناه المعروف على التشبيه البليغ أو الاستعارة وهو جواب عن أنه غير حرام ولو ممن زنى. قوله:) وقيل النفي) في قوله لا تنكح فهو خبر بمعنى الطلب كيرحمه الله وعلى الأوّل هو باق على حقيقته وإنما أبقى الحرمة على ظاهرها لأنّ حمله على التنزيهيئ تأويل وجعله خبرًا بمعنى النهي تأويل آخر فهو تكلف أمّا على الخبرية فلا بأس به، وقوله مخصوص بالسبب وهو النكاح للتوسع بالنفقة من كرائهن، وهو مراد الطيبي إذ فسره بنكاج الموسرات

355

وقيل المراد به سبب النزول وهو ما ذكر. قوله: (أو منسوخ بقوله وأنكحوا الآيامى إلى آخره) أورد عليه في الكشف أن العامّ إذ ورد بعد الخاص حمل على الخاص عند الشافعية وعند الحنفية هو ناسخ له فلا يتمشى ما ذكره المصنف على أصولهم وردّ بأنّ الشافعيّ قال في الأمّ اختلف أهل التفسير في هذه الآية اختلافًا متباينا فقيل هي عامّة ولكن نسخت بقوله وأنكحوا الأيامى الخ وقد رويناه عن سعيد بن

المسيب وهو كما قال وعليه دلائل من الكتاب والسنة فلا عبرة بما خالفه هذا محصله قال البقاعيّ فقد علم أنه لم يرد أنّ هذا الحكم نسخ باية الأيامى فقط بل مع ما انضم إليها من الإجماع وغيره من الآيات والأحاديث بحيث صير ذلك دلالتها على ما تناولته متيقنة كدلالة الخاص على ما تناوله فلا يقال إنه خالف أصله في أنّ الخاص لا ينسخ بالعامّ لأنّ ما تناوله الخاص متيقن وما تناوله العامّ مظنون فالقاعدة عندهم مخصوصة بما لم يقم دليل ظاهر على بقاء العموم على عمومه بل لا حاجة إلى التخصيص لأنّ الناسخ في الحقيقة دليل العموم لا العامّ وحد. واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: ويؤيده الخ وعلى هذا حمل قول ابن عباس رضي الله عنهما كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث لكن في قوله: الإجماع مع خلاف عائشة رضمي الله عنها ومن تابعها نظر. قوله: (يتناول المسافحات (السفاح الزنا من سفحت الماء صببته وتسميتها مسافحة وهي مسفوج بها كالزانية للمزنى بها مجاز صار حقيقة عرفية. وقوله: ويؤيده أي يؤيد النسخ وهو إشارة إلى ما مرّ وقيل معناه يؤيد ما عرفته من أن الحرمة غير متحققة الآن وإنما قلنا ذلك لأنّ الحديث لا اختصاص له بالنسخ فإنه يجامع الاحتمالين الأوّلين أي التنزيه والتخصيص ولا يخفى أنه غير مناسب لما قرّره قبيله ولا لما ارتضاه من كلام البقاعيّ. قوله: (فيؤول إلى نهي الزاني الخ) في الكشف أق الغرض النهي مبالغة لا مجرّد الأخبار فيكون المعنى نهي الزاني عن الزنا إلا بزانية وبالعكس كما ذكره المصنف وهو ظاهر الفساد لأنه إذن للزنا بالزانية وهو مراد التقريب بقوله: لأنه غير مسلم إذ قد يزني الزاني بغير زانية بأن يعلم أحدهما الزنا ويجهله الآخر أو يكره عليه فلو لم يفسد لزم أن لا يحرّم هذا وليس كذلك وليس غرضمه لزوم الكذب فيه حتى يغاير كلامه كلام المصنف رحمه الله كما قيل (وفيه بحث (لأنّ النظم يحتمل النهي والخبر وعلى الثاني يلزم الكذب وقال أبو حيان لك أن تقول يجوز إبقاء النفي على ظاهره والمقصود تشنيع أمر الزنا ولذلك زيدت المشركة. والمعنى أن الزاني في وقت زناه لا يجامع إلا زانية من المسلمين أو أخس منها لكنه مكرّر لأنه كقوله الخبيثات للخبيثين. قوله: (يقذفونهن بالزنا الخ الما كان الرمي مطلقا والمراد به قذف مخصوص أشار إلى قرينة الخصوص بقوله لوصف الخ، وقوله: واعتبار أربعة شهداء لأنه معلوم قبل أنه مخصوص بالزنا كما يقتضيه السياق فلا يرد عليه أنّ فيه مؤنة بيان تأخير نزول هذه الآية عن قوله فاستشهدوا عليهن أربعة لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن قوله ثم لم يأتوا بأربعة شهداء الخ في محله وقوله

والقذف بغيره الخ قيل فيه شبه المصادرة وليس بشيء لأنه ليس المراد إثبات ما ذكر بهذه الآية بل بيان أنه المراد بعد تقرّر ما ذكره في الشريعة ولم يذكر ما في الكشاف من قوله يا كافر لأنه بغير تأويل عند الشافعية يوجب كفره ورذته لا التعزير كما في الروضة لحديث من كفر مسلما بغير حق فقد كفر ولا يرد هذا الزمخشريّ كما ظنه الطيبي رحمه الله لأنه يوجب التعزير عندنا كما في الهداية. قوله: (وتخصيص المحصنات الخ) يعني الظاهر من المحصحنات النساء العفائف والحكم عامّ للرجال، وما قيل إنّ المراد الفروح المحصنات لقوله والتي أحصنت فرجها قياس مع الفارق لعدم التصريح بالفرج هنا واسناد الرمي يأباه ولما في التوصيف بالمحصنات من مخالفة الظاهر وأقرب منه أن يراد الأنفس المحصنات ولذا قيل والمحصنات من النساء إذ لولا أنه صالح للعموم لم يقيد، وامّا أنه ثمة قرينة بخلاف ما هنا فممنوع إذ كون حكم الرجال كذلك قرينة فتأمّل. قوله: (لخصوص الواقعة الأنها نزلت في امرأة عويمر كما في البخاريّ، وقوله أغلب وأشنع قيل عليه إنّ فيه إخلالًا بثبوت الحكم في المحصن بدلالة النص والجواب أنّ المصنف رحمه الله شافعيّ لا يلحقه بالدلالة بل بالإجماع أو الحديث أو القياس، وقيل إنّ العبارة إنما هي أشيع بالياء التحتية ولا يخفى

356

أن كونه أشنع لا نزاع فيه فتأمّل. قوله: (ولا يشترط اجتماع الشهود الخ) هذا مما خالف فيه أبو حنيفة رحمه الله فاعتبر الاجتماع واتحاد المجلس وجوّز شهادة الزوج معهم إلا أنّ الفرق بينه وبين غيره أنه يلاعن وهم يحدون إذا لم تصادف الشهادة محلها. قوله: (وليكن ضربه أخف من ضرب الزنا الخ (ضعف سببه ظاهر لأنه ليس بزنا بل إعلام به وفوله احتماله أي للصدق والكذب لأنه خبر وفي الهداية لا يجرّد من ثيابه لأنه سبب غير مقطوع به فلا يقام على الشدّة بخلاف الزنا ولما كان المحتاج إلى الفرق حد القذف والزنا فرقوا بينهما وأمّا التعزير فلا يثتبه حاله فلذا لم يفرق بينهما وكون الضرب تعزيرًا أشد مذهب الشافعيّ رضي الله عنه فما قيل إنه يرد عليه النقض بضرب التعزير إذا كان المقذوف غير محصن فإنه أشد من ضرب الزنا مع فيام العلة المذكورة فيه غير وارد لأنه إن أراد أنه أشدّ كما فظاهر الدفع وان أراد كيفا فغير مسلم لأنّ كون أربعين شديدة أشد من مائة معتدلة غير متحقق ولو سلم فالمصنف رحص4 الله شافعيّ المذهب يرى التغريب في حد الزنا فلا يتصوّر كونه أشد منه عنده وما قيل إنه بعد تسليم صحة ما ذكر على مذهب المصنف رحمه الله بينهما تفاوت فاحش من حيث العدد فإنّ ضرب التعزير قليل فلو جرى فيه التخفيف من حيث الوصف أذى إلى فوات المقصود وهو الانزجار بخلاف حد القذف ليس بشيء لما مرّ وحديث الانزجار واه لأنّ أدنى التعزير ثلاث فاذا انزجر بها فلم لا ينزجر بأربعين حقيقة مع أنه ربما كان بالعتاب ونحوه. قوله: (ولا تقبلوا لهم شهادة) في التلويح هو من قبيل ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾

﴿صَدْرَكَ﴾ فهو أبلغ من لا تقبلوا شهادتهم وأوقع في النفس لما فيه من الإبهام ثم التفسير وقوله أيّ شهادة لأنه نكرة في سياق النفي وقوله لأنه مفتر أي كامل الافتراء أو متحقق الافتراء لحكم الشارع بفسقه فخرج قاذف غير المحصن والقول بأنه من تمام الحدّ لا يوافق مذهب المصنف رحمه الله. قوله: (خلافًا لأبي حتيفة رحمه الله) قيل لأنّ تعلق الجزاء على المعطوف بواسطته ولذلك إذا قال لغير المدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق يقع واحدة كما تقرّر في الأصول وفي دلائل الإعجاز جزاء الشرط قسمان جزاء للشرط ابتداء كقولك إن جاء زيد أعطه واكسه وقسم يعتبر جزاء بواسطة الجزاء الأوّل كقولك إذا رجع الأمير استأذنت وخرجت أي وإذا استأذنت خرجت ولأبي حنيفة أن يقولط لما لم يرجح هنا أحد المعنيين على الآخر والأصل قبول الشهادة وقع الشك في الردّ قبل الجلد فلا يردّ بالشك لأنه من جملة الحد المندرىء بالشبهات ولا يخفى أنه غير مسلم عند الخصم كما أشار إليه بقوله ولا ترتيب بينهما فكيف يلزمه بما لا يعترف به مع أنّ الشرطية هنا غير متحققة لجواز كونه مفعول فعل مقدّر على طريقة الاشتغال وذكر المصنف للشرطية من إرخاء العنان وهو لا يجعل عدم القبول من تمام الحد لأنّ الحدّ فعل يلزم الإمام إقامته كما في التلويح. قوله: (وحاله قبل الجلد أسوأ مما بعده) قيل لاجتماع الحقين عليه حق الله وحق العبد وفيه أنه إذا أريد أنه أسوأ حالًا عند الناس فظاهر أنه ليس كذلك وان أريد عند الله فالمعتبر في الشهادة ما عند الناس وفيه أنه قد يقال إنه أسوأ حالًا عند الله وعند الناس لأنّ الاستسلام للحد توبة عند المصنف والفاسق قبل التوبة أسوأ منه بعدها ومن عليه حقان أسوأ ممن عليه حق وهذ ظاهر لا ينكر والذي جنح إليه هذا القائل إنه إذا ضرب بمحضر من الناس يكون أحقر وأسوأ حالًا عندهم لكنه وان عد قبيحا بحسب العقل القاصر فليس قبيحًا بحسب الشرع. قوله: (ما لم يتب) هذا بناء على أنّ الاستثناء راجع إلى جميع ما قبله وسيأتي تحقيقه وقيل بل إلى آخر أوقات أهليتهم للشهادة ولذلك قبلى شهادة الكافر المحدود في قذف بعد إسلامه لحدوث أهلية أخرى وردّ بأنهم لا يقبلون شهادة الكافر مطلقا فبنى المصنف رحمه الله كلامه على ما هو المتفق عليه بين الأئمة وفي الكشاف فإن قلت الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع والقاذف من المسلمين يتوب عن القذف فلا تقبل شهادته عند أبي حنيفة رحمه الله كأنّ القذف مع الكفر أهون من القذف بعد الإسلام قلت المسلمون لا يعبؤون بسب الكفار لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم بالباطل فلا يلحقه بقذف الكافر من الشين

357

ما يلحقه بقذف مسلم مثله فشدّد على المسلمين ردعا وفي الفرائد أبو حنيفة لا يحتاج إلى هذا الجواب الضعيف والكافر إنما قبلت شهادته بعد الإسلام لأنها غير شهادة الكفر

لأنها مستفادة من الإسلام فلم تدخل تحت الرد ويدل عليه أنّ شهادته مقبولة بعد الإسلام على المسلم والذمي وتلك الشهادة غير مقبولة على المسلم ولو كان كما قال من عدم لحوق الشين لوجب أن لا يحذ لعدم اعتبار قذفه وقال في الكشف كونه غير شهادة الكفر مسلم أمّا عدم الدخول تحت الرد فلا لأن قوله لا تقبلوا لهم شهادة أبدًا عام لم يقيد بحال كفرهم أو إسلامهم ولا بالشهادة التي لهم الاتصاف بها حال القذف أو بعده وأمّا قوله: لوجب أن لا يحدّ فممنوع لأنّ حاصله أنّ ما لحق المسلم من قذف مسلم مثله أشدّ في إلحاق الشين به فزيد في حذه عدم قبول الشهادة وهذا لا يقتضي عدم المؤاخذة في شأن الكافر بل يقتضي مؤاخذة أسهل وفي هذا المقام كلام طويل الذيل تركناه خوف السآمة. قوله:) وأولئك هم الفاسقون المحكوم بفسقهم) فيه إشارة إلى أنهم ليسوا بفسقة في نفس الأمر وإنما حكم بفسقهم لما سيجيء قيل وهو غير داخل في حيز الجزاء بدليل عدم المشاركة في الشرط فإنه جملة خبرية غير مخاطب بها الأئمة لافراد الكاف في أولئك بخلاف ولا تقبلوا لهم شهادة فهو عطف على الجملة الاسمية أي الذين يرمون الخ أو مستأنف لحكاية حال الرامين عند الشرع الحاكم بالظاهر لا عند الله العالم بالسرائر وهو ردّ على الزمخشريّ في قوله: عند الله فإنه لا يصح مع قوله: سبب عقوبته محتمل للصدق وأجيب بأنه لا ينافيه لأنه إذا صدق ولم يكن له شهداء فقد هتك ستر المسلم لغير مصلحة وهو مأمور بصونه فهو فاسق عند الله أيضا آثم بفعله، وهذا مقرّر في كتب الأصول لكنه أورد عليه في التلويح أمورا منها أنّ عطف الخبر على الإنشاء وعكسه لاختلاف الأغراض شائع ومنها أن إفراد كاف الخطاب مع الإشارة جائز في خطاب الجماعة كقوله: ثم عفونا عنكم من بعد ذلك على أنّ التحقيق أنّ الذين يرمون منصوب بفعل محذوف على المختار أي اجلدوا الذين الخ فهو أيضا جملة فعلية إنشائية مخاطب بها الأئمة فالمانع المذكور قائم هنا مع زيادة العدول عن الأقرب إلى الأبعد، ولو سلم أن الذين مبتدأ فلا بد في الإنشائية الواقعة موقع الخبر من تأويل وصرف عن الإنشائية عند الأكثر وحينئذ يصح عطف أولئك هم الفاسقون عليها، وقال الزمخشري: أولئك هم الفاسقون بمعنى فسقوهم، وما قيل من أن التأكيد بضمير الفصل والاسمية ياباه لا وجه له وقوله عند الله ليس في بعض النسخ ولو سلم فعند الله كما يستعمل بمعنى في علمه يكون بمعنى في حكمه وشرعه فلا فرق بينه وبين تفسيره وأمّا ما ذكره من هتك الستر فحسن كما في التلويح. قوله: (ومنه) أي التدارك أوالإصلاح والاستسلام الانقياد، وقوله: والاستثناء راجع إلى أصل الحكم يعني أنّ المستثنى منه الرامون فهو داخل فيهم متصل حينئذ والاستثناء الإخراج من الحكم وهو في القضية الشرطية حقيقة أو تأويلا لاقتضائه الشرط واستلزامه لما ذكر في الجزاء فإذا خرج من حكمه بطل في حق التائب اللزوم للجزاء فإذا تاب واستسلم للحدّ لا يجلد مرّة أخرى وإذا استحل لا يجلد أصلا وتقبل شهادته عند المصنف

فظهر تفرع قوله ولا يلزمه سقوط الحد وفي قوله لهذا الأمر لطف وفي نسخة الأمور وفي نسخة الحكم فلا يرد أنه يستلزم سقوط الحد بالتوبة وهو خلاف الإجماع ولا حاجة إلى ما قيل إنه استثناء من الجميع ومنع الإجماع من تعلقه بالجلد ولأنه حق العباد وفي الكشف أنّ الأولى من هذا ما أشار إليه القاضي من أنّ الاستسلام للحد من تتمة توبته فكيف يعود إليه، وهذا أحسن جدا وهو تدقيق منه قدّس سرّه وقد أوضحناه بما لا مزيد عليه فلا يرد عليه أنه يلزمه أن يكون استثناء متصلا مع أنه غير مخرج من الحكم. قوله: (لآنّ من تمام التوبة (قيل الظاهر أن تمام التوبة من تمام الاستثناء فإنّ الإصلاح معطوف على التوبة فهو ليس نفسها ولا جزءا منها ثم مراده على ما نبهت عليه أنّ الاستثناء راجع إلى الأمور الثلاثة في الرامي فإذا استسلم وجلد وقد تاب من القذف تقبل شهادته ولا يحكم بفسقه فلا يتحقق الجمع المذكور وإذا استحل من المقذوف وتاب لا يتحقق واحد منها لأنّ طلب المقذوف شرط الجلد وأورد عليه أنه يلزمه سقوط الحد بمجرّد الاستسلام كالاستحلال وكذا يلزمه قبول شهادته قبل الحد

358

وهو خلاف مذهب الشافعيّ وأيضا اللازم عدم أقتضاء الشرع مجموع هذه الأمور وهو متحقق بنفي الفسق فقط والردّ متيقن فلا يزول بالشك وهذ هو المناسب لمذهب أبي حنيفة رحمه الله بخلاف ما ذكره ذلك القائل فتدبر وقوله ومحل المستثنى الخ لأنه من كلام تامّ موجب. قوله: (وقيل إلى النهي الخ) ذكر. ابن الحاجب في أماليه حيث قال إنه لا يرجع إلى الكل أما الجلد فبالاتفاق وأمّا قوله وأولئك هم الفاسقون فلأنه إنما جيء به لتقرير منع الشهادة فلم يبق إلا الجملة الثانية وأورد عليه أنه إن أراد بالتقرير التأكيد فهو مانع للعطف وأن أراد التعليل فهو بالفاء وهو غير وارد لأنّ مراده أنّ ذلك معلوم منه بقرينة السياق كما تقول ضربت زيدًا وهو مهين لي يفهم منه أنّ ضربه للإهانة فلا ينافي كونه للتقرير والتعليل فتدبر. قوله: (قيل إلى الأخيرة الخ (هذ بناء على أنّ مذهب أبي حنيف رحمه الله أنّ الاستثناء لا يرجع إلى جميع السوابق بدليل أنه لا يرجع إلى الجلد اتفاقًا وذهب الزمخشريّ إلى أنّ بناء الخلاف ليس على هذا بل على أن قوله وأولئك هم الفاسقون جملة منقطعة عن الأوّلين عند أبي حنيفة فيتعلق الاستثناء بها لا محالة ومسألة الاستثناء بعد متعدّد مقترن بالواو اختلف فيها الأصوليون فقال الشافعيّ يعود للجميع وقالت الحنفية للأخيرة وقال الغزاليّ والقاضي بالوقف والمرتضى بالاشتراك وأبو الحسين إن تبين الإضراب عن الأولى فللأخيرة مثل أن يختلفا نوعا أو اسمًا وليس الثاني ضميره أو حكما غير مشترك في غرض والا فللجميع والمختار عند ابن الحاجب أنه إن ظهر الانقطاع فللأخيرة أو الاتصال فللجميع والا فالوقف وفي التلويح وشرح العضد أنه لا خلاف في جواز كل وإنما الخلاف في الأظهر منها واختلفوا في اشتراط التعاطف بالواو وعدمه هذا محصل كلامهم في

هذه المسألة وأمّا النحاة فقل من تعرّض لها منهم والذي ذكره ابن مالك في التسهيل أنّ الظاهر في المفردات عوده إلى الجميع ما لم يمنع مانع أو يظهر مرجح وأمّا الجمل فإن اتحل! معمولها فكذلك هالا فلا يجوز وفي شرح اللمع أنه يختص بالأخيرة وأنّ تعليقه بالجميع خطأ للزوم تعدد العامل في معمول واحد إلا على القول بأن العامل إلا أو تمام الكلام قبله ومنه يعلم ما في قوله الأصوليين أنه يجوز الجميع بلا خلاف وإنما الخلاف في الأظهر لأنّ الخلاف فيه مبنيّ على عامل الاستثناء فالظاهر أنّ الخلاف في صحته إلا ان يقال نظر الأصولي غير نظر النحوي أو أنه يقدر معمولًا لأحدها وبقدر مثله للآخر وكذا إذا اقتضى الاستثناء الإتباع وتعدّد إعراب المستثنى منه وما نقل عن البحر أنّ ابن مالك رحمه الله استثنى من ذلك ما إذا اختلف العامل والمعمول كقولك إكس الفقراء وأطعم أبناء السبيل إلا من كان مبتدعًا ففي هذه المسألة يعود إلى الأخير خاصة فتحصل منه أنّ ما قاله أبو حنيفة رحمه الله مختار أهل العربية فيه نظر فتأمّله فإنه كلام غير محزر. قوله:) وقيل منقطع الخ) اختلف في الاستثناء في هذه الآية هل هو متصل لأنّ المستثنى منه في الحقيقة الذين يرمون والتائبون من جملتهم لكنهم مخرجون من الحكم وهذا شأن المتصل كما تقول قام القوم إلا زيدًا فزيد داخل في القوم غير متصف بالقيام وجعله فخر الإسلام ومن تبعه منقطعًا لأنه لم يقصد إخراجه من الحكم السابق بل إثبات حكم آخر له وهو أنّ التائب لا يبقى فاسقا ولأنه غير داخل في صدر الكلام لأنه غير فاسق وفيه تفصيل في الأصول هالى دليل فخر الإسلام أشار المصنف بقوله متصل بما بعده مع ما بين قوله المنقطع والمتصل من الطباق البديعي. قوله: (علة للاستثناء (أي لما تضمنه الاستثناء من التوبة وكأنه إشارة إلى ردّ ما في الكشاف من أنّ الاستثناء من الفاسقين لا من غيره لأنه لا يناسبه قوله فإنّ الله غفور رحيم بأنه ختم به تعليلاللاستثناء مع قطع النظر عن المستثنى منه مع أنه قال بعد هذا وظاهرها أن تكون الجمل الثلاث بمجموعها جراء الشرط كأنه قيل من قذف المحصنات فاجلوهم وردّوا شهادتهم وفسقوهم أي فاجمعوا لهم الجلد والردّ والتفسيق إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإنّ الله يغفر لهم فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين وهو يقتضي أنّ الأوّل غير مرضى له. وأجاب الطيبي بأنّ العذاب إمّا بالإيلام وامّا بالتذليل فإذا تاب وقبلت توبته رفع الله عنه العذاب بنوعيه فيناسب الختام والمبدأ. قوله: (نزلت في هلال الخ (تمام الحديث أنه

359

قذف امرأته عند النبيّ ﷺ بشريك ابن سمحاء فقال النبي ﷺ البينة أو حذ في ظهرك فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة فجعل النبيّ ﷺ يقول البينة أو حد في ظهرك فقال هلال والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحذ فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام وأنزل عليه والذين يرمون أزواجهم فقرأ حتى بلغ إن كان من الصادقين فانصرف النبيّ ﷺ فأرسل إليها فجاء هلال فشهد إلى آخر الحديث

كما في البخاري وفيه أيضا قصة لعويمر بن نصر العجلاني قريبة من هذه وأنّ النبيّ ﷺ قال له قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا وهو يقتضي أنّ سبب النزول قصة أخرى فإمّا أن يقول إنّ سبب النزول أمر مناسب ينزل عقبه الآية فيجوز تعدده كما في الإتقان أو سبب النزول القصة الأولى أو الثانية ولما كان حال الأخرى يعلم منها سميت سببًا تسمحًا كما في الإعلام وقد اختلف المحدثون في سبب النزول هنا على ثلاثة أقوال فقيل هو هلال بن أمية وقيل عاصم بن عديّ وقيل عويمر وقال السهيلي أنّ هذا هو الصحيح ونسب غيره للخطا وههنا بحث نقله في شرح المغني عن السبكيّ ولم يجب عنه وهو أنّ ما تضمن الشرط نص في العلية مع الفاء ومحتمل لها بدونها ولتنزيله منزلة الشرط يكون ما تضمنه من الحدث مستقبلًا لا ماضيا فلا يثبت حكمه إلا من حين النزول ولا ينعطف حكمه على ما قبله ولا يشمل ما قبله من سبب النزول وقال إنه إشكال صعب وارد على آية اللعان والسرقة والزنا وما عذه صعبا أسهل من شرب الماء البارد في حرّ الصيف لأنّ هذا وأمثاله معناه إن أردتم معرفة هدّا الحكم فهو كذا فالمستقبل معرفة حكمه وتنفيذه وهو مستقبل في سبب النزول وغيره والقرينة على أنّ المراد هذا أنها نزلت في أمر ماض أريد بيان حكمه ولذا قالوا دخول سبب النزول قطعيّ ولا حاجة إلى القول بأنّ الشرط قد يدخل على الماضي ولا أنّ ما تضمن الشرط لا يلزم مساواته لصريحه من كل وجه ولا أنّ دخول ما ذكر بدلالة النص لفساده هنا والانعطاف معناه دخول ما قبله في حكمه كدخول أوّل النهار في الصوم لمن نواه بعده كما ذكره القرافي في قواعده. قوله: (بدل من شهداءا لأنه كلام غير موجب والمختار فيه الإبدال وإذا كانت إلا بمعنى غير فهي نفسها صفة ظهر إعرابها على ما بعدها لكونها على صورة الحرف وهو مما يحاجي به. قوله: (فعليهم) قدره مقدّمًا ليفيد الحصر أي فعلى جنس الرامين دون غيرهم أو فعليهم هذا لا الحذ ويصح تقديره مؤخرا أي واجبة أو كافية.

قوله: (متعلق بشهادات الخ) هذا على المذهبين في التنازع قيل لكن على قراءة من رفع

أربع يتعين تعلقه بشهادات حتى لا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله باجنبيّ. (أقول) هذا مما اختلف فيه النحاة فمنعه بعضهم وجوّزه آخرون مطلقا وآخرون في الظرف كما هنا استدلالًا بقوله إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر والمانعون يقدرون له عاملًا غير رجعه والمصنف

جوّزه في هذه الآية وإنما مرضه هنا لما فيه من الخلاف فما ذكره لا يوافق مختار المصنف وفي كون الخبر أجنبيًا كلام أيضًا والشهادة هنا بمعنى القسم حتى قال الراغب إنه يفهم منه وان لم يذكر بالله. قوله: (وعلق العامل عته باللام تثيدا) أي لأجل التأكيد أو حال كونها تأكيدًا أي مؤكدة أو التقدير وأكد تأكيدا وهو توجيه لذكرها والتعليق بها لصدارتها وهو لا يختص بأفعال القلوب بل يكون بما يجري مجراها كالشهادة لإفادتها للعلم ولو جعلت الجملة جوابا للقسم وجاز ولم يتعرّض! لتأكيد أنّ والاسمية لظهوره ومن أدرجه في كلامه لاحظ أنّ الكلام يستلزمهما لكنه تعسف لا وهم كما ظن وقوله في الرمي قدّره بقرينة المقام. قوله: (وحصول الفرق بينهما بنفسه) أي بنفس اللعان من غير احتياج إلى تفريق القاضي كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله وأمّا عند الشافعيّ رحمه الله فهو فسخ مؤبد ما لم يثبت للحديث المذكور فإنه بظاهره يدلّ على أنّ التلاعن يقع به الفرقة ولنا قوله تعالى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وقوله أبدًا يدل على أن الفرقة مؤبدة فلو كذب نفسه لا يحل له تزوّجها وعندنا يجوز ومعنى أبدًا ما داما متلاعنين وقوله وبتفريق الحاكم معطوف على قوله بنفسه. وقوله نفى الولد وثبوت حذ الزنا معطوف على قوله سقوط حد

360

وخلاف أبي حنيفة في هذا معروف في الفروع. قوله: (أي الحدّ) وقال أبو حنيفة العذاب هنا بمعنى الحبس لأنها تحبس حتى تلاعن ولو فسر بالحد لم

يمنع منه مانع لأنّ اللعان قائم مقام الحد عند. وقوله بالعطف على أن تشهد وأن غضب الله بدل منه أو خبر مبتدأ مقدّر. قوله: (متروك الجواب للتعظيم) أي ليدلّ على أنّ المقدر أمر هائل عظيم لا تحيط به العبارة وأنّ الله مصدر تأويلا معطوف على فضل وقوله من الأفك بفتح الهمزة وسكون الفاء مصدر أفك الرجل يأفك إذا كذب أو مصدر أفكته عن الأمر إذا صرفته عنه قاله البطليوسي وبكسرها مع سكون الفاء وجاء فتحهما أيضا بمعنى الكذب أو أبلغه كما في شرح البخاريّ للكرماني وقوله بأبلغ ما يكون من الكذب إشارة إلى أنّ اللام للعهد ويجوز حمله على الجنس قيل فيفيد القصر كأنه لا أفك إلا هو وقوله في بعض الغزوات وهي غزوة بني المصطلق قال ابن إسحاق وذلك سنة ست وقال موسى بن عقبة سنة أربع. قوله: (فإذن ليلة في القفول) آذن بالمد وتخفيف الذال المعجمة المفتوحة من الإيذان وهو الإعلام أو بالقصر وكسر الذال المخففة من الإذن أو بالفتح والقصر وتشديد الذال من التأذين بمعنى الإعلام أيضا والرحيل بالجرّ ويجوز نصبه على الحكاية كما في شرح البخاري والقفول بقاف وفاء بمعنى الرجوع متعلق بإذن وكذا بالرحيل يعني أنه كان في رجوعهم من الغزو وكون في القفول صفة ليلة بتقدير في أزمان القفول تكلف وجزع بفتح الجيم وسكون الزاي المعجمة خرزيمان وفي بعض الحواشي ويجوز كسرها وظفار بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء بلا تنوين مبنيّ على الكسر قرية باليمن وروي في البخاريّ أظفار جمع ظفر وهو ما اطمأنّ من الأرض أو شيء كالخرز ويرحلها بضم الياء التحتية وتشديد الحاء المهملة أي يشد رحلها والهودج مركب معروف والمطية الناقة والجمل ومنشد بمعنى من يوصلها إلى القوم ويتفقدها من أنشدت الضالة إذا عرّفتها ونشدتها طلبتها فشبه من يوصلها بالمعرّف وهي باللقطة فلا وجه لما قيل إن الظاهر ناشد وصفوان بن المعطل بضم الميم وتشديد الطاء المكسورة السلمي بضم السين وفتح اللام علم لابن خالة لأبي بكر رضي الله عنه كان صاحب ساقة الجيش ثمة والتعريس بالسين المهملة النزول آخر الليل واذلج بتشديد الدال بمعنى لكر وأدلح بالسكون بمعنى سار الليل كله. قوله:) وهي من

العشرة إلى الأربعين) على قول وفيها خلاف لأهل اللغة وفي البخاريّ قال عروة لم يستم من أهل الأفك إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش في أناس آخرين لا علم لي بهم والذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين وكان ابتداء صدوره منه لعداوته لرسول الله ﷺ ومن عداه فلتة فعلى هذا يجوز كون زيد بن رفاعة منهم لأنّ منهم أناسا لم يعلموا والمصنف رحمه الله ربما ظفر بنقل فيه فانه وقع في كثير من التفاسير وقد خطأه بعضهم فيه ومنهم من برّا حسان بن ثابت رضي الله عنه وهو مرويّ عن عائشة رضي الله عنها وقيل إن صح عنه فمانما نقله عن ابن أبيّ غفلة لا عن صميم قلب ول أااعتذر عن عائثة رضي الله عنه بقصيدته التي فيها براءتها بقوله:

حصان رزان لا تزنّ بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ...

ومسطح بكسر الميم وأثاثة بضتم الهمزة ومثلثتين وحمنة بحاء مهملة مفتوحة وميم ساكنة

ونون أخت زينب أمّ المؤمنين رضي الله عنها وابن المعطل بفتح الطاء المهملة المشددة بالاتفاق وقد قيل كما مرّ في سورة يوسف أنّ العصبة والعصابة العشرة فصاعدًا لتعصبهم في المهمات فلها هنا موقع حسن وكونهم إلى الأربعين يردّه ما في مصحف حفصة رضي الله عنها عصبة أربعة ورد بأنه مع تعارض كلاميه مخالف لما في كتب اللغة وما ذكر إمّا من قبيل ذكر البعض بعد الكل لنكتة أو مجاز وقد اعترف به هنا من حيث لا يدري وهذا كله كلام مختلف فإنّ ما ذكر في معنى العصبة أكثري لا كليّ وأصل معناها لغة فرقة متعصبة مطلقًا هي واردة هنا على حقيقتها الوضعية فلا إشكال فيه وقوله خبر إنّ وقيل بدل من ضمير جاؤوا والخبر جملة لا تحسبوه وضميره عائد إلى مضاف مقدر أي فعل الذين جاؤوا وهو تكلف. قوله: (والخطاب للرسول ﷺ) في الكشاف الخطاب لمن ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله صلى الله

361

عليه وسلم وأبي بكر وعائشة وصفوان وقوله ثماني عشرة آية في البخاري فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ﴾

العشر الآيات كلها وهو مخالف لما قاله المصنف إلا أنّ الخلاف مبنيّ على الخلاف في رؤوس الآي وما قاله المصنف رحمه الله موافق لما قاله الداني في كتاب العدد. قوله: (والذي يمعنى الذين) كما صرّح به النحاة ومثلوا له بآيات منها والذي جاء بالصدق وصدق به واشترط ابن مالك في التسهيل أن يراد به الجنس لأجمع مخصوص فإن أريد به الخصوص قصر على الضرورة وفي الكشف في البقرة إنّ الذي يكون جمعًا وافراد ضميره جائق باعتبار إرادة الجمع أو الفوج أو نظرًا إلى أنّ صورته صورة المفرد وقد مرّ إفراده في قوله والذي جاء بالصدق وصدّق به وجاء جمعه في قوله وخضمّ كالذي خاضموا فمن قال إنه يأباه توحيد الضمير الراجع إليه ويجوز أن يقال المراد إنه بمعناه في المآل لتوصيفه للاسم المفرد لفظا المجموع معنى كالفوج لا أنه حذف منه النون تخفيفا لم يصب شاكلة الصواب وقوله بدأ فيه في نسخة به وشايعاه بمعنى تابعاه وقوله في الآخرة الظاهر أنه للوعيد وهو شامل للجميع والذي بمعنى الذين وفيما بعده للحكم به وقيل إنّ الأوّل على أن يراد من الذي ابن أبيّ فقط إذ غنره كفر بإقامة الحد من الذنب فلم يبق له عذاب في الآخرة وقوله أو في الدنيا على كون الذي بمعنى الذين مطلقا فالظاهر ما قدّمناه وقوله وصار ابن أبيّ مطرودًا فيه أنه لم يحد مع قذفه وفيه كلام في شرح الحديث وقوله وحسان الخ الأولى تركه لما مرّ. قوله: (بالذين منهم من المؤمنين والمؤمنات كقوله تعالى ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (هذا من بديع كلامهم وقد وقع في القرآن كثيرًا وهو بحسب الظاهر يقتضي أنّ كل واحد يظن بنفسه خيرا وليس بمراد بل أن يظن بغيره ذلك وتوجيهه أنه مجاز لجعله اتحاد الجنس كاتحاد الذات ولذا فسر قوله ولا تقتلوا أنفسكم بلا تقتلوا من كان من جنسكم أو بجعلهم كنفس واحدة فمن عاب مؤمنا فكأنما عاب نفسه ويجوز أن يقدر فيه مضاف أي ظن بعض المؤمنين والمؤمنات بأنفس بعضهم الآخر وقال الكرمانيّ في حديث أموالكم عليكم حرام إنه كقولهم بنو فلان قتلوا أنفسهم أي قتل بعضهم بعضًا مجازًا أو إضمارًا للقرينة الصارفة عن ظاهره وسيأتي فيه كلام في آخر هذه السورة وفيما مثل به مناسبة تامّة لفظا ومعنى لأنّ اللمز الطعن وأشار بقوله هلا إلى أنّ لولا تحضيضية. قوله: (وإنما عدل فيه) يعني لم يقل ظننتم وأتى بالاسم الظاهر لإشعاره بأن من لم يظن خيرًا كأنه ليس بمؤمن كناية كقوله المسلم من سلم الناس من يده ولسانه وقال مبالغة في التوبيخ لأنّ لولا تفيد التوبيخ أيضًا كما صرّح به أهل العربية وقوله كما يذبونهم عن أنفسهم إشارة إلى ما مرّ في وجه المجاز. قوله: (وإنما جاز الفصل الخ) اعترض عليه أبو حيان

بأنه يقتضي أنه إذا لم يكن الفاصل ظرفًا امتغ وليس كذلك إذ يصح لولا زيد ألقيته بالاتفاق وقد يقال مراده أنه غير جائز بلاغة واستحسانًا لأنّ الأصل أن يليها فعل فلا بد للعدول عنه من وجه إليه أشاو الطيبي في شرح قول الزمخشريّ كيف جاز الفصل. قوله: (لأنه منزل منزلته الخ (قيل عليه توسط الظرف لتخصيص التحضيض بأوّل وقت السماع وقصر التوبيخ واللوم على تأخير القول المذكور وأمّا ترك القول بعده والتبرئة بالوحي فمما لا يتوهم وقوعه وعليه يحمل ما قيل إن المعنى أنه كان يجب عليهم أن يتفادوا أوّل ما سمعوا بالأفك عن التكلم به فلما كان ذكر الوقت أهمّ وجب التقديم وأمّا ما قيل من أنّ ظروف الأشياء منزلة منزلة أنفسها فهي ضابطة ربما تستعمل فيما إذا وضع الظرف موضمع المظروف بأن جعل مفعولًا به لفعل مصرّح به أو مقدر وليس بشيء لأنه عين ما ذكره المصنف بقوله فإق التحضيض الخ لكنه قدم على ذكر المرجح بيان المجوز تجويزًا أوليا يعني أنّ المقصود الحث على ظن الخير والمبادرة إلى تبرئة المؤمنين وهذا يفهم من تقديم الظرف عرفًا كما إذا قلت هلا إذا جئتك قصت أي بادرت إلى القيام والنسخ هنا مختلفة ففي نسخة يخلرا من الإخلال والباء صلته أو ظرفية والضمير لظن الخير أو لوقت السماع المفهوم منه وفي نسخة يخالوا بمعنى يظنوا والباء ظرفية أي يظنوا سوءًا بالمؤمنين في أوّل ذلك الوقت وقوله كما يقول المتيقن هذا من قوله مبين وأتى بحرف

362

التشبيه لأنه ظن وقوله من جملة المقول ويحتمل أنه من قول الله وفيه تقرير أيضًا. قوله:) عند الله) أي في حكمه. في شرح الكشاف لما فسر الزمخشريّ عند الله بأنه في حكمه وشريعته أواد أنه لا يراد به في علم الله وان ورد بهذا المعنى أبضا لكنه هنا يلزمه المحال وهذا للإيذان بأن مدار الحكم على الشهادة والأمر الظاهر لا على السرائر التي لا يعلمها إلا الله فإن قلت الكذب إمّا باعتبار مخالف الواقع أو الاعتقاد على المذهبين وهذ يؤذن بقسم ثالث قلت المعنى أنه يحكم عليهم بالكذب لأنّ خبرهم لم يطابق الواقع في الشرع وهو لا ينافي مطابق الواقع في نفس الأمر يعني أنّ الحكم عائم لأنه في قوّة شرط وجزاء ولا ينافيه خصوص السبب وهذا يقتضي بناء الأمر على الظاهر وحكم الشرع وأمّا كون الآية في خصوص عائشة رضي الله عنها وهو في علم الله كذلك فعند الله بمعنى في علمه فلا وجه له لأنّ خصوص السبب لا ينافي عموم الحكم كما تقرّر في الأصول والتقييد بالظرف يأباه إباء ظاهرا ومنعه بناء على أنه على حدّ الآن خفف الله عنكم وعلم أنّ فيكم ضعفًا تكلف مبنيّ على تكلف آخر ونحو هذا ما وقع في شرح قول السكاكي في مجاز الإسناد عند المتكلم وللشريف فيه كلام ثمة يحتاج إلى التحرير فتدبر. قوله: (ولذلك (أي لكون ما لا حجة عليه كذبا رتب الحكم وفي نسخة الحذ وهما بمعنى هنا وترتيبه عليه إمّا في نفس الأمر أو في الآية في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [سورة النور، الآية: 4] . قوله: (لولا هذه (إشارة إلى أنها فيما سبق للتحضيض والخطاب هنا إمّا لغير ابن أبيّ رأس المنافقين لأنه لمن سمع الأفك

من المؤمنين بقرينة ما قبله وهو مخترعه وقائله كما قيل ويجوز أن يكون عاما شاملا له لأنّ عذابه أعظم مما توعد به هنا وهو الخلود في النار ونحوه كما قيل، وقول المصنف رحمه الله عاجلا يناسبه فتأمّل. وقوله في الدنيا الخ إشارة إلى أن في النظم لفار نشرًا مرتبا ففضله في الدنيا ورحمته في الآخرة ويجوز جعل كليهما لكليهما. قوله: (أفضتم فيه الخ (قال الراغب فياض سخيّ ومنه استعير أفاض في الحديث وهو من أفاض الماء في الإناء فاستعير لنشر الحديث والاكثار منه فهو متعد بفي كخاض وليست للسببية كما توهم كما أنّ كلام المصنف يأباه. قوله تعالى: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ الضمير لما وقوله بالسؤال عته تفسير لقوله بألسنتكم والسؤال إمّا عن كيفيته أو عن العلم به والأفعال المذكورة متقاربة المعاني إلا أنّ في التلقي معنى الاستقبال وفي التلقن الحذق في التناول وفي التلقف الاحتيال فيه كما ذكره الراغب وقوله تلقونه مجهول من الالقاء، وقوله من القائه بعضهم على بعض يشير إلى أنّ فيه تجوّزا. قوله: (من الولق والألق (أصل الولق السرعة ومنه أولق للجنون لما فيه من السرعة والتهافت وعن ابن جني أنه من باب الحذف والإيصال أي يسرعون فيه أو إليه، وقال ابن الأنباري هو من ولق الحديث إذا أنئعأه واخترعه وفي الأفعال للسرقسطي ولق الكلام دبره وولقه أيضا كذبه وبه قرأت عائشة رضي الله عنها ومعناه تدبرونه أو تكذبونه انتهى فمن قال إنه إذا كان بمعنى الكذب لا يكون متعديا لم يصب. توله: (وتثقفونه الخ) في الكشف في الحواشي من ثقفه إذ وجده والصواب من ثقفت الشيء إذا طلبته فأدركته جاء مخففًا ومثقلًا أي يتصيدون الكلام في الأفك من ههنا ومن ههنا وليس بشيء لأنّ معنى قوله وجده أي بعد طلب وتركه تسمحًا للعلم به ومثله سهل وتقفونه من قفاه ويقفاه إذا تبعه، وقوله: ما ليس لكم به علم أي بوجه من الوجوه، وقوله: بلا مساعدة الخ إشارة إلى أنّ تخصيص الشيء بالذكر يفيد نفيه عما عداه فليس تأكيدا صرفا كنظر بعيته وهذا مختار الزمخشريّ ومن تبعه وقيل إنه توبيخ كما تقول قاله بملء فيه فإنّ القائل ربما رمز وربما صرّح وتشدّق، وقد

قيل هذا في قوله بدت البغضاء من أفواههم، وقيل فائدته أن لا يظن أنه كلام نفسي فهو تأكيد لدفع المجاز والسياق يقتضي الأوّل فإن قلت قد مرّ أنّ الزمخشري قال إسناد الفعل إلى جارحة العمل أبلغ كأبصرته بعيني قلت هذا إذا لم تقم قرينة على خلافه فتأمّله. قوله: (تبعة) بضم فسكون كفرجة الظلامة كما في القاموص وفي المصباح هي العاقبة السيئة وهذا هو المناسب هنا، وقوله علق بها مس العذاب الخ إشارة إلى ترجيح تعلق إذ بمسكم ويمكن تعميمه للوجهين لأنّ المراد بالتعلق المعنوي وهو إذا تعلق بأفضتم وهو قيده تعلق به

363

أيضًا، وقوله وهو عند الله عظيم إشارة إلى رجوع الضمير إلى ما. وقوله: ما ينبغي وما يصح إشارة إلى أنه كالمحال مبالغة قال القرطبي رحمه الله في الأحزاب ما كان وما ينبغي ونحوه معناه الحظر والمنع فيجيء لحظر الشيء والحكم بأنه لا يكون وامتناعه إمّا عقلًا كقوله ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أو شرعًا كقوله: ما كان لبشر الخ وربما كان في المندوب كما تقول ما كان لك ترك التنقل. وقوله وأن تكون إلى نوعه أمّا على التجوّز أو تقدير المضاف، قال ابن عادل الإشارة إلى الشيء بحسب شخصه وقد تكون بحسب نوعه كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [سورة البقرة، الآية: 35] أي نوعها. وقوله فإنّ الخ إشارة إلى تعليل الوجه الثاني بأنه يدلّ على المقصود بالأولوية ووقع هذا بعد سبحانك في نسخة وكذا قوله لعظمة المبهوت وقع بعد قوله يعظكم وهو من الكاتب. والصدّيقة رضي لله عنها المراد بها هنا الصادق نزاهتها وفضلها والصديق لقب أبي بكر رضي الله عنه وفي التسمية به وجوه وحرمة بضم فسكون بمعنى المرأة كما في المصباح والمراد زوجته رضي الله عنها وفي نسخ حرم بفتحتين وهو كناية عن أهله أيضًا كما اشتهر استعماله بهذا المعنى. قوله: (تعجب ممن يقول الخ) على هذا ليس القصد فيه إلى التبرئة من أن يصم نبيه ﷺ أو يشينه بخلاف الوجه الثاني وهو على هذا من المجاز المتقرّع على الكناية وهو كثير وقد ذكره النووي في الإذكار وكذا لا إله إلا الله تستعمل للتعجب أيضا وأمّ الصلاة على النبي ﷺ في مقام التعجب فلم ترد ولم تسمع في لسان الشرع وقد صرّح الفقهاء بالمنع وإنما وقع من العوأم وبعض المحدثين كقوله:

فمن رأى حسنه المفذي في الحال صلى على محمد ...

وعلى الثاني هو حقيقه، وقوله حرم نبيه ﷺ وفي نسخة حرمة نبيه ﷺ وتقدم معناه ومقصود الزواج التناسل واختلاله اشتباه النسب وقوله بخلاف كفرها إشارة إلى أن بعض زوجات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الكفرة كزوجة نوج ولوط عليهما الصلاة والسلام وقوله لعظمة المبهوت عليه أي الأمر المبهوت المكذوب وهو هذا الأفك أو الإنسان المبهوت عليه وهو حرمه ﷺ. قوله: (فإنّ حقارة الذنوب الخ) فإن قلت الحقارة والعظم قد يكون في الفعل نفسه فإنّ قتل النفس ليس كشتمها وقد يكون باعتبار مصادرها فإنّ سيئات الأبرار ليست كسيئات غيرهم قلت ليس في كلامه ما يدل على الحصر فلا إشكال فيه كما أشار إليه المحشي ولو سلم فالمراد بالمتعلق متعلق الذنب بالمعنى العامّ وهو شامل لإفراده ومورده ومصدره فتامّل. قوله: (كراهة أن تعودوا الخ الما كان هذا مفعولًا له وليس الوعظ للعود بل لعدمه قدّروا في أمثاله مضافًا وهو كراهية ليصح أن يكون مفعولًا لأجله كما قدر في قوله يبين الله لكم أن تضلوا ومنهم من قدر فيه لا أي لئلا تعودوا ويجوز تقدير في أي يعظكم الله في العود أي في شأنه وما فيه من الإثم والمضارّ كما يقال وعظته في الخمر كما في الكشف أو هو مضمن معنى الزجر بتقدير عن أي يزجركم عن العود وفي الحواشي عاده وعادله وفيه بمعنى. قوله: (فإن الإيمان يمنع عنه) أي عن العود، وقوله وفيه تهييج وتقريع لإبرازه في معرض الشك وليس الشرط على ظاهره بل هو من باب إن كنت أبالك فلم لا تحسن لي وترك قوله في الكشاف وتذكير بما يوجب ترك العود وهو اتصافهم بالإيمان الصادّ عن كل مقبح لأنّ قوله الإيمان يمنع عته يتضمنه فجعلهما وجها واحدا وبعض شزاحه جعلهما وجهين على أنه تتميم لقوله يعظكم الله إمّا للزجر تهييجا وامّا للتحريض تذكيرًا وردّ بأنه لا تساعده الرواية ولا الدراية وليس كذلك ويؤيده أنه وقع في بعض نسخه عطفه بأو الفاصلة ولكل وجهة، والتقريع التعيير والتوبيخ وهو إمّا على وجود الشيء كقوله إن كنتم قوما مسرفين أو على تركه ومن قصره على الأوّل فقد قصر. قوله: (الدالة على الشرائع الخ (المراد بالآداب آداب معاملة المسلمين بحسن الظن والتكذيب لما لا يليق والكشخنة عدم الغيرة والديانة وكشخنه شتمه بها وليست بعربية كما نقل عن الخليل رحمه الله، وقوله ولا يقرره عليها أي لا يتلبس بما يفضي إلى عدم الغيرة ولو صدر ما يفضي إليها عن حرمه لم يقرّه عليه إذ لا أغير من الله تعالى على رسله عليهم الصلاة والسلام

364

فلا يرد أنه مستدرك بعد قوله لا يجوز الخ.

قوله: (يريدون) محبة الله رضاه ومحبة العبد أخص من الإرادة لأنها إرادة ما فيه خير

ونحوه وقد تنفرد عنها كمحبة الصلحاء وربما فسرت بالإرادة وليست هي قاله الراغب وقد فرق بينهما أيضًا بأنّ المحبة تتعلق بالأعيان والإرادة تتعلق بالأفعال فإذا أريد من أحدهما الآخر فهو مجاز أو كناية قيل والمراد من محبة الشيوع الإشاعة بقرينة ترتب العذاب عليه ولذا قيل إنه من قبيل الاكتفاء عن ذكر الشيء بذكره مقتضيه تنبيها على قوّة المقتضي أو هو من قبيل التضمين أي يشيعون الفاحشة محبين شيوعها لأنّ معنى المحبة الإشاعة مقصود إن هنا ولا حاجة إلى هذا التكلف لقول الكرماني العزم على المعصية وسائر أعمال القلب كالحسد أو محبة إشاعة الفاحشة يؤاخذ عليه إذا وطن نفسه عليه وفي كلام المصنف إشارة إليه ومنه تعلم أن ما قيل إنّ تفسير المحبة بالإرادة إشارة إلى وقوع الإشاعة فإنّ الإرادة لا تنفك عن الفعل كما تبين في الكلام لكنه لا يلائم قوله يعاقب على ما في القلوب من حب الإشاعة والأمر فيه سهل لأنّ المراد بحبّ الإشاعة تلك الإرادة ليس بشيء يعتذ به مع أنّ الإرادة الحادثة ليست كذلك كما صرّح به في الكلام وغيره. توله: (بالحدّ والسعير) الحذ جزاء القذف والسعير جزاء محبته له بقلبه أو هو مخصوص بأمّهات المؤمنين ولا حاجة إلى هذا فإنّ الحدّ لمن نقل من المسلمين والسعير لأبي عذرته ابن أبيّ وهو لم يحد فلا يرد أن الحدود مكفرة فكيف يجمع بينهما مع أنه مختلف فيه وقيل يجوز أن يكون المراد غيره من عذاب الدنيا كالعمى فيجوز إبقاء المحبة على ظاهرها والمراد محبة تدخل تحت الاختيار وهو مخالف لحال من نزلت فيهم الآية فتأمّل. قوله:) والله يعلم ما في الضمائر) هذا مناسب للمحبة القلبية السابقة أو المراد يعلم ما أعد لهم في الآخرة أو كل شيء. قوله: (والله سبحانه يعاقب على ما في القلوب (لما مرّ عن الكرمانيّ رحمه الله وقد فصله الغزاليّ رحمه الله في الإحياء وقال إنّ النية المصممة يثاب ويعاقب عليها وان لم تقارن الفعل وعليه بنى المصنف رحمه الله كلامه وإن اشتهر خلافه. قوله: (ولذا) أي للدلالة على عظمه ويجوز أن تكون الإشارة للتكرير أي ليزداد قوّة بالتكرير مرّة بعد أخرى والأوّل أولى والجواب المحذوف لمسكم. قوله:) وقر " انخطوة بفتح الخاء مصدر خطأ وبضمها اسم لما بين القدمين ويجمع على خطوات والاسم إذا جمع تحزك عينه فرقًا بينه وبين الصفة فيضم اتباعًا للفاء أو يفتح تخفيفا وقد يسكن وقوله بسكونها الضمير للخطوات لظهور ما يسكن منها لا للطاء حتى يكون إضمارًا قبل الذكر ويقال الأولى تأخيره واتباع خطوات الشيطان

كشاية عن اتباعه. قوله: (بيان لعلة النهي الخ) أي هذه الجملة بتمامها تعليل للنهي عن اتباعه كما قاله الشيخ عبد القاهر في لا تقتل أباك وهو سبب حياتك ونحوه ولم يتعرّض لجواب الشرط فهو أما المذكور على أنه من إقامة السبب مقام المسبب أو مقدر سد هذا مسده والتقدير وقع في الفحشاء والمنكر فإنه لا يامر إلا بهما كما قرّره النسفي وابن هشام في الباب الخامس من المغني ولا يرد عليه ما في شرحه أنه يأباه ما نص عليه النحاة من أنّ الجواب لا يحذف إلا إذا كان الشرط ماضيا حتى عدوا من الضرورة قوله:

لئن تك قد ضاقت عليّ بيوتكم ليعلم ربي أنّ بيتي أوسع ...

لأنّ الآية ليست من قبيل ما ذكروه في البيت فإنه مما حذف منه رأسا وهذ مما أقيم مقامه

ما يصح جعله جوابا بحسب الظاهر فما قيل إنّ النسفيّ جعل قوله فإنه الخ تعليلا للجملة الشرطية والتقدير من يتبعه ارتكب الفحشاء والمنكر فإنه لا يأمر إلا بهما ومن كان كذلك لا يجوز اتباعه وطاعته يعني أنّ الجملة الشرطية بين لعلة النهي وهو أقرب مما ذكره المصنف رحمه الله ليس بشيء لأنّ كلامه ليس فيه ما يخالف ما ذكره كما قرّرناه وجعل أبو حيان رحمه الله ضمير فإنه لمن والمعنى من يتبعه فهو رئيس يتبع في الضلال وهو مبني على اشتراط ضمير في جواب الشرط الاسمي يعود إليه وسيأتي ما فيه. قوله: (ما أنكره الشرع) رد على الزمخشري في قوله ما تنكره النفوس لابتنائه على مذهب المعتزلة في الحسن والقبح العقليين. قوله: (وشرع الحدود المكفرة لها) كما في البخاري قتل القاتل كفارة له قال الكرماني وهو مخصوص

365

بغير الردّة لقوله إنّ الله لا يغفر أن يشرك به وعن القاضي إسماعيل وغيره أن قتل القاتل حد وردع لغير. وأمّا في الآخرة فالطلب للمقتول قائم لأنه لم يصل إلى حقه وفي الحديث ما يخالفه كحديث ابن حبان رحمه الله السيف محاء للخطايا ونحوه ومنهم من توقف فيه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه إنه عليه الصلاة والسلام قال لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا وجمع بينهما بأنه ورد أوّلًا قبل أن يوحى إليه بذلك. قوله: (﴿مَا زَكَا﴾ (كتب المخفف بالياء وان كان قياسه الألف لأنّ خط المصحف لا يقاس عليه أو حملًا له على المشدد وهذا أولى وقوله آخر الدهر هو كناية عن التأبيد فلا وجه لما قيل إنّ الظاهر أن يقول إلى ما لا غاية له. قوله: (افتعال من الألية) أي القسم ويكون بمعنى التردّد كما في المثل إلا حظية فلا ألية

وليس بمراد هنا أو هو افتعال من الالو بمعنى التقصير ومنه لم آل جهدًا في كذا واليه أشار بقوله أو ولا يقصر وما في بعض النسخ يقتصر تحريف وقوله من الإلو بوزن الدلو أو الإلوّ بوزن العتوّ فإنهما مصدره كما في كتب اللغة ويؤيد الأوّل أي القسيمة لأن يتألى مخصوص به وقوله وأنه نزل الخ تأييد آخر له للتصريح بأنه حلف في سبب النزول. وقوله في الدين إشارة إلى أنّ الفضل بمعن الزيادة وخصها بالدين لذكر السعة بعده ولذا دلت على فضل أبي بكر رضي الله عنه لنزولها فيه والمنكر لذلك خذله الله حمله على فضل المال ويردّه أنه يتكزر مع قوله والسعة. قوله: (على أن لا الخ الف ونشر فتقدير على وحذف لا على أنه بمعنى يحلف وتقدير في على أنه بمعنى يقصر وجمع الضمير لأنه وان كان سببه خاصا بأبي بكر رضي الله عنه فهو عامّ لجميع المؤمنين وقيل إنه لتعظيم أبي بكر رضي الله عنه وما ذكر من أنّ التعظيم مخصوص بضمير المتكلم مردود ويحتمل أن يكون أن يؤتوا مفعولًا له بتقدير كراهة أن يؤتوا ونحوه مما سبق فتذكره. قوله: (صفات لموصوف واحد (لأنها نزلت في مسطح وهو متصف بها فالعطف لتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الموصوفات والجمع على ظاهره لما مرّ وقوله أبلغ أي في إثبات استحقاق الإيتاء لهذه الصفات لأنّ من اتصف بواحدة منها إذا استحقه فمن جمعها بالطريق الأولى والإغماض كالغض عدم فتح البصر وهو كناية عن عدم المبالاة بما صدر منهم وقوله على عفوكم الخ قدره بقرينة السياق. قوله: (مع كمال قدرته (يعني أنه يعفو مع قدرته على الانتقام فكونوا أنتم كذلك وقوله فتخلقوا بأخلاقه كما ورد تخلقوا بأخلاق الله فمان ثلت المراد بأخلاقه صفاته وسميت أخلاقًا مشاكلة ومنها المتكبر والمنتقم فكيف يتخلق بها كلها قلت الظاهر أنه ليس على عمومه بل المراد الأخلاق التي تليق بكم وتحمد فيكم وقال بعض الصوفية إنه على عمومه يريد أنّ الانتقام دلّه والتكبر على من لا يخشى الله محمود أيضا ولذا قيل إن التكبر على المتكبر صدقة كأنه لإرشاده لقبحه فتدبر وقوله رجع إلى مسطح نفقته استعمل فيه رجع متعذيا وقد نص عليه المرزوقي في قوله:

عسى الأقوام أن يرج! ش قومًا كالذين كانوا ...

وفي نسخة بنفقته فهو لازم. قوله: (الغافلات عما قذفن به) ما في الكشاف من أنهن

سليمات الصدور والقلوب نقيات الجيوب ليس فيهن دهاء ولا مكر لم يجربن الأمور فلا يفطن لمايفطن له كما قيل:

بلهاء تطلعني على أسرارها

وكذا البله من الرجال الذين هم أكثر أهل الجنة لأنهم أغفلوا أمر دنياهم وجهلوا التصرّف

فيها لاشتغالهم بأمور آخرتهم كما قرّر في شرحه فعلم أنّ المراد من الغفلة الغفلة عن الشرّ طبعًا وما قذفن به شر محض فيترتب عليه الجزاء ألطف ترتب فما قيل بعد سوق كلام الكشاف كأنه يشيء إلى ما قالتة بريرة والذي بعثك بالحق ما رأيت منها أمر أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله والمصنف لم يرتضه لأنه لا يظهر مدخلية ما قاله الزمخشري في ترتب الجزاء ليس بسديد لأنّ معنى كلام بريرة أنها رضي الله عنها لحداثة سنها لا تتقيد بأمور بيتها وليس هذا معنى كلام الزمخشريّ ولا معنى الآية كما سمعته لعدم ترتب الجزاء عليه وترتب الجزاء على ما ذكره أظهر من أن يخفى عليه ثم قال وعلى ما اختاره المصنف يلزم التكرار لأنّ العفة تتضمن الغفلة المذكورة والتأسيس أولى من التأكيد وهذه غفلة منه فإنّ المراد بالغفلة عما قذفن به أنه لم يخطر لهن ببال لكونهن مطبوعات

366

على الخير مخلوقات من عنصر الطهارة فهو ترق لا تكرار فيه كأنه قيل المبرّآت من الزنا بل اللاتي لم يخطر ذلك ببالهن قط كما عرفت. قوله: (استباحة لعرضهن الخ) هو مفعول له أو حال يعني إذا استحل القذف المحرم أو قصد الطعن في النبيّ ﷺ يكفر فيستحق اللعن والوعيد الشديد. وقوله وقيل الخ يعني أنه لغير معين وإنما المنهيّ عنه لعن الفاسق المعين كما صرّح به الفقهاء فهو على ظاهره ولا حاجة إلى تأويله بأبعدوا عن الذكر الحسن ففي الآية ثلاثة أوجه وفي الكشاف وجهان وقوله وقيل مخصوص أي سواء استباح أم لا. قوله: (ولذلك قال ابن عباص رضي الله عنهما الخ) الذي في الكشاف عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان بالبصرة يوم عرفة فسأل عن هذه الآية فقال من أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة رضي الله عنها وهو مبالغة وتعظيم لأمر الأفك والا فقد تاب مسطح كغيره وما تقدم مصرّح بقبول توبته وأمّا تقييده بالاستباحة فلا يصح فهو كما قيل في قوله والكافرون هم الظالمون أنه أريد التاركون للزكاة تغليظًا أو لأنّ تركها من صفات الكفار فعبر به تغليظًا عليهم حيث شبه فعلهم بالكفر أو جعلهم مشارفين عليه أو تعبير باللازم عن الملزوم لأن ترك الزكاة من صفات الكفار ولوازمهم فهو استعارة تبعية أو مجاز مشارفة أو مجاز لزوم وهذا جار في كل ما هو كذلك وقوله ولو فتشت الخ تأييد لكلام ابن عباس وضي الله عنهما والزمخشريّ أخره

عن قوله الحق المبين ولكل وجهة. قوله: (لما في لهم من معنى الاستقرار للعذاب لأنه موصوف) والعامل فيه إمّ الجار والمجرور أو متعلقه قيل وهو أجزل من أعمال المصدر فيه نظر وقوله لأنه موصوف إشارة إلى ما ذكره النحاة من أنّ المصدر إذا نعت لا يعمل مطلقا وأجازه السيرافي مطلقا استدلالًا بقوله:

أرواح مودع أم بكور أنت فانظر لأيّ ذاك تصير ...

فأنت فاعل المصدر المنعوت عنده فلا حاجة إلى الجواب بأنه ظرف متوسع فيه لخروجه

عن المذهبين بغير نقل وأعجب منه ما قيل إنه غير مذكور في كتب العربية فكانه أراد بها شرح الكافية. قوله: (يعترفون بها الخ) سيأتي في سورة يس اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون وبين الآيتين تعارض! لأنّ الختم على الأفواه ينافي شهادة الألسنة وقد ذكر المصنف رحمه الله ثمة ما ذكره وأورد حديثا أشار فيه إلى التوفيق بينهما وهو أنهم يجحدون ويتخاصمون فيختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشد. أرجلهم وسيأتي ما فيه فقوله يعترفون بالعين المهملة والفاء من الاعتراف وهو الإقرار وبها صلته والضمير للأعمال وهو تفسير لتشهد وفسر الشهادة بوجهين أشار في كل منهما إلى دفع التعارض أمّا على الأوّل فالمراد به حقيقته وهو الاعتراف والنطق بجميع الجوارح ناطقها وصامتها من غير اختيار إذ النطق هو التكلم بما يسمع ولو بغير الجارحة المعروفة كنطق الملائكة عليهم الصلاة والسلام فالختم على الأفواه معناه المنع عن التكلم بما يريده وينفعه بحسب زعمه اختيارا كالإنكار والاعتذار فتكون هذه الآية كقوله أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وأمّا على الثاني فالمراد به ظهورآثار ما عملوه على جميع الأعضاء بحيث يعلم من يشاهدهم ما عملوه وذلك بكيفية يعلمها الله فهو استعارة ولا جمع فيه بين الحقيقة والمجاز كما توهم حتى يتمشى على مذهب المجوز له ولا يرد على الثاني أنه معارض لقوله أنطقنا الله الآية لأنّ من فسر الشهادة بظهور الآثارة يفسر النطق به ويجعله كنطقت الحال واليه أشار المصنف ثمة أو يقول هذا في حال وذاك في حال أو كل منهما في حق قوم غير الآخرين كما جمع بهذا بين الآيتين فقد حصل دفع التعارض بوجوه أشار المصنف رحمه الله إليها في مواضحع متعدّدة وأمّا إنّ المذكور هناك شهادة السمع والأبصار والجلود والألسنة والأيدي والأرجل فلا يدفع المخالفة بل يريدها وأمّا ما قيل من أنّ عبارة المصنف ههنا يقترفون بالقاف من الاقتراف بمعنى الاكتساب كقوله في يس بما كانوا يكسبون فهو تفسير لقوله يعملون للإشارة إلى أنّ الشهادة والعمل مخصوص بالشرّ لتعدّي الشهادة بعلى واستعمال الاقتراف فيه كما ذكره الراغب وضمير بها للألسنة والباء للألة

367