حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 7 · ص 274 - 291

سورة الصافات (2 من 2)

المقصود من قصور النظر لأن معنى تعليل الإحسان بالإيمان بيان

لحاصل المعنى والأصل تعليل كونه محسنا بكونه من العباد الموصوفين بالإيمان، وليس المقصود هنا من إحسانه مجرّد إيمانه بل ما ينبني عليه فعدل عن المقصود لهذا ما ذكره من أصالته لأنه أساس لكل خير يوجد، ومركز لدائرته ومسك خاتمته. قوله: (ثم أغرقنا الخ) ثم للتراخي الذكري إذ بقاء ذريته وما معه متأخر عن الإغراق، وقوله شايعه أي تابعه، وقوله في الإيمان وأصول الشريعة لأنّ الظاهر أنّ كلا منهما صاحب شريعة مستقلة، وهذا المقدار متيقن وأصول الشريعة العقائد أو توانينها الكلبة من إجراء الأوامر الإلهية وفيه وجوه أخر كالتصلب في الدين وقوّة الصبر، وقوله ولا يبعد الخ وجه آخر إذ لم ينقل اختلاف بينهما أو المراد في غالبها فيعطي للأكثر حكم الكل، وقوله ألفان وستمائة الخ هو رواية وفيه أقوال أخر. قوله: (متعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة الخ) إن أراد أنه جامد لا يتعلق به شيء لكنه لما فيه من معنى الوصفية جاز تعلقه به ورد عليه ما قيل إنه يلزمه عمل في ما قبل لام الابتداء فيما بعدها، والفصل بين العامل ومعموله بأجنبي فيجاب بأنه لا مانع منه لتوسعهم في الظروف، وان أراد تعلقه بمقدّر يدل عليه ما ذكر كأنه قيل منى شايعه فقيل شايعه إذ الخ لم يرد عليه شيء لكن ظاهر الكلام الأوّل لجعله مقابلًا للحذف. قوله: (من آفات القلوب) وفي نسخة الذنوب والأولى أصح وأكثر فسليم على هذا سالم من جميع الآفات وآفاتها فساد العقائد والنيات السيئة والضمائر القبيحة ونحوه، أو سالم من العلائق الدنيوية يعني ليس فيه شيء من محبتها والركون إليها والى أهلها فهو دائما مشغول بمحبة الله ومشاهدة عوارفه ومعارفه، ولذا فسره بقوله خالص لله أي متمحض لجنابة كما قيل:

تملك بعض حبك كل قلبي فإن ترد الزيادة هات قلبا

وهذا مقام الخلة فليس! فيه جمع بين معنيي المشترك على مذهبه كما توهم. قوله: (أو مخلص له) يحتمل أن يكون بفتح اللام بزنة اسم المفعول بمعنى أنه أخلصه لله، أو بكسرها اسم فاعل من أخلص المنزلة منزلة اللازم أي ذا إخلاص فلا يلزم كون القلب مخلصا لنفسه كما قيل. قوله: (حزين) فيكون استعارة من السليم بمعنى الملدوغ من حية أو عقرب فإنّ المعنى سمته سليما تفاؤلًا بسلامتة، وصار حقيقة فيه يقال لدغنه الهموم، وهو وجه لطيف لكن الأوّل أنسب بالمقام فلذا أخر هذا. قوله: (ومعنى المجيء به الخ) يعني كان الظاهر جاء ربه

سليم القلب فلم عدل عنه إلى ما في النظم، وفي الكشاف معناه أخلص لله قلبه وعرف ذلك منه فضرب المجيء مثلًا لذلك، اهـ وفي المطلع معنى مجيئه ربه أنه أخلص لله قلبه، وعرف ذلك منه معرفة الغائب وأحواله بمجيئه وحضوره فضربه مثلًا وقال الإمام: معناه أنه أخلص لله قلبه فكأنه أتحف حضرته بذلك القلب، فقيل المفهوم من المطلع أن الباء للملابسة ومن كلام الإمام أنها للتعدية وظاهر كلام المصنف الأوّل، قيل وفي قول الزمخشري عرف ذلك إطلاق اسم العارف عليه وقد منعوه ولذا غير المصنف عبارته وقيل إنه بصيغة المجهول فلا يتجه ما ذكر عليه، ثم إنّ ظاهر كلامهم أنّ في جاء استعارة تبعية تصريحية فشبه أخلاصه قلبه بمجيئه الغيبة عن حضرته تعالى إلا أنه لا معنى حينئذ لجعل سليم بمعنى الخالص أو المخلص كما قاله بعض الفضلاء (أقول) هذا جميع ما قالوه برمته والذي يقبله القلب السليم أنّ ما ذكروه من الاستعارة مقرّر وأن ما قاله المصنف هنا خالص أو مخلص بيان لمحصل المعنى فيصير معنى التركيب أنه أخلص لله قلبه السليم من الآفات، أو المنقطع عن العلائق أو الحزين المنكسر فرب قلب سليم عن الأوّلين غير مخلص كما في القلوب البله وكذا الثالث، وإنما عقده تقديمه التفسير ومخالفة الزمخشري إذ تركه، وأما ما ذكروه في المعرفة ففيما أجيب به كفاية لكن أصل الاعتراف فيه توفف، وان اشتهر فقد وقع في أوّل خطبة نهج البلاغة إطلاقه عليه تعالى في قوله عارفا بقرائنها واحيائها وقال شارحه أنه صحيح وكفى به حجة عليه فأعرفه. قوله: (فقدّم المفعول للعناية) لأنّ إنكاره أو التقرير به هو المقصود وفيه رعاية الفاصلة أيضًا، وقوله على أنها الخ إشارة إلى أنه بدل كل من كل وليست الآلهة عين الكذب لكنها جعلت عينه مبالغة أو على التأويل

274

المعروف في أمثاله بالتقدير في الأوّل أو في الثاني كما ذكره فإن عبادتها إفك أي صرف للعبادة عن وجهها أو هو حال من فاعل تريدون، أو من المفعول بتقدير مأفوكة لكن وقوع المصدر حالًا غير مقيس. قوله: (بمن هو حقيق بالعبادة الخ) فسر رب العالمين بالحقيق بالعبادة ليرتبط بما قبله من إنكار عبادة الأصنام، ولذا جعله حجة عليه فالمعنى أنّ استحقاقه للعبادة أظهر من أن يختلج عرق شبهة فيه فأنكر ظنهم الكائن في بيان استحقاقه للعبادة، وهو الذي حملهم على عبادة غيره، وقوله لكونه الخ يعني أنه أقيم فيه الدليل، والعلة مقام مدلوله ومعلوله لدلالته عليه. قوله: (حتى تركشم عبادته) مع كونه المستحق لها وحده لكونه المالك الحقيقي وما سواه مملوك وقد قيل:

كل مايصلح للمولى على العبد حرام

وقوله وأشركتم الخ أي تركتم عبادته خاصة، وفي نسخة أو أشركتم وهو الأظهر فالمعنى

على الأوّل فما ظنكم به وهو حقيق بالعبادة أشككتم فيه حتى تركتم عبادته بالكلية، وعلى الثاني أعلمتم أفي شيء هو حتى جعلتم الأصنام شركاءه وعلى الثالث ما ظنكم بعقابه حتى اجترأتم على الإفك عليه، وفي كلامه لف ونشر وقوله والمعنى الخ يعني أنّ الاستفهام إنكاري والمراد من إنكار الظن إنكار ما يقتضيه، ويصد بالصاد المهملة بمعنى يمنع. قوله: (على طريقة الإلزام) بناء على اعترافهم بأنه رب العالمين وجعله كالحجة دون أن يقول وهو حجة ملتزمة لأنه ليس صريحًا في الإلزام ولذا جعله على طريقته فتأمّل. قوله: (فرأى مواقعها الخ (إنما فسر به لأنّ ما يستدل به على حدوث أمر ليس هو رؤية أجرامها ففط بل مع ما يستدل به من أحوالها كاتصال بعضها ببعض، وتقابلها وتقارنها ومواقعها مغاربها فالمراد بالنظر فيها التأمل في أحوالها، أو في علمها المشروح فيه ما شاهده من ذلك أو في كتب النجوم وأحكامها، ولذا عذاه بفي كما قيل:

هل من كتاب أوأخ أوفتى أنظر فيه أو له أو إليه

وقيل: لبعض الملوك ما تشتهي فقالط حبيب أنظر إليه ومحتاج أنظر له وكتاب أنظر فيه

فهو مجاز عما ذكر أو فيه مضاف مقدّر. قوله: (ولا منع منه (أي كيف ينظر في النجوم، وهو نبيّ معصوم فأجاب بأنه ليس بممنوع شرعا وكون النجوم تدل على بعض الأمور لجعل الله لها علامة عليه جائز، وإنما الممتنع اعتقاد أنها مؤثرة بنفسها والجزم بكلمة أحكامها وقد ذكر الكرماني في مناسكة أنّ النبيي ﷺ قال لرجل أراد السفر في آخر الشهر: " أتريد أن تخسر صفقتك وتخيب سعيك اصبر حتى يهل الهلال " مع أنه لم ينظر فيها حققة بل أوهمهم ذلك لأنهم كانوا منجمين فأظهر لهم ذلك لئلا يحضر معهم في مجامع كفرهم. قوله: (سألوه أن يعيد معهم) يقال عيد إذا حضر مع الناس في العيد كما يقال جمع إذا حضر الجمعة، وعرّف إذا حضر عرفة فلما سألوه الذهاب معهم لعيدهم، ومجمع كفرهم ذكر ذلك ليتخلف عنهم. قوله: (أراهم أنه استدد بها) أي أوهمهم أنه استدل بالنجوم على سقمه، وقوله على أنه مشارف للسقم متعلق باستدل، ولئلا متعلق بأراهم ومعيد بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الياء

المثناة التحتية محل عيدهم، وإنما أوّل سقيم بالمشارفة لأنه غير سقيم بالفعل كما شاهدوه والسقيم بالفعل لا يحتاج للنظر في النجوم لذلك، وظاهر عطف قوله أو أراد بأو كما في أكثر النسخ أن هذا تأويل مستقل فالتأويلات أربعة فالمراد أنه مستعد ل! سقام كما هو شأن كل أحد إذ المشارفة بمعناها المعروف غير موجودة فيؤول إلى الجواب الأخير، أو المراد بسقيم صدور الكذب منه وأنه جائز إذا تضمن مصلحة والظاهر هو العطف بأو على أنّ الوجوه ثلاثة، وسقم قلبه حزنه وغمه بجعل ذلك مرضًا على طريق التشبيه أو هو مجاز باستعماله في لازمه، وهو الخروح عن الاعتدال فإنّ الاعتدال الحقيقي غير موجود أو أراد أنه مستعدّ للموت استعداد المريض فهو استعارة أو مجاز مرسل، وإنما أوّلوه لأنه معصوم عن الكذب وتسميته كذبا في الأحاديث الصحيحة نظرا لظاهره، وجعله ذنبا في حديث الشفاعة لأنه خلاف الأولى إذ عدل عن التصريح إلى التعريض، ومن جوّز صدور الذنب عنهم لا يؤوله، وقول الإمام إسناد الكذب إلى راوي الحديث أهون من إسناده إلى إبراهيم لا يلتفت له وقد روي في الصحيحين. قوله: (ومنه المثل كفى بالسلامة داء) هو حديث في مسند الفردوس فهو من الأمثال النبوية، ومعناه أنّ حياة المرء سبب لموته فهو

275

المرض الحاضر، وهو معنى كثير الأشعار القديمة كقول حميد بن ثور:

وحسبك داء أن تصح وتسلما

ومنه أخذ المتنبي قوله:

قداستشفيت من داءبداء وأقتل ما أعلك ماشفاكا

والبيت الذي ذكره المصنف للبيد من قصيدة وقبله:

كانت قناتي لا تلين لغامز فألانها الإصباح والإمساء

وجاهدا بمعنى مجتهدًا ويصحني منأصحه إذا صيره صحيحا، ولبيد كان ممن رزق العمر الطويل والمثل والبيت بيان للوجه الأخير. قوله: (هاربين مخافة العدوى (بفتح العين، وهي

سراية المرض وعلى تفسيره هذا مدبرين حال مقيدة لا مؤكدة كما هو المتبادر، وقوله فذهب الخ أصل معناه الميل في جانب ليخاع من خلفه فتجوّز به عما ذكره لأنه المناسب هنا والطعام المذكور كان يقرب للأصنام في أعيادهم، وأتى بضمير العقلاء لمعاملته معهم معاملة العقلاء، وقوله وأنّ الميل لمكروه، وعلى للمضرّة كما في دعا عليه وضربا مصدر لراغ باعتبار المراد منه بطريق التجوّز أو بدلالة السياق، ويجوز كونه حالًا بمعنى ضاربًا أو مفعولًا له. قوله: (وثقييده باليمين الخ) فيكون المراد الضرب القوفي والباء في الأوّل للاستعانة ويجوز كونها للملابسة، واليمين بمعنى القوّة مجازًا كما مرّ، وفي الثاني للسببية. قوله: (بعدما رجعوا فرأوا أصنامهم مكسرة) إشارة إلى التوفيق بين ما في هذه الآية وما في الأخرى سمعنا فتى يذكرهم الخ فإنّ هذه تقتضي أنهم شاهدوه، وهو يكسرها فأسرعوا إليه وتلك تدلّ على أنهم لم يشاهدوه، وإنما استدلوا بذمّه على أنه الكاسر لها بأنّ هذه لا تنافي تلك فإنّ معناها أنه حين كسرها لم يشعر به أحد وأقبالهم إليه يزفون بعد رجوعهم من عيدهم، وسؤالهم عن الكاسر وقولهم فأتوا به على أعين الناس، وليس في النظم ما ينافيه وأجيب أيضا بأنّ الرائي له بعض أتباعهم ولم يذكره لكبرائهم لصارف مّا حتى بلغهم فقالوا ما صدر عنهم وهو المذكور في سورة الأنبياء. قوله: (من رّف النعام) أي أسرع لخلطه الطيران بالمشي، ولذا قيل زت العروس لا لسرعة المشي بها بل لخفة السرور، ونشاطه ومصدره الزف والزفيف وأزفه حمله على الزفيف أو دخل فيه فيكون متعديًا ولازما من الثلاثي المعلوم قرأ جميع القراء إلا حمزة فإنه قرأه بضمّ الياء على أنه معلوم المزيد، والقرا آت الباقية كلها شاذة فما نقله المصنف عن حمزة مخالف لما في جميع كتب القرا آت وقوله يزف بعضهم قدر مفعوله لأنّ أزف متعد وقد عرفت أنه يكون لازمًا فلا يحتاج لتقديره، وكون وزف بمعنى أسرع أثبته الثقات فلا يلتفت لمن أنكره، وزفا بمعنى حدا استعير لمعنى أسرع كما أشار إليه بقوله كان الخ. قوله: (وما تعملونه (فما موصولة وعائدها محذوف،

وهذا رجحه في الكشاف على المصدرية لكنه زعمأنه هو الموافق لمذهب أهل العدل لأنّ أهل السنة استدلوا بهذه الآية على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وبنره على كون ما مصدرية وأنه الأصل لعدم احتياجه إلى التقدير وليس هذا أيضًا بلازم كما أشار إليه المصنف وقال الزمخشريّ أنّ المعنى الآية يأباه إباء جليًا لأنه تعالى احتج عليهم بأنّ العابد والمعبود جميعا خلق الله فكيف! عبد المخلوق المخلوق على أنّ العابد هو الذي صوّره وشكله، ولولاه لم يكن له صورة فلو قلت والله خلقكم وخلق عملكم لم تكن محتجا عليهم، ولا كان لكلامك طباق وما في ما شحتون موصولة فلا يعدل بها عن أختها لما فيه من فلف النظم وتبتير. هذا محصله، وهو كلام حسن لكنه حق أريد به باطل كما سنبينه. توله: (فإن جوهرها بخلقه وشكلها وإن كان بفعلهم (ردّ على الزمخشري إذ جعل الموصولية دالة على أنّ جوهرها أي مادّتها بخلقه تعالى دون تشكيلها، وتصويرها فإنها من أفعال العباد المخلوقة لهم عنده فالموصولية لا تنافي مذهب أهل الحق إذ تعلق الفعل بالمشتق يقتضي تعلقه بمبدأ اشتقاقه فمعنى يحب التوّابين يحب ذواتهم وتوبتهم، وقوله وان كان الخ أن فيه وصلية أي لهم مدخل في الفعل بالكسب الاختياري والمباشرة، وإن كان الله خلقه كما هو مذهب الأشعرية ولا دلالة في كلامه على أنه لا مدخل لشلق الله في الشكل كما توهم، وقوله ولذلك جعل من أعمالهم دفع لما قيل إنه كيف جعل. مخلوقا لله ومعمولًا لهم من غير احتياج إلى إيقاع الخلق على جوهرها والعمل على شكلها كما في الكشاف تاييدا لمذهبه، وقوله فبأقداره الخ خبر

276

قوله شكلها والعدد بضمّ العين جمع عدة وهي ما يكون آلة للشيء. قوله: (أو عملكم الخ) أي ما مصدرية والمصدر مؤوّل باسم المفعول لأنه كالتفسير لما تنحتون، وهو بمعنى المنحوت فيتحد معناه ومعنى لموصول لكنه! ستغني عن الحذف، وأمّا كونها استفهامية للتحقير والإنكار فخلاف الظاهرء، وجوّز في الانتصاف كونها في ما تنحتون مصدرية لأنّ المعبود في الحقيقة عملهم ولا مانع منه أيضًا. قوله: (أو أنه بمعنى الحدث) أي باق على مصدريته، والمراد به الحاصل بالمصدر والأثر لا نفس التأثير والإيقاع فإنه لا وجود له في الخارج حتى يتعلق به الخلق والمصدر كثيرا ما يرإد به ذلك حتى قالوا إنه مشترك بينهما، وليس مجازا فيه وهو المراد من الفعل بالكسر بخلاف الفعل كالفتح فإنه اسم الإيقاع، والخلاف بيننا وبين المعتزلة في الأوّل فمتعلق الخلق على هذا الوصف وعلى ما قبله الذات مع الوصف. قوله: (فإن فعيم إذا كان بنق الله الخ) يعني أنه على إرادة الحدث لا يفوت الاحتجاج به على مسلك أهل السنة بل يثبت على وجه أبلغ فيه، وأيد بأنه يصير كناية وهي أبلغ من التصريح لأنّ خلق الفعل يستلزم خلق المفعول المتوقف عليه فهتم الاحتجاج على الكفرة بأنّ العابد والمعبود خلق الله ولا تفوت الملازمة كما شنع به الزمخشريّ عليهم، وقد سلف تقريره ورده في الكشف بأن الملازمة ممنوعة عندهم ألا تراهم

اعترفوا بأنّ العبد وفدرته، وإرادته من خلق الله وما توقف عليها من قعل العبد خلق العبد فتوقفه على ألله لا ينكر، وإنما الكلام في الإيجاد فأظهر منه أن يقال المعمول من حيث المادّة لا ينكر كونه من خلق الله، فقيل هو منحيث الصورة أيضًا خلقه فهو من جميع الوجو. مخلوق مثلكم من غير فرق فلم تسوّونه بالخالق، وما ازداد بفعلكم إلا بعدًا عن استحقاق العبادة والإنصاف أنّ استدلال الأصحاب بهذه الآية لا يتم، ورده الكرماني في حواشيه بأن ما يعملونه على إطلاقه لا يفيد وإنما يفيد بعد تقييده بقوله من الأصنام كما صرّح به الزمخشريّ فتدخل الأصنام يعني بجوهرها وشكلها الذي يتحقق به الصنمية في عموم ما يعملونه دخولًا أوّليا فلا يفوت الاحتجاح عليهم، ويتم به الاستدلال على مذهب أهل الحق وقد قيل عليه أنّ المراد بالفعل الحاصل بالمصدر لأنه بالمعنى الآخر من النسب التي ليست بموجودة عندهم، ومان ذكره من أنّ السند يجتمع مع المقدّمة الممنوعة فهو أعنم غير صالح للسندية والمراد بمفعولهم إشكال الأصام المتوقفة على الفعل بهذا المعنى فإذا كان كذلك، وقد قام بما يباينهم بخلقه فما قام به أولى ولا مجال لمنع هذه الملازمة فإنهم معترفون بها إذا ثبتوا خلق المتولدات للعباد بواسطة خلق ما يقوم بهم من أفعالهم ليس إلا وانتفاء الأوّل ملزوم لانتفاء الثاني والحاصل أنّ السند غير صالح وهم فد اعترفوا بهذه الملازمة فهو إلزام لهم بما التزموه فتأمّل. قوله: (وبهذا المعنى (أي إرادة الحدث على الوجه الذي قرّره تمسك به أهل السنة على خلق الأفعال لته إذ لا قائل بالفرق، وقوله على الأوّلين أي الموصولية والمصدرية بتأويله بالمعمول، وقوله من حذف أي للضمير العائد المقدر والمجاز كون المصدر بمعنى المفعول وقد عورض بأنّ الموصولية أكثر وأنسب بالسياق وكلاهما غير مسلم أمّ الأوّل فظاهر وأمّ الثاني فلما عرفت من أنّ العدول عن الظاهر ليثبت بطريق برهانيّ أبلغ، وأمّا كونه يحتاج إلى تقدير عملكم في المنحوت فيكثر الحذف فليس بلازم لجواز إبقائه على عمومه الشامل للمنحوت بالطريق الأولى أو يقدر بمصدر مضاف إضافة عهدية. قوله: (ابنوا له بنيانًا (حائطًا يوقد فيه تلك النار، وفسر الجحيم بما ذكر لأنها تكون بمعنى جهنم والتأجج الإيقاد، وجحيم ذلك البنيان الإضافة لملابسته بكونه فيه، وقوله فإنه الخ تفسير للكيد فإنه الحيلة المخفية، وقيل المراد به المنجنيق وفسر الأسفلين بالأذلين فهو استعارة وقد فسر بالهالكين وبالمعذبين في الدرك الأسفل، والبرهان النير الواضح وفيه لطف هنا. قوله: " لى حيث أموني ريي) الظاهر أنه جعل الذهاب إلى المكان الذي أمره

ربه بالذهاب إليه ذهابا إليه، وكذا الذهاب إلى مكان يعبده فيه لا أنه على تقديره مضاف أي مأمور ربي ولو أخر قوله وهو الشام كان أولى، وقوله إلى ما فيه صلاج الظاهر أنه لف ونشر موّس، ولو جعل مرتبًا أو عمم في كل منهما صح. قوله: (وإنما بت القول الخ (أي قطع وجزم به لأنّ السين تؤكد الوقوع في المستقبل لأنها في مقابلة نفي لن المؤكد للنفي كما ذكره سيبويه

277

والضمير في قوله لسبق وعده لله أو لإبراهيم على أنّ الضمير مضاف لمفعول لتتسق الضمائر، والظاهر أنه لما أمره بالذهاب تكفل بهدايته وليس فيما ذكره نسبة القصور إلى موسى عليه الصلاة والسلام حتى يقال ذإك في أمر دنيوي، وهذا في أمر ديني فلذا ناسب الجزم فيه بل للتفاوت بين مقاميهما أو ذاك كان قبل البعثة بخلاف هذا، والظاهر أنّ التوقع ليس ناشئا من قردّد في الإجابة بل تأدّب مع الله أن لا يقطع عليه بأمر قبل وقوعه، وقد صدر مثله عن نبينا ﷺ في قوله عسى أن يهديني ربي، وهو أرفع الرسل عليهم الصلاة والسلام. قوله: (رب هب لي من الصالحين) تقديره ولدًا من الصالحين، وحذف لدلالة الهبة عليه فإنها في القرآن وكلام العرب غلب استعمالها مع العقلاء في الأولاد كقوله: ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ﴾ [سورة الشورى، الآية؟ 41] ولذا سمي هبة وموهبة وأمّا قوله ووهبنا له أخاه هرون فمن غير الغالب أو المراد هبة نبوّته لا ذاته وهو شيء آخر. قوله: (ولقوله فبشرناه الخ) وجه لدلالته باعتبار ما يتبادو من فحواه فإنه إنما يقال مثله في حق الأولاد وكفى بعرف التخاطب شاهدًا عليه كما فيما فبله فلا يرد عليه أنه لا دلالة فيه على ما ذكر، ولا يتجه دفعه بأنها من تسبب البشارة على الدعاء فإنه لا يجدي دون ما ذكرناه وأيضا يجوز كون الدعوة مطلقة، والجواب خاص. قوله: (وبأنه دّكرا لاختصاص الغلام به، وقوله يبلغ أو إن الحلم بضمّ فسكون أي البلوغ بالسن المعروف فإنه لازم لوصفه بالحليم لأنه لازم لذلك السن بحسب العادة إذ قلما يوجد في الصبيان سعة صدر وحسن صبر واغضاء في كل أمر، ويجوز أن يكون من قوله غلام فإنه قد ختص بما بعد البلوغ وإن كان ورد عامّا أيضًا وعليه العرف كما ذكره الفقهاء، وقوله ويكودط حليمًا معطوف على يبلغ وهذا من منطوقه وقوله وهو مراهق قريب من البلوغ فيعطي حكمه فلا

يتوهم عدم مناسبته لما قبله مع أنه أغلبيّ، وقوله تشهد عليه أي تدل على ما ذكر فيهما. قوله: (فلما وجد الخ) بيان لحاصل المعنى المراد لا تقدير إعراب وبيان حذف إذ البلوغ لا يكون إلا بعد وجوده، وقوله لأن صلة المصدر الخ، وكذا أعماله معرّفا قليل أيضًا ومن اغتفر ذلك في الظرف جعله متعلقا به من غير تكلف. قوله: (فإنّ بلوغهما لم يكن معًا) ولو تعلق به لدل على ذلك وهو غير صحيح، وأمّا قول بلقيس أسلمت مع سليمان فلا يدلّ على جواز مثله باعتبار دلالته على التبعية وان لم يتحد زمان تلبسهما بالفعل لأنه أوّل بأنه حال أو فيه مضاف مقدر أي إسلاما مع دعوته وهذا أيضًا جار هناك بأن يقدر حالًا من فاعل بلغ أو فيه مضاف مقدر أي مع ترتبه فمن قال: المعنى ليس عليه لم يصب إذ لا مانع منه وقوله فقيل معه أي سعى معه لكن تقدم البيان خلاف الظاهر، وقوله فلا يستسعيه الخ فالمراد بيان أوانه وأنه في غضاضة عوده كان فيه ما فيه من رصانة العقل ورزانة الحلم حتى أجاب بما أجاب ففائدته بيان الواقع مع ما ذكر وفي الوجه الذي بعده بيان استجابة دعائه. قوله: (يحتمل أنه رأى ذلك) أي رأى في منامه أنه فعل ذبحه فحمله على عادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أنّ رؤياهم تقع بعينها أو رأى ما عبره بذلك وقوله: روّي أي فكر وتأمّل في ذلك ليعلم أهو رحمانيّ أم شيطانيّ، وقوله: وقال له أي قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لابنه. قوله: (والأظهر الخ) اختلاف في هذه المسألة مشهور ولكن الصحيح أنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام للوجو. التي ذكرها المصنف، وقوله: أثر الهجرة أي هجرته إلى الشام وهي أوّل هجرة لله وكان رزقه قبل كبر سنه بخلاف إسحق. قوله: (أنا ابن الذبيحين) قال العراقي: لم أقف عليه (قلت) في مستدرك الحاكم عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: " كنا عند رسول الله ﷺ فأتاه أعرابي فقال: يا رسول الله خلفت البلاد يابسة والماء يابسًا هلك المال وضاع البيإل فعد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين قال: فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر

عليه الحديث " ذكره في المواهب والشفاء وهذا يكفي لثبوته حديثًا فإنه قوله وفعله وتقريره، وقوله إن سهل الله له حفر زمزم لأنها كانت اندرس أثرها لما خلت مكة عن الناس بعد جرهم كما فصل في السير، وقوله أو بلغ الخ شك من الراوي وهو الصحيح لأنّ عبد الله لم يولد عند حفر زمزم، وقوله فخرج الخ هي قصة طويلة طواها المصنف، وقوله: ولأنّ ذلك كان بمكة يعني ولم يخرج لها إسحق ومن يقول هو إسحق وعليه أهل الكتاب يقول النحر بالأرض المقدّسة فلا يسلم هذا.

278

قوله: (ولآنّ البشارة بإسحق الخ) يعني في قوله تعالى في هود: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [سورة هود، الآية: 71] منه أي من إسحق فظاهره اقترانهما في البشارة بهما كما هو المتبادر وان أمكن وقوع البشارة بيعقوب منه بعد قصة الذبح كما مرّ فإذا بشر بالولد وولد الولد دفعة كيف يتصوّر، ويجيء ذلك الولد مراهقًا قبل ولادة يعقوب منه وكتابة يوسف إلى يعقوب غير ثابتة بل قال ابن حجر إنه موضوع فلا حاجة إلى تاويل ابن الذبيحين بأنه قد يطلق على العمّ والد، وقوله بفتح الياء أي من إني وهو ظاهر، وقوله احترقا أي حين حاصرها في زمن ابن الزبير رضي الله عنهما الحجاج، ومن قال هو إسحق يقول الذبح بالشام أو عند الصخرة وكتابة يعقوب إلى يوسف عليهما الصلاة والسلام حين أخذ أخاه ووقع في النسخ إسرائيل الله بالإضافة لأنّ إسرائيل بمعنى الصفوة، وقد مرّ أنّ معناه صفوة الله فلا وجه للإضافة منه إلا على التجريد وقيل إنّ في الدلالة على كونه إسحق أدلة كثيرة وعليه حمل أهل الكتاب، ولم ينقل في الحديث ما يعارضه فلعله وقع

مرّتين مرّة بالشام لإسحق ومرّة بمكة لإسماعيل. قوله: (من الرأي) يحتمل أنه بيان لكون يرى من الرأي ويحتمل أن يكون بيانًا لما في النظم ويعلم منه تفسير ترى أيضًا وهو على قراءة الفتح من الرأي والقصد المشاورة، وماذا مفعول مقدّم وقوله وهو حتم أي الذبح لأنه بوحي أو ما في حكمه مما يفيد الإيجاب، ولذا قال ابنه أفعل ما تؤمر وقوله بفتحها أي التاء وبإخلاص فتحها أي الراء، وقيل إنه لتسن المشاورة أو لأنّ ذبحه مما لم يرض قيل والأمر فيه سهل وضم التاء مع كسر الراء على حذف مفعوله أي تريني إياه من الصبر وعلى الضمّ، والفتح فالمعنى ما يسنح لخاطرك وفكرك. قوله: (أي ما تؤمر به الخ) يعني أنّ ما موصولة حذف عائدها بعدما حذفت الباء فعدى بنفسه كقوله:

أمرتك الخير فافعل ما أمرت به

أو حذفا معًا أو ما مصدرية والأمر بمعنى المأمور به لأنه المفعول ولا حذت فهي، ثم إنّ الحذف بعد الحذف كالمجاز على المجاز مإنه يجوز إذا شاع الأوّل حتى التحق بالحقيقة ويمتنع في غيره والحذف الأوّل سائغ كما في البيت المذكور فكأنه متعد بنفسه فالحذف فيه كأنه واحد فلا ينافي هذا ما مرّ في قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ [سورة الصافات، الآية: 8] من منع المصنف اجتماع حذفين فمانه ليس على إطلاقه واذا جاز حذف جمل متعددة فلم لا يجوز حذف حرفين فلا حاجة إلى القول بأنّ الممنوع كونه حذفا قياسيا فلا يمتنع سماعًا على طريق الندرة. قوله: (على إرادة المأمور) يعني أنّ الأمر بمعنى المأمور كالطهور والإمام لما يتطهر به، ويؤتتم به فالمصدر المسبوك بمعنى الحاصل بالمصدر فإنه كالمصدر الصريح، وهو كثير إما يراد به ذلك كما مرّ فلا يرد أنّ المصدر المؤوّل لا يراد به الحاصل بالمصدر كما قيل، وقوله والإضافة إلى المأمور أراد بالإضافة معناها اللغوي يعني أنه كان الفعل المجهول فيه سندًا إلى الجارّ والمجرور وأصله بما يؤمر به فأسند إلى ضمير إبراهيم وهو المأمور تجوّزًا من غير حذف فيه وفيه نظر. قوله: (ولعله فهم من كلامه الخ) لأنّ قوله تؤمر يقتضي تقدم الأمر، وهو غير مذكور فإمّا أن يكون فهم أنّ معناه إني أمرت بذلك أو رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحي

فهي في معنى الأمر، والفرق بين الوجهين أنه فهمه على الأوّل من كلامه وعلى الثاني من عزمه على ما لا يقدم مثله عليه بدون أمر واليقظة بفتح القاف وتسكن للضرورة كما في قوله: فالعيش نوم والمنية يقظة والمرءبينهما خيال ساري

قوله: (وإنما ذكر بلفظ المضارع) الداد على الاستمرار التجددي لتكرّر الرؤيا كما مز، وقوله: ستجدني أي لا يقع مني ما تخشاه، وقوله على قضاء الله أي كل ما قضاه ذبحا كان أو غيره فهو أعمّ من الأوّل. قوله: (استسلما) أي انقادا وأطاعا فيكون لازما وما بعده على أنه متعدّ مفعوله مقدر، وقوله الذبيح وما بعده بالرفع بدل من ضمير التثنية أو فاعل لفعل مقدر مفسر لقوله سلما، وقوله وقد قرى بهما أي باستسلما وسلما وقوله وأصله أي الأفعال الثلاثة وفي نسخة أصلهما والأولى أولى، وقوله فإنه الخ توجيه لاستعماله للخلاص بأنه لسلامته من النزاع. قوله: (صرعه على شقه) أصل معناه رماه على التل، وهو الترأب المجتمع كتربه، ثم عمّ لكل صرع وكونه على شقه من الجبين لأنه أحد جانبي الجبهة كما أشار إليه، وقوله كبه على وجهه الخ مرضه لأنّ قوله على الجبين يأباه ولذا خطأ الكندي أبا الطيب المتنبي في شرحه لقوله:

279

وخل زيا لمن تحققه ماكل دام جبينه ساجد

فقال السجود على الجبهة لا على الجبين وقد وضع الجبين موضع الجبهة على عرف العامّة، ولكل إنسان جبينان يكتنفان الجبهة هذا قول أهل اللغة ولم أر من نقل هذه اللفظة انتهى إلا أنه لا مانع من إطلاقه على الجبهة للمجاورة وعلى كل حال لا يخرجه عن الضعف، وقوله ثإشارته أي صرعه على وجهه بإشارة ورأى من ابته حتى لا ينظر كل للآخر فيرق قلبه ويحزن، ولذا تقول العامّة عين لا تنظر وقلب لا يحزن، وقوله تغيرا يرق كان الظاهر فيرق وفي نسخة يرق له أي للتغير لا للولد وهي أحسن لسلامتها من التكلف، وقوله وكان ذلك أي الموضع الذي تله فيه وأضمره لعلمه من ذكر الأرض ومنى يجوز صرفه وعدمه، وقوله على مسجده أى مسجد منى وذكره باعتبار المكان، واللام في قوله للجبين كما في: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: 107] وقوله:

وخرّ صريعًا لليدين وللفم

لبيان ما خرّ عليه وليست للتعدية. قوله: (وجواب لما محذوف) مقدّر بعد قوله صدقت الرؤياء، وليس هو ناديناه والواو زائدة فيه لما في حذقه من البلاغة لإيهام أنه مما لا تفي به العبارة كما أشار إليه بقوله كان ما كان الخ وندأؤه كان بواسطة ملك، وتصديقه الرؤيا إمّا لبذل وسعه وان لم يقع ما رآه بعيته أو لأنّ الرؤيا تؤوّل وصدقها وقوع تاويلها ووقوعها بعينها ليس بلازم، وعدم قطع السكين لأنّ القطع يخلقه الله فيها عادة وقد لا يخلق أو لأنه قلب حدّها أو لأنّ مذبحه جعل الله عليه صفيحة من نحاسى لا يراها كما قيل. قوله: (تعليل لإفراج تلك الشذّة) أي إنّ الله فرّح كربهما لما فيهما من الإحسان، والخيرات الحسان وليس تعليلًا لما انطوى عليه الجواب من الشكر كما توهم فانه لا وجه له، وقوله بإحسانهما متعلق بتعليل. قوله: إواحتج به من جوّز النخ قبل وقوعه) أي الفعل كما نسخت الخمسين صلاة ئي حديث الإسراء، وهذا مذهب كير من الأصوليين ومن خالف فيه من المعتزلة وغيرهم أوّله، والخلاف في المسالة على وجهين هل يجوز النسخ قبل الوتوع والتمكن منه أو يجوز قبل الوقوع إذا تمكن منه وما نحن فيه من قبيل الثاني لتمكنه من الذبح ولذا لم يذكره المصنف، وهو محل النزاع بيننا وبين المعتزلة فإنّ الأوّل لم يقل به أحد غير الكرخي. قوله: (ولم يحصل) أي الذبح أو المأمور به فيكون نسخًا له قبل وقوعه مع التمكن منه، والفائدة فيه الابتلاء واختبار المكلف في انقياده فلا يرد قول المعتزلة إنه لا فائدة فيه، وحجة الفريقين مفصلة في أصول الفقه لكن من الحنفية من قال ما نحن فيه ليس من النسخ لأنه رفع الحكم لا إلى بدل، وهنا له بدل قائم مقامه ونظيره بقاء وجوب الصوم في حق الشيخ الفاني عند وجوب الفدية عليه فعلم أنه لم يرفع حكم المأمور به، وفي التلويح فإن قيل هب إنّ الخلف قام مقام الأصل لكنه استلزم حرمة الأصل أي ذبحه وتحريم الشيء بعد وجوبه نسخ لا محالة لرفع حكمه قيل لا نسلم كونه نسخًا، وإنما يلزم لو كان حكمًا شرعيًا وهو ممنوع فإنّ حرمة ذبح الولد ثابتة في الأصل فزالت بالوجوب، ثم عادت بقيام الشاة مقام الولد فلا يكون حكمًا شرعيًا حتى يكون ثبوتها نسخًا للوجوب اص. (قلت) هذا بناء على ما تقرّر من أنّ رفع الإباحة الأصلية

ليس نسخًا أمّا على أنه نسخ كما التزمه بعض الحتفية إذ لا إباحة و، تحريم إلا بشرع كما قرّروه فيكون رفع الحرمة الأصلية نسخا واذا كان رفعها نسخًا أيضا يبقى الإيراد المذكور من غير جواب على ما قرّر في شرح التحرير. قوله: (الذي يتميز فيه المخلص من غيره (يعني أنّ المبين من أبانه المتعدّى، وقوله أو المحنة البينة على أنه من اللازم وذكر الصعوبة لأنّ معنى ئبين البلية ظهور صعوبتها لا للإشارة إلى أنها صفة جرت على غير من هي له كما توهم لأنه لا مجال له. قوله: (بما يذبح) إشارة إلى أنّ ذبح بالكسر صفة بمعنى ما يذبح وكونه بدله هو معنى الفداء، وقوله فيتم به أي بما يذبح الفعل المقصود من القربان وهو إراقة الدم بقطع الأوداج لله، وكونه عظيم الجثة لأنه مطلوب في الأضاحي وكونه عظيم القدر لما حصل به من عظيم النفع كما ذكره، وقوله من نسله الخ ترجيح لكونه إسماعيل وقوله وعلا بسكون العين المهملة وكسرها وكذئل العنز البرية أو الذكر منها، وثبير اسم جبل بمكة معروف وقوله سنة أي في رمي الجمار، وروي أنه إنما روي الشيطان إذ تعرّض لهما 0 قوله: (والفادي على الحقيقة لخ الأنه المباشر له لكنه جعل مجازًا بمعنى أمرنا أو أعطينا، أو أسند إلى الله مجازًا ويجوز كونه

280

استعارة مكنية أيضًا وفائدة العدول عن الأصل تعظيمه. قوله:) واستدل به الحنفية الخ (وكذا نقله القرطبي عن الإمام مالك، وكذا لو نذر قتله كما قاله الجصاص ولو نذر ذبح عبده لا شيء عليه وعند أبي يوسف لا شيء عليه في الكل لأنه لا نذر في معصية الله والقتل حرام، وكفارته كفارة يمين وقال أبو حنيفة أنه في شرع إبراهيم عليه الصلاة والسلام عبارة عن ذبح شاة، ولم يثبت نسخة فليس معصمية وقوله وليس فيه أي فيما ذكر من النظم ما يدل على أنه كان ظ را من إبراهيم حتى يستدل به، وأجيب بأنه ورد في التفسير المأثور أنه نذر ذلك وهو في حكم النص، ولذا قيل له لما بلغ أوف بنذرك وبأنه إذا قامت الشاة مقام ما أوجبه الله عليه علم قيامها مقام ما يوجبه على نفسه بالطريق الأولى فيكون ثابتا بدلالة النص فتأمّل. قوله: العله س عئه إنا) إذ لم يقل إنا كذلك كما في غيره قال في درة التنزيل لما كان قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ تذييلًا جعل إمارة على التمام لم يذكر هنا كما في غيره لتقدم ذكر هذه

القصة مؤكدة به تكيدًا أغنى عن إعادته هنا وللإشارة إلى أنّ هذه القصة لم تتم فلذا لم يعبر فيها بما جعل مقطعًا هذا محصل ما ذكره، وهو كلام حسن، وما ذكره المصنف يشير إليه. قوله: (مقضيًا نبوّته مقدرا كونه من الصالحين الخ الما لم يكن في حال البشارة موجودا ولا نبيا من الصالحين أوّله بما ذكر لتوجد المقارنة باعتبار التقدير، والقضاء الأزلي فتقارن الحال صاحبها على هذا التقدير وتتضح الحال كما ستفصله لك، وقوله من الصالحين حال أيضًا. قوله: (ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت البشارة) ردّ على الزمخشري حيث جعلها حالًا مقدرة كأدخلوها خالدين، ثم قال: ولا بد فيه من تقدير مضاف أي بشرناه بوجود إسحق نبيا أي بأن يوجد مقدّرا نبوّته، وهو العامل في الحال لأفعل البشارة وبذلك صار نظير ادخلوها خالدين مع الفرق البين بينهما فإنهم كانوا موجودين حالى الدخول دون الخلود فلذا أوّل بمقدّرين بخلافه حال البشارة إذ لم يكن موجودًا فيشكله حاله وقرّره الطيبي بأنّ الحال حلية ووصف يقتضي تقرّر الموصوف، والوصف عند إثباته له كما صرّح به السكاكي، وردّه المصنف بوجهين الأوّل أنّ وجوده ليس بلازم وإنما اللازم مقاونة معنى العامل لاتصافه بمعنى الحال موجودا كان أو لا فلا حاجة لما ذكره من التقدير والثاني أنه على تسليم ما ذكره لا يكون نظيرًا لأدخلوها خالدين فإنهم حال الدخول مقدربن للخلود وهذا حال الوجود لم يكن مقدرًا للنبوّة والصلاح، وقال المدقق في الكشف فيه بحث فإنه نظيره في أنه حال مقدّرة وأنّ التقدير مقارن لوجود ما وقع نبيًا حالًا منه، ولفظ مقدر الذي قدره في الحال المقدرة اسم مفعول قائم به ولا يجب أن يكون اسم فاعل، وهو القائل وهذا يقتضي الحال المقدرة، وأما التخصيص بهذا أو ذاك فعلى حسب المعنى والمقام، ثم أنّ تقدير الوجود لا محيص عنه، وان لم تكن الحال مقدرة لأنّ البشارة لا تتعلق بالأعيان تقول بشرته بقدوم زيد فمعنى بشرناه بإسحق بوجوده لا محالة فما ذكره في الكشاف لا بد منه، وما جنح إليه القاضي لا يغني عنه (أقول) قد أطال الشراح هنا من غير طائل والتحقيق أنّ الأصل في الحال أنّ تقاردط العامل في الوجود باعتبار معناها المراد منها سواء كان حقيقة أو مجازًا في زمان من أحد الأزمنة الثلاثة الدال عليه العامل فإن لم تقارنه كانت مقدّرة، وليس المراد أنها مجاز عن معنى مقدرًا بل هو مجاز أول أو مجاز في النسبة الحالية، والمصنف لما جعله بمعنى مقضيا ومقدرًا بصيغة المفعول أي في تقدير الله كانت غير مقدرة عنده كما صرّح به فمن حمله عليه فقد أخطأ وإنما هو تجوّز كما مرّ بجعل ما قدّر كالمقارن فقولهم مقدّرًا سواء كان اسم فاعل أو مفعول إشارة لذلك، وما ذكره المصنف من أنّ المقدر بصيغة الفاعل صاحبها غير صحيح لأنه يلزمه أن يكون نحو وضعته أمّه مربية له مثلًا ليس منه لأنّ المولود لا يكون مقدرًا والمقدر غيره إلا أن يجعل استعداده بمنزلة تقديره، وهو تعسف فما ذكره كلام مغشوس ثم إنّ مقارنة الحال إن أريد بها مقارنة جزء مّا فالدخول يقارن أوّل

الخلود، وان أريد مقارنة جميعه لزم أن يكون نحو مررت به راعيا حال مقدرة ولا قائل به اللهمّ إلا أن يراد مقارنة كل جزء أو جزء معتبر منه وفيه ما فيه، ثم إنّ قوله في الكشف إنّ البشارة فتعلق بالمعاني دون الذوات إن أراد أنه إنما تستعمل كذلك فالواقع خلافه كبشر أحدهم بالأنثى ويشر بولد فإن قال إنما يصح بتقدير ولادة ونحوه من المعاتي فهو محل

281

النزاع فلا وجه له. فوله: (وجود المبشر به الخ) أي الخارجي وعدل عن وجود الحال إلى وجود المبشر به الأخص للإشارة إلى عدم لزومه هنا بل لزوم عدمه لأنه لا يبشر بالحاصل ليثبت ما ذكر بطريق يرهاني فسكون الحال حلية قائمة بالمحلى غير صحيح كما بيناه، وقوله بل الشرط الخ قد أوضحناه بما لا مزيد عليه، وقوله فلا حاجة إلى تقدير الخ قد مر تحقيقه وأن ادعاءه في الكشف أنّ الحاجة ماسة له لا وجه له، وما قيل من أنّ تعلق البشارة بالأعيان ادّعائية للمبالغة ولا منع منه على أنّ الوجود عين الماهية عند الأشاعرة أو المراد لا حاجة له في حل الأشكال لا يسمن ولا يغني من جوع مع أنه لا حاجة له لما عرفت، وقوله لاعتبار المعنى وقع في نسخة للاعتبار المعنى بالتوصيف فالمعنى بصيغة المفعول يعني أنّ الشرط تعلق التبشير بإسحق مقارنا للمقصود بالحال من القضاء والتقدير لكفايته فيه. قوله: (ومع ذلك لا يصير نظير الخ) رد على الزمخشري فيما مرّ، وقد عرفت أنه غير صحيح وأنه مبني على أن مقدر المقدر بزنة اسم افاعل لأنّ المقدر ذي الحال فلا يتوجه عليه أنّ التنظير في مجرّد كونه حالًا مقدرة، دمان أخئلف المقدر فيهما لأنه غير مسلم عنده، وقوله فانّ الداخليق كانوا مقدّرين وقع في نسخة كعضهم بدون كانوا فاعترض بأنّ الصواب مقدرون إلا أن يقدر كان وهو من سهو الناسخ. لوله: (ومن فسر الغلام بإسحق الخ) يعني في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ﴾ [سورة الصافات، الآية: 01 ا] بناء على أنه الذبيح بجعل البشارة الأولى بولادته، ثم إنه بعدها وبعد قصة الذبح والفداء كره بنبوّته لئلا تتكرر البشارة، ويكون الأمر بذبحه مع كونه سيصير نبيًا وأبا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام منافيًا له كما احتج به من قال إنه إسماعيل لكنه خلاف الظاهر لأنه كان الظاهر ان يقال بشرناه بنبوّته ونحوه وتقدير أن يوجد نبيا لا يدفعه أيضًا لأنّ التقدير خلاف الظاهر أيضًا رعلى هذا التقدير فالحال مقدرة أيضًا لا مقارنة كما توهم لأنّ نبوّته بعد ذلك وكون المقصود! ال وذكر إسحق تعيينًا لاسمه، وتوطئة لما بعده فيؤول الكلام إلى التبشير بنبوّته ووصفه، الصلاح الذي طلبه مع أنه لا قرينة عليه لا يدفع كونه خلاف الظاهر واستبعاده. قوله: (وفي ذكر الصلاح الخ) توجيه لأنه لا يليق وصف الأنبياء بالصلاح ولو سلم فينبغي تقديمه على

الوصف بالنبوّة لثلا يلغو بأنّ الصلاح ضدّ الفساد، ولذا قوبل به في قوله: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: 56] وقد يقابل بالسيئ كما في قوله: ﴿عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [سورة التوبة، الآية: 52 ا] وهو في الاستعمال يختص! بالأفعال كما قاله الراغب فذكر بعدها هنا تعظيما لشأن الصلاج حيث جعل من صفات كمل الأنبياء وأو ما بتأخيره إلى أنه غاية الراغب فذكر بعدها هنا تعظيما لشأن الصلاح ونتيجتها لاختصاصه بالأفعال، والمقصود من الكمال والتكميل الإتيان بالأفعال السديدة الحسنة، وقوله على الإطلاق يعني في جمير من عداه أو في جميع أفعاله لتكون بأسرها صالحة وهو من أعظم الأوصاف، وقوله بالفعا! متعلق بالتكميل. قوله:) على إبراهيم في أولاده (الظاهر أن التعميم الآتي أحسن، ولم ير%يم الضمير للمبشر به لبعده لفظا ومعنى إذ سياق الكلام لمدح إبراهيم عليه الصلاة والسلام م! يم ته لا يتمشى على القول بأنه إسحق كما مرّ وأعاد على مع إسحق إشعارًا باستقلاله في افي! يث، والضمير في قوله من صلبه لإبراهيم لأنّ أولاد إسحق كلهم من بني إسرائيل وأيوب من نسل عيص بن إسحق وشعيب من نسل مدين بن إبراهيم، وقوله قرئ وبرّكنا أي من التفعيل بالتشديد للمبالغة وقوله محسن في عمله فلا يقدر له مفعول، وقوله على نفسه عداه بعلى لتضمنه معنى متفضل ويدخل في المعاصي ظلم الغير، وقوله مبين إشارة إلى أنّ غيره قلما يخلو منه فلذا لم يذم به. قوله: (البليغ في بيانه) هو من المبالغة، ويجوز كونه من البلاغة وهما مأخودان من زيادة البنية، وقوله ابن ياسين وقع في نسخة ماسين بالميم ولا أدري صحتها وكانه م! ض ث، من بنيامين فإن ماسين ليس بعبراني، وقوله وقيل إدرشى فأحدهما اسم والآخر لقب، ومزضه لأنّ الظاهر تغايرهما وأمّا كون الظاهر ذكره قبل نوج ففيه نظر،

وقوله وفي حرف أبيّ أي قراءته إبليس بهمزة مكسورة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة وأخرى بعد اللام ساكنة، وقيل إنها مفتوحة وسين مهملة، وقوله مع خلاف عنه في الرواية فروي عنه الوصل والقطع والثانية أشهر حتى قال الداني إنه قال بغير همز يعني لا تهمز الألف التي قبل السين كما في كاس ففهموا عنه الوصل، ولم يرّده وردّه صاحب النثر وقال إنه خطأ، وهذا إما على أنه ياس دخلت عليه أل أو على أنه إلياس فتلاعبوا

282

فيه لعجمته. قوله: (أتعبدونه) على أنّ الدعاء بمعنى العبادة أو هو طلب الخير بمعناه المشهور، وقوله صنم كان لأهل بك الخ ظاهره أنّ الصنم لقوم إلياص، وفي القاموس إنه لقوم يونس ولا مانع لكونه لهما حتى يقال إنه تحريف وظاهره أيضًا أنّ البلد لم تسم قديمًا بعلبك بل بك فقط والمشهور خلافه، وقوله أتدعون بعض البعول أي الأرباب والمراد الأصنام فالتنكير للتبعيض فيرجع لما قيل قبله. قوله تعالى: (﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾) لا يرد عليه أن أفعل يضاف لما هو منجنسه وخلق الله بمعنى الإيجاد، وخلق العباد كسبهم وهو على مذهب المعتزلة ظاهر لأنّ المراد أعظم من يطلق عليه ذلك بأي معنى كان كما قاله الآمدي، وقوله وتتركون عبادته فهو بتقدير مضاف فيه أو المراد بتركه ترك عبادته ولم يقل أو تتركون طلب الخير منه كما فسر به تدعون قبله اكتفاء بما علم مما سبق بل لأنهم لا يتركون ذلك كما لا يخفى لقوله: (إذا أصابتهم مصيبة دعوا الله مخلصين) ونحوه وقال: وتذرون ولم يقل تدعون مع مناسبته ومجانسته لما قبله لأنّ مثله من الصيغة المتكلفة غير ممدوح عند البلغاء ما لم يجيء عفوًا بطريق الاقتضاء ولذا ذم الفصحاء من يقول مثله فقالوا:

طبع المجنس فيه نوع قيادة أو ما ترى تأليفه للأحرف

على أنّ المناسب هذا دونه لأنّ مثله ربما ألبس على من يقرأ من المصحف دون حفظ

من العوام وأيضًا يدع إنما استعملته العرب في الترك الذي لا يذم مرتكبه لأنه من الدعة وهي الراحة، ولذا سمي مفارقة الناس بعضهم بعضا موادعة دون مواذرة، ويذر بخلافه لأنه يتضمن إهانة وعدم اعتداد لأنه من الوذر وهي قطع اللحمة الحقيرة كما أشار إليه الراغب وهذا مما لا مرية فيه، وأمّ ما قيل من أنّ الجناس ونحوه من المحسنات فهو مناسب مقام الرضا والمسرة لا مقام الغضب والتهويل فمما لم يقله أحد سواء مع مخالفته للمعقول والمنقول أمّا الأوّل فلأنه لا علاقة بين البلاغة وبين ما ذكر، وأمّا الثاني فلأنهم قالوا لم يقع الجناس التامّ في القرآن إلا في موضعين في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [سورة الروم، الآية: 55] وقوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة النور، الآية: 43- 44] جمع بصر وبصيرة وهما في المقام الذي زعم أنه غير مناسب، وكذا ما قيل إنّ ح أمر للترك قبل العلم وذر بعده كما نقل عن الرازي فإنه لا يساعده

اللغة والاشتقاق فالوجه ما سمعتة وإنما أطلنا الكلام لما ذكره المتصلفون، وهم يحسبون أنهم يحسنون. قوله: (وقد أشار فيه) أي في قوله أحسن الخالقين إلى المفتضى للإنكار على من ترك عبادته، وهو خالق عظيم إلى خلافه ثم صرح بما أومأ إليه أوّلًا للاعتناء به بقوله: ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ الخ فإنّ من كان ربا لهم ولآبائهم هو الحقيق بتوحيده بالعبادة وعبادته بالتوحيد، وقوله بالنصب أي نصب الثلاثة على أنها بدل من قوله أحسن الخالقين وغيرهم قرأه بالرفع على أنه مبتدأ وخبر أو خبر مبتدأ محذوف وربكم عطف بيان أو بدل منه. قوله: (مخصوص بالشرّ عرفًا) أي في العرف العام أو حيث استعمل في القرآن لإشعاره بالجبر والقهر، وقوله من الواو أي في قوله فكذبوه، وقوله لفساد المعنى لأن ضمير محضرون للمكذبين فإذا استثنى منه اقتضى أنهم كذبوه ولم يحضروا وفساده ظاهر وقيل وجهه أنه إذا لم يستثن من كذبوا كانوا كلهم مكذبين فليس فيهم مخلص فضلًا عن مخلصين ومآله ما ذكر لكنه قيل عليه إنه لا فساد فيه لأن استثناءهم من القوم المحضرين لعدم تكذيبهم على ما دل عليه التوصيف بالمخلصين لا من المكذبين، والمعنى واحد وردّ بأنّ ضمير محضرين للمكذبين لا للقوم فلا وجه لما ذكر أصلا كما مرّ، وتعقب بأنّ ضمير محضرين للقوم كضمير كذبوا والذي غرّه الفاء وهي إنما تفيد ترتب إحضار القوم على تكذيبهم فالمال واحد ولا يخفى أنّ اختصاص الإحضار بالعذاب يعين كون ضميره للمكذبين لا لمطلق القوم فإن لم يسلمه فهو أمر آخر لكن اختصاصه صرّج به السمرقندي وغيره، وهذا إنما هو على تقدير الاتصال. قوله: (كسيناء وسنين) وجه الشبه بينهما أنّ الأوّل علم غير عربي تلاعبوا به فجعلواه بصيغة الجمع، أو أنّ زيادة الياء والنون في السريانية لمعنى كما في الكشاف لا في الوزن والا لكان حقه أن يقول كميكال وميكائيل، واختاو هذه اللغة على هذا رعاية للفاصلة. قوله: (وقيل جمع له) على طريق التغليب بإطلاقه عليه وعلى أتباعه وقومه كما يقال المهالبة لمهلب، وقومه وضعفه بما ذكره النحاة من أنّ العلم إذا

283

جمع أو ثنى وجب تعريفه بالألف واللام جبرًا لما فاته من العلمية ولا فرق فيه بين التغليب، وغيره كما صرح به ابن الحاجب في شرح المفصل، فالاعترا ضبأنّ النحاة إنما ذكروه فيما إذا قصد به مسماه أصالة وهذا ليس منه وهم وإنما يرد هذا على من لم يجعل لام إلياس للتعريف لكن هذا غير متفق عليه قال ابن يعيش في شرح المفصل يجوز استعماله نكرة بعد التثنية والجمع ووصفه بالنكرة نحو زيدان كريمان وزيدون كريمون وهو مختار عبد القاهر، وقد

أشبعوا الكلام عليه في المفصلات. قوله: (أو للمنسوب) معطوف على قوله له أي قيل إنه جمع إلياسيّ فخفف بحذف ياء النسب لاجتماع الياآت في الجر والنصب كما قيل أعجمين في أعجميين كما مرّ تحقيقه في الشعراء، وضعفه بقلبته والتباسه بإلياس إذا جمع وإن قيل حذف لام إلياس مزيل للإلباس لما مرّ، وقوله ملبس بكسر الباء وفتحها موقع في اللبس والاشتباه وأيضًا هو غير مناسب للسياق والسباق إذ لم يذكر آل أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقوله لأنهما في المصحف أي العثماني رسم منفصلًا فيؤيد هذه القراءة لا لأنه قرئ به اتباعًا للرسم كما توهمه هذه العبارة، وقوله فيكون الخ ليوافق معنى القراءة الأخرى لأنّ الآل يطلق على الأولاد كأل محمد. قوله: (والكل لا يناسب الخ) أي ما ذكر بعد قوله وقيل أما الأوّل فلذكره بتبعية أبيه دون اسمه، وأمّا الثاني فإنه إنما يذكر السلام عليهم أنفسهم بعد قصة من قصصهم وكذا ما بعده، وقوله إذ الظاهر الخ وعلى غير الأوّل لم يعد عليه وعليه فعوده على آل وإن كان هو المراد خلاف مقتضى الظاهر لغي نكتة، وقوله سبق بيانه أي في الشعراء. قوله: (مئاجوكم) جمع متجر زمان التجارة أو محل التجارة والمراد طرق متاجركم، وسدوم بالدال المهملة والمعجمة بلدة قوم لوط عليه الصلاة والسلام، وقوله ومساء فالمراد بالليل أوّله لأنه زمان السير ولوقوعه مقابل الصباح، وقوله أو نهارًا وليلًا بتأويل الصباح به لوقوعه مقابل الليل ظ مّا أن يؤوّل الثاني أو الأوّل وقدم الأوّل لأنه تأويل عند الحاجة له، وقوله ولعلها الخ توجيه للئخصيص على الوجه الأوّل بأنهما وقت الارتحال والنزول في الغالب وهي وإن كانت منزلًا حينئذ فهي ممرّ أيا وخصت بالتوجيه لأنه أرجح ولذا قدم، وضمير وقعت لقرية سدوم وكذا ضممير لها فلا وجه لما قيل حقه التذكير قيل ولو أبقى على ظاهره لأنّ ديار العرب لحرّها يسافر فيها في الليل إلى الصباح خلا عن التكلف في توجيه المقابلة، وقوله أفلا تعقلون قبل تقديره اتنظرون فلا تعقلون وهو على أحد القولين، ويونس مثلث النون ولكنه لم يقرأ بالفتح. قوله: (هرب) فرب بعض اللغويين بينهما بأن الإباق الهرب من غير خوف وكد عمل وقوله بغير إذن

ربه على خلاف معتاد الأنبياء كما في هجرة نبينا ﷺ إلى المدينة فإنه لم يهاجر حتى أوحى إليه كما ذكر في حديث الهجرة وقوله حسن إطلاقه لأنه استعارة شبه خروجه بغير إذن ربه بإباق عبد من سيده أو هو من استعمال المقيد في المطلق والأوّل أبلغ، وقيل الإباق الفرار بحيث لا يهتدي إليه طالب، وكان لما خرج طلبه قومه فلم يجدوه فاستعير لى نظرًا لهذا القيد، وهو إن سلم اعتباره فيه على ما ذكره بعض أهل اللغة فلا مانع من غيره، والمراد بكونه لا يهتدي إليه آئه يختفي قاصدًا أن لا يجده من طلبه، ولا يهتدي على قصده فلا ينافي أنّ الآبق يوجد كثيرًا كما توهم، وقوله فقارع أي فرميت القرعة وبهذا اسندل من قال بمشروعيتها وضمير قارع ليونى عليه الصلاة والسلام، وأهله للفلك والمراد باهله من فيه. قوله: (وأصله المزلق) بصيغة المفعول أي الواقع لزلقه فاستعير للمغلوب لسقوطه من مقام الظفر وقوله ههنا عبد آبق وكان عندهم أنّ السفينة إذا كان فيها آبق أو مذنب لم تسر وكان ذلك بدجلة، وقوله من اللقمة أي مستعار منها لشبهه بها. قوله: (ادخل في الملامة) يعني إنّ بناء أفعل للدخول في الشيء نحو أحرم إذا دخل الحرم، وقوله أو آت بما يلام عليه يعني أنّ الهمزة فيه للصيرورة نحو أغد البعير أي صار ذا غدّة فهو هنا لما أتى ما يستحق اللوم عليه صار ذا لوم ومفعوله محذوف وهو نفسه، وقوله مليم نفسه يعني الهمزة فيه للتعدية ومفعوله محذوف وهو نفسه كقدم وأقدمته كما ذكره النحاة في معاني أفعل، وقوله وقرئ بالفتح أي بفتح ميمه الأولى وكان قياسه ملوم لأ نه واويّ ولكن لما قلبت ياء في المجهول كليم جعل كالأصل فحمل الوصف عليه، ومشوب بمعنى مخلوط ومشيب

284

محمول على شيب بالبناء للمفعول. قوله: (الذاكرين الخ) يعني إنه من سبح إذا قال سبحان الله والكثرة تستفاد من جعله من المسبحين دون أن يقال مسبحا كما مرّ أنّ قولك فلان من العلماء أبلغ من عالم لجعله عريقًا فهم منسوبًا إليهم ومثله يستلزم الكثرة لا من التفعيل لأن معنى سبح لم يعتبر فيه ذلك فلا يقال إنه لا حاجة إلى ما وجهناه به، وقوله مدة عمره أي

من غير اعتيار القيد الذي بعده، وقوله من المصلين قال ابن عباس رضي الله عنهما كل ما في القرآن من التسبيح فهو بمعنى الصلاة ومرضه لأنه تجوّز من غير قرينة والأصل الحقيقة. قوله: (حيًا) ولا ينافيه ما ورد من أنه لا يبقى عند النفخة الأولى ذو روح لأنه مبالغة في

طول المدّة مع أنه في حيز لو فلا يرد رأسا أو المراد بوقت البعث ما يشملها لأنه من مقدماته فكأنه منه، أمّا على الثاني فلا يرد لأنه لا مانع من أن يبقى مع بنية الحوت ميتين من غير تسليط البلاء عليهما، والحث على إكثاره لما ف! هـ من النفع العظيم، وتعظيمه بوصفه به دون النبوّة ونحوها، وقوله أقبل عليه أي على الله وأضمر لعلمه من السياق، والظاهر أنّ قوله ومن أقبل الخ عطفد على قوله وفيه حث الخ، وهو مسوق لتأييد ما قبله مطلقًا، وقيل إنه معطوف على حث أي فيه مضمون هذا وهو على التفسير الأوّل والثالث، وفيه نظر ثم إنه قيل إنّ قوله لبث دل على حياته لأنه ظاهر تفسير أهل اللغة له بالإقامة، وأما قوله لبثتم في الأرض عدد سنين فمجاز وأمّا دلالته على أنّ هلاك النفخة لا يعم حيوانات البحر فبقاء حوت منها إن سلم لا يدل على عموم ما ذكر. قوله: (بأن حملنا الحوت على لفظه) أي وميه من جوفه وإخراجه ولما كان النابذ له حقيقة الحوت ولكن ذلك بسبب ما أوجد الله فيه من الحامل عليه أشار بقوله حملنا الخ إلى أنّ إسناوو مجازي وما ووي لا ينافي قوله نادى في الظلمات كما توهم لأنه بمجرّد رفع رأسه لا يخرج بها كما لا يخفى، وليس رفع رأسه ليمتنع دخول الماء جوفه حتى يقال السمك لا يحتاج لمثله بل لئلا تنحصر نفسه وتنخنق، وقوله صار بدنه الخ يدل على ضعف القول الأوّل. قوله: (مظلة عليه) كالخيمة تصوير لمعنى ألاستعلاء وتوجيه لذكر على واشارة إلى أنه حال من شجرة قدمت لكون صاحبها نكرة، وقوله شجرة من يقطين اشتهر أنّ الشجر ما له ساق لكن ما وقع في هذه الآية وفي حديث البخاري شجرة الثوم يدل على خلافه، قال الكرماني العامّة تخصص الشجر بماله ساق وعند العرب كل شيء له أرومة تبقى فهو شجر وغيره نجم، ويشهد له قول أفصح الفصحاء اهـ، ولك أن تقول أصل معناه ما له أرومة لكنه غلب+ في عرف أهل اللغة على ما له ساق وأغصان فاذا أطلق يتبادر منه المعنى الثاني وإذا قيد كما هنا، وفي الحديث يرد على أصله وهو الظاهر فما قيل يحتمل أنّ الله أنبتها على ساق لتظله خرقا للعادة تمحل في محل لا مجال للرأي فيه. قوله: (من شجر الخ) هو معنى يقطين كما يدل عليه اشتقاقه ويفعيل من نادر الأوزأن، والدباء بضم الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة والمد ويقال شبه بالهاء القرع وهو معروف وكون الذباب لا يقع عليه من خوأصه، وكان لرقة جلده بمكثه في

بطن الحوت يؤذيه الذباب أذى شديدًا فلطف الله به بهذا، وقوله: " إنك لتحبّ القرع " الخ أما محبته للقرع فثابتة للبخاري ولكن هذا الحديث لم تخرجه الحفاظ واضافة الشجرة له للملابسة المذكورة، وقوله يغطي الخ على الأخير لأنه ليس في الورق أكبر منه وكونه على الجميع كما قيل لا يخلو من مكلف وضمير عليه في لا يقع عليه للورق، وقوله وقيل الخ مرضه لأنه لا يعرف تسميته بيقطين، ونينوى بنون مكسورة بعدها ياء ساكنة، ثم نون مضمومة ثم واو وألف اسم الموصول أو قربة بقربها وهي قرية يونس عليه الصلاة والسلام. قوله: (والمراد به ما سبق من إرساله الخ) في قوله لمن المرسلين وفي شرح الكشاف فهو عطف على قوله وانّ يونس الخ على سبيل البيان لدلالته على ابتداء الحال وانتهائه وعلى المقصود من الإرسال، وهو الإيمان واعترض! بينهما بقصتة اعتناء بها لغرابتها وقدر واذكر إذ أبق وأورد عليه أنه يأبى عن حمله على الأوّل الفاء في قوله فآمنوا، وأجيب بأنه تعقيب عرفي نحو تزوّج فولد له وأقرب منه أنها للتفصيل أو السببية، وقوله أو إرسال ثان الخ أورد أنّ المرويّ أنهم بعد مفارقته لهم رأوا العذاب، أو خافوه فآمنوا فقوله فآمنوا في النظم يأبى عن حمله عن إرسال ثان إلا أن يكون المقرون بحرف التعقيب إيمان مخصوص، أو أنه بتأويل

285

أخلصو! الإيمان وجددوه لأنّ الأوّل كان إيمان يأس، وقوله أو إلى غيرهم قيل هو متعلق بمقدّر لا معطوف على قوله إليهم لأنّ قوله ثان يأباه وفي إبانه نظر. قوله: (في مرأى الناظرا لما كانت أو للشك، وهو محال على علام الغيوب وجهه بأنه ناظر إلى الناظر منا والمقصود بيان كثرتهم، أو أنّ الزيادة ليست كثيرة كثرة مفرطة كما يقال هم ألف وزيادة، وجوّز أيضًا أن تكون أو للإبهام من غير اعتبار للناظر لنكتة أو بمعنى بل أو الواو كما قرئ به وأمّا كون المكلفين بالفعل مائة ألف والمراهقون الذين بصدد التكليف زيادة، ولذا عبر فيه بالفعل فمع أنّ المناسب له الواو وتكلف ركيك وأقرب منه أنّ الزيادة بحسب الإرسال الثاني، ويناسبه صيغة التحذد يزيدون أو تجريده

للمصدرية فإنه ضعيف. قوله: (فصدّقوه أو فجددوا الإيمان به) متعلق بالإيمان وقوله بمحضره متعلق بجددوا وهو بعدما آمنوا بغيبته بعدما رأوا أمارات العذاب كما قيل تبعا لبعض المفسرين، ويرد عليه إذا نزل العذاب أو بدا نزوله لا يصح الإيمان لأنه إيمان يأس فإمّا أن يكون ما ذكر قبل معاينة العذاب فلا إشكال، أو بعده فيجوز أن يقبل منهم لأنه علم صدقهم فيه ويقينهم لا قصد دفع العذاب وهؤلاء هم الذين أخبر الله عنهم أنهم لا ينفعهم الإيمان بعد المعاينة كما صرح به السمرقندي أو يكون هذا مخصوصا بهؤلاء لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ﴾ [سورة يونس، الآية: 98] الخ والتفسير الأوّل على الوجوه والثاني على تكرير الإرسال. قوله ة (لم يختم قصته الخ) أي بقوله ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ﴾ الخ والكبر بضم ففتح جمع كبرى، وتوله أو اكتفاء الخ قيل تخصيصهما بالاكتفاء محتاج المخصص فهذا الجواب لا يغني عما قبله فينبغي الاكتفاء بالأوّل ودفعه ظاهر لأنهما لتأخر ذكرهما قربا منه فكان الاستغناء به عن سلامهما ظاهرًا وكيف يصح الاقتصار على الأوّل، واليأس ليس من أولي العزم وأصحاب الشرائع الكبر. قوله: (معطوف على مثله في أوّل السورة) وهو قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ [سورة الصافات، الآية: 11] الخ والفاء في المعطوف عليه جزائية في جواب شرط مقدّر وهذه عاطفة تعقيبية لأنه أمر بهما من غير تراخ لكنه أورد عليه أنه فيه فصل طويل إن لم يمتنع لا ينبغي ارتكابه، وقد استقبح النحاة الفصل بجملة في نحو أكلت لحمًا وأضرب زيدا وخبزا فما بالك بجمل بل سورة، وأشار المصنف رحمه الله إلى جوابه تبعا للزمخشري بأنّ ما ذكره النحاة في عطف المفردات وأمّا الجمل فلاسنقلالها مغتفر فيها ذلك، وهذا الكلام لما تعانقت معانيه وارتبطت مبانيه، آخذًا بعضها يحجز بعض حتى كأنها كلمة واحدة لم يعد بعدها بعدا فقال لما يلائمه من القصص موصولًا يعضها ببعض الخ واتصالها بأوّل السورة كاتصال المعطوف لأنّ عظيم خلقه كما دل على الحشر دل على تنزهه عما لا يليق بجلاله كالولد والردّ على مثبتي الولد مناسب للرد على منكري البعث أتم مناسبة، والسائل والمسؤول منه والأمر فيهما متحد:

وليس يضير البعد بين جسومنا إذا كان ما بين القلوب قريبا

وأمّا ما قيل إنّ ضمير استفتهم للرسل المذكورين، وما عداه لقريش والمراد أحد إحبارهم

ممن يوثق به من أممهم أو كتبهم أي ما منهم أحد إلا نزهه تعالى عن أمثال هذا حتى يونس

عليه الصلاة والسلام في بطن حوت! هـ فلا يليق بالنظم الكريم لما فيه من التعسف إذ كيف يستفتي من لم يره فلما شعر به هذا جعل استفتاءه سؤال علماء أمّته، والنظر في صحفه فليت شعري بماذا يجيب لو قيل له ما دعاك لهذا المضيق حتى ارتكبت ما لا يليق، وعدى الاستفتاء بعن وهو يتعدى بفي لما فيه من معنى التفتيش. قوله: (جارا لما يلاتمه) من ذكر الأنبياء وتكذيبهم؟ وما حل بهم من سوء العاقبة وشآمة الإنكار ليعتبروا بهم وتفصيل ملاءمة كل جملة لما بعدها مفصل في شرح الطيبي فإن أردت فانظره، وقوله ثم أمر الخ عطف بثم والذي في النظم العطف بالفاء فلا وجه للعدول عنه كما وقع في الكشاف فكأنه لما كان بينهما فصل طويل، وهو بصدد بيانه ناسب هنا ثم، وقوله هؤلاء يعني به القائمين والتجسيم وما بعده بدل من ضلالات والتجسيم من التوالد لأنه من خواص الأجسام، وقوله تجويز البنات وقع في نسخة الفناء بدله لأنّ التوالد لبقاء النوع، وإنما يطلبه من

286

يجوز عليه. لحناء الشخص فلا وجه لما قيل إنه لا وجه له بل تلك النسخة لا تناسب ما بعدها من قوله فإن الولادة الخ فإنه تعليل للزوم التجسيم والفناء، وقوله وارفعهما لهم إذ اختاروا الذكمور ووأد البنات، وقوله ولذلك أي لزيادتهم على الشرك بضلالات، وقوله إنكاو ذلك الخ أي اتخاذ الملائكة بنات لا ما زادوا ولا ما ذكر من التجسيم والتفصيل والاستهانة كما قيل، وقوله تكاد السموات الخ تقدم تفسيره في مريم والمجعول مما ينفطر له السموات منها الولد والمراد به الإناث وان أطلق فيتضمن الأمور الثلاث ولا يشكل عليه شيء وأيضًا القائلون هم هؤلاء اللازم لهم ما ذكر. قوله: (والإنكار ههنا الخ) أي في قوله فاستفتهم وقوله الأخيرين وفي نسخة الآخرين وهما جعل أوضع الجنسين له والاستهانة بالملائكة، وقوله هذه الطائفة يعني مشركي العرب فإنهم الذين نسبوا البنات إمّا نسبة الولد فقد

شاركهم فيه اليهود والنصارى حين قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله وفي مطلق الشرك شاركوا فيه سائر المشركين، وكذا غيرهما من الضلالات كالتجسيم فقوله لاختصاص الخ أي لتميزهم وانفرادهم بذلك وقوله حيث جعل المعادل الخ متعلق بقوله مقصور، والمعادل هو المفعول الأوّل لجعل والثاني سيأتي، وقوله عن التقسيم يتعلق بالاستفهام وفي نسخة على بدل عن وهي أظهر أي جعل مبنيا عليه للاعتناء به إذ قيل أهو عن مشاهدة أو حجة وهو المفعول الثاني أو ما بعده لأنه قصد به لفظه سواء كان جعل معلوما أو مجهولًا وظاهر. أنّ أم متصلة، وقد قيل الأولى أن تكون منقطعة بمعنى بل لأن الأولى لتعيين أحد الأمرين وقد قالوا بهما، وفيه نظر وكلامه لا يخلو عن نوع من الخفاء، وقد وقع فيه لأرباب الحواشي خبط يتلول شرحه فرأينا الإعراض عنه أولى ففيما ذكرناه كفاية لمن كان على بصيرة ووالله الموفق للسداد، وسلوك طريق الرشاد. قوله: (وإنما خص علم المشاهدة الخ (لم يؤنث الضمير في قوله به مع أنه في الظاهر للمشاهدة لتأويلها بالنظر ولأنّ تأنيث المصادر غير معتبر، وقوله من لوازم ذاتهم أي ليست الأنوثة لازمة للملكية لزوما بينًا أو غير بين ذهنيا أو خارجيا حتى تعلم ويحكم بها لأنها معلومة بالضرورة أو الاستدلال ولم يذكر نفي ما يدل عليها من طريق البرهان لئلا يكون من تلقي الركبان لا اكتفاء كما قيل. قوله:) مع ما فيه (أي في ذكر المشاهدة من الاستهزاء بهم كما إذا أخبر بعض السفلة عن فعل سلطان فقلت له أكنت عنده لما فعل، وفرط الجهلى لقطعهم بما لم يروه قطع منهو بمرأى ومسمع منه والإشعار معطوف بالواو لا بأو حتى يعترض عليه بأنه لا منافاة بينهما مع أنه على تقدير صحتها لها وجه كما أشار إليه في الكشف، وقوله تعالى ولد الله قراءة العامّة على لفظ الماضي مسند الله وقرئ بالإضافة كما ذكره المصنف رحمه الله، وقو! هـ لعدم ما يقتضيه الخ متعلق بقوله إفكهم لأنه مصدر وجعله متعلقا بيقولون بعد تعلق من إفكهم به تكلف حمله عليه صدارة اللام وتأخير المصنف رحمه الله له، وقوله قيام ما ينفيه ذكره مع ما قبله مع أنّ الثاني مغن عنه مبالغة في تكذيبهم. قوله: (فيما يتدينون) أي يعتقدونه دينا مطلقا أو في هذا القول، وقوله فعل بمعنى مفعول أي مولود يستوي فيه الواحد المذكر وغيره، ولذا وقع هنا خبرًا عن الملائكة المقدّر على هذه القراءة، وقوله استفهام إنكار أي على القراءة المشهورة بهمزة مفتوحة هي حرف استفهام حذفت بعدها همزة الوصف، وقوله كسر الهمزة أي همزة الوصل إذا ابتدئ بها في إحدى الروايتين عن نافع. قوله: (على حذف حرف الاستفهام (لدلالة أم وإن كانت منقطعة غير معادلة لها لكثرة استعمالها معها فتكون من كلام الله، وقوله على الإثبات للاصطفاء لأنه خبر فيدل على إثبات مضمونه وابداله من ولد الله يحتمل أنه بدل جملة من مفرد كقوله:

إلى الله أشكو أن بالشام حاجة وأخرى ببصرى كيف يجتمعان

على ما ذكره النحاة ويحتمل أنه أبدل من جملة الملائكة ولد الله لكن اقتصر على جزئها المصرح به ليشمل القراءتين، وفي الكشاف وهذه القراءة وإن كان هذا محملها فهي ضعيفة والذي أضعها إنّ الإنكار قد اكتنف هذه الجملة من جانبيها، وذلك قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ فمن جعلها للإثبات فقد أوقعها دخيلة بين نسيبين وأيده من قال الجملة الاعتراضية المؤكدة أي أنهم لكاذبون تزيدها ضعفا لأنها مقررة

287

لنفي الولد عن أصله مؤكدة لذلك فإن وجهتها لهذه خرجت عن كونها مبينة للإفك، وصارت كأنها مجوّزة للولادة المذكورة مطرقة لصدقهم لو تالوا بها يعني أنّ تكذيبهم في كونه اختار البنات يوهم أنه لا تكذيب لو نسبوا له اختيار البنين فلا يكون جملة إنهم الخ مقررة لنفي الولد المطلق، وهو المقصود ومن لم يقف على مراده قال بعدما قال كيف تصير مجوّزة للولادة بعد قوله من إفكهم وتقديمه إذ يكون إنكار الولادة كالمفروغ عنه ولسان الحال يقول له:

سارت مشرقة وسرت مغربا شتان بين مشرق ومغرب

لكن ما ذكر كله على طرف الثمام، ولذا لم يلتفت له المصنف رحمه الله أمّا قول الزمخشريّ دخيلة بين نسيبين فعلى ما يقوله المصنف رحمه الله هي منكرة لإبدالها منه أو جعلها متعلقة الكذب، وارتباطها من جهة الإعراب أتم ارتباط فهي نسيبة بين نسيبين وأمّا ما تخيله القائل فمبني على أنه أريد بالولد المعنى العام، وليس كذلك بل المراد به البنات لأنه المقصود هنا لتصديره بقوله ألربك البنات لأنه محل القباحة والفضاحة التي نفيت ونفى الولد مطلقا مما لا شبهة فيه عقلًا ونقلًا فإنه لم يلد ولم يولد ولكن السياق هنا لغيره ولكل مقام مقال وماذا بعد الحق إلا الضلال. قوله: (ما لكم الخ) التفات لزيادة التوبيخ والأمر في قوله فأتوا للتعجيز والإضافة للتهكم. قوله: (ذكرهم باسم جنسهم الخ) هذا بناء على أن الجن والملك جنس واحد مخلوقون من عنصر واحد وهو النار كما ذهب إليه بعضهم لكن ما كان من كثيفها الدخاني فهو من الشياطين، وهم شر ذو تمرد وما كان من صافي نورها فهو ملك، وهو خير كله ويكونون سموًا بذلك لاستتارهم عن عيوننا فيكون تخصيص الجن بأحد نوعيه تخصيصًا طارئًا كتخصيص الدابة وعلى الأصل ما هنا إذ المراد الملائكة، ونقل عن ابن عباس أيضًا أنّ نوعا من الملائكة يسمى الجن ومنهم إبليس، وهذا وجه آخر يكون الاستثناء عليه متصلاَ، وقوله وضعًا أي حطا لرتبتهم وتحقيرًا لهم في هذا المقام لا في أنفسهم كما إذا سوّى أحد الملك ببعض خواصه فقال اتسوّى بيني وبين عبدي وإذا ذكر. في غير هذا المقام وقره وكناه.

فوله: (وقيل قالوا الخ) فيكون المراد بالنسب المصاهرة، روي عن أبي بكر أنّ المشركين لما قالوا الملائكة بنات الله قال لهم فمن أمهاتهم قالوا سروات الجن وعلى هذا فالجنة على ظاهره، وقوله إخوان هو كقول المانوية في يزدان وأهرمن. قوله: (إن فسرت) أي الجنة بغير الملائكة أمّا إذا فسرت بها كما مرّ فلا لأنهم لا يعذبون وهذا شامل لتفسيرها بالشياطين أو بالأعمّ منهم، ومن الملائكة والمراد بالأنس المعهود دون وهم الكفرة أو الأعتم ووجه علمهم ظاهر لأنهم يعلمون أنّ كل عاص معذب، وان كانوا أنفسهم وأنّ إسناد النسب إليه معصية. قوله: (إن فسر الضمير) في إنهم بما يعمّ المخلصين كتفسيره بالإنس مطلقًا وهذا قيد للاتصال، قيل ولو قال إن فسر الضمير بما يعمّ كالمطيعين كان أولى لأنّ من الجن مخلصين أيضا واذا استثنى من واو يصفون فالظاهر الانقطاع لأنه ضمير الكفرة وعلى الاتصال وعمومه فيه تفكيك الضمائر. قوله: (فإنكم الخ) الفاء في جواب شرط مقدر أي إذا علمتم هذا، واذا كان المخلصون ناجين وعليه متعلق بقانتين مقدم من تأخير كما سيأتي، وقوله ضمير لهم أي للكفرة، وقوله إلا من سبق إشارة إلى أنه استثناء مفرغ من مفعول قانتين المقدر أي أحدًا وقد سبق الكلام على قوله في علمه فتذكره والمخاطب الكفرة والغائب الآلهة، والضمير على هذا في عليه لله وهو استعارة من قولهم فتن امرأته أو غلامه عليه إذا أفسده وهو متعلق بفاتنين لتضمنه معنى الاستيلاء وفتن مثل كدر في استعماله بعلى في هدّا كما أفاده صاحب الكشف. قوله: (ويجوز أن يكون وما تعبدون الخ) ذكر فيه جار الله ثلاثة أوجه أن يكون ضمير عليه لله أي ما أنتم ومعبودكم بفاتنين إليه أحدا إلا أصحاب النار أي مفسدون عليه بالإغواء، وهو الذي قدّمه المصنف أو الواو في وما تعبدون بمعنى مع إمّا سادّا مسدّ الخبر نحو إنّ كل رجل وضيعته أي إنكم مع آلهتكم، وأنتم قرناؤهم لا تبرحون تعبدونها أو غير سادّ كقوله:

فإنك والكتاب إلي عليّ كدابغة وقد حلم الأديم

والضمير على الوجهين لما يعبدون ولا يرد عليه ضعف المعية إذا لم يتقدم فعل، أو ما

في معناه لأنه إنما يشترط ذلك

288

إذا نصب على أنه مفعول معه أفا إذا كانت عاطفة والمعية من معنى الجمع فلا، وهو المراد ويمنع منه أيضًا كون ما قبلها منصوب كما هنا فإنه يعين العطف وعلى الوجه الثاني الخبر محذوف، وما تعبدون ساذ مسدّه وهو الذي ذكره المصنف هنا،

وعلى الثالث الخبر ما أنتم الخ ولم يتعرّض له المصنف وكأنه رأى أنّ الحذف فيه حينئذ واجب كما هو المشهور لكن قال بعضهم إذا جاءت الواو بعد مبتدأ أو اسم إن وجب العطف كما ذكره ابن مالك وحذف الخبر في مثله غالب لا واجب، ومن قال بوجوبه شرط أن يكون مدلولًا للواو كمقترنان واذا كان الضمير لما يعبدون فقبله مضاف مقدر أي على عبادته. قوله ة الما فيه من معنى المقارنة) المستفادة من المعية المرادة من الجمعية كما مز وقوله ساذا مسدّ الخبر كقولهم كل رجل وضيعته أي مقرونان فحذف لدلالة الواو وما بعدها على المصحوبية، وكان الحذف واجبًا لقيام الواو مقام مع، واستشكل بأنّ الخبر ليس مع حتى إذا قامت الواو مقامه يكون الحذف واجبا لقيام الواو مقام مع، واستشكل بأنّ الخبر ليس مع حتى إذا قامت الواو مقامه يكون الحذف واجبا وإنما الخبر قولنا مقرونان المقدر بعد المتعاطفين وليس ثمة ما سد مسذه ولو قيل التقدير كل رجل مقرون وضيعته أي هو مقرون بضيعته وضيعته مقرونة به كما تقول زيد قائم وعمرو فحذف مقرون وأقيم المعطوف مقامه بقي البحث في حذف خبر المعطوف، وجوبا من غير سادّ مسده قال الرضى ويجوز أن يقال إنّ المعطوف مقامه بقي البحث في حذف خبر المعطوف، وجوبا من غير ساذ مسده قال الرضى ويجوز أن يقال إنّ المعطوف أجرى مجرى المعطوف عليه في وجوب حذف خبره وإلا ظهر أنّ الحذف غالب لا واجب فلا يرد عليه شيء وكلام المصنف مؤيد للإشكال إذ ليس فيه ما يدفعه كما قيل، وقوله قرناء هو الخبر المحذوف وقوله لا تزالون تعبدونها بيان لمعنى المقارنة، وقوله ما أنتم الخ إشارة إلى أنّ الضمير عليه راجع لما يتعلق بفاتنين لتضمته معنى باعثين بجعل المضمن أصلا والمضمن فيه قيدا وحالًا واليه أشار بقوله على طريق الغيبة. قوله: (وقرئ صال بالضم الخ (هي قراءة شاذة عن الحسن وخرجت على ثلاثة أوجه أن يكون تقديره صالون حذفت النون للإضافة، ثم واو الجمع لالتقاء الساكنين واتبع الخط اللفظ فلم يرسم وضمير الجمع لمن باعتبار معناها كما أن هو باعتبار لفظها كما أشار إليه المصنف. قوله: (أو تخفيف صائل على القلب) المكانيّ بتقديم اللام على العين، ثم حذفها تخفيفًا لضمة حركة إعراب ووزنه فاع فصار معربا كباب. قوله: (كشاك (إجراء إعرابه على الكاف في لغة، وقوله في شائك من قولهم شاكي السلاج للمسلح على قول فيه لأهل اللغة قال ابن السيد في شرح أدب الكاتب شاكي السلاج تامّ السلاح، وقيل حاد السلاج شبه بالشوك، ويقال شاك بكسر الكاف وضمها فمن كسر الكاف جعله منقوصا مثل قاض، وفيه قولان قيل أصله شائك فقلب كها واشتقاقه من الشوك، وقيل أصله شاكك من الشكة وهي السلاح، وقيل حاد السلاج شبه بالشوك، ويقال

شاك بكسر الكاف وضمها فمن كسر الكاف جعله منقوصًا مثل قاض!، وفيه قولان قيل أصله شائك فقلب كهار واشتقاقه من الشوك، وقيل أصله شاكك من الشكة وهي السلاج فاجتمع مثلان فأبدوا الثاني ياء للتخفيف وأعلوه إعلال قاض! ومن ضمه ففيه قولان أحدهما أن أصله شوك فانقلبت واوه ألفا، وقيل هو محذوف من شائك كما قالوا جرف هار بضمّ الراء وفيه لغة ثالثة شاك بتشديد الكاف من الشكة لا غير انتهى، ومن لم يقف على أن ما ذكره الشيخان مذهب اللغويين قال تبعًا لشرّاح الكشاف التشبيه في التخفيف بالحذف فقط لا في كون المحذوف لام الكلمة فإنه في شاك عينها لأن أصله شائك قدمت الكاف في مكان الهمزة. قوله: (أو المحذوف منه) على أنه اللام كالمنسيّ إذا جرى الإعراب على ما قبله كما في يد ودم ولم يجعله منسيًا لأنه نادر، وقوله ما باليت به بالة يقال بالاه وبالى به ومنه بلاء ومبالاة وبالة أي اعتد به قال في المجمل اشتبه عليّ اشتقاقه حتى سمعت قول ليلى الأخيلية:

تبالي رواياهم هبالة بعدما وردن وحول الماى بالجم يرتمي

فعرفت أنّ أصله المبادرة للاستقاء فأصل قولهم لا أبالي به لا أبادر إلى اقتنائه فأنبذه ولا

أعتدّ به وأصله بالية حذفت لامه نسيا منسيا فأجرى إعرابه على لامه فلما لحقته التاء انتقل إليها وكونه كعافية من عافى وهو نظير لوزنه، ولكونه مصدرا على فاعلة كما ذكروه مثالًا له. قوله: (حكاية اعتراف الملائكة الخ) على أنه من كلام الله تعالى لكنه حكى بلفظهم وأصله وما منهم، وقوله ويحتمل الخ على أن يكون من كلام الجنة بمعنى الملائكة متصلا بما قبله من فوله، ولقد علمت الجنة أي علمت الجنة أنهم معذبون وقالوا سبحان الله ونزهوه عما نسبوه له دون المخلصين، وقالوا إنكم لا تضلون إلا من هو مثلكم في الشقاوة، ونحن معترفون بالعبودية فكيف

289

تعبدوننا وعبدة جمع عابد ككتبة وفسقة، وقوله مقام معلوم في المعرفة أي مرتبة فهو مجاز ويحتمل بقاؤه على ظاهر. لأنّ محال عبادتهم متفاوتة كملائكة الأرض وكل سماء. قوله: (ثم استثنوا المخلصين) ويتعين حينئذ الاستثناء من واو يصفون ومن جوّز الاحتمال الآخر فيه فقد تعسف، وقوله تبرئة لهم منه أي مما نسبوه له أو من العذاب إن جوّز الاحتمال الآخر فيه فقد تعسف، وقوله تبرئة لهم منه أي مما نسبوه له أو من العذاب إن جوّز الوجه الآخر، وقوله فيه كان الظاهر فيها أي العبودية، وقوله للشقاوة المقدرة لا جبر فيه كما توهم

وهو ردّ على الزمخشريّ في قوله إلا من كان مثلكم ممن علم الله بكفرهم لا لتقدير. ولم يتبعه أوّلًا حيث قال قبيله إلا من سبق في علمه كما قيل لأنه لم ينو التقدير فيه، وقد قال الطيبي رحمه الله إنه تفسير بالرأي حيث فرق بين علم الله وتقديره فالمقتضى لهذه الحوادث حكم الله بالسعادة والشقاوة وشماعده النظم فتدبر. قوله: (فحذف الموصوف الخ) تبع فيه الزمخشريّ في أنّ منا خبر مقدم والمبتدأ محذوف للاكتفاء بصفته وهي جملة له مقام معلوم لجريه على القاعدة من أنه لا يحذف المنعوت بظرف أو جملة إلا إذا كان بعض ما قبله من مجرور بمن أوفى وما عداه ضرورة أو شاذ في المشهور، وقال أبو حيان ليس هذا من حذف الموصوف إقامة صفته مقامه لأن المحذوف مبتدأ فتقديره ما أحد منا وجملة له مقام الخ خبره إذ الفائدة لا تتم إلا به فلا ينعقد كلام من ما منا أحد فإن أريد أنّ إلا بمعنى غير وهي صفة لم يصح لأنه لا يجوز حذف موصوفها كما صرّحوا به، وقد تقدم هذا في سورة النساء، وأيضًا فهم منعوا التفريغ في الصفات وعلى هذا يكون واقعا فيها وما ذكره ظاهر الورود، وما قيل في دفعه بأنه ينعقد منه كلام مفيد مناسب للمقام إذ معناه ما منا أحد متصف بشيء من الصفات إلا بصفة أن يكون له مقام الخ لا يتجاوزه والمقصود بالحصر المبالغة في إثبات الوصف المذكور حتى كأنّ غيره عدم، أو هو صفة بل محذوف أي ما منا أحد إلا أحد له مقام الخ كما قاله ابن مالك: في دفع ما أورد على تفريغ الصفة من أنه لا يصح معنى إذ لا يخلو أحد من صفات متعددة، ثم إنّ أبا حيان رحمه الله قدر أحد مؤخرًا عن منا أيضا فلا يظهر لقوله منا موقع من الإعراب لا يدفعه، ولا يلاقيه حتى يدفعه فإنه عني أنّ المقصود بالإفادة هذه الجملة وهو مما لا شبهة فيه وما هو المقصود بالإفادة يقع خبرًا لأنه محط الفائدة فجعله تابعًا لموضوع القضية يقتضي أنه مفروغ عنه سيق هنا لإيضاح أو تخصيص، وأن كان به تصير الجملة كلاما متضمنًا لمعنى مفيد، وما نقله عن ابن مالك ليس بشيء لأنّ حذف البدل والمبدل منه مما لا نظير له، وأمّا استشكال الحصر فأظهر من أن يذكر لأن الحصر فيه إضافي في كل مقام يحمل على ما يليق به فهنا الحصر في صفة العبودية لا المعبودية ولا مانع من التفريغ في الصفات كما يستثنى من أعمّ الأحوال، وقع في نسخة محرّفة له وإلا فهو صرّج بأن أحد مبتدأ أو مناصفته مع أنه يجوز أن يعتبره مقدما فيكون حالًا لأن صفة النكرة إذا تقدمت تصير حالًا بناء على رأى من يجوّزه من المبتدأ، وما اعترض! عليه به هم معترفون به، ولذا جعل الزمخشريّ ومن الناس من يقول آمنا حرف الجرّ فيه مبتدأ ميلًا مع المعنى كما مرّ فلا بد مما ارتكبه أبو حيان ليفيد الكلام مع كثرة التفريع في الأخبار فهو أسلم كما قال أو يقال القصد هنا ليس إفادة مضمون الخبر بل الرد عليهم، ولذا جعل الظرف خبرًا وقدم فالمعنى ليس منا أحد يتجاوز مقام العبودية لغيرها بخلافكم أنتم فقد صدر منكم ما أخرجكم عن رتبة الطاعة فتدبر. قوله: (ولعل الأوّل الخ) يعني كونهم صافين

أنفسهم، أو أقدامهم لوقوفهم في خدمة رلث العزة كناية عن الانقياد والطاعة وتسبيحهم لله تعالى تنزيهه عما لا يليق به كناية عن المعرفة بما يليق بجلاله، والاختصاص المذكور في الواقع لأنه لا يدوم عليه غيرهم لأنّ خواص البشر لا تخلو من الاشتغال بالمعاش مع ما فيه من التعريض الكفرة فلا خفاء في مناسبتة للمقام كما توهم، وقوله والمعنى الخ فيه الاحتمالان السابقان كما ذكره بعضهم. قوله: (كتابًا من الكتب التي نزلت عليهم) أي من جنسها ومثلها في كونه من الله لا مثله لقوله فكفروا به، أو نفسه لأنّ الكفر بالقرآن كفر بغيره من الكتب السماوية، والمهيمن عليها أي الشاهد عليها المصدق لها كما ورد في الحديث وصفه بذلك وقوله وهو قوله الخ فيكون هذا تفسيرًا أو بدلًا من كلمتنا، ويجوز أن يكون مستأنفًا والوعد ما في محل آخر من

290

قوله لأغلبن أنا ورسلي. قوله: (وهو باعتبار النالب) جواب سؤال مقدر، وهو أنه قد شوهد غلبة حزب الشيطان في بعض المشاهد، وقيل المراد الغلبة بالحجة أو باعتبار العاقبة والمال وتركه لأنه خلاف الظاهر من السياق، وهو تعميم بعد تخصيص وتأكيد على تأكيد. قوله: (والمقضي بالذات) لأنّ الحق والخير هو المراد لله بالذات وغيره مقضي بالتبع لحكمة، وغرض اخر أو للاستحقاق بما صدر من العباد، ولذا قيل بيده الخير ولم يذكر الشرّ وإن كان الكل منه كما مرّ وقوله وإنما سماه كلمة الخ فهو مجاز بإطلاق الجزء على الكل أو استعارة لجعله لشذة ارتباطه ككلمة واحدة وكونها مكنية تكلف، وقد قالوا إنها حقيقة لغوية واختصاصها بالمفرد اصطلاح لأهل العربية فعليه لا يحتاج إلى التأويل. قوله: (هو الموعد لنصرك) عدل عما في الكشاف من قوله إلى مدّة يسيرة وهي مدة الكف عن القتال لما فيه من التسامح لأنّ مدّة الكف معنى لا غاية فالمراد إلى انتهاء مده الكف، وقوله وقيل يوم الفتح قيل فهي منسوخة حينثذ ولذا مرضه، وفيه نظر لأنه كان في مهادنة الحديبية فلا يلزم نسخة فتأمّل، وقوله على ما ينالهم أي من البلاء كأنه يشاهدهم فيه لقربه، وهو حال من مفعول أبصرهم. قوله: (والمراد بالأمر (أي

قوله أبصرهم لأنّ أمره بمشاهدة ذلك وهو لم يقع يدلّ على أنه لشدّة قربه كأنه حاضر قدامه، وبين يدبه مشاهد له خصوصًا إذا قيل إنّ الأمر للحال أو للفور، وقوله كائن بصيغة الفاعل خبر وقريب خبر بعد خبر وفي نسخة كان قرب بصيغة الفعل فيهما وهما بمعنى. قوله: (ما قضينا لك الا ما حل بهم لأنه غير مناسب لما قبله، وقوله والثواب في الآخرة قيل لو تركه كان أنسب لما قبله وهو إشارة لما سيذكره في تفسير قوله يبصرون الآتي، وقوله وسوف للوعيد لا للتسويف والتبعيد الذي هو حقيقتها لأنها تستعمل في الوعيد للتأكيد لا للتأخير لأنه غير مناسب لمقامه كما يقول السيد لعبد. سوف أنتقم منك، وقرب ما حل بهم مستلزم لقرب نصرته فهو قرينة على عدم إرادة التبعيد منه. قوله: (نزل العذاب بفنائهم) بكسر الفاء والمد تفسير للساحة لأنها العرصة الواسعة عند الدور، وقوله شبهه بجيش في نسخة شبه بجيش على بناء المجهول أي شبه العذاب بجيش يهجم على قوم وهم في ديارهم بغتة فيحل بها ففي الضمير استعارة مكنية والنزول تخييلية، ويجوز أن يكون استعارة تمثيلية كما هو الظاهر من الكشاف وقوله بغتة إشارة إلى أنّ إذا فجائية وقوله هجمهم عدا. بنفسه وهو متعد بعلى لتضمنه معنى فاجأهم، وفي قوله فأناخ استعارة مكنية أو تمثيلية لتشبيه الجيش النازل بجمل برك في ساحة. قوله: (وقيل الرسول) أي ضمير نزل للنبيّ ﷺ، وقوله وقرئ نزل أي مخففا مجهولًا وهو لازم فلذا جعله مسندًا للجار والمجرور، والقراءة التي بعدها بالتشديد وهو متعد فلذا جعل نائب الفاعل ضمير العذاب واذا كان الضمير للرسول ﷺ فالمراد نزوله يوم الفتح لا يوم بدر لأنه ليس بساحتهم إلى على تأويل ولا بخيبر لقوله ىتج! هـ حين دخلها: " الله كبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» 11 لأنّ تلاوته ثمة لاستشهاده بها، والخطاب هنا مع المشركين. قوله: (فبئس صباح المنذرين الخ) يعني أنّ ساء هنا من أفعال الذمّ والمخصوص بالذمّ محذوف وهو قوله صباحهم، واللام في المنذرين للجنس لا للعهد لاشتراطهم الشيوع فيما بعدها ليكون فيه التفسير بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال فلو كان ساء بمعنى قبح على أصله جاز العهد فيه من غير تقدير، وقوله المبيت بصيغة اسم الفاعل المشدد من بيت العدوّ واذا سار ليلًا ليهجم عليهم وهم في غفلتهم في الصباج، وقوله لوقت نزول العذاب متعلق بمستعار. قوله: (ولما

كثر) في نسخة كثرت وهو من غلط الناسخ، والغارة إيقاع القتل والنهب بالعدوّ كالإغارة بى أصلها السير السريع وتسميتها صباحا مجاز تجوّز بالزمان عما يقع فيه كما يقال أيام العرب! لوقائعهم قيل، وهذا استطراد لا أنه مراد في النظم إذ لا يصح كونه بيانا لاستعارته لوقت العذاب فإنه من ذكر المقيد وأرادة المطلق وهو وجه آخر ولو أراد أنه وجه آخر عطفه باو وقد يقال إنه إشارة إلى جواز الحمل عليه، ويناسبه جعل بعضهم له في الغارة على خيبر فتدبر. قوله: (تثيد إلى تثيد) أي منضمّ إلى تأكيد آخر يحتمل أن يريد أنّ قوله وأبصر فسوف يبصرون تأكيد لأبصرهم فسوف يبصرون، وقد

291