حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 8 · ص 338 - 347

لانشقاق

لانشقاق

والاستفهام للتقرير وقال الإمام: الأولى حمله على التهكم فالتقدير يقولون: هل الخ، وقوله: ما كانوا فيه مضاف مقدر أي ثواب ما الخ وما مصدرية أو موصولة، وقوله: من قرأ الخ حديث موضوع تمت السورة والحمد دلّه وحده، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه.

سورة الانشقاق

ويقال: سورة انشقت ولا خلاف في كونها مكية ولا في عدد آياتها، قيل: وترتيب هذه السور الثلاث ظاهر لأنّ في انفطرت تعريف الحفظة الكاتبين وفي المطففين مقرّ كتبهم، وفي هذه عرضها في القيامة.

بسم الله الرحمن الرحبم

قوله: (بالنمام) قد مرّ بيانه، وقوله: كقوله الخ إشارة إلى أنّ القرآن يفسر بعضه بعضا،

وهذا مأثور عن ابن عباس ولولاه لكان تركه هنا أولى لأنّ في اختيار الانفعال ما يدل على كمال القدرة والانقياد حتى كأنها غنية عن الشق، وقال الزجاج: تنشق بهول القيامة قيل: وهو لا ينافي كونه بالغمام، والمجرّة كالمضرّة في الآثار إنها باب السماء وأهل الهيئة يقولون إنها نجوم صغار مختلطة غير متميزة في الحس. قوله: (استمعت الأنه من الإذن قال:

صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بشرّ عندهم أذنوا

وهو مجاز عن الانقياد والطاعة، ولذا فسره بقوله: أي انقادت، وفي نسخة وانقادت

وهما بمعنى، وقوله: المطواع هو الشديد الطاعة لأنه صيغة مبالغة، وقوله: يذعن أي ينقاد، وأمّا الإذعان بمعنى الإدراك فليس من كلام العرب، وإن كان له وجه من المجاز، وليس في قوله: انقياد المطواع الخ إشارة إلى أنه استعارة تمثيلية كما توهم فإنها تبعية مصرّحة كما لا يخفى. قوله: (وجعلت حقيقة بالاستماع) قال المعرب الأصل حق الله عليها بذلك أي حكم عليها بتحتم الانقياد وحفيقة بمعنى جديرة وخليقة، وقوله: بسطت المراد ببسطها توسعتها من غير ارتفاع وانخفاض ولذا فسره بقوله: بان الخ، وقوله: آكامها بالمدّ جمع أكمة وهو التراب والأرض المرتفعة دون الجبال. قوله: (ما في جوفها الخ) من فسره بهذا لا يقول بأنّ إلقاء الكنوز إذا خرج الدجال ولو سلم فإنما يكون عامًا يوم القيامة وظهور بعض الكنوز قبله لا ينافيه فلا يرد عليه أنه عند خروح الدجال لا يوم القيامة، وأمّا القول بأنّ يوم القيامة وقت متسع يجوز

أن يدخل فيه، وقت خروجه فما لم يقل به أحد ممن له تمييز. قوله: (وتكلفت الخ) تفعل هنا للتكلف كتحلم وقصد به المبالغة مجازًا لأن المتكلف للشيء يبالغ فيه ليظهر، ويتوهم أنه جبليئ كما بينوه في قوله: توجد. قوله.) في الإلقاء والتخلية الم يقل والتخلي لما فيه من الإيهام القبيح فإنه اشتهر استعماله في التغؤط، ومن لم يتنبه لهذا قال الأظهر: أن يقول التخلي والمراد أن هذا وإن أسند إلى الأرض فهو بفعل الله وقدرته ولا وجه لما قيل، والامتداد أيضًا لأنه لم يسند للأرض. قوله: (للأذن) الظاهر مما قبله أن يقول بالأذن، وقوله: بنوع من القدرة لأن تشقيق الأجرام العلوية نوع وتسوية البسيطة السفلية نوع آخر. قوله:) وجوابه محذوف الخ) اختلف المعربون في إذا هذه فقيل ليست بشرطية وعاملها مقدر أي اذكر أو هي مبتدأ كما بينه السمين، وقيل: شرطية جوابها محذوف، وقيل: مذكور فقيل: هو أذنت والواو زائدة أو فملاقيه كما سيأتي، وقيل: يا أيها الإنسان على حذف الفاء أو بتقدير يقال وعلى التقدير قيل: تقديره تعبثتم، وقيل: تقديره لاقى كل إنسان كدحه وقيل: هو ما صرّح به في سورتي التكوير والانفطار، وهو قوله: علمت الخ وعلى هذا العامل الشرط أو الجزاء على الخلاف فيه، وقوله: للتهويل فتقديره كان ما كان مما لا يفي به البيان. قوله: (لاقى لإنسان كدحه) قيل: أي جزاء كدحه من خير أو شز أو لاقى كدحه بنفسه لوجوده في صحيفته، أو لشهادة أعضائه ونحوه فإن الشيء له وجود في التلفظ به والكتابة وعلى هذا ما بعده تفصيل له، ويجوز عود ضمير ملاقيه للرب لكن هذا وإن ذهب إليه بعضهم لا يلائم كلام المصنف كما ستراه عقبه. قوله: (أي جهدًا يؤثر فيه من كدحه الخ) تفسير للجواب على أنه لاقى كدحه

338

والجهد بالضم التعب فالمعنى أنه لاقى تعبًا ونصبًا مؤثرًا فيه غاية التأثير لما يرى من هول القيامة، وما يخشى من الحساب والعقاب فلا يقدر فيه مضاف ولا يصح تفسيره بما في القول السابق إلا أن يكون الجهد بفتح الجيم، ويفسر بالجد في العمل والمضبوط خلافه، وقوله: من كدحه الخ بيان لمعناه الوضعي وهو الخدش في الجلد أي تخريقه خروقا صغيرة فاستعير للجد في العمل، وللتعب بجامع التأثير في ظاهر البشرة فيهما كما أشار إليه الزمخشريّ. قوله:) أو فملاقيه (أي جواب إذا قوله: فملاقيه كما ذهب إليه الأخفش فيكون تقديره فهو ملاقيه ونحوه فيكون جملة فيصلح لأن يكون جوابًا لإذا فإنه قد يقترن بالفاء وعلى هذا الأخير فجملة: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾ الخ جملة معترضة بين الشرط والجزاء، وعلى غيره فقوله: فملاقيه معطوف على ما قبله بلا

اعتراض، وضمير إليه وجزائه للرب أو للعمل. قوله: (سهلاَ) فسر. بقوله: لا يناقث! فيه أي لا يدقق في حسابه فإنّ (من نوقش الحساب عذب) كما ورد في الحديث وهو الحساب الحقيقي، وأمّا هذا فعرض كما ورد في الحديث، وأصل المناقثة إخراح الشوك من الجسد بإبرة وهو صعب جدًّا، وقوله: أي يؤتى كتابه بشماله الخ فالمراد بهما واحد ولا منافاة بين الإيتاء من وراء الظهور، وكونهم من أهل الشمال، وفي قوله: يؤتى إشارة إلى أن أوتى بمعنى المضارع وعبر به للتحقيق، وقوله: قيل الخ وجه للتوفيق وجعل يسراه كذلك بثنيها وخلعها والعياذ بالله، ثم إنّ هذا إن كان في الكفرة وما قبله في المؤمنين المتقين فلا تعرّض هنا للعصاة كما ذصب إليه أبو حيان، وقيل: إنه لا بعد في إدخالهم في أهل اليمين إمّا لأنهم يعطون كتبهم باليمين بعد الخروج من النار أو قبلها فرقا بينهم وبين الكفرة كما قيل فإن قيل: إنهم يعطونها بالشمال فتميز الكفرة بكونه من وراء الظهور كما مرّ، وهو الظاهر فتدبر. قوله: (إلى عشيرته) التفاسير على أنّ الأهل بمعنى الأقارب كما في الأوّل أو القوم مطلقًا كما في الثاني أو الزوجة كما في الثالث ومن لم يفهمه اعترض بأنه لا وجه للترديد فيه. قوله: (يتمنى الثبور) فالدعاء بمعنى الطلب وخصه بالتمني لاستحالته في الواقع بعد تقرير الخلود، وقوله: ويقول الخ إشارة لكيفية تمنيه فإنّ نداء ما لا يعقل يراد به التمني فسقط ما قيل من أنّ الدعاء إمّا بمعنى طلب التمني أو هو طلب بالنداء فكان عليه أن يعطفه بأو فتأمّل. قوله: (وقرئ ويصلي الخ) هو بضم الياء من الأفعال، وما قبله من التفعل والتصلية الإحراق وأمّا من الصلاة فنادر غير مشهور وإن سمع ونقله أهل اللغة، وقوله: في القاموس لم يسمع خطأ وإن تبعه كثير، وقوله: في الدنيا قيد مبين للمراد بقرينة خارجية أو هو تفسير لقوله: في أهله باعتبار لازمه، وقوله: بطرًا بالمال الخ بيان لمعنى سروره في أهله على وجه يكون به ذمًا له، وقوله: فارغًا عن الآخرة هو معناه اللازمي فهو كناية عنه. قوله: (لن يرجع إلى الله تعالى الإنكاره البعث وأمّا كونه بالموت فلا وجه له والحور معناه الرجوع، وخص بما ذكر بقرينة المقام، وقوله: إيجاب لما بعد لن ومعناه يرجع فيبعث ويجازي كما دلّ عليه قوله: إنّ ربه الخ وقوله: عالمًا تفسير لقوله: بصيرًا،

وقوله: فلا يهمله الخ هو المراد منه بطريق الكناية وقد مرّ مرارا. قوله: (فلا أقسم) الفاء في جواب شرط مقدّر أي إذا عرفت هذا أو إذا تحققت الرجوع بالبعث فلا الخ، وقوله الحمرة الخ هذا هو المعروف حتى قيل: إنّ أبا حنيفة رحمه الله رجع عن كونه بمعنى البياض وقوله: سمي به هو على الوجهين، وقوله: من الشفقة وهي رقة القلب بالترحم والانعطاف، وفي الكشاف ومنه الشفقة وهما متقاربان لأنّ المراد الأخذ أو الاشتقاق الكبير وكل منهما مأخوذ من الآخر إلا أنّ المصنف لشهرة الشفقة جعلها أصلا، والزمخشريّ لأنها رقة معنوية جعلها فرعا للحسية وهو الأظهر ثم إنّ ما أقسم به مناسب للمقسم عليه لما فيه من الانتقال من حال إلى آخر. قوله تعالى: (﴿وَمَا وَسَقَ﴾) ما فيه تحتمل الموصولية والمصدرية، وقول المصنف وما جمعه على أنها موصولة عائدها مقدر، وأصل الوسق الجمع ولذا قيل وسق للحمل المعروف لاجتماعه على ظهر البعير فأريد به هنا ما ستره الليل بظلمته لأنه لاشتمال ظلامه عليه كأنه جمع فروعا منه، وقوله: فاتسق الخ يعني أنّ افتعل واستفعل بمعنى وكل منهما مطاوع فإنهما وردا كذلك في كلام العرب كما بيته الزمخشري. قوله: (مستوسقات الخ (هو عجز بيت من الرجز وهو:

339

إنّ لنا قلائصا حقائقا مستوسقات لويجدن سائقا

والشاهد فيه ورود مستوسقات بمعنى متسقات أي مجتمعات وقلائص جمع قلوص،

وهي الناقة الفتية وحقائق جمع حقاق جمع حقة، وهي الناقة الداخلة في الرابعة ولو للتمني أو بمعناها المعروف. قوله: (أو طرده الخ (معطوف على قوله ة جمعه على أنّ الوسق بمعنى الطرد وهو بمعنى المخلوقات أيضا لأنها تذهب إلى مقرّها في الليل فكأنه يطردها له، والوسيقة بمعنى المطرودة لأنها الإبل المسروقة وهي تساق وتطرد، وقوله: وتم بدرًا تفسير لقوله: اجتمع فإنه المراد به كما يقال حال متسقة بمعنى تامّة. قوله: (حالًا بعد حال) هو تفسير لحاصل المعنى المراد منه فهو شامل للوجهين في عن فإنه قيل إنها للمجاوزة وقيل: بمعنى بعد والبعدية والمجاوزة متقاربان لكنه ظاهر في الثاني، وقوله: وهو أي طبق معناه ما طابق غيره مطلقًا في الأصل، ثم إنه خص في العرف بما ذكره وهو الحال المطابقة أو بمراتب الشدة

المتعاقبة فعلى الأوّل المراد حال توافقكم بحسب أعمالكم، وعلى الثاني المراتب ما ذكر من الموت وما معه، وقوله: أو هي أي المراد هنا المدّكورات كلها ودواهي الدنيا السابقة عليها، وقوله: على أنه أي طبق جمع طبقة كتخم وتخمة أو هو اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة، وأهل اللغة يسمونه جمعا وإن فرق النحاة بينهما كما هو معروف في النحو، وقوله: أو مراتب معطوف على قوله: حا لًا وقوله: وهي راجع للمراتب، والموت مرتبة أو جعله مراتب لأنه جامع لأمور كثيرة تعد مراتب، وقوله: وأهوالها التي في مواطنها فليس تفسيرًا للمواطن كما توهم. قوله: (باعتبار اللفظ) فإنه مفرد وإن أريد به الجنس الذي هو جمع معنى فقد روعي في القراءتين جانب اللفظ، والمعنى أو الخطاب الإفرادي في هذه القراءة للنبيّ ﷺ وعليه يزاد عليها شريفة بعد أخرى من مراتب القرب أو هو تبشير بالمعراج فهو جمع طبقة، ويجوز أن يراد مراتب من الشدّة في الدنيا باعتبار ما يقاسيه من الكفرة ويعانيه في تبليغ الرسالة. قوله: (وبالكسر) أي قرئ بكسر الباء الموحدة على تأنيث الإنسان المخاطب باعتبار النفس، وقوله: على الغيبة يعني في قراءة الياء التفات من خطاب الإنسان إلى الغيبة وقوله: وعن طبق الخ أي هو إمّا صفة أي طبقًا مجاوز الطبق أو كائنا بعد طبق أو حال من الضمير في قوله: لتركبن، ولذا فسره بقوله: مجاوزًا على قراءة الإفراد ومجاوزين على قراءة الجمع ولو زاد أو مجاوزة على قراءة كسر الباء كان أتمّ لكنه أحاله إلى القياس فلا غبار عليه كما توهم، وقيل: الأوّل على الوصفية والثاني على الحالية فاقتصر على أحد الوجوه فيها وهو وجيه، وأمّا نصب طبقًا فعلى التشبيه بالظرف أو الحالية والذي في الكشاف إنه مفعول به على جعل الحال مركوبة مجازًا. قوله تعالى: (﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾) قال الإمام: هو استفهام إنكاريّ ومثله يذكر بعد ظهور الحجة وهو هنا كذلك لأنّ ما أقسم به من التغيرات العلوية والسفلية يدل على خالق عظيم القدرة فيبعد ممن له عقلى عدم الإيمان به، والانقياد له كما فصله وأطال فيه فلينظر. قوله: (لا يخضعون (فالسجود تجوّز به عن الخضوع اللازم له أو المراد به ظاهره فالمراد بما قبله قرئ القرآن المخصوص، أو وفيه آية سجدة وقوله: لما روي الخ دليل للتفسير الثاني إلا أنّ العراقي وابن حجر قالا إنّ هذا الحديث لم يثبت فقوله: واحتج به إن أراد

بالحديث كان الاحتجاج غير تام لأنّ الحديث لم يثبت ولو ثبت لم يدلّ على الوجوب، وإن أراد بما وقغ في هذه الآية أو بالآية وتذكير الضمير لأنها قرآن ففيه أيضا بحث كما قيل إلا أن الإنكار يدل في الجملة عليه، ولذا قال الشافمي رحمه الله الإنكار لطعنهم في السجود، وقول أبي هريرة ما سجدت الخ للردّ على ابن عباس فإنه ذهب إلى أنّ المفصل ليس فيه سجدة تلاوة والمفصل فيه أقوال ثلاثة فقيل: هو من القتال وقيل من الفتح، وقيل: من الحجرات قال في الكشف وهو الأصح. قوله: (بما يضمرون الخ) على التشبيه بالوعاء فهو استعارة وعلى هذا فهو في حق المنافقين ويبعده كون السورة مكية، ولذا قيل: المراد بما يضمرونه حقية الدين وإن أخفوه عنادا ولا بعد فيه كما قيل وليس في النظم ما يأباه فتدبر. قوله: (استهزاء بهم (حيث جعل العذاب مبشرًا به، وقد مز تحقيقه في البقرة وقوله: أو متصل الخ على أنّ المراد بمن آمن من أسلم من هؤلاء الكفرة فآمنوا باعتبار ما مضى أو بمعنى

340

يؤمنون والأوّل أظهر، ولذا اقتصر عليه الزمخشري وهو المناسب لما بعده وقوله: مقطوع فهو من المن بمعنى القطع أو من المنة بمعنى الإحسان والإنعام، وقوله: وعن النبيّ ﷺ حديث موضوع، وقوله: فيه أن يعطيه بتقدير الجار أي من أن يعطيه تمت السورة بحمد الله ومنه والصلاة والسلام على خير خلقه وعلى آله وصحبه أجمعين.

البروج

سورة البروج

لم يذكر خلاف في مكيتها ولا في عدد آياتها.

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (يعني البروج الاثني عشر) المعروفة فالمراد بالسماء السموات كلها أو جنسها الشامل لكل سماء لأنّ البروج فيها أو السابعة، والفلك الأعلى وهو فلك الأفلاك وهو العرش في لسان الشرع، أو سماء الدنيا لأنها تعرف منها فهو كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [سورة الملك، الآية: 5] . قوله: (شبهت بالقصور الخ) يعني أنّ أصل معنى البرج الأمر الظاهر من التبرّج، ثم صار حقيقة في العرف للقصور العالية لأنها ظاهرة للناظرين، ويقال: لما ارتفع من سور المدينة برج أيضًا وأمّا بروج السماء بالمعنى المعروف منها، وإن التحق بالحقيقة والعرف العام أيضا وعند المنجمين فهو في الأصل استعارة فإنها شبهت بالقصور لعلوّها ولأنّ النجوم نازلة فيها كسكانها ففيه استعارة مصرّحة تتبعها مكنية، وقول الطيبي إنه شبه الفلك بسور المدينة فاثبت له البروج غير مناسب لما ذكره الشيخان هنا نعم هو وجه آخر. قوله: (أو منازل القمر) أي التي سبق بيانها في سورة يس، وقوله: لظهورها لأنّ أصل معنى البرج الظاهر كما مرّ، وهو تعليل لإطلاقها على عظام الكواكب فقط لأنّ البروج غير ظاهرة حسًا، وكذا المنازل بالنسبة للعامة، وقوله: أبواب السماء الواردة في لسان الشرع والأحاديث الصحيحة وقوله: فانّ النوازل تخرج منها أي مع الملائكة فجعلت مشبهة بقصور العظماء النازلة، أو أمرهم منها أو لأنها لكونها مبدأ للظهور وصفت بالظهور مجازًا في الطرف لا في النسبة كجري النهر كما قيل لأنه بعيد متكلف كما لا يخفى. قوله: (ومن يشهد في ذلك اليوم الخ) ذكروا فيه وجوها مبناها على أنه من الشهادة على الخصم أو من الشهادة بمعنى الحضور ضد المغيب فهو على الوجه الأوّل من الحضور والشاهد الخلائق المبعوثون يوم القيامة، والمشهود أهوال ذلك اليوم وعجائبه المشاهدة فيه فيكون الله أقسم بيوم القيامة، وما فيه تعظيما لذلك اليوم وتهديدًا لمنكريه. قوله:) وتنكيرهما الخ) المراد بالوصف مطلق أحوالهما أو

الشهادة والمراد الثاني هنا فتنكيره وتنويته للتعظيم للوصف كأنه قيل ة شهادة لا يحيط بها نطاق البيان. قوله: (أو المبالغة في الكثرة) فالتنوين للتكثير، وهدّا كما مرّ بيانه في قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [سورة التكوير، الآية: 4 ا] وأخره مع تقدمه في الكشاف لأنّ عموم النكرة في الإثبات مخالف للمعروف المقرّر في العربية وقيل: لأنه لا يتأتى فيما بعده وفيه إنه لو قصد إجراؤه فيما بعده أخره فكيف يلزم بما لم يرده. قوله: (أو النبئ) أي نبينا عليه وعلى آله وصحبه أفضل صلاة وسلام لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ [سورة النساء، الآية: 41] فالمشهود عليه أمّته وهم يشهدون على سائر الأمم وفي نسخة أو أمّته وسائر الأمم وهي أحسن لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [سورة البقرة، الآية: 143] وكل نبيّ يشهد على أمّته، وهو ظاهر والشهادة في هذه الوجوه بالمعنى الأوّل، وقوله: أو عكسه فإنه على ما قبله الشاهد الله لأنه مطلع وناظر لعباده، والخلق كلهم شهود فإذا عكس فالشاهد الخلق لأنهم مقرون بوجوده بل أدلة على وحدانيته والمشهود به هو الله جل وعلا، وقوله: وهو شاهد وفي نسخة فهو شاهد. قوله: (أو يوم النحر او عرفة) فهو شاهد لمن نحر فيه أو وقف، وقوله: والحجيج هو المشهود عليه فيهما وهو جمع حاح أو اسم جمع له، وقوله: المجمع بالتشديد وصيغة اسم الفاعل وهو من يحضر الجمعة ويصليها وفي نسخة الجمع وفسر بمزدلفة وفيه أنه علم لا تدخله اللام فالله تعالى قادر على أن يحضر هذا اليوم ويجسمه ليشهد على أهله. قوله: (قيل إنه بجواب القسم الخ) فجملة قتل خبرية لا دعائية، وإن جاز ذلك أيضًا على

341

التأويل وما ذكره بناء على المشهور عند النحاة من أنّ الماضي المثبت المتصرّف الذي لم يتقدم معموله تلزمه اللام، وقد في غير الاستطالة مطلقًا من غير شذوذ فإن لم يقترن بها يقدر كقوله:

حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموافما إن من حديث ولا صالي

وقيل: إنها لا تقدر في مثله على تفصيل في شرح التسهيل لا تمس الحاجة له هنا. قوله: (والأظهر الخ) لأنّ هذه الجملة دعائية على من تقدم، ولا يناسب القسم عليها وقوله: كما لعن إشارة إلى أنّ قتل عبارة عن أشد اللعن والطرد كما مرّ، وقوله: فإن السورة الخ تعليلى لكون هذا التقدير أظهر فإنّ سبب النزول يقتضي أنّ المقسم عليه ما يتعلق بكفار قريش،

ويناسب ما ذكر فيليق تقدير هذا المذكور كما لا يخفى. قوله:) ونحوهما) الظاهر ونحوها على أنه ضمير الأرض، ووقع في النسخ بالتثنية فقيل: إنه اعتبر فيه تقديم العطف على الربط وفيه نظر والحق بالضم، والإهمال والا حقوق بضم الهمزة الشق المستطيل في الأرض جمعه أحاقيق، وقوله: كبر بكسر الباء زاد سنه وشاخ، وقوله: فقتلها أي فرماها فقتلها وجليس الملك نديمه، وقوله: فقده بالمنشار بالنون والشين المعجمة وفيه تقدير يعلم من السياق أي فكلفه الرجوع عن دينه فلم يرجع فقده الخ، وقوله: فدعا الضمير فيه للغلام أي دعا الله عليهم، وقوله: فرجف ببناء المجهول أي اهتز حتى رمى من عليه، وقوله: ليغرّق بتشديد الراء، وبناء المجهول أيضًا وانكفأت بالهمزة أي انقلبت على من فيها، وقوله: كنانتي هي جعبة السهام وهي معروفة، وقوله: فتقاعست أي تأخرت عن جانب النار لتتقيها، وقوله: فاقتحمت بالحاء المهملة أي رمت نفسها بسرعة في النار وهذا الحديث صحيح لكنه فيه زيادة وقعت في بعض طرقه، وقوله: أحل نكاح الأخوات الخ لأنه نكح اختاله فقالت له: قل ذلك لئلا يلحقها العار، وقوله: نجران هي بلاد باليمن وتنصر أي دخل في دين النصارى، وذو نواس بضتم النون وفتح الواو وفي آخره سين مهملة ملك من ملوكهم سمي به لأنّ له ذؤابتين ينوسان أي يتحرّكان

على عاتقه وحمير بزنة درهم بالحاء والراء المهملتين اسم ملك اليمن، وقوله: فأحرق في النار بعد أن دعاهم إلى دين اليهودية فمن لم يجبه أحرقه. قوله:) بدل من الآخدود بدل الاشتمال (والرابط مقدر أي فيه أوال بدل من الضمير أو لأنه معلوم اتصاله به، فلا يحتاج لرابط وكذا كل ما يظهر ارتباطه فيما قيل. قوله:) صفة لها بالعظمة (أي بشدة احتراق من فيها ووجه إفادته للمبالغة أنه لم يقل موقدة بل جعلها ذات وقود أي مالكة الوقود، وهو كناية عن زيادته زيادة مفرطة لكثرة ما يرتفع به لهبها وهو الحطب الموقد به لأنّ تعريفه استغراقي وهي إذا ملكت كل موقود به عظم حريقها ولهبها، وقوله: للجنس لا ينافيه لأن الجنس يجامع الاستغراق كما سبق، وما قيل من أنه لا يقال ذو المال إلا لمن كثر ماله غير مسلم، وقوله: ذو النون يأباه. قوله:) على حافة النار) حافة بحاء مهملة وفاء مشددة الجانب يعني أنه بتقدير مضاف إذ كونهم على النار حقيقة غير متصوّر، أو هو المراد منه بدون تقدير يقال: قعد على النار بمعنى قعد على مكان قريب منها كما قال:

وبات على النار الندى والمحلق

كما أشار إليه في الكشاف، وقوله: وهم على ما يفعلون الخ ضمميرهم لأصحاب الأخدود والموقدين له فشهادتهم إما لهم بأن يشهد بعضهم لبعض إنه لم يقصر في خدمته في الدنيا أو شهادتهم عليهم في القيامة. قوله: (وما أنكروا) قال الراغب: نقمت من الشيء ونقمته إذا أنكرته إمّا باللسان وامّا بالعقوبة، ومنه الانتقام انتهى. قوله: (استثناء على طريقة قوله: ولا عيب فيهم (وهو من قصيدة للنابغة أوّلها:

كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب

وهو نوع من البديع يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذمّ وهو معروف في كتب المعاني، وهاهنا بحيث ذكروه وهو أنّ الشاعر يعرف أنّ الفلول ليست مما يعاب بخلات الكفرة فإنهم يرون الإيمان أمرا منكرًا فالاستثناء فيه على ظاهره وليس مما ذكر في شيء فكيف جعله الزمخشري منه، وتبعه من بعده ويدفع بأنه منه على كل حال لأنّ المنكر المذكور هنا لا يخلو حاله من أن يكون مشركا أو معطلًا منكرا للصانع رأسا كما يدل عليه ما مرّ من القصص فعلى الأوّل ليس المنكر هو الإيمان بالله بل نفي ما سواه وعلى الثاني هم لا يقولون بأنه

342

موصوف بهذه الصفات يقصر إنكارهم عليه فحق التعبير حيمئذ ما أنكروا إلا نفي آلهتهم، أو ما أنكروا إلا

إثبات معبود غير معبودهم لكن لما كان مآل الإنكار إنكار المعبود بحق الموصوف بصفات الجلال والإكرام عبر بما ذكر، وعدل عما هو مقتضى الظاهر إثباتا للمنكر في ضمن ذكر نفيه فهو من ذلك القبيل لأنه تأكيد الإثبات بما يشبه النفي واليه أشار في الكشاف، وشروحه فلا وجه لما قيل في دفعه من أنّ الإيمان بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض وهو على كل شهيد شيء لا يمكن أن يكون عيبا عند أحد فلا بد لصحة الاستثناء من تنزيله منزلة العيب أي لو كان فيهم عيب كان هذا فيكون نهاية في نفي العيب هذا إذا كان المراد ما أنكروا إلا الإيمان بالله الموصوف في اعتقادهم، أمّا لو أريد الإيمان بالله الموصوف في الواقع بهذه الصفات فالاستثناء على ظاهر. من غير مرية، والفلول جمع فل بالفتح وهو الكسر في حد السيف أو مصدر كالقعود بمعنى الكسر فيه، والقراع المضاربة بآلات الحرب والكتائب بالمثناة جمع كتيبة وهي الجيش العظيم، وفي الحواشي هنا كلام لا معنى له فتركه خير من ذكره فتدبر. قوله: (غالبًا الخ) تفسير للعزيز كما أنّ منعمًا الخ تفسير للحميد إشارة إلى أنّ الحمد هنا بمعنى الشكرك فإنه غلب عليه في الاستعمال، وقوله: عزيزا غالبا يخشى عقابه وقع موزونًا من بحر الوافر لكنه لا يسمى شعر العدم القصد فيه، ومثله: كثير فلا يلتفت لما توهم من أنّ تغيير عبارة الزمخشبريّ لذلك، وقوله: وقرّر ذلك أي كونه غالبًا مخشيًا ومنعمًا مرجوًا لأنّ مالكيته لنا ولما معنا يدل على عظيم الأنعام ومن يفعل مثله يرجي أعظم رجاء:

واني لأرجو الله حتى كأنما أرى بعيون الظن ما الله صانع

ومن كانت له هذه القدرة، وهو عالم بأفعال عبيده فهو الغالب الذي يخشاه من يعزف العواقب، وقوله: للأشعار الخ متعلق بقوله: قرّر، وقوله: به تنازعه يستحق ويؤمن فهو مقرّر لما قبله ومثبت لوجوب الإيمان ولزوم الطاعة له. قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ الخ) قوله: فلهم خبر أنّ ودخلته الفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط ولا يضرّه دخول إن كما ذهب إليه الأخفش وعذاب جهنم فاعل الظرف أو مبتدأ، وقوله: بلوهم بالأذى أي اختبروا ثباتهم على الإيمان بأذيتهم لهم وهو تفسير لقوله: فتنوا وبلوا من الابتلاء وهو الاختبار، وقوله: بكفرهم إشارة إلى أنّ عذاب الكفار يضاعف بما قارنه من المعاصي كما سيأتي تقريره. قوله: (العذاب الزائد في الإحراق) الزيادة من صيغة فعيل فإنهما للمبالغة، وهو بيان للتغاير بين المتعاطفين كما هو حق العطف ولا وجه لما قيل إنهما واحدا ولو جعل من عطف الخاص على العامّ للمبالغة فيه لأنّ عذاب جهنم بالزمهرير والإحراق وغيرهما كان أقرب ويوضحه إضافة العذاب للحريق

فلا حاجة إلى القول بأنها بيانية أو الحريق مصدر. قوله: (وقيل المراد بالذين فتنوا الخ) إشارة إلى أنّ الذي اقتضاه سبب النزول أن يراد بهم كفار قريش وأذيتهم لمن أسلم في ابتداء الإسلام أو الأعمّ منهم ومن أصحاب الأخدود فإنه تذييل لما قبله، وفي جعل الحريق جزاء الفتنة دقيقة تظهر لمن له ذوق ووجهه تمريضه ظاهر مما ذكرنا. لا لأنه لم ينقل أنّ أحدًا منهم تاب كما أورده أبو حيان على الزمخشريّ في ترجيحه لهذا الوجه بمقتضى التذييل وقد عرفت توجيهه فتأمّل، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ﴾ الإشارة إلى كون ما ذكر لهم، وقوله: (إذ الدنيا) بيان لوجه وصفه بالكبير. قوله: (فإن البطش الخ) إشارة إلى ما في وصفه بالشدة من المبالغة، وقوله: يبدى الخ تفسير له بما صرّح به في غير هذه السورة أي ومن كان قادرا على الإيجاد والإعادة إذا بطش كان بطشه في غاية الشدّة، وبهذا ظهر تعليل هذه الجملة لما سبق وعلى ما بعده وهو أظهر وقيل في وجهه إنّ الإعادة للمجازاة فهي متضمنة للبطش، والأوّل أقرب وأسدوا ما جعل البدء والإعادة في الآخرة وإنه كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [سورة النساء، الآية: 56] ففي غاية البعد. قوله: (لمن تاب) خصه به إمّا لمناسبة مقام الإنذار أو لما في صيغة الغفور من المبالغة فأصل المغفرة لا يتوقف على التوبة، وزيادتها بما لا يعلمه إلا الله للتائبين فلا يتوهم أنّ هذا لا يوافق مذهب أهل السنة، وإنه غفلة منه لاتباعه للزمخشريّ في مثله. قوله: (المحب لمن أطاع) ففعول مبالغة، وهو بمعنى اسم الفاعل لا المفعول على أنّ المعنى يحبه خلص عباد. لأنه خلاف

343

الظاهر ومحبة الله ومودته بأنعامه وإكرامه إذ المحبة بالمعنى الحقيقي لا يوصف بها الله تعالى، وقد مرّ مرارا. قوله: (خالقه) تفسير لكونه صاحب العرش لأنه السرير، وهو في صفات غير الله بمعنى آخر وقوله: الملك هو بطريق الكناية أو التجوّز ولو جعل ذو العرش بمعنى الملك أيضا جاز، وقيل: إنه الأظهر، وقوله: صفة لربك فقوله: إنه هو جملة معترضة والفصل بين الصفة والموصوف بالخبر جائز لأنه غير أجنبي كما صرّح به ابن مالك، وإن خالف فيه ابن الحاجب فإنه قال: إنه شاذ. قوله: (فإنه واجب الوجود) هذا تعليل لعظمة الذات فإن واجب الوجود تستند إليه جميع الذوات وكل الموجودات، وتامّ القدرة والحكمة تعليل لعظم الصفات كلها لأنهما من أصولها لاقتضائهما إحاطة العلم وهكذا، وقوله: وجرّه الخ جزم في الكشاف على هذه القراءة بأنه صفة للعرش لأنّ الأصل عدم الفصل بين التابع والمتبوع فلا يذهب إليه من غير داع. قوله: (ومجده علوّه

وعظمته) يعني إذا وصف به العرش فمجده بهذا المعنى كما ورد في الحديث من أنّ الكرسيّ بجنب العرش كحلقة فلا فلاة وإذا وصف به الله فالمراد سعة فيضه، وكثرة جوده كما فصله الراغب. قوله: (لا يمتنع عليه مراد الخ) أي هدّا دال على العموم وانه تعالى قادر على جميع ما يريد وفاعل له فإيمان الكافر وطاعة العاصي لو أرادهما أوجدهما، وهو رد على المعتزلة في قولهم: إنه تعالى يريد إيمان الكافر وطاعة العاصي على ما عرف من مذهبهم، ولذا عدل المصنف رحمه الله تعالى عما في الكشاف إلى ما ذكر وهو مشهور. قوله: (أبدلهما من الجنود الخ (ولما لم يطابق البدل المبدل منه في الجمعية لأنه بدل كل من كل قيل: هو على حذف مضاف أي جنود فرعون، وقيل: المراد بفرعون هو وقومه واكتفى بذكره عنهم لأنهم أتباعه قيل، ويجوز أن يكون منصوبًا بإضمار أعني لأنه لما لم يطابق ما قبله وجب قطعه ولا يرد عليه أيضا إنه تفسير للجنود فيعود الإشكال لأنه لو أبدل كان المعطوف عليه عين الجنود إلا أن يدعي أنّ البدل هو المجموع، وهو خلاف الظاهر بخلاف ما لو قدر أعني فإنّ المفسر المجموع، والفرق مثل الصبح ظاهر. قوله: (قد عوفت تكذيبهم للرسل وما حاق بهم) أي ما حل بهم يعني به إنّ المراد بما ذكر تسلية النبيّ غتي! وتهديد الكفار لأنه بيان لأنّ الحال مستمرة على ما يرى في جميع الأعصار، وقوله: لا يرعوون عنه أي لا ينتهون ويكفون عما ذكر يقال: ارعوى عن كذا إذا انزجر وتركه، قال الأزهرفي في التهذيب: قال الليث: يقال ارعوى فلان من الجهل ارعواء حسنًا ورعوى، وقال أبو عبيد الرعوي: الندم على الشيء والانصراف عنه والترك له وهو نادر في هذا الباب ولا يعلم في المعتلات مثله اهـ وعدم الكف من العدول عن يكذبون إلى جعلهم في التكذيب وأنه لشذته أحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه أو البحر بالغريق فيه مع ما في تنكيره من الدلالة على تعظيمه وتهويله، ولذا قال: أشد من تكذيبهم ففيه استعارة تبعية في كلمة في، وقوله: سمعوا قصتهم أي قصة فرعون وثمود وجنودهم، وقوله: رأوا آثار هلاكهم لأنهم كانوا يمرون بديار ثمود. قوله:) ومعنى الإضراب الخ) أي هو إضراب انتقالي

للأشد كأنه قيل: ليس حال هؤلاء بأعجب من حال قومك فإنهم مع علمهم بما حل بهم لم ينزجروا، وقيل: الإضراب عن قصة فرعون وثمود إلى جميع الكفار وليس بشيء، وقوله: أعجب إشارة إلى ما في الاستفهام من معنى التعجيب هنا. قوله تعالى: (﴿وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾) فيه تعريض توبيخيّ للكفار بأنهم نبذوا الله وراء ظهورهم وأقبلوا على الهوى والشهوات بوجوه انهماكهم، وقوله: لا يفوتونه الخ إشارة إلى أنّ فيه استعارة تمثيلية وقوله: بل هو قرآن الخ إضراب عن شدة تكذيبهم، وعدم كفهم عنه إلى وصف القرآن بما ذكر للإشارة إلى أنه لا ريب فيه ولا يضره تكذيب هؤلاء. قوله: (صفة للقرآن) وكذا قوله: في لوح إلا أن فيه تقديم الصفة المركبة على المفردة وهو خلاف الأصل، وقوله: وهو الهواء يعني أنه قرئ في الشواذ لوج بضم اللام وهي قراءة ابن يعمر، وغيره وأصله في اللغة الهواء والمراد به هنا مجاز إما فوق السماء السابعة فلا يرد عليه شيء. قوله: (عن النبني ﷺ الخ) حديث موضوع، وقوله: جمعة وعرفة بالتنوين وهو منصرف هنا لتنكيره، ولذا أضيف له كل، وإن كان قبل ذلك غير منصرف (تمت) السورة بحمد الله ومنه والصلاة والسلام على من أنزلت عليه وعلى آله وصحبه.

344

الطارق

سورة الطارق

لم يذكروا خلافا في مكيتها وفي آياتها خلاف يسير لأنه قيل: إنها ستة عشر.

بسم الله الرحيم الرحيم

قوله: (والكوكب البادي الخ) المذكور في كتب اللغة أنّ الطارق من الطرق وأصل معناه الضرب بوقع وشدة يسمع لها صوت، ومته المطرقة والطريق لأنّ السابلة تطرقها، ثم صار في عرف اللغة اسمًا لسالك الطريق لتصوّر أنه يطرقها قدمه، واشتهر فيه حتى صار حقيقة وأصلًا بالنسبة لما عداه فلا يرد على قوله في الأصل الخ أنّ أصل معناه القرع والوقع دون ما ذكر وتسمية الآتي ليلًا طارقًا لأنه في الأكثر يجد الأبواب مغلقة فيطرقها، وقوله: للبادي أي للكوكب البادي. قوله: (المضيء) أصل معنى الثقب الخرق فالثاقب الخارق، ثم صار بمعنى المضيء كما في قوله:

نظم الجزع ثاقبه

وقد يخص بالنجوم والشهب، ولذا قيل في توجيه الإطلاق على ما ذكر أنه لتصوّر أنه

ثقب الظلام أو الفلك فقوله: أو الأفلاك معطوف على الظلام ضد الضوء. قوله: (والمراد الجنس) أي بالنجم الثاقب على أنّ تعريفه للجنس، أو كوكب معروف بالثقب وشدّة الإضاءة على أنّ تعريفه للعهد، وقوله: زحل بوزن عمر ممنوع من الصرف ودخول أل عليه علم للكوكب المعروف من زحل بمعنى بعد لأنه أبعد الكواكب السيارة أي أعلاها، وقال الإمام: أنّ الثاقب غلب عليه كما غلب النجم على الثريا إمّا لأنّ ضوءه يثقب سبع سموات أو هو من ثقب بمعنى ارتفع كما ذكره الفراء لأنه أرفع السيارة مكانا فثقب يكون بمعنى أضاء وارتفع، وترك ما في الكشاف من تفسيره بالشهاب الساقط على الشيطان لظهور أنه لا يختص به. قوله: (عبر عنه أوّلًا الخ) يعني كان مقتضى الظاهر أن يقال: ابتداء والنجم الثاقب لأنه أخصر وأظهر فعدل عنه تفخيما لشأنه فأقسم بما يشترك فيه هو، وغيره وهو الطارق ثم سال عنه وفسره بما ذكر للتفخيم الحاصل من الإبهام، ثم التفسير ومن الاستفهام. قوله: (أي إنّ الثأن الخ) هذا على قراءة

التخفيف وعني به أنّ إن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدّر، وكل نفس مبتدأ وعليها حافظ خيره، وما زائدة واللام هي الفارقة، وسماها المصنف فاصلة وهو مخالف للمعروف في اصطلاح النحاة إلا أنّ المعنى واحد، وقد قيل إنه لا حاجة لتقدير ضمير الشأن فإنه في غير المفتوحة ضعيف وأيضا يلزمه دخول اللام الفارقة على جزء الجملة الخبرية الثاني، والمعروف دخولها على الأوّل كما في حواشي التسهيل. قوله: (حافظ رقيب) الحافظ الكاتب أو مطلق الملائكة الحفظة أو الله إلا أنّ قول المصنف بعد. فلا يملي على حافظه إلا ما يسره يدل على أنّ المراد الأوّل، وقوله: فإنّ هي المخففة الخ هذا على أحد المذهبين المشهورين فيها وقيل: إنها نافية واللام بمعنى إلا قال أبو حيان وهي لغة لهذيل نقلها الأخفش. قوله: (على أنها) أي لما المشددة بمعنى إلا الاستثنائية وأنكره الجوهريّ، ورده غيره بأنه لغة لبعض العرب ثابتة، وقال الرضي: لا تجيء إلا بعد نفي ظاهر أو مقدر ولا يكون إلا في المفرغ فالخبر هنا محذوف والتقدير ما كل نفس كائنة في حال من الأحوال إلا في حال أن يكون عليها حافظ ورقيب، وقوله على الوجهين لأنّ القسم كما يتلقى بأن المؤكدة يتلقى بأن النافية كثيرا كما قرّر في النحو وكل على هذا مؤكدة لأنّ نفس حينئذ نكرة في سياق النفي فتعم. قوله: (لما ذكر الخ الأنه إشارة إلى تفرع هذا على ما قبله وتوجيه لاقترانه بالفاء وليست فصيحة، وقوله: إلا ما يسره ضمير المفعول للإنسان أي ما يسر الإنسان إذا رآه وقت نشر الصحف كما قيل: وأخجلني وصحائفي سود غدا وتطلعي فيها شبيه القاري

أو هو للحافظ لأنه قيل: إنه تسوءه السيئات في وقت الكتابة ويود انها لم تكن والأوّل أظهر. قوله: (جواب الاستفهام) وإن تعلق بقوله: فلينظر لأنّ المراد أنه في صورة الجواب فلا وجه لما قيل إنه على هذا غير متعلق به أو يقدر استفهام آخر قيل وفيه دليل على مذهب المتكلمين من أنّ الإنسان اسم لهذا الجسم

345

المخصوص وأنّ الإعادة له لا للروح المجرّدة، وفيه بحث. قوله: (بمعنى ذي دفق) إشارة إلى أنّ الماء مدفوق لا دافق فلذا قيل: إنّ اسم الفاعل بمعنى المفعول كما أنّ المفعول يكون بمعنى الفاعل كحجابًا مستورًا كما مرّ، وهو كلام ظاهري والصحيح أنه بمعنى النسبة كلابن وتامر أي ذي دفق وهو صادق على الفاعل والمفعول، أو هو مجاز في الإسناد فأسند إلى الماء ما لصاحبه مبالغة أو هو استعارة مكنية وتخييلية كما ذهب إليه السكاكيّ أو مصرّحة بجعله دافقا لأنه لتتابع قطراته كأنه يدفق بعضه بعضا أي يدفعه كما أشار إليه ابن عطية. قوله: (وهو) أي الدفع صبّ فيه دفع، والنطفة لا

توصف بالصب إلا بأحد الوجوه السابقة، وما نقل عن الليث من أن دفق بمعنى انصب فدافق بمعنى منصب من غير تأويل قالوا الصحيح إنه لم يثبت كما صزج به صاحب القاموس وغيره، وقد يقال: إنه بيان لحاصل معناه في الآية لأن أهل اللغة لا يفرقون بين الحقيقة والمجاز فلا وجه لنقله هنا مع التصريح بما ذكر. قوله: (والمراد الممتزج من الماء ير ني الرحم (فصارا بالامتزاج ماء واحدًا فلذا فال تعالى: من ماء ولم يقل من ماءين مع أن الإنسان لا يخلق من ماء واحد ولذا كان روح الله عيسى ﷺ توالده خارق للعادة كما ذكره الحكماء، وقوله: لقوله يخرج الخ إشارة إلى أن الترائب مخصوص بالمرأة كما قال ابن الخازن في تفسيره ترائب المرأة هي عظام الصدر والنحر وقال ابن عباس هي موضعالقلادة من الصدر وعنه أنه ما بين ثدسيى المرأة اهـ، فسقط ما أورد عليه من أن مراده اختصاص الترائب بالمرأة فيكون المراد بما ذكر أنه ماء ممتزج من ماءين لكن الاختصاص ممنوع كما يعلم من تتبع كتب اللغة وقد ذكر السمين ما يقرب من كلام ابن الخازن وعليه استعمال العرب كقوله:

ترائبها مصقولة كالسجنجل

ولولا خوف الإطالة أوردنا له نظائر ولو سلم ما ذكره دفع أيضا بأن تعريفه للعهد والى ما

ذكر أو لا يشير الزمخشري بتفسيرها بعظام الصدر حيث تكون القلادة وهو جمع تريبة، وقيل: الترائب التراقي. قوله: (ولو صح أنّ النطفة الخ (إشارة إلى ما طعن به بعض الملحدة بأن التطفة لا تخرج من بين الص! لب والترائب سواء أريد مخرجها البعيد أو القريب وفي قوله: لو صح إشارة إلى ما قاله الإمام من أنه غير صحيح فإنه مبني على تخيلات لا أصل لها فاللائق بنا أن نتبع ما نطق به الكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه وندع التقليد لمثل هؤلاء. قوله:) من فضل الهضم الرابع) إشارة إلى ما تقرّر في الطب من أن الغذاء ينضهم أوّلًا في الفم بالمضغ وثانيًا في المعدة بطبخها له بالحرارة الطبيعية الموقدة في مطبخها، ثم تجذب صفوته بعروق متصلة بها إلى الكبد فتهضمه هضما ثالثًا، ثم إلى الأعضاء جميعها فينهضم فيها هضمًا رابعًا بعده لتنمية الأعضاء وبقائها وما زاد على ذلك ينفصل عن جميع الأعضاء إلى مقر المني بعد أن أوح فيه خلاق القوى والقدر ما يستعد به للتوليد والتخلق، وقوله: ومقرها الخ شروع في بيان ما طعن به بأنّ مقرها العروق المذكورة ومبدؤها جميع الأعضاء فكيف يكون مخرجها بين الصلب والترائب. قوله: " نّ الدماغ أعظم الأعضاء الخ) هذا شروع في الجواب

بعد المنع المشار إليه بقوله: لو صح أي لا نسلم صحته، ولا يلزمنا تأويل كلام الله ليوافق خيالات هؤلاء، ولو سلم تولده من جميع الأعضاء فأعظمها في ذلك الدماغ، ولذا كان المنيّ مشابها له لونا ورطوبة، وغير ذلك ورأينا مكثر الجماع يضعف دماغه فدلنا ذلك على أنّ له دخلا قويًا في التوليد، وقوله: بالضعف الباء متعلقة بالإسراع للتعدية أي يجعل الإفراط في الجماع الضعف سريعا فيه، وقوله: وله أي للدماغ خليفة أي قائم مقامه في كل ما يكون كالمعونة المذكورة، والنخاع مثلث النون خيط أبيض في جوف عظم الرقبة ممتد إلى الصلب ويتشعب منه شعب كثيرة إلى الأضلاع وينزل إلى الترائب على ما بين في علم التشريح والصلب، والترائب أقرب إلى وعاء المني في مقره فلهما زيادة مدخل في توليدها وقرب مقرها بالنسبة إلى سائر الأعضاء، ولذلك خصا بالذكر من بينها. قوله: (وشعب كثيرة الخ) قيل عليه إن تلك الشعب أعصاب لا تجويف لها فلا تعلق لها بالدماغ، وتخصيص الترائب بالنساء غير ظاهر وقد مرّ ما فيه، ئم قيل إنّ الوجه انّ النخاع والقوى الدماغية والقلب كلها تتعاون في إبراز ذلك الفضل على ما هو عليه قابلًا للتوليد وقوله: بين الصلب والترائب عبارة مختصرة جامعة لتأثير الأعضاء الثلاثة فالترائب تشمل القلب، والكبد

346

وشمولها للقلب أظهر، والصلب النخاع ويتوسطه الدماغ ولم يحتج للتنبيه على مكان الكبد لظهوره لأنه دم نضج وأنما ينبه على ما خفي كالصلب والدماغ (قلت) ولو جعل قوله من بين الصلب والترائب كناية عن البدن كله لم يبعد، وقوله: وقرئ الخ والكل لغات في الصلب بمعنى واحد. قوله تعالى:) ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ﴾) أي إعادة الإنسان ونثره من مقدوراته تعالى لأنه ليس بأعظم من إيجاده من نطفة تمني، وقوله: والضمير أي في قوله: إنه وضمير رجعه للإنسان، وقوله: تتعزف إشارة إلى أنّ الابتلاء الاختبار، والمراد به الاستنباء عنه كناية لازمة وهو التعرّف والتميز، وتمييز سرائره لتمييز عقائده وينبني عليه تمييز أعماله كما أشار إليه المصنف. قوله:) وهو ظرف لرجعه (وفيه وجوه أخر وهي مبنية على أن ضمير رجعه للإنسان أو للماء على معنى أنه تعالى قادر على رجع الماء إلى حاله الأوّل أو إلى مقره فلذا قيل إنه متعلق بقادر أو ناصر، وقيل: عامله مقدر كاذكر أو يرجع وأمّ ما اختاره المصنف فقد أورد عليه أنه يلزم فيه الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبيّ فأجيب تارة بأنه جائز لتوسعهم في الظروف، وأخرى بأنّ الفاصل هنا غير أجنبيئ، وقيل: إن فصله كلا فصل لأنه في نية التقديم عليه وفيه ما فيه. فوله: (من منعة (بفتح الميم والنون بمعنى القوّة، وحكي اسكان النون في لغة ضعيفة وقال الطيبي: إنه بالسكون لا غير والمفتوج جمع مانع ككاتب وكتبة وليس بمراد هنا وإن جوّز على أن المراد به أمور مانعة فإنه تعسف، وقوله: يمنعه

إشارة إلى أنه لنفي المانع من نفسه ومن غير.. قوله: (ترجع) بالتاء الفوقية وبالبناء للفاعل أو المفعول فإنّ المشهور إنّ رجع يتعدى ومصدره الرجع ويلزم ومصدره الرجوع، فإن قلنا إن الرجع يكون مصدرا للازم بمعنى الرجوع أيضًا فهو ظاهر والا فنقول هو مصدر المبني للمفعول بناء على القول به أيضا فرجع المفسر به مجهول أو هو بحذف زائد الرجوع للازدواج ولا مانع أيضًا من كونه مصدر المتعدي لإوجاع الله لها لكن تجوز في نسبته للسماء وكونه مسندا لها بتقدير المفعول أي رجع الكواكب بعيد جدًا، وقوله: تحرّك عنه بحذف إحدى تاءيه وأصله تتحرك فإن كان بمعنى المطر فلا تكلف فيه، وقوله: يحمل الماء من البحار هو قول ضعيف، وقوله: وعلى هذا أي على أنه مفسر بالمطر فالسماء ما علا أو السحاب بمعناه المعروف كما مر. قوله: (ما تتصدع عنه الأرض الخ) فهو اسم للنبات أو مصدر بمعنى الشق والظاهر أنه على الأوّل مجاز، وللتوصيف بما ذكر علم أنه ليس المراد القسم على البعث بنفس السماء والأرض كما في قوله: " نتم أشد خلقًا أم السماء بناها الخ فلا وجه لما قيل إنّ المقصود أنهما في أنفسهما من شواهده فتدبر. قوله: (1 ن القرآن) هذا أولى من إرجاعه لما تقدّم من القدرة على الإحياء لأنّ القرآن يتناوله وما بعده أنسب به كما في شرح الكشاف فلا وجه لإرجاعه لحديث الحشر كما قيل، وقوله: فاصل الخ فالمصدر بمعنى الفاعل وهو أحسن من كونه بمعنى المفعول، وقوله: في إبطاله الخ عدل عن قول الزمخشري في إبطال أمر الله واطفاء نور الحق لأن هذا أتم انتظامًا وإن كان ذلك أملأ فائدة. قوله: (في استدراجي لهم الخ) فالكيد هنا استعارة تبعية أو تمثيلية بتشبيه إمهال الله لهم ليستدرجهم بالكيد وبهذا يظهر تفريع أمره بإمهالهم. قوله: (فلا تشتفل الخ) الإمهال التأني، والانتظار فقوله: لا تستعجل على أنه بمعنى تأنّ فإن زمان القتال وأمرك بإهلاكهم لم يأت فالفرق بينهما ظاهر، وقوله: إمهالًا يسيرًا تفسير لقوله: رويدا على أنه صفة مصدر مقدّر فإن في إعرابه وجوهًا منها هذا كما فصله المعرب. قوله: (والتكرير الخ) يعني كان مقتضى الظاهر إذا كرر للتأكيد اتحاد اللفظ فيهما فكرّر هنا مع

اتحاد المعنى، وغيرت البنية إذ الأوّل من التفعيل والثاني من الأفعال ولاختلاف اللفظ فيهما أعرب الثاني بدلًا، ولو قيل إنه تأكيد كان أقرب. قوله: (وتغيير البنية لريادة التسكين) المراد بالتسكين إمّا الإمهال لأنه بمعنى التأني، وهو كالتسكين في المعنى أو ما فسره في بعض الحواشي بتسكين الغضب الذي في صدر النبيّ ﷺ على الكفار بطلب التشفي منهم، ووجه دلالة التغيير في البنية على ما ذكر الإشعار بالتغاير وهو آكد من مجرد التكرار فكان كلًا منهما كلام مستقل دال على الأمر بالتأني، وهو أقوى من الدلالة بلفظ واحد فلا خفاء فيه كما قيل وأمّا القول بأن الأمر فيهما دل على الإيجاب، والأفعال دل على عدم التدريج، والتفعيل دل على

347