حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 8 · ص 348 - 359

سبح

التدريج ففيه تأسيس، والنفس إلى الجديد أرغب والى تطلب الفائدة أشوق فهو مراد القائل وليس بتوجيه آخر كما توهم فتدبر. قوله: (عن النبئ ﷺ) حديث موضوع (تمت) السورة حامدًا لله، ومصليًا ومسلما على أفضل رسله الكرام وعلى آله وصحبه العظام، على توالي الليالي والأيام.

سبح

سورة سبح

وتسمى سورة الأعلى وهي مكية عند الجمهور، وقيل: مدنية لذكر العيد والف! طر فيها،

وردّ بما في البخاري عن البراء ان أوّل من قدم علينا من الصحابة مصعب بن عمير رضي الله عنه وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء النبيّ-شي! ر فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم بهءلمجيييه حتى قرأت سبح اسم ربك في سور مثلها، وذكر العيد والفطر فيها غير مسلم ولو سلم فلا دلالة فيه على ذلك كما سيأتي تفصيله.

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (نزه اسمه عن الإلحاد قيه) أي عن العدول عما يليق بلفظه، ومعناه بأن تذكره على

وجه التعظيم فلا تذكره على وجه الاستخفاف، ولا في محل لا يليق به كالخلاء وحالة التغوّط ولا يؤوّله من غير مقتض ولا يبقيه على ظاهره أيضا إذا كان ما وضسع له غير مناسب كان يعتقد أنّ معنى العالم ذاته من غير صفة علم زائدة ثابتة له أو أن علمه حادث لأن اسم الفاعل يدل على ذلك أو يقول معنى كونه رحيما إن له قلبًا رقيقًا فكما تمتنع التأويلات الزائغة تمتنع الحقائق الغير المناسبة فالإلحاد تفسيره بمعنى ينبغي تنزيهه عنه، وجعل الزمخشري نفس المعنى إلحادًا مبالغة لا يضره كما قيل. قوله: (وإطلاقه على غيره الخ (كان يصف أحدًا بأنه خالق لفعله أو يقول لسيده: ربي على وجه التسوية، وقيل: كان يقول للوثن إنه إله وقوله: لا على وجه التعظيم ظاهر مما مر، وقوله: وقرئ الخ هي قراءة شاذة تنسب لعلي رضي الله عنه وهذا كله على أن الاسم مقحم وقد ذهب إليه كثير واستدلوا بالحديث فإنه قال: اجعلوها في ركوعكم وسجودكم والمجعول فيهما سبحان ربي الأعلى وسبحان ربي العظيم، وبذلك استدل على أنه مقحم وعلى أن الاسم هو عين المسمى كما فصل في شروح الكشاف وقوله في الحديث الخ هو حديث صحيح رواه أبو داود وغيره من أصحاب السنن، وقوله: الأعلى صفة ربك

وجوّز الزمخشري كونه صفة الاسم أيضا، وقوله: اجعلوها الخ لما كان في الركوع تذلل وتواضع لله ناسب ذكر عظمة الله فيه ولما كان في السجود تسفل ناسب وصفه تعالى بما يقابله فيه وهو إرشاد لوجه التعبد فيهما فافهمه فإنه من مقاصد الشارع الدقيقة، وقوله: وكانوا أي الصحابة قبل أمر النبيّ ﷺ بهذا يقولون في السجود والركوع ما ذكر. قوله: (خلق كل شيء الخ (العموم مستفاد من عدم ذكر المفعول كما مرّ تحقيقه وفيه ردّ على المعتزلة، وقوله: بأن جعل الخ تفسير لقوله: سوى لأن أصل معنى التسوية جعل الشيء متساويا وأريد به هنا جعل خلقه كما تقتضيه حكمته في ذاته وصفاته، ولذا قال فسوّى خلقه لأنّ متعلق التسوية هنا الخلق وليس يريدان في النظم مضافًا مقدرًا حتى يقال: المناسب لقوله خلقك فسوّاك أن لا يقدر المضاف كما توهم، وهذه الصفة مبنية وموضحة للرب لأنه من التربية وهي تبليغ الشيء كما له شيئا فشيثًا. قوله: (ما به يتأتى كماله) هو شامل للحيوان وغيره بل للذوات والمعاني، ولا يضرّ عمومه قوله بعده ومعاشه فإنه من عطف الخاص على العام كعطف جبريل على الملائكة فلا يرد عليه أنه يشعر بتخصيص مفعول خلق بالحيوان، وكيف يتأتى هذا مع قوله كل شيء قبله. قوله: (أي قدر الخ) إشارة إلى أنّ التقدير هنا بمعنى جعل الأشياء على مقادير مخصوصة فإنّ له معاني أخر، وقوله: بخلق الميول بالياء التحتية جمع ميل، وهو بمعنى التوجه نحو أمر بتوجيه الطبيعة وايجابها له، وهو شامل للحيوان وغيره، وأمّا الاختياري فمخصوص بذوي الإرادة فالميول فيما له أفعال طبيعية وما بعد. في الأفعال الاختيارية، ونصب الدلائل إشارة إلى الأدلة العقلية وما بعد. للسمعية، وقوله: ما ترعاه إشارة إلى أنّ المرعى بمعنى اسم المفعول وقد مرّ تفسيره في سورة النازعات. قوله تعالى: (﴿غُثَاء أَحْوَى﴾) أصل الغثاء كما قاله الراغب ما يأتي

به السيل من النبات

348

والمراد الياب! هنا على أنه من استعمال المقيد بمعنى المطلق، وأمّا الأحوى فصفة من الحوّة، وهو السواد فلذا جاز فيه أن يكون بمعنى أسود لأنّ النبات إذا يبس اسودّ فهو صفة مؤكدة للغثاء، وأن يراد به أنه طريّ غض شديد الخضرة لأنّ الأخضر يرى في بادى النظر كالأسود وينبني على المعنيين إمحرابه وأنه صفة غثاء أو حال من المرعى أخر للفاصلة وإليه أشار بقوله: أي أخرجه، ولما فيه من التقديم والتاخير أخرجه ومرضه المصنف. قوله: (على لسان جبريل عليه الصلاة والسلام) فالإسناد مجازي، وقوله: قارئا بإلهام القراءة الظاهر أنّ المراد به هنا أحد أقسام الوحي في القرآن كما ورد في حديث البخاريّ، وآونة كصلصلة الجرس وهو أن يلحقه شيء كالغشي، ويسمع صدى يقر في قلبه بألفاظ ملهمة له مثبتة في صحائف حفظه المشرّفة فيندفع عنه ما قيل: إنّ صيرورة الرسول قارئا بغير واسطة جبريل خلاف ما اشتهر في الدين ولم يقل به أحد، وأمّا كونه إشارة إلى ما روي عن جعفر الصادق من أنه كان يقرأ الكتابة ولا يكتب، وأنّ قوله: فلا تنسى لنفي مطلق النسيان عنه امتنانًا عليه بأنه أوتي قوّة الحفظ كما قيل فمع بعده يأباه فاء التفريع. قوله: " ية أخرى) أي كما أنّ القرآن نفسه آية أخرى، وقوله: الإخبار به ًاي بقوله: فلا تنسى لأنه أمر مستقبل مغيب عنه حين النزول، وقوله: وقيل نهي عطف بح! سب المعنى على ما قبله لأنه علم منه أنه خبر عما يستقبل ولما كان في النهي مجزوما بحذف آخر.، وقد أثبت هنا دفعه بأنّ آخره حذف للجازم والألف المذكورة للإطلاق في الفاصلة، وهو جائز ولما كان هذا خلاف الظاهر والنسيان ليس بالاختيار فلا ينهى عنه إلا أن يراد به مجازًا ترك أسبابه الاختيارية أو ترك العمل بما تضمنه، وفي ذلك ارتكاب تكلفات من غير داع لها ضعفه وأمّا كونه مخالفا لقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [سورة القيامة، الآية: 6 ا] الآيات فليس بشيء كما لا يخفى، وقد أورد عليه أنّ رسمه بالياء يقتضي أنها من البنية لا للإطلاق وكون رسم المصحف مخالفًا للقياس تكلف آخر وأمّا القول بأنّ مراده بأنّ ألفه لم تحذف للجازم فتحميل الكلام ما لا يطيقه، وأحسن منه أن يقال: رسمت ألف الإطلاق ياء لمشاكلة غيرها من الفواصل، وموافقة أصلها مع أنه قيل أيضا: إنه عند الإطلاق تردّ المحذوفة كما صرّح به الإمام المرزوقي ولو قيل: إنه خبر أريد به النهي كان أقوى وأسلم، وقوله: أصلًا في شرح المفتاح الشريفي إنه منصوب على المصدربة أي افتفاء بالكلية، وقيل: إنه تمييز محوّل

عن الفاعل أي انتفى أصله وكذا قوله: رأسًا بعده. قوله: (بأن نسخ تلاوته) فالنسيان كناية عن النسخ لأنّ ما لم ينسخ تلاوته من شأنه أن يتلى فيحفظ وغيره يترك فينسى فظهر فساد ما قيل من أنّ النسخ لا يوجب النسيان. قوله: (وقيل المراد الخ) ذكر فيه أربعة أوجه مبنية على أنّ الاستثناء حقيقي أو مجازي بأن يكون بمعنى القلة لأنّ المخرج في الاستثناء أقل من إلباقي ولأنّ ما شاء الله في العرف يستعمل للمجهول فكأنه قيل: إلا أمرًا نادرا لا يعلم فإذا دل مثله على القلة عرفًا، والقلة قد يراد بها النفي في نحو قل من يقول: كذا مجازًا أريد بالاستثناء هنا ذلك وهذا هو الوجه الثالث والرابع المبني على التجوّز في الاستثناء فان كان على حقيقته فالنسيان إمّا بمعناه المتعارف أو بمعنى نسخ الحكم والتلاوة، والحديث المذكور صحيح رواه البخاريّ، وغيره وكانت الصلاة صلاة الفجر فإن قلت: لا ينسى النبيّ ﷺ رأسًا وهذا الحديث مناف له ولا يلائمه قوله: فلا تنسى لأنه لا يكون الاستثناء من النفي نفيًا بل هو إثبات والحمل على التأكيد بعيد قلت: أجاب عنه بعض شراح الكشاف بأنه على هذا من قبيل قوله: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم

والمعنى فلا تنسى إلا نسيانا معدوما، وهو النسيان المتعلق به مشيئة الله أن يكون هذا النسيان نسيانا إلا أنه لا يقرّ على النسيان فيما كان من أصول الشرائع والواجبات، وقد يقرّ على ما ليس منها أو منها وهو من الآداب، والسنن كما ذكره الإمام هنا. قوله:) ما ظهر من أحوالكم) تفسير للجهر فليس المراد به معناه المعروف المخصوص بالأقوال بل الأعم بقرينة مقابله، وقوله: وما بطن تفسير لقوله: وما يخفى فهو على هذا تاكيد لجميع ما تقدّمه وتوطئة لما بعده، وقوله: أو جهرك الخ فما ظهر بمعناه الحقيقي، وقوله: وما دعاك إليه أي إلى الجهل تفسير لقوله: وما يخفى فهو على هذا تأكيد لقوله: سنقرئك فلا تنسى وقوله: فيعلم ما فيه الخ هو متفرع

349

على المعنى الأوّل ويجوز تفرعه عليهما معًا.

قوله: (ونعدّك) أي نجعلك مستعذًا لها ومتهيا كما في الحديث: " كل ميسر لما خلق

له "، واليسرى صفة لموصوف مقدّر كما ذكره، وقوله: في حفظ الوحي متعلق باليسرى

بمعنى المتيسرة فيه، وقوله: أو التدين معطوف على حفظ الوحي فالمراد به دينه وشريعته السمحة التي هي أسهل الشرائع وأشرفها. قوله: (ولهذه النكتة (أي لإرادة معنى التوفيق منه عذاه بنفسه، ولولاه عدى باللام كما في قوله: فسنيسره لليسرى، ولا دخل للأعداد في التعدية بنفسه كما توهم لأنه يقال: يسره لكذا بمعنى هيأه وأعده له كما في الأساس فهو متعد باللام. قوله: (وإئه يعلم اعتراضر) وقيل: إنه يجوز فيه أن يكون تعليلا لما قبله وفيه نظر، وقوله: استتب بمعنى استقام واستمر وهو إشارة إلى وجه تفرعه على ما قبله من قوله: ونيسرك الخ لأنّ المعنى حينئذ إنه تعالى، وفقك لحفظ وحيه ونشر شرائعه فذكر. قوله: العل هذه الشرطية الخ (جواب عما يرد من أنه مأمور بالتبليغ نفع أم لا فما وجه هذا التقييد بأنه لما بلغ وأعاد التبليغ بمكة وأصروا على العناد ولم يزدهم تذكيره إلا غرورًا، وعلم الله ما هو عليه من الحرص والتحسر، المؤثر فيه كما في قوله: لعلك باخع نفسك أمره بما ذكر مشروطًا تخفيفا عليه، واعذارا في أمر، بعد ذلك بالقتال. قوله:) أو لذم المذكرين الخ (هذا هو الجواب الثاني فيكون الشرط معناه غير مراد كما في الوجه السابق بل المراد ذم هؤلاء كما تقول عظ فلانا إن سبمع منك، والمقصود تسلية النبيّ ﷺ، وقوله: أو للإشعار الخ هذا هو الجواب الثالث قيل: والفرق بينه وبين الأوّل إنّ الشرط قيد لإدامة التذكير على الأوّل بخلافه على هذا فلا يلزم مجيئه بعد تكرير التذكير ويرد عليه لزوم عدم وجوب تذكيره لمن أعلمه الله بعدم إيمانه كأبي لهب مع أنه واجب لإلزام الحجة، وأمره بالإعراض إنما هو بعد التبليغ والإنذار كما صرّحوا به ثمة وفيه بحث، وقيل: المراد ذكر كل أحد بما يليق فيذكر تارك الصلاة بما يتعلق بذلك وهكذا. قوله: (وهو يتناول العارف والمتردد) أي المقر بالحشر والمتردد فيه بخلاف الجاحد المصر فإنه لا يتعظ وهو الأشقى والأقسام ثلاثة كما فصله الإمام. قوله: (الكافر فإنه أشقى من الفاسق (قيل عليه إنه أدخل المتردّد فيما قبله وهو داخل في الكافر أيضًا فلا يكون قسيما لمن

يخشى على هذا فالوجه هو الثاني فإنّ المتوغل في الكفر هو المنكر وفيه بحث. قوله: (نار جهنم) فتكون على هذا كبرى صغراها نار الدنيا كما نطق به الحديث المذكور، وهذا على أنّ المراد بالأشقى الكافر فإن أريد الأشد كفرا فالكبرى الدرك الأسفل وصغراها ما عداه من الطبقات. قوله تعالى: (﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ الخ) ثم هنا للتفاوت الرتبي إشارة إلى أنّ خلوده أفظع من دخوله النار وصليه، ويستريح بمعنى يجد راحة وهذا مخصوص بالكفرة لا بعصاة المؤمنين ففي مسلم عن أبي سعيد عن النبيّ ﷺ: " أمّا أهل النار الذي هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال: بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على انهار الجنة ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا علينا فينبتون نبات الحبة في حميل السبل " انتهى. قوله: (حياة تنفعه) دفع للتناقفى بين النفيين، وقوله: من الزكاء وهو كالنماء لفظا ومعنى، وقوله: أو تطهر الخ لم يقدمه على المعنى الثاني مع أنه متحد مع الأوّل في كون الزكاة فيهما بمعنى الطهارة لئلا يفصل بين المعنيين السابقين فإنهما بمعنى واحد فإنّ من تطهر عن الكفر والمعصية فهو متق وأيضا أخره لتقترن الصلاة بالزكاة فإنهما أخوان، ومن لم يتنبه لهذا قال: كان الأنسب تقديمه على الثاني لما ذكرناه. قوله:) أو أذى الزكاة) فهو تفعل من الزكاة كالتصدق من الصدقة يعني يحمل تزكي على إيتاء الزكاة فيصير كقوله: ﴿أَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة، الآية: 177] ولذا قيل عليه إنّ عادته تعالى في كلامه الشريف تقديم الصلاة على الزكاة، ورد بأنه لا ضير في مخالفة العادة مع أنّ الجاري تقديمها إذا ذكرت باسمها أمّا إذا ذكرت بفعل مأخوذ منه فلا كقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [سورة القيامة، الآية: 31] وإن قيل: لا نقض به لأنه محتمل، وقوله: بقلبه ولسانه فإنه تطهير عن الكفر ولا بد من الإقرار فيه، وقوله: كقوله الخ مرّ تفسيره. قوله: (ويجوز أن يراد بالذكر الخ) فدل على وجوب تكبيرة الافتتاح لأنّ الاحتياط في العبادات واجب فلا يرد عليه أنه كيف

350

يكون حجة وهو محتمل لغير ذلك، وعلى أنّ الافتتاح جائز بكل

اسم الله، وعلى أنّ تكبيرة التحريم شرط لا ركن لأنّ عطف الكل على الجزء كعطف العام على الخاص، وإن جاز فإنه لا يكون بالفاء مع أنه لو سلم صحته بتكلف فلا بدّ له من نكتة لمدعي، وقوعه في الكلام المعجز وحيث لم تظهر لم يصح ادعاؤه وبناء الركنية عليه كما ذكره الشافعية فتأمّل. قوله: (تكبيرة التحريم) أي التي تصح بها الصلاة، وفيه إشارة لضعفه لأنها عند الشافعية ركن والمصنف شافعي، وعندنا شرط ولو كانت ركنًا نافاه عطف الصلاة لأنّ مقتضاه المغايرة فيلزم عطفه على نفسه لأنه من عطف الكل على الجزء، وهو وإن كان كعطف العام لكن لا بد فيه من نكتة بلاغية وهي منعدمة كما قيل فتدبر. قوله: (وقيل: تزكى تصدّق ا! خ (هذا منقول عن عليّ كرّم الله وجهه، ورضي عنه وأورد عليه أنّ الإمام قال: إنّ السورة مكية بالإجماع ولم يكن بمغة عيد، ولا فطر ويرده إنّ ما ذكر من الإجماع غير صحيح نعم هو القول الأصح وعلى تسليمه فيجوز أن يكون إخبارًا عما سيأتي قبل وقوعه كما في غيره من المغيبات وفيه تأمّل. توله: (فلا تفعلون ما يسعدكم الخ) إشارة إلى أنّ الإضراب عن قوله: قد أفلح من تزكى، وقوله. للأشقين، إشارة إلى أنّ الأشقى في معنى الجمع لأنّ تعريفه للجنس فالخطاب لجميع الكفرة والالتفات لأنّ الخطاب بالذم أقوى في التوبيخ والتقريع 4 وإذا أضمر قل فلا التفات، وصرفوا عن رتبة الخطاب من الله تذليلا لهم لعدم تأهلهم له، وإذا كان الخطاب لجميع الناس فالمراد ما عدا الأنبياء والصديقين فهو كقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سورة الأعلى، الآية: 16] وقوله: في الجملة إشارة إلى خروج الخواص بالقرينة العقلية. قوله: (فإن نعيمها) يعني الجنة ملذ بصيغة اسم الفاعل من ألذاذا أوجد اللذة، وقوله: بالذات بخلاف نعيم الدنيا فإنه بالعرض كدفع ألم الجوع والعطش مثلًا وهو بيان لكونه خيرًا، وقوله: لا انقطاع له لقوله: أبقى، وقوله: من قد أفلح لا من أوّل السورة فانّ قوله: سنقرئك من أحوال النبيّ الخاصة به، وذكره في الصحف بعيد، ولذا قال: فإنه الخ وقوله: قال ﷺ الخ حديث موضوع تمت السورة بحمد الله وصلى الله وسلم على سيدنا محمد واكه وصحبه أجمعين.

الغاشية

سورة الغاشية

لم يذكروا خلافا في كونها مكية ولا في عدد آياتها المذكور.

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (الداهية) أصل معنى الداهية ما يفجأ الإنسان فيدهشه من المصائب، ثم عمت فقيل: داهية لكل مصيبة وتستعار للرجل الفصيح، وتفسيره بالداهية التي تغشى بيان للتأنيث وأطلاق الغاشية على يوم القيامة فلا وجه لما قيل من أنّ الأظهر ترك اليوم لأنه لو ترك لم يحتج لتوجيه التأنيث قبله إذ لو قدر موصوفه القيامة أو الساعة لم يحتج لتوجيه، وقوله: أو النار معطوف على الداهية لأنها مؤنثة غير محتاجة لتوجيه تأنيث صفتها وتوصف بأنها غاشية، ولو عطفت على يوم القيامة صح لكن الأوّل أولى. قوله تعالى: (﴿خَاشِعَةً﴾) بمعنى ذليلة ولم توصف بالذل ابتداء لما في وصفها بالخشوع من الإشارة إلى التهكم، وانها لم تخشع في وقت ينفع فيه الخشوع، وكذا جعلها عاملة تهكم أيضًا فالظاهر الاستعارة فيهما فقوله: ما تتعب فيه بيان لحاصسل المعنى المراد وضمير فيه للموصول، وفيه إشارة إلى وجه تأخير ناصبة، وقوله: في الوحل متعلق بخوض الإبل لأنها لكونها لا حافر لها يصعب عليها المشي في الوحل كما هو معروف، والوحل بفتحتين دماهمال الطين المبلول بالماء، وقد تسكن حاؤه في لغة مشهورة لكن الفتح أفصح، وقوله: في تلالها ووهادها جمع تل وهو المرتفع من الأرض والوهاد جمع وهدة وهو المنخفض، وفيه لف ونشر مرتب فالصعود في التلال والهبوط في الوهاد. قوله: (أو عملت الخ (إشارة إلى بعض الوجوه الأربعة المذكورة في الكشاف ولم يؤوّل خاشعة فظاهره أنّ الذل المذكور في الآخرة وعامله ناصبة إمّا بمعنى المستقبل فالجميع في الآخرة ويومئذ متعلق بالجميع معنى كما أشار إليه أوّلًا أو خاشعة مستقبل، وعاملة ناصبة بمعنى الماضي إشارة إلى عملهم

351

في الدنيا الذي صار هباء منثورا في الآخرة فيومئذ متعلق بخاشعة، والتقييد به لما عرفته من التهكم وهذا وإن كان خلاف الظاهر، ولذا أخره المصنف لا تعقيد فيه لظهور القرينة لأنّ العمل لا يكون في الآخرة كما لا يخفى، ولذا لم يتعرّض المصنف لكون عاملة ماضيا وناصبة مستقبل كما في الكشاف لما فيه من البعد. قوله:) تدخلها) فيه تسمح لأنّ

الدخول إنما يتعدى إلى مكانها وأصلاه بمعنى أحرقه، وقوله: للمبالغة المستفادة من تكثير البنية والتفعيل، وقوله: متناهية في الحرّ من حميت النار إذا اشتد حرّها. قوله: (بلغت إناها في الحرّ) أي غايتها فيه كقوله: حميم آن وأناها بفتح الهمزة والمد والكسر، والقصر بمعنى الغاية كما في القاموس وغير. ووزن آنية هنا فاعلة، وأمّ آنية في سورة الإنسان فجمع إناء كوعاء لفظًا ومعنى ووزنه أفعلة والأصل أأنية بهمزتين ولذا أميلت الألف هنا لم ويملها أحد هناك فاحفظه. قوله: (يبيس) فعيل من اليبس وهو معروف والشبرق بزنة الزبرج رطبة وهو نبت تأكله الإبل رطبا فإذا يبس تركته كما قيل في ذم من لا ينفع شابا ولا شيخا.

شباب لمن ذاقه شبرق وشيب يحاكي ضريع البوادي

وقوله: شجرة نارية أي هي من الأشجار التي خلقها الله في النار وما في بعض النسخ

بدل نارية بادية بالموحدة والدال المهملة من تحريف الناسخ، وفيه تفاسير أخر وهي على هذا استعارة كما أشار إليه بقوله: تشبه الضريع. قوله: (ولعله طعام هؤلاء الخ) إشارة إلى أن ما ذكر هنا بحسب الظاهر مناف لقوله: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [سورة الحاقة، الآية: 36] ونحوه مما مرّ فيوفق بينهما بأنّ لجهنم طبقات ولأهل كل طبقة طعام وامّا أنّ الغسلين وهو الصديد في القدرة الإلهية أن يجعله على هيئة الضريع فطعامهم الغسلين الذي هو الضريع فلا يليق حمل القرآن على مثله لتعسفه. قوله: (أو المراد طعامهم) بمعنى أنّ الضريع مجاز أو كناية أريد به طعام مكروه حتى للإبل وغيرها من الحيوانات التي تلتذ برعي الشوك فلا ينافي كونه زقوما أو غسلينا وتتحاماه أي تجتنبه، وتعافه بمعنى تنفر منه وتكرهه، وقوله: كما قال الخ فإنّ وصفه بما ذكر يدل على أنه لا فائدة فيه لأنّ نفع المأكول دفع ألم الجوع وتسمين البدن فإذا خلا عن ذلك علم أنه شيء مكروه منفور عنه، وفي الكشاف إنه أريد أنه لا طعام لهم أصلا لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلا عن الناس كما يقال: ليس لفلان ظل إلا الشمس أي لا ظل له فهو تعليق بالمحال، أريد به النفي على آكد وجه كقوله: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى وعليه يحمل قوله ولا طعام إلا من غسلين، وقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [سورة الدخان، الآية: 43] وبه تندفع المخالفة مطلقا وهذا وجه آخر غير ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى وكأنّ المصنف تركه لبعده عنده لا لما قيل إنه لا يتأتى في كل محل فتأمل. قوله: (لا يسمن ولا يغني من جوع (صفة ضريع أو طعام مقدر أو مستأنف لأنه لو وصف به طعام المذكور فسد المعنى لاقتضائه ثبوت ما ذكر كما قرره الفاضل اليمني في

حواشيه، وقوله: والمقصود الخ هو على الوجهين وإن كان بالثاني أنسب. قوله:) ذات بهجة (على أنه من النعومة، وكني به عن حسن المنظر أو هو من النعيم فتكون بمعنى متنعمة، وقوله: رضيت بعملها فالسعي بمعنى العمل ورضاها كناية أو مجاز عن أنه محمود العاقبة مجازي عليه أعظم الجزاء، وأنما قال: رضيت دون ترضى وإن قيل: إنه أظهر لأن مضيه بالنظر لزمان الحكم والحكم عليها بأنها متنعمة بعد مشاهدة الثواب المذكور فتدبر، وقوله: علية الخ فهو علوّ حسي أو معنوي، وقوله: يا مخاطب المراد به كل من يصلح للخطاب أو معين فعلى قراءته بالتاء الفوقية مفتوحة مع نصب لاغية هو إمّا للمخاطب، أو للغائبة المؤنثة على أن الضمير للوجوه والإسناد مجازي لأنّ السامع أصحابها، وقوله: وقرأ الخ فعلى هذا لاغية مرفوعة. قوله: (لفوا) على أنّ اللاغية مصدر بمعنى اللغو أو هو صفة كلمة وجعلها لاغية على النسب، واليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله: ذات لغوا وهو على التجوّز في الطرف أو التشبيه لأنّ الكلمة ملغو بها لا لاغية أو صفة لنفس مقدرة وجعلها مسموعة لوصفها بما تسمع كما تقول: سمعت زيدًا يقول كذا، أو تجوز في النسبة أيضا كما قيل. قوله: (يجري ماؤها لا ينقطع) عدم الانقطاع من وصف العين لأنها الماء الجاري فوصفها بالجريان

352

يدل على المبالغة كما في قوله تعالى: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾، وهذا أحسن من جعل اسم الفاعل للاستمرار بقرينة المقام وما أحسن قول بعض الصوفية العين الجارية، لمن عينه من خشية الله جارية هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وقوله: والتنكير للتعظيم أحسن من قول الزمخشري للتكثير كما في علمت نفس، وقوله: رفيعة الخ السمك الارتفاع في جهة العلو فالرفعة معنوية أو حسية، وقوله: بالفتح والضمّ أراد فتح الراء والنون أو ضمهما ويجوز كسرهما أيضا فهو مثلث ومساند جمع مسند وهو المخدة المعروفة. قوله: (بسط فاخرة (وقال الراغب: إنها في الأصل ثياب محبرة منسوبة إلى محل، ثم استعيرت للبسط وقوله: جمع زربية هي مثلثة الزاي كما صزج به أهل اللغة وتكون بمعنى المساند أيضا ومبثوثة بمعنى مفرقة، وتجوّز بها عن الفرثى فالمراد بسط مبسوطة. قوله: (نظر اعتبار (لأنه يقال: نظر إليه بمعنى تًا مّله مع أنّ قوله تعالى: كيف خلقت دالّ على أن المراد ليس مجرد الأبصار، وقوله: كيف خلقت بدل من الإبل بدل اشتمال وكيف

وحدها معمول خلقت مقدّمة لصدارتها، وقوله: دالًا على كمال قدرته الخ إشارة إلى ما تضمنتة كيف من التعجب كما مرّ في قوله: كيف تكفرون بالله، وقوله: لجز الأثقال المراد بالجرّ إيصالها، والنائية بمعنى البعيدة، وقوله: باركة بالموحدة والراء المهملة وهو في الجمال كالجلوس في الناس، وقوله: للحمل بفتح الحاء مصدر، وقوله: ناهضة أي منتصبة للقيام، وقوله: بالحمل بكسر الحاء المهملة وهو ما كان على الظهر أو الرأس والباء للتعدية أو الملابسة أو المصاحبة. قوله: (طوال الأعناق الخ) الأوقار جمع وقر، وهو الحمل الثقيل ومعنى تنوء به تقوم به، وترفعه فالباء كالتي مرّت يعني أنّ طول عنقها مع عظم رأسها هو المعين لها على القيام بعد التحميل بالحمل الثقيل فإنها كالقبان المعادل برمانته للأوزان الثقيلة فهذا من الحكم العظيمة لمن اعتير. قوله: (وتحتمل العطش إلى عشر) بكسر العين، وهو الظمء بين الوردين إذا كان ثمانية أيام وهذه الأظماء معروفة وكلها مكسورة الأوّل وهي ورد وغب وربع إلى العشر وليس لها بعده اسم إلى العشرين فيقال: عشران بالتثنية، ثم هي جوائز بعد ذلك، ويجوز فتح العين أيضًا والبراري جمع برية وهي المفازة، وقوله: منافع أخر كوبرها ولبنها وقوله: لبيان متعلق بقوله: خصت. قوله: (وقيل المراد بها السحاب الخ) هذا مما ذهب إليه بعض المفسرين ولما لم تسمع الإبل بهذا المجنى جعله الزمخشريّ استعارة ووجه الشبه ظاهر والداعي لتفسيره بما ذكر لتكون المتعاطفات متناسبة على ما يقتضيه قانون البلاغة، وقد قالوا: على ما فصله الإمام أنّ وجه التناسب فيها أنّ المخاطبين هم العرب، وهم أهل أسفار على الإبل في البراري فربما انفردوا فيها، والمنفرد يتفكر لعدم رفيق يحادثه، وشاغل يشغله فيفكر فيما يقع عليه طرفه فإذا نظر لما معه رأى الإبل وإذا نظر لما فوقه رأى السماء، وإذا نظر يمينًا وشمالًا رأى الجبال وإذا نظر لأسفل رأى الأرض فأمر بالنظر في خلوته لما يتعلق به النظر من هذه الأمور فبينها مناسبة بهذا الاعتباو وكل المخلوقات دالة على الصانع مأمور بالنظر فيها لكن فيها ما يشتهي كالوجوه الحسان، وما يرغب فيه وبميل له الطبع كالذهب والفضة وغيرهما فلو أمر بالنظر فيها، أو فيما يشملها لشغلته الشهوة والميل الطبيعي عن الانتقال منها إلى المراد فأمر بالنظر فيما ذكر لكونه حاضرًا معهم، ولا يشتغل به ناظره عما أراد وجميع ما ذكر من المخلوقات العظيمة المحتاجة للصانع الدالة عليه دلالة ظاهرة.

وفي كل شيء له آية تدلّ على أنه الواحد

ولذا عقب هذا بأمره بالتذكير، وقال فذكر الخ. قوله: (فهي راسخة لا تميل) كما نشاهده ونطقت به الآثار، وذهب إليه أكثر الحكماء وهل هي على الماء أو الهواء ذهب إلى كل منهما طائفة، وقيل: إنها متحركة دائما على الاستدارة وقيل إلى أسفل كما ذكره أبو علي عن بعض الحكماء والحس ياباه، وقوله: بسطت إمّا على نفي كريتها كما عليه أهل الشرع، أو هو بحسب ما نراه لعظمها وقوله وحذف الراجع أي العائد والتقدير خلقتها وهكذا، وأنما احتاج إليه لأنه بدل اشتمال كما مرّ ولا بد معه من الضمير العائد إلى المبدل منه كما صرّح به النحاة وقوله، والمعنى الخ إشارة إلى وجه ارتباط قوله: أفلا ينظرون إلى قوله: سطحت بما قبله

353

من ذكر المعاد والحاصل أنهم أمروا بالنظر فيما ذكر ليستدلوا به على ذلك، وقوله: ولذلك أي لكون المعنى ما ذكر عقبه بذكر المعاد والأمر بالتذكر، وقرن بالفاء لأنه مترتب عليه أو هي فصيحة. قوله: (فلا عليك) أي ليس عليك بأس وضرر، وقوله: إن لم ينظروا بكسر الهمزة على أنها إن الشرطية وبفتحها على أنها مصدرية قبلها حرف جر مقدر وهو إشارة إلى وجه تفريعه على ما قبله، وقوله: إذ ما عليك الخ تفسير لقوله: إنما أنت مذكر، وقوله: وعن هشام عن ابن عامر، وروي عن قنبل وابن ذكوان أيضا كما في النشر وهكذا هو في النسخ وفي بعضها بدل قوله عن هشام عن الكسائيّ، واعترض عليه بأنه لم يظفر به في الكتب المشهورة وقوله: بالسين على الأصل فمانّ الصاد مبدلة منها فإنه من السطر بمعنى التسلط يقال سطر عليه إذا تسلط، وقوله: بالإشمام أي إشمام الصاد زايا باشمام الصاد سينا كما توهم فإنه لم يذكر في كتب الأداء وقد تقدم تفصيله. قوله: (لكن من تولى وكفر) يعني أنّ الاستثناء منقطع والا بمعنى لكن وبعده جملة فإن من مبتدأ متضمن لمعنى الشرط، وقوله: فيعذبه الخ خبره ومن المنقطع ما يقع بعد إلا فيه جملة، وفي الكشاف الاستثناء منقطع أي لست بمستول عليهم لكن من تولى وكفر منهم فإنّ لله الولاية عليه والقهر فيعذبه في نار جهنم فقيل: إنه لم يجعله متصلا لأنه لو كان كذلك كان مستوليًا عليهم، وقد ذكر أنّ الولاية لله لا لغيره بقوله: فيعذبه الخ ومن شرطية، والأصح أنها موصولة هنا لا شرطية لمكان الفاء والشرطية فيها تكلف ولا إشكال في الانقطاع كما قيل فتدبر. قوله: (يعني عذاب الآخرة) فانه أكبر، وعذاب الدنيا بالنسبة له أصغر كما مرّ،

وقوله: وقيل متصل مستثنى من ضمير عليهم متبع له فهو في محل جر، وقوله: فإنّ الخ توجيه له لأنه يدل على الاستيلاء والتسلط لكونه من النفي، وقوله: وكأنه أوعدهم الخ جواب سؤال مقدّر بأنه كيف يسلط عليهم والسورة مكية، ولم يؤمر بالقتال فيها فأجاب بأنه وعد للنبيّ لمجر ووعيد للكفار بما سيكون، وقوله: وعذاب النار في الآخرة إشارة إلى أن الاسنيلاء بغيره وهدّا زيادة عليه، وقوله: فذكر إلا من تولى الخ فيكون لمن تكرر تذكيره وفيه ما مرّ في قوله: إن نفعت الذكرى فتذكره، وقوله: ألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام على التنبيه ووجه التأييد أنه استثناء منقطع عما قبله فيؤيد الانقطاع معنى لأنّ الأصل توافق القرا آت. قوله: (رجوعهم) فهو بمعنى إليه المصير كما مر مرارًا. قوله: (وقرئ بالتشديد) أي إيابهم بياء مشذدة بعد همزة مكسورة، وهي قراءة شيبة وأبي جعفر قال الطبليوسي في كتاب المثلثات هذه القراءة تحتمل تأويلين أحدهما أن يكون فعالًا وأصله أوّاب فلم يعتذ بالواو الأولى حاجزًا لضعفها بالسكون فأبدل من الواو الثانية ياء لانكسار الهمزة فصار في التقدير أو يا بأتم قلبت الأولى ياء أيضًا لاجتماع ياء وواو وسكون إحداهما ولأنّ الواو الأولى إذا لم تمنع من انقلاب الثانية فهي أجدر بالانقلاب، والثاني أن يكون فيعالًا وأصله إيوابًا فأعل إعلال سيد وفعله على هذا أيب، وأصله أيوب كما ذكرنا والوجه الأوّل أقيس لأنهم قالوا في مصدره التأويب والتفعيل مصدر فعل لا فيعل، ومع ذلك فقد قالوا: هو سريع الأوبة والأيبة فكأنهم آثروا الياء لخفتها انتهى فقول المصنف رحمه الله تعالى مصدر فيعل هو الوجه الثاني، وقد عرفت تحقيقه، وقوله: أو فعال هو الوجه الأوّل فيكون مثل كذب كذابًا، وقوله: قلبت الخ قيل عليه إنه مخالف لما قرّر في الصرف من أنّ الواو الموضوعة على الإدغام لا تقلب الأولى ياء، وإن انكسر ما قبلها ومثلوا له بهذا فكأنّ ابن السيد عدل عنه ليكون أتم، ثم إن ما ذكروه على تسليمه لا ينافي ورود خلافه شذوذا. قوله: (قلبها في ديوان الخ) قيل عليه أنّ التشبيه ليس بجيد لأنه لم ينطق بدوّان، ولولا جمعه على دواوين لم يعلم أصله وقد نصوا على شذوذ ديوان فلا يقاس عليه غيره ورد بأنّ عدم النطق بدوّ أن لا يلزم منه ردّه، وقد صرّحوا بأصل ديوان وقيراط بدليل الجمع فيهما وديوان لم يذكر للقياس عليه بل للتنظير به، واعترض عليه بأنّ المراد أنه لا حاجة إلى ارتكاب مخالفة القياس إذا كان عنه مندوحة لجواز كون أصله فيعالًا أو فعوالًا ولا يلزم من تنصيص النحاة على أنّ أصله دوّان النطق به فإنّ أصل قال: قول ولم ينطق به، وقد عرفت ردّ. مما ذكرناه عن ابن السيد فتذكره. قوله: (وتقديم الخبر) وهو علينا للتخصيص به تعالى فالمبالغة

من جعله لازما عليه دون

354

غيره مع ما في ضمير العظمة من التهويل كأنه قيل ليس حسابهم إلى6 على ملك مقتدر منتقم، والحديث المذكور موضوع كنظائره (تمت (السورة بحمد الله ومه والصلاة والسلام على خير الأنام وآله وصحبه الكرام.

الفجر

سورة الفجر

هي مكية عند الجمهور وقيل إنها مدنية وفي عدد آياتها قول آخر أنها اثنتان وعشرون.

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (أو فلقه) بفتحتين أي ضوئه الممتدّ كالعمود وأصل معنى الفجر والفلق الشق، وجوّز فيه بعضهم سكون اللام كالشق لفظًا ومعنى والأوّل أولى، وقوله: كقوله الخ هو مؤيد للتفسيرين أمّ الأوّل فلأنه أقسم بالصبح، وأمّا الثاني فلأنه مقيد بالتنفس، وهو الإضاءة كما مرّ والنظر للقيد، وأمّا إطلاقه على الصلاة فمجاز شهور أو هو على تقدير مضاف. قوله: (أو النحر) معطوف على عرفة، وقوله: وتنكيرها أي ليال وعشر على الوجهين للتعظيم المستفاد من الإيهام أو هو للتبعيض لأنها بعض ليالي السنة أو الشهر تعظيمها لفضيلة، وثواب ليس لغيرها ولولا قصد هذا كان الظاهر تعريفها كأخواتها لأنها ليال معهودة معينة. قوله: (وقرئ وليال عشر بال! ! افة) في إعراب السمين هي قراءة ابن عباص، وبعضهم قال: ليال في هذه القراءة بدون ياء وبعضهم قال: إنه بالياء وهو القياس والمراد ليالي أيام عشر وكان من حقه على هذا أن يقال عشرة لأنّ المعدود مذكر، ويجاب عنه بأنه إذا حذف المعدود جاز الوجهان ومنه وأتبعه بست من شوّال في الحديث وسمع الكسائيّ ضمنا من الشهر خمسًا انتهى، والمرجح ل! وقوعه في الفاصلة. قوله: (على أنّ المراد الخ) مراده ما مرّ وقد عرفت ما له وعليه، وقوله: شفعها ووترها بالجر بدل من الأشياء فالمراد به جميع الموجودات من الذوات والمعاني لأنها لا تخلوا من شفع ووتر، وقوله: أو الخلق بالجرّ عطف على الأشياء فالشفع وحده بمعنى جميع الخلق للازدواج فيه كما في الآية المذكورة والوتر هو الله تعالى لأنه من أسمائه، وهو بمعنى الواحد الأحد فأقسم الله بذاته وخلقه فقوله: والخالق معطوف على الخلق، وعلى هذا كان

الظاهر تقديم الوتر فأخر للفاصلة. قوله: (ومن فسرهما الخ) فعلى الأوّل من هذه التفاسير الشفع العناصر لأنها أربعة والوتر الأفلاك لأنها سبعة أو تسعة، وعلى الثاني الشفع البروج لأنها اثنا عشر والوتر السيارات السبع وعلى الثالث ظاهر وعلى الرابع الشفع يوم النحر لأنه العاشر، والوتر يوم عرفة لأنه التاسع والشفع في الأوّل المزدوج بمجموعه وعلى الأخير الآخر الذي حصل به الازدواج وهو مستعمل بالمعنيين. قولط: (وقد روي مرفوعًا) إلى النبيّ ﷺ أراد ترجيح الوجه الأخير لأنه رواه أحمد وغيره عن جابر عن النبيّ ﷺ قال: " العشر عشر الأضحى، والشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة " وهو حديث صحيح وفي شرح الطيبي روى الإمام أحمد والترمذي عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ، سئل عن الشفع والوتر فقال: " الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر " وهو التفسير الذي لا محيد عته، انتهى فلو صرف قوله وقد روي إلى الأخيرين صح لكن مراده الأوّل وقوله: أو بغيرها كالأعضاء والقلب والشفتين واللسان إلى غير ذلك مما في التفاسير. قوله: (فلعله الخ) خبر قوله: من فسرهما يعني أنّ المراد جميع الأشياء والمفسر بهذا نص على نوع منه لنكتة فقوله دلالة الخ ناظر إلى الأوّلين، وقوله: أو مدخلا معطوف على دلالة وهو ناظر لتفسيره بالصلاة، وقوله: أو مناسبة معطوف على قوله: دلالة، وهو ناظر لتفسيره باليومين المناسب لليال وضمير قبلهما مثنى للشفع والوتر، وقوله: أكثر منفعة ناظر للعناصر والعلويات وهو أوّل الوجوه فاللف مشوس، وما قيل من أنه ناظر لقوله: بغيرها لا وجه له لأنه لم يبين- ختى تذكر منفعته، ويرد على المصنف رحمه الله تعالى أنّ ما مرّ في الحديث يأباه كما لا يخفى فانه تفسير مأثور على القطع بالتعيين لا على التمثيل فكان عليه أن لا يدرجه في ذلك إلا أنه يبقى الكلام في التوفيق بين الحديثين فتأمّل. قوله: (وقرأ الخ) قال السمين قرأه الأخوان

355

بالكسر وهي لغة تميم والباقون بالفتح، وهي لغة قريش ولا وجه للتخصيص بالعدد كما توهم فإنّ الأصمعيّ نقله في غيره أيضًا وروي عن أبي عمرو فتح الواو وكسر التاء، وهو إمّا لغة أو نقل حركة الراء في الوفف لما قبلها

وقوله: كالحبر بكسر الحاء المهملة، وفتحها وسكون الموحدة بمعنى العالم واحد الأحبار. قوله: " ذا يمضي الخ) الظاهر أنه مجاز مرسل أو استعارة ووجه الشبه ظاهر، وقوله: لما في التعاقب بين الليل والنهار بمجيء أحدهما عقب الآخر كما في قوله: خلفه فإنّ ذهاب أحدهما ومجيء الآخر دال على القدرة الإلهية ووفور النعمة كثرتها لما في الليل من الراحة التي هي من أعظم النعم، وما في النهار من المكاسب وغيرها ولو دام أحدهما لم تتمّ النعمة وفي قوله: قوة إشارة إلى أنّ في التعاقب زيادة وقوّة وأصل النعم حاصل بدونه، وكذا الدلالة على القدرة. قوله: (او يسري فيه) على أنه تجوز في الإسناد بإسناد ما للشيء للزمان كما يسند للمكان والمقام في المثال صالح لهما، وفي تفسير البغوي سئل الأخفش عن علة سقوط يائه فقال الليل: لا يسري ولكن يسري فيه يعني أنه لما عدل عن الظاهر في المعنى وغير عما كان حقه معنى غير لفظه لأنّ الشيء يجر جنسه لألفه به كما أنه في قوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [سورة مريم، الآية: 28] لما عدل عن باغية أسقطت منه التاء ولم يقل بغية ومثله من بدائع اللغة العربية فافهمه. قوله: (وحذف الياء الخ) وكان الأصل إثباتها لأنها لام مضارع غير مجزوم لكنها حذفت للتخفيف، ولتتوافق رؤوس الآي ولذا رسمت كذلك في المصاحف ولا ينبغي أن يقال إنها حذفت لسقوطها في خط المصحف المجيد فإنه يقتضي أنّ القراءة باتباع الرسم دون رواية سابقة عليه وهو غير صحيح، والقراء مختلفون فمنهم من حذف وصلا ووفقًا ومنهم من خصه بأحدهما كما فصل في كتب الأداء، وما نقل عن أبي عمرو قال أبو حيان إنه رواية عنه. قوله: (وقرئ يسر بالتنوين الخ) هي قراءة أبي الدنيا الأعرابيّ ونوّن الفجر والوتر أيضًا وهو تنوين الترنم الحقه بالفواصل تشبيها لها بالقوافي المطلقة وهذا التنوين يدخل الفعل والحرف، والمعرف بأل المطلقة بمعنى المحركة والساكنة تسمى بعيدة كما ذكره العروضيون والتنوين الذي يلحقها يسمى غاليًا. قوله: (يعتبره) أي يتأمل فيما أقسم الله به، وقوله: ويؤكد به أي بالقسم ما أقسم عليه فإنّ من له لب يدري أنّ المقسم به فيه دلائل على الوحدانية والربوبية وأتى بالاستفهام ليؤكد به ذلك كما يقولط المتكلم بعد ذكر الدليل هل دل هذا على ما قلناه، وقوله: يعتبره للقسم، وقوله: يؤكد به بصيغة المجهول للمقسم عليه وعطفه بالواو واشارة إلى أنّ الما! واحد وقوله: يحجر أن يمنع وقوله: كما سمي عقلا لمنعه صاحبه كما يمنع العقال ولذا قيل:

قد عقلنا والعقل أيّ وثاق وصبرنا والصبر مرّ المذاق

ونهية بضمّ النون وسكون الهاء بمعنى العقل أيضا لأنه ينهي صاحبه عما لا يليق ويسمى

أيضا حصاة لما ذكره المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (والمقسم عليه محذوف الخ) اختلف في الجواب فقيل إنه مذكور وهو إنّ ربك لبالمرصاد، وعن مقاتل إنه هل في ذلك الخ وهل بمعنى إن وهو باطل رواية ودراية، وقيل: إنه مقدر وتقدير. ليعذبن وارتضاه المصنف رحمه الله تعالى والدليل عليه قوله: ألم تر الخ وقيل: الدليل خاتمة السورة قبله، وقوله: كما سمي بنوها شم الخ فإنه يطلق اسم الأب على نسله مجازًا شائعا حتى ألحق بالحقيقة. قوله: (على تقدير مضاف الخ (قدره لتصح البدلية فيه، والسبط ولد الولد لا ولد البنت كما توهم فلزم كون ارم اسم أمهم لا جدهم فإنه وهم، وقوله: إن صح الخ إشارة إلى عدم صحته فإنه كذب مشهور وأثر موضوع، وفي صفات تلك المدينة أمور غريبة في الكشاف طرف منها، وقوله: باسم جدهم مجازًا أو حقيقة فلا يحتاج للتقدير فيه، وقد اعترض على الشيخين بأنّ كلامهما هنا مخالف لما مرّ في تفسير قوله: ﴿أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [سورة هود، الآية: 60] في سورة هود لدلالته على أنّ ارم ليسوا قوم هود وعاد الثانية فبين الكلامين مخالفة ظاهرة إلا أن يحمل على تعدد القولين، ونحوه كما أشاو إليه في القاموس. قوله: (ومنع صرفه الخ) التأنيث باعتبار القبيلة، وهذا على الوجوه الثلاثة، وقوله: البناء الرفيع أي العالي أو المراد طول القامات على التشبيه بالأسطوانات وقوله: أو الرفعة بعلوّ المقدار فهو استعارة، وقوله: الثبات هو طول العمر أو الوقار فهو

356

استعارة أيضًا، وقوله: وقيل الخ مرضه لأنه لم تصح به الرواية كما ذكره ابن حجر وما ذكر عن ابن قلابة موضوع وقيل: تمريضه لمخالفته لظاهر قوله، وأمّا عاد فأهلكوا بريح صرصر ولا يخفى أن الريح لا تنافي الصيحة كما مز، وقوله: وملك المعمورة أي الدنيا

كلها ودانت أي انقادت، وطاعت وقوله: فلما تم أي البناء. قوله: (والضمير الخ) توجيه لتأنيثه والمعنى لم يخلق مثلهم شدة وطول قد ود وأعمار أو لم يخلق مثل هذه المدينة سعة وحسن بيوت وبساتين، وقوله: بالواد الباء ظرفية والجار والمجرور متعلق بجابوا أو هو حال من الفاعل أو المفعول، وقرئ بالياء وبإسقاطها كما في يسر ووادي القرى معروف. قوله: (ومضاربهم) معطوف على جنوده وهو جمع مضرب بمعنى الخيمة لا جمع مضروبة كما توهم، وقوله: يضربونها المراد يضربون أوتادها وقوله: لتعذيبه بالأوتاد المراد أنه كان يدق للمعذب أربعة أوتاد ويشده بها مبطوحًا على الأرضى، ثم يعذبه بما يريده من ضرب وإحراق وغيره، وقوله: منصوب أو مرفوع بتقدير أعني الذين أوهم الذين وعلى الأوّل هو مجرور ورجح الثاني الزمخشريّ. قوله: (ما خلط لهم) فالمعنى على هذا أنزل عليهم أنواعًا من العذاب، وهو مصدر ساطه أي خلطه كما في قول كعب:

لكنها خلة قد سيط من دمها فجمع وولع وأخلاف وتبديل

أريد به المفعول هنا قيل، وبه سميت الآلة المعروفة لما ذكره المصنف أو لأنها تخلط اللحم بالدم، وقوله: المضفور بالضاد المعجمة بمعنى المفتول، والطاقات جمع طاقة بمعنى طاقة وهو معروف. قوله: (وقيل شبه بالسوط الخ (هو ما ذهب إليه الزمخشري، وهو على أنّ السوط الآلة المعروفة فاستعيرت لعذاب أدون من غيره، وكني به عن ذلك وامّا استعارة الصب للعذاب فشائعة كالإذاقة يقال: صب عليه السوط وقنعه به، وغشاه وهو تمثيل وتصوير لحلوله أو لتتابعه عليه وتكرّر.، وقيل: هو من قبيل لخين الماء والإضافة بمعنى من أو اللام والصب مستعار للإنزال أي أنزل عليهم عذابًا قليلا هينا بالنسبة لما بعده والصب مشعر بالكثرة، والكثرة والقلة من الأمور النسبية أو هو من الاستعارة المصرحة والمستعار له نوع من العذاب المذكور فتدبر. قوله:) المكان الذي يترقب فيه (أي ينتظر، وقوله: الرصد جمع راصد أي يقومون به لمن يترصدونه، وقد تقدم أن مفعالًا اسم مكان أو صيغة مبالغة كمطعام ومطعان، وقد جوّز هنا كما مرّ في سورة عم فالباء تجريدية كما قيل فلا يمنع عما ذكره لكنه يلزمه إطلاق المرصاد على

الله وفيه شيء والميقات موضع الإحرام ووقته بمعنى عينه وارصاده وضمنه معنى الإرادة فعداه هنا. قوله: (وهو تمثيل لإرصاده الخ) يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ استعارة تمثيلية شبه كونه تعالى حافظًا لأعمال العباد مترقبًا لها ومجازيا على نقيرها وقطميرها بحيث لا ينجو منه أحد بحال من قعد على الطريق مترصدا لمن يسلكها ليأخذه فيوقع به، ما يريد ثم أطلق لفظ أحدهما على الآخر. قوله: (كأنه قيل الخ) هو بيان لاتصال قوله: فأما الإنسان الخ بما قبله ولو وجه اقترانه بالفاء بأنه مؤذن بتنافي ما بعدها لما قبلها على التعكيس فانه تعالى إذا كان مترصدًا لهم مجازيًا على القليل والكمير تفرع عليه طاعة العباد والجد في العبادة فهم يعكسون ذلك وينظرون للدنيا فإن نالوا منها شيئًا رضوا وإلا سخطوا، وقوله: من الآخرة من للتعليل 0 قوله: (فلا يريد إلا السعي) تبع فيه الزمخشري في قوله: لا يريد من الإنسان إلا الطاعة وقد شنع عليه في الانتصاف لابتناء كلامه على الاعتزال، وأنّ المعاصي ليست لإرادته إلا أنه لا وجه له كما في الكشف لأنه إذا كانت الإرادة بمعنى الطلب، والأمر لم يكن محل النزاع إنما النزاع إذا كانت الإرادة بالمعنى المتعارف وهي غير مرادة هنا. قوله: (اختبره بالغنى واليسر) مرّ تحقيقه في سورة الملك وأنّ المراد عامله معاملة المختبر له، وقوله: بالجاه والمال كل منهما راجع لكل منهما وليس لفًا ونشرا وإن احتمله الكلام لأنهما في حكم شيء واحد ولذا اقتصر على قوله: كرمني، ولم يقل ونعمني. قوله: (وهو خبر المبتدأ الخ) هذا هو أحد الوجهين فيه، وهو الصحيح والظرف منصوب بالخبر في نية التاخير ولا تمنع الفاء من ذلك كما صرح به الزمخشريّ، وغيره من متقدمي النحاة وتبعهم من بعدهم من غير نكير كأبي حيان والسمين والسفاقسي مع جم غفير من المفسرين، وهو الحق الذي لا محيد عنه، وقد خالفهم في ذلك

357

الرضي، ومن تبعه كالدماميني في شرح المغني فقالوا: إنه إنما يجوز تقديم ما بعد الفاء عليها إذا كان المقدم هو الفاصل بين أما والفاء لما يتعلق بتقديمه، من الأغراض فإن كان ثمة فاصل آخر امتنع تقديم غيره فيمتنع أما زيد طعامك فآكل وإن جارّ أما طعامك فزيد آكل ولما ظنه محشي الطول متفقا عليه أورده على ما ذكر. المفسرون هنا، وقال: إنه خطأ والصواب أن يجعل الظرف متعلقًا بمقدر والتقدير فأمّا شأن الإنسان الخ فالظرف من تتمة الخبر المفصول به، وليس فاصلًا ثانيًا كقولك: إمّا إحسان زيد إلى الفقمير فحسن لأنهم لما التزموا حذف الشرط لزم

دخول أداته على فاء الجواب، وهو مستكره فدعت الضرورة للفصل بينهما بشيء مما بعد الفاء والفاصل الواحد كاف فيه فيجب الاقتصار عليه، ولم يشعر هؤلاء بأن ما ذكر غير متفق عليه نعم هو كما قيل: مخصوص بالظرف لتوسعهم فيه، وأما التوجيه الذي توهمه فهو على تقديره لا يصح وقوع جملة يقول: خبرا عنه إلا بتعسف كتأويله بالمصدر بتقدير أن أو جعله كقوله: تسمع بالمعيدي فقد فر من السحاب إلى الميزاب، وذهب أبو البقاء إلى أن إذا شرطية وقوله: فيقول جوابها والجملة الشرطية خبر الإنمعاق ويلزمه حذف اففاء بدون القول، وقد قيل إنه ضرورة. قوله: (ليوازن قسيمه) متعلق بالتقدير فلما ذكر الإنسان محكوما عليه علم أنّ المقصود من التفصيل هو هذا لا الظرف فوجب تقديره هو، أو ضميره هنا ليصح التفصيل ويتم التوازن فإنه إذا قدم في الأوّل اسم أو ظرف يقدم في عديله مثله نحو إما الإنسان فكفور، وأما الملك فشكور، وأما إذا أنعم على المؤمن فهو شاكر وأما إذا حرم فهو صابر. قوله: (لقصور نظره) على أمر الدنيا العاجل وسوء فكره لظنه الإكرام بسعة الرزق لا غيره: " ولو ساوت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقي شقيًا منها شربة ماء " وقوله: فان الخ لأنه بقلة رزقه إذا صبر حصل له الثواب الجزيل في الآخرة واستراح من الكد وأمن من العدو وسلم من المكاره والإرزاء وأما اعتقاد الكبراء والتماس الدعاء فليس بكرإمة كما يتوهم وقوله: على قوليه، وهما أكرمني وأهانني وانهما ليسا بصواب، وقوله: ولذلك الإشارة إلى قصور النظر وسوء الفكر في الأمرين معا. قوله: (مع أن قوله الأوّل الخ) جواب سؤال مقدر وهو أنه كيف يذمه على قوله الأوّل وهو أكرمني مع أنه صادق مطابق لقول الله أكرمه، ولذا جعله الزمخشري مصروفا للثاني فقط لأف كجف يردعه عنه مع ما ذكر، والحاصل أنه ذكر الإكرام على وجه مغاير لما ذكره الله لأنه تعالى ذكر إكرامه له ليشكر، ويحسن كما أحسن الله إليه فذكره هو على وجه الافتخار والترفع به وحبه له المانع له عن بذله فهي كلمة حق أريد بها باطل، ولذا ذم على قوليه. قوله: (ولم يقل فأهانه وقدر عليه الخ) معطوف على قوله: ذمه لأنّ التقتير ليس بإهانة كما توهم لأنّ التوسعة تفضل واحسان من الله، وهي بحسب الذات مكرمة وترتب الذم جمليها بالعرض وترك الإحسان لا يكون إهانة لأنه قد يترك من غير قصد للإهانة فهو معلل بما قبله، ولذا قال: ولأنّ

التوسعة ب! لعطف وترك العطف في بعضها لا يأباه كما توهم. قوله: (وقرأ ابن عامر الخ) إثبات الياء على الأصل وحذفها للاكتفاء بالكسرة وتفصيل القراآت فيها في النشر وشروح الشاطبية، وقوله: بالتشديد أي بتشديد الدال، والتقدير والتقتير بمعنى التضييق في الرزق. قوله: (بل فعلهم أسوأ من قولهم (السابق والإضراب من القبيح إلى الأقبح للترقي في ذمهم، وقوله: تهالكهم المراد به شدة بخلهم وشحهم ولذا قال: بالمال دون على المال كما هو مقتضى الظاهر أو هو متعلق بمقدر أي تهالكهم في الشح بالمال، واطلاق الفعل على الترك لأنه كف للنفس فيتضمن الفعل أو للتغليب كما عممه لفعل الجوارح والقلب، والمبرة بالفتح الإحسان. قوله: (ولا يحثون) تفسير لقوله ص: يحضون، وقوله: أهلهم هو مفعوله المقدّر ولو قدر عاما أي أحدا أو نزل منزلة اللازم للتعميم كان وجها وقوله: فضلًا الخ لأنهم إذا لم يأمروا من هو معهم ممتثل لأمرهم فكيف يأمرون غيرهم، وقوله: تحاضون أصله تتحاضون فحذفت إحدى التاءين أي يحض بعضهم بعضا، وكون المراد بقوله: فضلا عن غيرهم عن المساكين لتوهم أن المرء قد لا يحض أهله لإنفاقهم من ماله ويحض غيرهم توهم باطل وقوله: أصله وراث فأبدلت الواو تاء كما في تخمة، ونحوه وهو كثير وقوله: ذا لنم أي بتقدير المضاف ولو لم يقدر للمبالغة جاز كرجل عدل. قوله: (فإنهم كانوا لا يورثون الخ) وكان توريثهم من شريعة إسماعيل، أو مما هو

358

معلوم لهم وثابت عندهم فلا يقال: السورة مكية وآية المواريث مدنية ولا تعلم الحرمة، والحل إلا من الشرع والحسن والقبيح العقليين ليسا مذهبا لنا أو المراد ذم الوارث بإسرافه واتلافه ما ورثه من غير تعب كما في الكشاف قيل، وأنما تركه المصنف لأنه غير مناسب للسياق، وهو قريب مما ذكر وقوله: بالياء وهو مسند للإنسان لأنه بمعنى الناس، والتاء التفات أو بتقدير قل لهم يا محمد ذلك. قوله: (دكا بعد دك) فليس الثاني تأكيدا بل التكرير للدلالة على الاستيعاب كقرأت النحو بابا بابا وجاء القوم رجلًا رجلًا والدك قريب من

الدق لفظًا ومعنى كرك ورق، وقوله: عن ذلك الإشارة لما ذكر من ترك إكرام اليتيم وما بعده. قوله: (مثل ذلك) بصيغة المجهول من التمثيل والإشارة لظهور آثار القدرة والقهر يعني أنه تعالى لا يوصف بالنزول والمجيء، ونحوه مما يوصف به الأجسام فهذا استعارة تمثيلية لما ذكر، وقوله: بحسب منازلهم أو بحسب خدماتهم وهو قريب مما ذكر وقوله: برّزت الجحيم فمجيئها متجوّز به عن إظهارها كما صرح به في آية أخرى وقوله: وفي الحديث الخ إشارة إلى تفسير آخر المجيء فيه على ظاهره، وقوله: يجرّونها جملة حالية أو مستأنفة. قوله: (أي يتذكر معاصيه) فهو من الذكر ضد النسيان، وقوله: أو يتعظ فهو من التذكير والموعظة وقوله: منفعة الذكرى أي هو بتقدير مضاف فيه أو المراد نفعها من اللام أو المراد تنزيلها منزلة العدم أو هو حكاية ما كان عليه في الدنيا من عدم الاعتبار والاتعاظ والتناقض إذا كانا بمعنى واحد وهو الظاهر من السياق. قوله: (واستدل به على عدم الخ) أي استدلّ به على أنّ التوبة من حيث هي توبة غير واجبة القبول عقلًا كما زعم المعتزلة بناء على وجوب الأصلح عندهم إذ لو وجب قبولها لوجب قبول هذا التذكر فإنه توبة إذ التوبة كما بين في الكلام هي الندم على المعصية من حيث هي معصية، والعزم على أن لا يعود لها إذا قدر عليها ولم يعتبر أحد في تعريفها كونها في الدنيا، وإن كانت النافعة منها لا تكون إلا في الدنيا وهذا التذكير هو عين الندم المذكور ولم يقبل لعدم ترتب المنفعة عليه التي هي من لوازم القبول، وفيه بحث ظاهر وعليه منع ظاهر الورود فتدبر. قوله: (أي لحياتي هذه) فاللام للتعليل ومفعول قدمت محذوف وهو الأعمال الصالحة فتمنى أن يكون عمل ما ينفعه اليوم والمراد بحياته حياته في الآخرة وقوله: وقت حياتي على أنّ اللام بمعنى وقت كما في نحو لخمس مضين ونحوه والمراد الحياة التي في الدنيا فقوله: أعمالًا صالحة على الوجهين وقيل: المعنى قدمت لأجل أن تحيا حياة نافعة لأنها لا تموت ولا تحيا حينثذ. قوله: (وليس في هذا التمني الخ) ردّ لما في الكشاف بناء على مذهبه من أن هذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم معلقًا بقصدهم، وارادتهم وانهم لم يكونوا محجورين عن الطاعات مجبرين على المعاصي كمذهب أهل الأهواء والا فما معنى

التحسر لأن كونهم متحسرين لا ينافي كونهم محجورين فإنّ المحجور قد يتمنى ويتحسر على ما حجر عنه إذا كان قادرا عليه في الجملة سواء كان بالتأثير أو بالكسب الذي ذهب إليه أهل الحق وهو مقارنة قدرة العبد دمأرادته للفعل من غير أن يكون هناك له تأثيرا ومدخل في وجوده. قوله: (فإنّ المحجور الخ) هذا سند للمنع إلا أنه قيل: إنه يجامع المقدّمة الممنوعة وفي الكث! ف التمني يقع على المستحيل مع أنه حينئذ كالغريق وأهل الحق لا يقولون بسلب الاختيار بالكلية. قوله: (إن كان ممكنًا منه) إن مفتوحة مصدرية وممكنا اسم مفعول من التمكين أي أقدره الله عليه وكون أن شرطية وممكنا اسم فاعل من الإمكان قيل إنه تصحيف يردّه أن التمني لا يتوقف على الإمكان فان نوقش بأن بين قوله: المحجور وهذا القول فرّقا فإنه يقول: يا ليتني قدرت على أن أقدم لحياتي، ولا يقول: يا ليتني قدمت دفع بأنه أوّل المسألة فلبحرر. قوله: (إذ الآمر كله له) ولما كان هذا يستلزم أنه لا عذاب لأحد غيره أضافه للتعظيم والتهويل فاندفع ما قيل: إنّ هذا التعليل يقتضي إطلاق العذاب دون تقييده بالإضافة وبين ظاهرهما تناف ظاهر فتدبر. قوله: (أو للإنسان) أي الضمير المضاف إليه راجع للإنسان، والمصدر مضاف للمفعول واحد مراد به من يلي العذاب من الربانية، وقوله: على بناء المفعول والمعنى أنه لا يعذب أحد من جنسه كالعصاة فلا يلزم أنهم أشد عذابا من إبليس ومن في طبقته، وأما كون المعنى لا يتحمل أحد ما يستحقه كقوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

359