حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 2 · ص 2 - 21

سورة البقرة (1 من 18)

اتصفوا بمقابلاتها لشقوا، ولم يمكن إجراء ذلك في حق الكفار

لأنهم متصفون بتلك الصفات حقيقة بلا فرض. وتقدير وكذا الحال في صفات الكفرة وان كان له وجه أيضًا. قوله: (أقبل عليهم بالخطاب الخ) قد قدمنا لك أن الا أشفات الانتقال من إحدى الطرق الثلاث إلى آخر أو الإتيان بأحدها في مقام يقتضي خلافه، والكلام عليه مفصل في محله ولا يهمنا هذا الكلام فيه وإنما الكلام فيما قيل من أنّ هذا مبني على عدم الوثوق بما سيأتي عن علقمة أو على أنه لا يقتضي تخصيص الخطاب إذ لم يكن بمكة منافق حتى يدخل في هذا الخطاب، ثم إنها إن نزلت منفردة عما قبلها فكيف يتحقق فيها الالتفات إلا أن يقال يكفي فيه أنه يتمّ بعد تمام نزول القرآن لمصلحة اقتضت تفريق نزوله فإنّ دعوى انفرادها بالنزول مما لا وجه له حتى يتكلف له ما تكلف وكونه لم يكن بمكة منافق في بدء الإسلام لا ينافي الإخبار عنهم فكم في القرآن مثله من المغيبات والأخبار عما سيأتي، ثم إنه ذكر للالتفات نكات بعضها عامّ وبعضها خاص بهذا المقام فالأوّل هز السامع وأصل معناه التحريك بحركات متوالية ثم كني به عن إدخال المسرّة كما في قول ابن الرومي المتقدم:

ذهب الذين يهزهم مذاحهم هز الكماة عوالي المرّان

وهو المراد هنا، والتنشيط إيجاد النشاط وهو الخفة والسرعة أريد به الإقبال على الأمر وعطفه على ما قبله كالتفسير، والاهتمام بالعبادة مأخوذ من السياق والمقام لأنّ العظيم إذا أقبل على عبيده في شأن وأمر به بنفسه دل على عظمة ذلك الشأن، وقوله: بأمر العبادة تورية وحسن تعبير، وقوله: وجبر الكلفة العبادة الجبر التكميل والإرداف بما يهوّن الأمر الشاق أو يزيل مشقته لأنها على خلاف مقتضى الطبع، والكلفة المشقة واحدة الكاف كغرفة وغرف والتكاليف المشاق كما في المصباح وهذه من النكت انخاصة بالمقام وهذا بالنسبة إلى المؤمنين ظاهر فإمّا أن يخصوا لعدم الاعتداد بغيرهم وكذا التنشيط أو يقال يكفي للنكتة الوجود في البعض، وقيل إنه بالنسبة لغيرهم أيضا لتيقظهم لأنهم تحت حكم حاكم كريم لم يطردهم عن ساحة الهداية ولا يخفى بعده. قوله:) ويا حرف وضع الخ) هذا هو الصحيح وقيل إنها اسم فعل والأشهر أنها وضعت لنداء البعيد وقيل إنها لمطق النداء أو مشتركة بين البعيد والقريب والمتوسط وعلى الأوّل إذا نودي بها القريب فلتنزيله منزلة غيره أمّا العلوّ رتبة المنادى أو المنادي بالكسر والفتح وقول المصنف رحمه الله ينادى بها القريب يصح فيه فتح الدال وكسرها، وقول الداعي يا رلث يصلح للأول والثاني لأنه لحقارته وعظمة خالقه عد نفسه بعيدا أو عذ الله عليًا عن عباد. وغفلة السامع وسوء فهمه بمنزلة بعده، وأمّا للاعتناء بأمر المدعوّ له وزيادة الحث عليه لأنّ نداء البعيد وتكلفه الحضور لأمر يقتضي الاعتناء والحث فاستعمل في لازم معناه على أنه مجاز مرسل أو استعارة تبعية في يا أو مكنية وتخييلية كما حققه بعض الفضلاء، فإن قلت الكلام في تنزيل المنادى منزلة البعيد لا المدعوّ له المنادي لأجله قلت المدعوّ لتحصيل أمر بعيد يبعد عن

الذهاب إليه لتحصيله فهو بعيد مالًا وقوله في الانتصاف إنّ ما ذكر في توجيه البعد أمر إقنافي فإنّ الداعي يقول يا قريب غير بعيد ويا من هو أقرب من حبل الوريد فأين هذا من العباد في مقام البعد ليس بشيء فإنّ القرب في كلام المنادي باعتبار الحقيقة ونفس الأمر وهو لا ينافي الاستبعاد الاعتباري وليس هذا نظير قوله:

وكم قلت شوقاليتني كنت عنده وما قلت إجلالًا له ليته عندي

كما توهمه ابن الصائغ في حواشيه، والوريد عرق! في العنق واضافة الحبل له! كلجين الماء. قوله: (وهو) أي يا مع المنادى بالفتح جملة فالمنادى منصوب لفظًا أو تقديرًا بأنادي وما في معناه أو بيا نفسها لقيامها مقامه قولان للنحاة وعلى الأوّل هو لازم الإضمار استغناء بظهور معناه مع قصد الإنشاء وليس المراد الإخبار بأن المتكلم ينادي ولذا ردّ على من قال إنه لا يجوز تقدير الفعل إذ لو قدر كانت الجملة خبرية لأن الفعل مقصود به الإنشاء، ولذا قال الرضي: تقديره بلفظ الماضي كدعوت وناديت أولى لأنه الأغلب في الإنشاء ولكونه إنشاء النداء سقط ما قيل من أنه لو كان ذلك الفعلى كدعوت مقدرا تمّ المعنى بدون

2

المنادي لأنه فضلة، وقيل في الجواب عنه إنه قد يعرض للجملة ما يصيرها غير مستقلة كالجمل الشرطية ولا يرد على كونه جملة مفيدة، وكلامًا أن الكلام لا يكون من اسم وحرف، ولا من حرف إن قلناتا بمعنى دعوت كما توهم مع اتفاقهم على أنه لا يتأتى إلا من اسمين أو اسم وفعل لأنه قائم كنعم وبلى، ولا وهو في قوّة المذكور من غير شبهة فلا يلتفت لما توهمه بعضهم فتدبر. قوله:) وأيّ جعل وصلة الخ) أي لها معان كالموصولية والشرطية والاستفهامية، والواقعة في النداء اسم نكرة موضوعة لبعض من كل كما في شرح الهادي ثم تعزفت بالنداء وتوصل بها لنداء ما فيه أل لأنّ يا لا تدخل عليها في غير يا الله إلا شذوذًا، وقيل إنها موصولة ورذه النحاة بما هو معروف في كتب العربية وذو اللام صفة لها فهي موصلة له كما توصل لنداء أسماء الأجناس بذي بمعنى صاحب، وقوله متعذر أي ممتنع بناء على ما عرف من كلام العرب لا تعذرا عقليا، وقوله لتعذر الجمع بين حر في التعريف هذا أحسن مما اشتهر من أنه لا يجمع بين تعريفين لأنهما قد يجتمعان كما في نحو يا زيد وأيهم يفعل كذا لاجتماع العملية والنداء والإضافة والموصولية كما حققه نجم الأئمة الرضي فليس مثله بممتنع عنده حتى يحتاج إلى التنكير وأمّا نحو يا الرجل فممتنع بالاتفاق وقوله فإنهما كمثلين وهما لا يجتمعان إلا شذوذًا كقوله:

ولا للما بهم أبدا دواء

قيل وإنما قال كمثلين لأنّ يا ليست موضوعة للتعريف كأل ولذا لا يتعرّف المنادي في

كل موضع ولم يبين أن تعريفه بماذا وقد ذهب ابن مالك ومن تبعه إلى أنه بالقصد والإقبال عليه، وذهب ابن الحاجب إلى أنه بأل مقدرة فأصل يا رجل يا أيها الرجل والكلام فيه مشهور. قوله: (وأعطي حكم المنادى الخ) أعطي مجهول نائب فاعله ضمير أيّ المذكور باعتبار اللفظ وحكمه هو البناء على الضمّ وايلاؤه وحرف النداء وأجرى عليه المقصود بالنداء باعتبار صريح معناه بمعنى جعله تابعًا له على الوصفية كما صرّح به بعده، وإنما التزم رفعه ليكون على صورة المنادى المفرد المقصود بالنداء لأنه مضموم الآخر فلا يجوز نصبه على الأصح خلافا للمازني فإنه أجاز نصبه. قال الزجاج: ولم يتقدمه ولا تابعه عليه أحد لمخالفته لما سمع عن العرب والتزام الرفع لأنه المقصود أو لأنه مبهم ووصف المبهم معه كالشيء الواحد لمنع الفصل بينهما فإن قلت الوصف تابع غير مقصود بالنسبة لمتبوعه فما ذكر ينافيه قلت! ذا جسب الوضع الأصليّ فلا ينافي ما يطرأ عليه لكونه مفسر المبهم ما يجعله مقصودا في حد ذاته وههنا إشكال وهو أن الرجل في قولك يا أيها الرجل تابع معرب بالرفع وكل حركة إعرابية إنما تحدث بعامل ولا عامل يقتضي الرفع هنا لأن متبوعه مبنيّ لفظا ومنصوب محلًا فلا وجه لرفعه وهذا إنما يرد على غير الأخفش القائل بأنها موصولة حذف صدر صلتها فليس عنده نعتا بل خبر مبتدأ مقدر، وقد استصعبه بعض علماء العربية وقال إنه لا جواب له. قلت: قد قال هذا بطريق البحث وهو عجيب منه مع تبحره فإن هذا من الأسئلة الواقعة بين أبي نزار وابن الشجري وقد أطال الكلام فيها في الأمالي بما حاصله أن أبا نزار قال إنها حركة بناء وقال ابن موهوب إنها حركة إعراب وتبعه ابن الشجري والحق أنها حركة اتباع ومناسبة لضمة المنادي ككسرة غلامي فلا حاجة إلى أن يقال إنه لا يمكن التفصي عنه إلا أن يقال بأن حركة الضمّ ليست إعرابا بل اتباع الحركة البناء المشبهة ل! عراب بالعروض ولذا سميت رفعا تجوزًا إلا أنه مع مخالفته للظاهر لا نظير لا له في اللزوم وقوله: أقحمت بصيغة المجهول بمعنى زيدت من أقحمته في الأمر إذا أدخلته ورميت به فيه وهو مجاز مشهور على الألسنة وزيادتها لازمة للعوضية، وقوله ها التنبيه بالقصر أي لفظها الذي يكون للتن! يه في نحو هذا ولو مذت جاز على أنه تعبير عن الكل بجزئه وسياني بيان تاكيده وفي أزعا. التعوبض نظر لأن هذه لم تستعمل مضافة أصلا والإضافة إنما سمعت في غيرما إلا أنها لما قالت دي، اد واحماءأ جرى عليها حكمها فتأمّل. قوله: (وإنما كثر النداء الخ) المراد بالطريقة أي المناد! الموصرد وحإ؟ ! ها االام وأ، جه التأكيد فسرت بتكرّر الذكر والإيضاح

بعد الإيهام واختيار لفظ البعيد وتاكيد معناه بحرف

3

التنبيه واجتماع التعريفين في النداء وأل، وقوله وكل الخ كل مبتدأ خبره حقيق وما بينهما اعتراض والجملة حالية للتعميم وتتميم التعليل، ولفظ آكد بالمد أفعل تفضيل من التأكيد بالهمزة ويقال من التوكيد أوكد وقوله كثرهم أحسن من قول الزمخشريّ وهم عنها غافلون فلا تغفل. قوله: (والجموع وأسماؤها الخ) الجمع ما دلّ على أكثر من اثنين واسم الجمع مثله إلا أنه اشتراط فيه أن يكون علئ صيغة تغلب في المفردات سواء كان له واحد أم لا ومنه الناس كما بيناه والمحلاة بالتشديد بمعنى الداخلة عليها لام التعريف ولما أفادته التعريف واتصلت بأوّله جعلت لفظا كأنها حلية وزينة له استعارة لشيوعها صارت كالحقيقة وقيد إفادتها العموم بعدم إرادة العهد الخارجيّ لأنه المتبادر من التعريف الموضوع للتعيين ثم الاستغراق لأنه حيث لا عهد لا ترجيح لبعض أفراده على بعض فيتناول الجميع، وهذا في الجموع أقرب وأقوى كما في التلويح. ثم إنه استدلّ على العموم بصحة الاستثناء فإنه استفاض في العامّ حتى جعل معياره فلا يكون حقيقة إلا فيه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [سورة الحجر، الآية: 42، وقد اختلفوا في أنه إذا لم تكن للعهد هل الأولى حمله على الجنس والعهد الذهني المتيقن أو على الاستغراق لأنه أكثر وأفيد وكلام المصنف ينظر للأخير، وقد قيل على قولهم إنّ الاستثناء يدلّ على العموم أنّ صحة الاستثناء موقوفة على العموم أيضا فيلزم الدور وأيضا الاستثناء يكون في الخاص كاسم العدد نحو له عليّ عشرة إلا ثلاثة والإعلام كضربت زيدا إلا رأسه وصمت رمضان إلا عشرة الأخير فلا يتمّ هذا المدعي ودعوى أكثرية غير مسموعة، وأجيب بأنّ العلم بالعموم يثبت بوقوع الاستثناء في كلامهم ووقوعه يدلّ على وجود العموم لا على العلم به فلا دور والاستدلال ناظر للاستعمال وأمّا النقض المذكور فدفع بأنّ ما ذكر عامّ تأويلا بتقدير جمع معرّف بالإضافة كأعضاء زيد وأيام الشهر، ونحوه الاستدلال بالتأكيد لأنه لو لم يكن عامًّا كان التأكيد تأسيسا والاتفاق على خلافه واستدلال الصحابة شائع وله أمثلة ذكرها الأصوليون كقولهم يوم السقيفة الأئمة من قريش رذا على الأنصار في القصة المشهورة. قوله: (فالناس يعئم الموجودين الخ) هذا هو المسمى بالخطاب الشفاهي عند الأصوليين، وهو ما يدل على الخطاب وضعا كالنداء وبعض الضمائر نحو يأيها الناس قالوا وليس خطابًا عاتا لمن بعد الموجودين في زمن الوحي أو لمن بعد الحاضرين مهابط الوحي والأوّل هو الوجه وإنما يثبت حكمه بدليل آخر من نص أو قياس أو إجماع وأئا بمجرّد اللفظ والصيغة فيما لم يكن مخصوصا كيأيها النبيّ فلا وقالت الحنابلة بل هو عامّ لمن بعدهم ولنا أنا نعلم أنه لا يقال

للمعدومين نحو: يا أيها الناس قال العضد رحمه الله وانكاره مكالرة وإذا امتنع خطاب الصبيّ والمجنؤن بنحوه مع وجودهم لقصورهم فالمعدوم أجدر، وهم قالوا: ولو لم يكق الرسول ﷺ مخاطبًا به فمن بعدهم لم يكن مرسلًا لهم وردّ بأنّ التبليغ لا يتعين أن يكون مشافهة فيكفي أن يحصل للبعض شفاهلاولمن بعدهم بأدلة تدل على أنّ حكمهم حكمهم كما تقرّر في الأصول وفي شرح العضد للمحقق التفتازانيّ القول بعموم الشفاهي وان نب إلى الحنابلة ليس ببعيد وقد قال الشارح العلامة أنه المشهور حتى قالوا إنّ الحق أنّ العموم علم بالضرورة من الدين المحمديّ وهو الأقرب وقول العضد رحمه الله أنّ إنكاره مكابرة حتى لو كان الخطاب للمعدومين خاصة أمّا إذا كان للموجودين والمعدومين على طريق التغليب فلا ومثله فصيح شائع وكل ما استدلّ به على خلافه ضعيف. انتهى وهذا بعينه ما اختاره المصنف رحمه الله وأشار إليه بقوله لما تواتروا الخ، واليه ذهب كثير من الشافعية في كتبهم الأصلية على أنه عندهم عام بحاق لفظه ومنطوقه من غير احتياج إلى دليل آخر وقد قيل إنه من قبيل الخطاب العامّ الذي أجرى على غير ظاهره كما في قوله:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت كرمت اللئيم تمرّدا

فمن أرجع كلام المصنف إلى ما ذهب إليه العضد وأشياعه وقال في شرحه إنه يريد أنه

يعمّ من

4

سيوجد بعد وقت النزول لا لفظا بل لما تواتر من دينه كقوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة كما ذكر في كتب الأصول من أنّ خطاب المشافهة إنما يثبت لمن بعد الموجودين بدليل آخر لم يصب ولو كان كما زعم لم يكن الناس عامّا السياق مناد على خلافه والعجب أنه مع تخصيصه بالموجودين جعله عامًّا وتبعه فيه بعضهم وأطال بغير طائل (وههنا بحث) يجب التنبه له وهو أنّ خطابه تعالى بكلامه لعباده أزليّ قائم بذاته، والنظم القرآنيّ بإزائه وخطاب المعدوم أزلًا، وتكليفه مقرّر عند الأشاعرة والظاهر أنه حقيقة والا يكن جميع ما في القرآن من الخطاب مجازًا ولا يخفى بعده عن ساحة التنزيل ويوجه أيضا بتقدير قولوا والمأمور الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ونوّابهم من أئمة الدين في تبليغ الأمّة إذا وجدوا، وعلى هذا الفرض والتقدير لا يحتاج إلى التجوّز أصلًا كما ذهبوا إليه كما سمعته آنفا على أنه لو لم يكن من التأويل محيص، فالقول بأنه يدل على ما ذكر بدلالة النص المؤيدة بالإجماع أقرب، وقد حام صاحب التحرير حول هذا التقرير وان لم يفك عقدة تعقيده، وقوله لفظا تمييز ولما بكسر اللام وتخفيف الميم، وقوله إلا ما خصه الدليل أي القائم على تخصيص عمومه بخروج بعض منه كالصبيّ والمجنون. قوله: (وما روي عن علقمة الخ) قال السيوطيّ: أخرجه أبو عبيد في فضائل القران عن علقمة وسيمون بن مهران وأمّا روايته عن الحسن فلم يسنده أحد وقد

صح عن ابن مسعود أيضا كما أخرجه البزار في مسنده والحاكم في المستدرك والبيهقيّ في دلائل النبوّة فقول الطيبي أنه لم يجده في شيء من كتب الحديث من تقصيره، والمراد بالرفع في قوله إن صح رفعه اتصالط سنده بمن ذكره لأنّ الناقل لا يلزمه غير تصحيح نقله فالرفع بمعناه اللغويّ أو تجوّز فلا يرد عليه ما قيل من أنّ المرفوع قول النبي ﷺ أو الصاحب فيما يتعلق بالنزول ونحوه مما لا يقال بالرأي وعلقمة والحسن ليسا من الصحابة، ولو سلم فالمراد رفعه للصحابي أو النبيّ ﷺ فقولهما في حكم المرفوع المرسل ثم إنه قد علم أنّ للمكيّ والمدني ثلاث معان مفصلة في البرهان والاتقان وقد قيل إنّ هذا لا يتمشى على واحد منها وهو منقوض! بأمور منها: أنّ هذه السورة مدنية وفيها يأيها الناس ومن السور ما فيه يأيها الناس ويا أئها الذين آمنوا، وادّعاء تكرير النزول تعسف فإن كان هذا لكثرة المؤمنين بالمدينة فضعيف وقد اضطربوا في التوجيه فمن قائل المراد أنه خطاب جل المقصود به أهل مكة أو المدينة، وقال الإمام الجعبريّ في كتابه حسن المدد معرفة النزول لها طريقان السماع، والقياس. فالأوّل ما وصل إلينا نزوله بأحدهما والثاني كما قال علقمة عن عبد الله: كل سورة فيها يأيها الناس فقط أو أوّلها حرف تهج سوى الزهراوين والرعد في وجه أو فيها قصة آدأ وابليس سوى الطولى فهي مكية وكل سورة فيها يأيها الذين آمنوا وذكر المنافقين فهي مدنية وقال هشام بن عروة: عن أبيه كل سورة فيها قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأمم الخالية والعذاب فهي مكية وكل سورة فيها لريضة أو حد مدنية انتهى. ومنه يعلم أن ما ذكر مما قاله السلف وكونه أيهثر ما لم يرد به التخصيص بعيد جدًا وهذا نقله البقاقي في كتاب مصاعد النظر ونقله عن الإمام الشافمي من غير اعتراض عليه فإذا صح هذا من التابعين وكبار السلف فهو قول لهم لا مشاحة فيه ولا وجه للاعتراض عليه. قوله: (فلا يوجب تخصيصه بالكفار الخ) قيل عليه إنه لم يستدل أحد بهذا الأثر على اختصاص هذه الآية بالكفار حتى يحتاج المصنف رحمه الله تعالى إلى دفعه وغاية ما استدلّ به أنه مكيّ نزل بمكة مع عمومه للمؤمنين والكفار لأنّ سبب النزول ليس بمخصص وليس بشيء لأنه إذا سلم أنّ المراد مشركو مكة احتمل العهدية واختص لا سيما والنفاق في الصدر الأوّل إنما حدث بعد الهجرة وقد ذهب إلى التخصيص على هذا الزمخشريّ، حيث قال أو إلى كفار مكة خاصة على ما روي عن علقمة الخ. وارتضاه في شرح التأويلات ولبعضهم هنا كلام مشوّحر! تركه خير من ذكره. قوله: (ولا أمرهم بالعبادة الخ) عطف على قوله تخصيصه، أي لا يوجب أمر الكفار حال كفرهم بإداء العبادة فإنه باطل ولذا لم يجب عليهم القضاء بعد الإسلام بل هم مأمورون بما يتوقف

5

عليه من الإيمان وبأدائها بعده، والمنفيّ هنا أمرهم بذلك ابتداء، والمثبت في قوله فالمطلوب الخ. غيره فلا تنافي بينهم كما

توهم وحاصله أن طلب الفعل من المكلف لا يقتضي صحته منه بلا تقديم شرط كالمحدث المطلوب منه الصلاة وهذا إشارة إلى ما فصل في الأصول في تكليف الكفار بالفروع وعدمه. وفي النحرير ليس محل النزاع كما في المنهاج للمصنف مبنيا على أنّ حصول الشرط الشرقي ليس شرطًا للتكليف المستلزم عدم جواز التكليف بالصلاة حال الحدث بل ابتداء في جواز التكليف بما شرط في صحته الإيمان حال عدمه فمشايخ سمرقند على أنه شرط لصحته لخصوصية فيه لا لعموم كونه شرطا بل لأنه أعظم العبادات ورأس الطاعات، فلا يجعل شرطا تابعا في التكليف لما هو دونه، ومن سواهم متفقون على تكليفهم وإنما اختلفوا في أنه في حق الأداء والاعتقاد أو في الاعتقاد فقط فالعراقيون والشافعية ذهبوا إلى الأوّل فهم عندهم معاقبون على تركهما والبخاريون إبى الثاني، ولم ينص أبو حنيفة، وأصحابه على شيء فيها لكن في كلام محمد رحمه الله ما يدل عليها، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [سورة فصلت، الآية ة 6] ونحوه وأمّا خطابهم بالعقوبات والمعاملات فمتفق عليه فإن قلت قوله فالمطلوب الخ يدل على أنّ المطلوب من الكفار الشروع في العبادة بعد الإتيان بشرط فقط لا الزيادة والمواظبة، ومن المؤمنين الزيادة، والثبات لا غير، وكون الكفار مكلفين بالفروع على مذهبه يستلزم مطلوبية الكل منهم والمؤمن الذي لم يصدر منه إلا الإيمان يطلب منه الشروع في العبادة مع ما ذكر قيل المراد الشروع وما يقتضيه وقوله من المؤمنين الخ مبنيّ على أكثر الأغلب على أنّ المقصود ظاهر. قوله: (هو المشترك بين بدء العبادة الخ) إشارة إلى ما في الكشاف من السؤال والجواب من أنه لا يصح توجيه الخطاب إلى الفرق الثلاث، ولا إلى الكفار فقط كما روي عن علقمة لأنّ المتبادر من العبادة أعمال الجوارح الظاهرة ولا يؤمر بها المؤمنون العابدون لما فيه من تحصيل الحاصل ولا الكفارة لامتناع العبادة منهم بسبب فقد شرطها وهو الإيمان فيلزم التكليف بالمحال لا يقال: إنّ الأمر يتعلق بالمستقبل وليس المؤمن متلبسًا بالعبادة المستقبلة حتى يكون تحصيلا للحاصل ولا يتجه السؤال لأنّ المتبادر من إطلاق اعبدوا إحداث أصل العبادة وهو حاصل فيتجه الجواب بأنّ المطلوب من المؤمنين ليس إيقاع أصل العبادة في المستقبل بل ازديادها وثباتها، وليس ذلك حاصلًا فلا إشكال وأنّ المطلوب من الكفار أصل العبادة على أنهم أمروا أن يأتوا بعد تحصيل شرائطها فإن الأمر بالشيء أمر بما لا يتمّ إلا به كأنهم قيل لهم حصلوا شرطها ثم افعلوها ولا استحالة في هذا بل في الأمر بإيقاعها مع انتفاء شرائطها كما مرّ، وما يقال من أنّ الإيمان أصل العبادات كلها فلو وجب بوجوبها انقلب الأصل تبعا مردود بأنّ الأصالة بحسب الصحة لا تنافي التبعية في الوجوب على أنّ هذا واجب أيضا استقلالًا بدلائل أخر، والجمع بينهما آكد في إيجابه والكلام فيه مفصل في محله فلا إفادة في الإعادة. قوله: (فالمطلوب من الكفار الخ) إشارة إلى أن اعبدوا أمر موضوع للأمر بالعبادة مطلقًا فهو عامّ فيها شامل لإيجاد أصلها والزيادة والثبات شمول رجل لأفراده وليس

موضوعا لأصلها حتى يلزم من تناوله لغيره الجمع بين الحقيقة والمجاز ولا موضوعا لكل منها استقلالًا حتى يلزم استعمال المشترك في معانيه، وشكلف دفعه بما لا وجه له، وقول المصنف رحمه الله المشترك لم يرد به الاشتراك المقابل للتشكيك والتواطىء بل معنا. اللغوقي وهو صدقه عليها منفردة وغير منفردة فاعبدوا يدل على طلب في الحال لعبادة مستقبلة، وتلك العبادة من الكفار ابتداء عبادة ومن بعض المؤمنين زيادة ومن آخرين موا! لبة وليس الابتداء والزيادة والمواظبة داخلًا في مفهومه وضعا فلا محذور فيه، وهالى هذا أشار المصنف رحمه ألله فالأمر بالعبادة أمر بقدر مشترك بين ما ذكر ولذا قال الفقهاء أنّ الشيء الممتد يعطي لبقائه حكم ابتدائه حتى لو حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه، ثم استمر حنث وترك المصنف قوله في الكشاف على أنّ مشركي مكة كانوا يعرفون الله ويعترفون به: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة الزمر، الآية: 38]

6

لأنه وان لم يجعله جوابأ صستقلا بل علاوة غير صالح بوجه من الوجوه لأنّ هذه المعرفة المقارنة للإنكار لا تقتضي صحة العبادة ورب معرفة الجهل خير منها.

قوله: (بعد الإتيان بما يجب تقديمه الخ) هذا مبنيّ على أنّ المراد بالعبادة عمل الجوارح

فلا يدخل فيها الاعتقاد والمعرفة كما مرّ وقد قيل عليه أنّ الظاهر إدخال أعمال القلب في العبادة لأنها أقصى الخضوع وهو لا يتحقق بدون معرفة المعبود، وقوله والإقرار بالصانع أي أن العبادة لا يعتد بها إلا بعد الإقرار، وقد قيل عليه أنّ الإقرار إن لم يدخل في الإيمان كما ذهب إليه بعض المحققين فلم لا تعتبر العبادة بدونه إلا أنّ المصنف رحمه الله رجح فيما سبق أنّ الإقرار لا بد منه في حصول الإيمان، وفي تفسير السمرقندي رحمه الله أنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما تفسير اعبدوا بوحدوا وخرّج على وجهين أحدهما: أنّ عبادة الله لا تكون إلا بالتوحيد فهو سبب لها فأطلقت عليه مجازًا والثاني أن: ﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ بمعنى اجعلوا عبادتكم لواحد لا تعبدوا غيره لأنّ مشركي العرب كانوا يوحدون الله في التخليق وإنما أشركوا الأصنام معه في العبادة فلذا أمروا بالعبادة للواحد الأحد لا غير ثم إنه قدّس سرّه اعترض على قوله بما يجب الخ بأن مجرد معرفة الله والإقرار به ليس كافيا في صحة العبادة بل لا بد معه من التصديق بالنبوّة والاعتراف بها وهو منتف عنهم وأجيب بأنه يريد أنّ هذا القدر من الشرط إن حصل فليضموا إليه ما بقي ثم ليعبدوا وفيه نظر لا يخفى. قوله: (وإنما قال ريكم الخ (التربية مصدر وفي نسخة الربوبية بضم الراء كالخصوصية وهي مصدر أيضًا وفي نسخة الربية وما ذكر لأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته. وهي قاعدة مشهورة وفي شرح الطيبيّ طيب الله ثراه

فرق بين قوله: ﴿اعْبُدُواْ اللهَ﴾ وقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ لأنّ في الثاني، إيجاب العبادة بواسطة رؤية النعم التي بها تربيتهم وقوامهم وفي اعبدوا الله عبادته بمراعاة ذاته عز وجل من غير واسطة وعلى ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ فحيث ذكر الناس ذكر الرب وحيث ذكر الإيمان ذكر لله وهي فائدة لطيفة ينبغي التأمل فيها. قوله: (صفة جرت على الرب للتعظيم الخ) الجري حقيقة في الاتباع: أي هي صفة أجريت على الرب للمدح إذ لا اشتباه في الرب المضاف إلى الكل فإن خص الخطاب بمشركي مكة احتمل التقييد والتخصيص لإطلاقهم الرلت على آلهتهم والتوضيح لأنه الرب الحقيقي عندهم وهم وسائل وشفعاء فهو في خطاب الشارع لا يحتمل غيره تعالى، والتعليل بيان علة الربوبية بأنه الخالق وكون النعت يفيد التعليل من فحوى الكلام ومن تعليق الحكم بالمشتق فإنه يقتضي عليه مأخذ الاشتقاق وإنما لم يذكره النحاة لأنه ليس وضعيًا أو لأنّ بيان علة الشيء توضيح له وإنما قال يحتمل التقييد دون التخصيص لأنهم اصطلحوا على أنّ التخصيص تقليل الاشتراك في النكرات وموصوفه هنا معرفة فالتقييد: رفع الاشتراك الناشئ من إطلاق الرب في استحقاق العبادة بخلاف الخالقية فإنها مخصوصة به عندهم ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وما ذكرناه من تفسير التعليل بأنه بيان علة كونه ربا ومالكًا لهم لأن المالك الحقيقيّ هو الموجد ولذا قيل إنهم إذا اعتقدوا أنّ الآلهة شفعاء يكون إطلاق الرب بمحنى المالك عليها مجازًا، وسيأتي الكلام فيه وذمب إليه بعض أرباب الحواشي وقيل المراد به بيان علة الأمر بعبادته تعالى وبيان سبب الوجود لأنه المنعم بنعمة الإيجاد وما ينبني عليها، ولهذا قال الرازي: أنه بيالط لأنّ العبادة لا تستحق إلا بذلك وهو الوجه فتدبر. قوله: (والخلق إيجاد الشيء الخ) التقدير تعيين المقدار والاستواء افتعال من المساواة وهي كما قال! الراغب المعادلة المعتبرة بالذرع والوزن والكيل يقال هذا مساو لهذا أي هما سواء وقوله خلقك فسوّاك أي جعل خلقك على مقتضى الحكمة فقوله على تقدير واستواء أي مشتفلًا على ذلك وقيل يحتمل أن يريد بالاستواء كون ما برز في الوجود على طبق ما قدر في العلم وما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [سورة الأعلى، الآية: 2، هو أنه جعل له ما به يتأتى كماله ويتمّ معاشه وهذا أفيد لأنّ الأوّل يستفاد من قوله على تقدير غير أنّ قوله خلق النعل الخ يؤيد الأوّل وأصل معناه التقدير ثم قيل للإيجاد على مقدار معين وجاء على أصله في قول

7

زهير:

ولأنت تفري ما خلقت وب! ض القوم يخلق ثم لا يفري

ومن كلام الحجاج ما خلقت إلا فريت، وما وعدت إلا وفيت، وقيل إنه بهذا المعنى لا

يستعمل في الله تعالى وعدل عن قول الزمخشري: الخلق إيجاد الشيء على تقدير واستواء يقال خلق النعل إذا قدرها وسوّاها بالمقياس لما فيه من الاختصار المخل كما أشار إليه. قوله: (متناول لكل ما يتقدّم الإنسان الخ) التناول معناه الحقيقيّ الأخذ يقال ناوله كذا إذا أعطاه فتناوله أي أخذه ثم تجوّز به عن الشمول وشاع حتى صار حقيقة فيه في كلام الناس، واصطلاح المصنفين ولم يرد في كلام العرب بهذا المعنى وقبل من الظروف، وأكثر فيها الظرفية الزمانية وتكون للمكانية وهي في غير هذا مجاز قال الراغب قبل يستعمل على أوجه الأوّل في المكان بحسب الإضافة فيقول الخارج من أصبهان إلى مكة بغداد قبل الكوفة، ويقول الخارج من مكة إلى أصبهان الكوفة قبل بغداد. الثاني في الزمان نحو زمان عبد الملك قبل المنصور، الثالث في المنزلة نحو عبد الملك قبل الحجاج. الرابع في الترتيب الصناعي نحو تعلم الهجاء قبل الخط انتهى، فهي في اللغة مقابلة لبعد زمانًا ومكانا، ويتجوّز بها عن التقدم بالشرف والرتبة في كلام العرب وهو الذي أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله بالذات فجمع بين المعنى الحقيقيّ والمجازيّ الواردين في اسنعمالط العرب وأدخل التقدم المكانيّ في ذلك للإيجار كما هو دأبه، والحكماء قالوا التقدم والتأخر يقال على خمسة أشياء التقدم بالزمان وهو ظاهر والتقدم بالطبع كتقدّم الواحد على الاثنين، والتقدّم بالشرف! قدّم أبي بكر على عمر، والتقدم بالرتبة وهو ما كان أقرب من مبدأ محدود كصفوف المسجد بالنسبة إلى المحراب، والتقدم بالعيية كتقدم حركة اليد على حركة القلم وأثبت المتكلمون قسما آخر للتقدم سموه التقدم بالذات كتقدم بعض أجزاء الزمان على بعض وقيل إنه غير خارج عنها لأنّ بعضه داخل في التقدم بالطبع وبعضه في التقدّم بالرتبة والتحقيق أنه داخل في التقدم بالزمان ومن هنا ظهر لك أن كلام المصنف جار على وفق اللغة واستعمال العرب لا على مصطلح الحكماء فمن أرجعه إليه وقال التقدم الذاتي عبارة عن تقذم المحتاج إليه على المحتاج فيشمل التقدم بالعلية والطبع والتقدم الزماني هو الذي لا يجامع المتقدم فيه المتأخر، ثم قال بعد الفرق بينهما أن المراد هنا التقدم بالطبع والذين موضوع للعقلاء، إلا أنّ المصنف عممه لم يصب، والذي غرّه فيه ما وقع في بعض الحواشي حتى قيل إنّ فيه رائحة من كلام الفلاسفة فإنّ مراده بالتقذم الذاتي ما تقدم على أن الخطاب إن شمل المؤمنين وغيرهم فالمراد بمن قبلهم من تقدّمهم في الوجود ومن هو موجود وهو أعلى منزلة منهم كالنبيّ لمجتن والمؤمنين فقط ما قيل: عليه من أنه جعل القبلية شاملة للتقدم الذاتي والزمانيّ وهو جيد لو ساعدته اللغة وكذا ما قيل من أنه مخالف لما عليه أهل السنة لأنهم لا يثبتون التقدم بالذات لغير الله تعالى إلى آخر ما أطالوا به بغير طائل. قوله: (منصوب معطوف الخ) دفع لتوهم عطفه على الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ في فصيح الكلام ولما فيه من الفصل بنعت المضاف إليه. قوله: (والجملة أخرجت مخرج المقرّر الخ)

أي جملة لخ! م الواقعة صلة الذي أخرجت مخرج ما هو ثابت مقرّر معلوم لأنّ الصلات لا بد من كونها معلومة الانتساب إلى الموصول عند المخاطب ولذا تعرّف الموصول بما فيها من العهد واشترط فيها الخبرية وقيل: مراده أن الصفة يجب أن تكون معلومة للمخاطب مقرّرة عنده ولذا قالوا: إنّ الإخبار بعد العلم بها أوصاف والأوصاف قبل العلم بها أخبار، وهو بناء على أنّ المخاطب المشركون المنكرون ولذا وجهه المصنف رحمه الله بما سنوضحه لك وإنما رجحنا تفسيره بما ذكرناه أوّلًا لأنه المتبادر من كونه جملة إذ الموصول مفرد فلو كان هو المراد احتاج إلى التأويل بأنه لكونه مع جملة الصفة كالشيء الواحد عدة جملة. على أنّ وجوب العلم بمضمون الجملة وانتسابها إنما هو مقرّر في الصلة دون الصفة عند صاحب الكشاف حيث ذكر في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ أنّ النار

8

جاءت معرفة هنا وفي سورة التحريم نكرة موصوفة، لأنها نزلت أوّلًا بمكة فعرفوا منها نارًا موصوفة بهذه الصفة ثم جاءت في سورة البقرة مشارًا بها إلى ما عرفوه أوّلًا، ولذا قالط بعض الفضلاء الأظهر أنّ الوصف بشيء لا يجب كونه معلوما بل يجب إمّا كونه معلوما أو بحيث يعلم بأدنى توجه ألا تراك تقول اضرب رجلا يضربك، وهو لا يدري من سيضربه لكنه يعلمه بعد الوقوع وكون الخالق هو الله مما تقزر لأنهم لا يشركون فيه وإنما يشركون في العبادة كما مرّ وبه صرّح في النظم المذكور فلا حاجة إلى ادّعاء التغليب على تقدير العموم في الخطاب لعدم الخفاء عند المسلمين، وإنما الكلام فيمن عداهم وإخراجه مخرج المقرّر في التعبير بعبارته لا ينافي كونه مقرّرا في الخارج حتى يتأتى تعليله باعترافهم والاستدلال بالآيتين اللتين ذكرهما المصنف رحمه الله على الاعتراف ظاهر والتنظير فيه والقول بأنّ الوجه هو الثاني لا وجه له. قوله: (أو لتمكنهم من العلم به بأدنى نظر) أي بأقرب نظر أو أقله لسهولته وهذا إن كان من الكفرة من لا يعلم أنّ الله خالقه وخالق من قبله لا سيما على ما فسر به المصنف رحمه الله القبلية فنزل قدرته على العلم منزلة حصوله وأخرجت الجملة مخرج المعلوم على خلاف مقتضى الظاهر فإنه قد ينزل غير العالم منزلة العالم لوضوح البراهين كما ينزل العالم منزلة الجاهل لعدم عمله. قوله: (وقرئ من قبلكم) القراءة المشهورة بمن المكسورة الميم الجارّة، وقد استشكلت أيضًا بأن الجارّ والمجرور لا يصح أن يكون صلة إلا إذا جاز أن يخبر به عن المبتدأ ومن قبلكم ناقص ليس في الإخبار به عن الأعيان فائدة فلا يصح أن يقع خبرًا إلا بتأويل فكذلك حكمه في الصلة وتأويله أن ظرف الزمان إذا وصف لفظًا أو تقديرًا مع القرينة الواضحة صح الإخبار به والوصل فتقول نحن في يوم طيب وما هنا بتقدير في زمان قبل زمانكم، وقال أبو البقاء التقدير هنا والذين خلقهم من قبل خلقكم فحذف الفعل الذي هو صلة وأقيم متعلقه مقامه، وأمّا قراءة من بفتح الميم كالموصولة وهي قراءة زيد بن عليّ الشاذة فمشكلة لتوالي موصولين والصلة واحدة

ولا يصح أن يكون تأكيدًا لأنّ المعنوي بألفاظ مخصوصة واللفظيّ بإعادة اللفظ بعينه، وهذا خارج عنهما فخرجت كما قاله المصنف رحمه الله على إقحام الموصول الثاني أي زيادته وأصل معنى الإقحام إدخال شيء في آخر بفف كما مرّ كما أقحم الشاعر في قوله:

يا تيم تيم عديّ لا أبا لكم

تيما الثاني بين الأوّل وما أضيف إليه وأقحم لام الإضافة أيضًا بين المتضايفين في لا أبا

لكم إلا أنّ المصنف رحمه الله ترك الثاني مع ذكره في البيت وتصريح الزمخشري. به لأنه عند ابن الحاجب ليس مضافا واللام زائدة وأنما عومل معاملة المضاف وارتضاه المصنف رحمه الله لسلامته من التكلف، وقيل على هذا التوجيه أنه غير سديد لأنّ الحرف لا يؤكد بدون إعادة ما اتصل به فالموصول أولى بذلك، وخرج على أنّ من موصولة أو موصوفة وهي خبر مبتدأ مقدر فما بعده صلة أو صفة وهو مع المقدر صلة الموصول الأوّل والتقدير الذين هم من قبلكم، والمراد بالتأكيد على تقديره الزيادة لأنّ الزيادة تفيد تقوية الكلام في كلامهم فلا يرد عليه ما قيل من أنه خارج عن قسمي التأكيد وقد أجاز بعض النحاة زيادة الأسماء وأجاز الكسائي أيضًا زيادة من الموصولة وجعل منه قوله:

وكفى بنا فضلًا على من غيرنا

فلا حاجة إلى أن يقال إنه تكيد لفظيّ فإنه يكون بعينه وبمرادفه فيرد عليه أنّ الموصول

بدون صلته لا يفيد شيئا فكيف يؤكد. قوله: (يا تيم تيم عديّ لا أبًا لكم) هو مصراع بيت من شعر لجرير هجا به عمر بن لجا بن حدير أحد بني مصاد والشعر أوّله:

هاج الهوى وضمير الحاجة الذكر واستعجم اليوم من سلامة الخبر

وياتيم تيم عديّ لا أبالكم لايلقينكم في سورة عمر

أحين صرت سمامايا بني لجا وخاطرت بي عن أحسابها مضر

خل الطريق لمن يبني المنار به وأبرز ببرزة حيث اضطرك القدر

وبرزة أمّ عمر بن لجا فأجابه عمر بقوله:

9

لقد كذبت وشرّ ألقول أكذبه ما خاطرت بك عن أحسابها مضر

بل أنت برزة خوّار على أمة لن يسبق الجلبات اللؤم والخور

وله قصة مذكورة في شرح شعر جرير وتيم بفتح التاء الفوقية وسكون التحتية أصل معناه العبد، ومنه تيم الله ثم سمى به عدة قبائل ومنها تيم عديّ التي منها عمر المذكور فخاطب

جرير قبيلته لما بنغه عنه أنه أراد هجاءه وقال لهم لا تتركوا عمر أن يهجوني فيصيبكم شرّي بأن أهجوكم بسببه، وبجوز في تيم الأوّل الضم والفتح والثاني مفتوح فقط وما ذكر هنا بناء على أنّ تيم الأوّل مضاف لعديّ والثاني مقحم بينهما للتأكيد وفيه وجوه أخر مفصلة في باب المنادى وشبه الإقحام بين الصلة والموصول ببين المضاف والمضاف إليه ووجه الشبه ظاهر. قوله: (حال من الضمير في اعبدوا الخ) رجح هذا الوجه المصنف تبعا لكثير من المفسرين وخالف الزمخشري في ترجيحه الوجه الآتي بيانه وتقريره، واعلم أنّ لعل موضوعة للترجي وهو الطمع في حصول أمر محبوب ممكن الوقوع والإشفاق وهو توقع مخوف ممكن والمشهور تقابل الترجي والإشفاق فتكون مشتركة بينهما لكن المحقق الرضي ذكر أنّ في لعل معنى ترجيت والترجي ارتقاب شيء لا وثوق بحصوله ويدخل في الارتقاب الطمع والإشفاق فالطمع ارتقاب أمر محبوب والإشفاق ارتكاب أمر مكروه، والترجي أعمّ من الطلب وقيل بالعكس والذي ارتضاه النحاة في شرح التلخيص أنّ الترجي ليس بطلب وما ذكر هو معناه الحقيقيّ وقد تخرج إلى معان أخر، واختلف في لعل الواقعة في كلامه تعالى فقيل ليست على حقيقتها بل هي للتعليل وسيأتي ما فيه وقيل لتحقيق مضمون ما بعدها ولا يطرد لورود نحو لعلة يتذكر أو يخشى والذي ارتضاه سيبويه وبعض النحاة أنها على حقيقتها والرجاء والإشفاق يتعلق بالمخاطبين لأنّ الأصل أن لا يخرج عن الحقيقة بغير داع وهذا هو الذي اختاره المصنف رحمه الله إلا أن الرجاء لما كان غير لائق به تعالى صرفه إلى المخاطبين بناء على أنّ معاني الألفاظ تكون بالنظر إلى المتكلم وبالنظر إلى المخاطب والى غيرهما والظاهر أنّ الثاني مجاز لكنه أقرب إلى الحقيقة لبقائها في الجملة فإن قلنا إنه حقيقة فلا كلام في ترجيحه وجعله حالًا من فاعل اعبدوا بتأويله براجين لأنه إنشاء ومثله لا يقع حالًا بغير تأويل كما صرّح به النحاة والحال قيد لعاملها وهو الأمر فإن قلنا إنه أعئم من الوجوب فلا إشكال وان قلنا الأصل فيه الوجوب فيقتضي وجوب الرجاء المقيد به العبادة المأمور بها وليس بواجب فقد يمنع ويقال إنه يقتضي وجوب المقيد دون قيده وفيه كلام في الأصول ولهذا جعل ما اختاره المصنف مرجوحا وقيل إنّ فيه أيضا عدولًا عن تعليقه بالأقرب إلى الأبعد وتوسطه بين العصا ولحائها فإنّ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [سورة البقرة، الآية: 22] موصول بربكم صفة له بحسب المعنى، دمان جعل منصوبا أو مرفوعا على المدح والتعظيم، وأيضا لا طائل في تقييد العبادة برجاء التقوى لأن رجاء الشيء ينافي حصوله حين الرجاء بل المناسب تقييدها بنفس التقوى أي اعبدوه متقين أو عطفها عليها أي اعبدوه واتقوا ولا مساغ للحمل على رجاء ثواب التقوى لإخراجه الكلام عن سننه كما لا يخفى، وأجيب عنه بأنه يرجح تعلقه بالأبعد أنه حينئذ حقيقة وأنه لم يقيد العبادة برجاء التقوى حتى يرد ما ذكر بل قيد باستمرار التقوى. كما يفيده المضارع ورجاء استمرار التقوى يفيد حصول التقوى على أبلغ وجه وفائدته الاحتراز عن الاغترار وأمّا الفصل المذكور

فيهوّنه القطع وان كان بينهما اتصال معنويّ ويدفعه بالكلية جعله مبتدأ خبره جملة فلا تجعلوا الخ ولا يخفى ما فيه من التكلف والردّ بما تداركه من قوله صفة بحسب المعنى مع عدم تعين القطع وبناء الوجه الراجح على مرجوح عنده. كله لا يدفع الترجيح بل يؤيده وقيل في الجواب عنه أيضًا أن قوله راجين الخ جواب عما أورد من أنه لا طائل تحته لأنه إذا حملت التقوى على معناها الثالث وهو التبري عما سوى الله المقتضي للفوز بالهدى عاجلا وبالقرب فيه آجلا ففيه طائل وأيّ طائل وهو أقرب مما قبله فتدبر. قوله: (أن تنخرطوا لخ) الانخراط بمعنى النظم كما يشهد له اقترانه بالسلك وهو

10

الخيط الذي تنظم فيه الدرر وما ضاهاها وقع في كلام كثير من العلماء والأدباء كالزمخشري والحريرفي والسكاكيّ وغيرهم، إلا أني لم أره في كلام العرب بهذا المعنى ونظرت في كتب اللغة التي بأيدي الناس فلم أر في شيء منها تفسير. بما ذكر، والذي أراه في توجيهه أنه من الخريطة وهي الكيس فإنه يقال أخرطت الخريطة كما في المحيط الصاحبيّ من كتب اللغة فيكون على ضرب من التسامح فيه بجعل جمع الكيس كجمع العقد وهو قريب جدًا والاستيجاب المراد به ألاستحقاق بفضله تعالى وضمن التبري معنى الفرار فعداه بإلى وهو ظاهر وقوله المستوجبين بصيغة الجمع صفة للمتقين أو بدل منه بمعنى المستحقين وبصيغة التثنية صفة للهدى والفلاح بمعنى المقتضيين لما ذكر، والهدى في الدنيا والفلاح في الآخرة. قوله: (نبه به) أي بما ذكر أو بالحال لأنها تذكر وتؤنث وأشار بقوله نبه إلى أنه ليس من منطوق اللفظ بل من إيمانه فإنه غير مخصوص بهؤلاء سواء عمّ الخطاب أو خص لكن التعبير بالترجي في حق الجميع يومئ إلى أنها رتبة عظيمة لأنّ طالب الحق لا يزال يترقى من حال إلى آخر، ويسمى ذلك سيرآ والسلوك معناه في اللغة مطلق الدخول ثم خص عند الصوفية بالدخول في طريق موصل للحق والسالك عندهم هو السائر إلى الله المتوسط بين المريد والمنتهى ما دام في السير وفسر التقوى بما ذكر وهو من مراتبها السابقة وقوله وأن العابد الخ هذا لما نظرا إلى ظاهر الترجي لأنه يستعمل فيما يحتمل الوقوع وعدمه فكل مترج خائف مما يؤذي إلى سخطه تعالى، ويحتمل أنه إشارة إلى حمل التقوى على معناه الأول الذي به يتقي العذاب فلا يتجه عليه شيء، ولا يرد ما قيل من أنّ المفهوم من لعل الرجاء دون الخوف إذ المراد خوف عدم حصول المرجوّ من التقوى المفضي إلى العذاب فينطبق حينثذ على ما استشهد به من قوله تعالى: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: 57] ويؤيده كون لعل يدل على الإشفاق أيضًا وفي احتماله ما يومئ لما ذكر لمن تدبر. قوله: (أو من حاشية الشهاب / ج 2 / م 2

مفعول خلقكم الخ) معطوف على قوله من الضمير في اعبدوا إشارة إلى ما في الكشاف بعد ما ذكر حقيقتها من الترجي والإشفاق وأنها تكون في كلامه تعالى للإطماع من أنها هنا ليست في شيء لأنّ الرجاء لا يجوز عليه تعالى، وحمله على أنه يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد فلعل هنا مجاز لأنه خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف وركب فيهم العقول والشهوات وأزاح العلة عن أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين ووضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الخير والتقوى فهم في صورة المرجوّ منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل ففي الكلام استعارة لتشبيههم بالمرجوّ منهم، وتشبيهه تعالى بالراجي فإنّ هناك حالة شبيهة بالرجاء وهي إرادته تعالى منهم التقوى فأمّا أن تعتبر استعارة كلمة الترجي للإرادة استعارة تبعية حرفية أو يلاحظ هيئة مركبة من راج ومرجوّ منه ورجاء فت! ون تمثيلية صرّج من ألفاظها بالعمد منها ونوى ما سواه فلا تجوّز في لعل كما مرّ تفصيله إلا أنه قيل إن كلامه يميل إلى الأوّل إلا أنه راعى الأدب فلم يصرّح بنسبة التشبيه إليه تعالى ولا إلى إرادته وإن صزح به فيئ محل آخر لأنه لا تظهر المشابهة بين الإرادة والرجاء إلا باعتبار حال متعلقيهما أعني المكلف والمترجي منه فذكر التشبيه بين حاليهما لتظهر تلك المشابهة في أنّ متعلق كل من الإرادة والترجي متردّد بين الفعل وعدمه مع رجحان ما لجانب الفعل فإنه تعالى وضع بأيديهم زمام الاختيار، وأراد منهم الطاعة كما هو مذهب المعتزلة ونصب لهم أدلة عقلية ونقلية داعية إليه، ووعد وأوعد وألطف بما لا يحصى فلم يبق للمكلف عذر وصار حاله في رجحان اختياره للطاعة مع تمكنه من المعصية كحال المترجي منه في اختياره لما ترجى منه مع تمكنه من خلافه وصارت إرادته تعالى لاتقائه بمنزلة الترجي، ولما كان ما ذكره المصنف أقرب إلى الحقيقة وهو مجاز ما فيه من الابتناء على الاعتزال رجح الأوّل واخاره ولم يلتفت لما أوردوه عليه وأسقط منو قوله وضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الخير لأنه نزغة اعزالية فإذا سلم الكلام منها لم يبق به بأس ولذا قال ابن عطية لما اختار تعلقه بخلقكم لقربه أنه لما ولد كل مولود على الفطرة. كان بحيث إن

11

تأمّله متأمّل توقع منه رجاء أن يكون متقيا، وليس هذا ما في الكشاف بعينه كما توهم بل هو وجه آخر أبقى فيه لعل على حقيقته من الترجي إلا أن الترجي ليس من المتكلم ولا من المخاطب بل من غيرهما كما في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [سورة هود، الآية: 2 ا] ومن نزل عليه كلام المصنف وقال المعنى إنه خلقكم ومن قبلكم والحال أنّ من شأنكم وشأنهم أن يرجو منكم ومنهم التقوى كل من يتأتى منه الر%ظء والتوقع وهذا لا يستلزم تشبيهه تعالى بالمترجي ولا تعيين الراجي خبط وخلط، والذي عليه أرباب الحواشي أنّ هذا بعينه ما في الكشاف والمعطوف عليه قوله والذين من قبلكم. قوله: (في صورة من يرجى منه الخ) هذا صريح في الاستعارة فلا وجه لمن جعله حقيقة والدواعي جمع داعية أو داع لأنه لما لا يعقل والإنسان إذا

اعتقد أنّ له في الفعل أو الترك مصلحة راجحة حصل في قلبه ميل جازم إليه فهذا الاعتقاد سواء نشأ عن علم أو ظن هو المسمى بالداعية مجازا من قولهم دعاه أي طلبه فكأنّ علمه بالمصلحة طلب منه الفعل وقد يسمى الداعي بالغرض!، ومجموع القدرة، والداعية يسمى علة تامّة كما ذكره الأصوليون وفسرت هنا بالزواجر والمرغبات وعلى هذا الوجه الترجي مستعار للإرادة، كما صرّح به السيد وغيره وهو مع ظهوره قيل عليةلم! أن في شرح المقاصد أن الإرادة عند محققي المعتزلة العلم بما في الفعل من المصلحة ولا شك أنه لا شك في أنه لا مشابهة بين العلم والترجي أصلًا فلا يظهر اعتباره في الآية ويمكن أن يقال إنه نقل في شرح المقاصد أيضا عن الكعبيّ من المعتزلة أنّ إرادة فعل الغير الأمر به فيندفع الإشكال إذ المراد بالأمر الظلب بقي أنّ المشابهة بين الرجاء والإرادة بمعنى الطلب أو الصفة المرجحة المخصصة للفعل ظاهرة بلا حاجة إلى اعتبار المترجي منه والمراد منه على أنّ المتبادر من تقديره قدس سرّه أنّ المعتبر في الترجي رجحان جانب الفعل بحسب الوقوع في نفس الأمر وليس كذلك إذ يكفي ترجيحه في نظر الزواجر وهذا كله من ضيق العطن وتكثير السواد بما لا يليق بمثله فإنّ العلم ليس مطلقا بل علم مصلحة الفعل ولا خفاء في مشابهتة للترجي في جانب الوقوع فيهما وما بعده على طرف الثمام. قوله: (وغلب المخاطبين على الفائببن الخ (هذا جواب عن سؤال هو أنه كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون خلق من قبلهم لدّلك فلم قصر عليهم دون من قبلهم، فأجيب بأنه لم يقصر عليهم ولكن غلب المخاطبين على الغائبين في اللفملى والمعنى على إرادتهم جميعًا ولو لم يغلب قيل لعلكم واياهم، وهذا محصل ما في الكشاف إلا أنه قيل على المصنف أنه عمم أوّلًا في قوله الذين من قبلكم لغير العقلاء ثم اعتبر هنا تغليب المخاطبين على من قبلهم العامّ فيلزمه أن يكون ما سوى الإنسان من الجماد والحيوان الداخل فيمن قبلهم مطلوبا منه التقوى وإنما لزمه هذا من جمعه بين كلام الراغب والزمخشري، فإنّ الزمخشري اعتبر التغليب لكنه لم يعمم الذين من قبلهم لغير العقلاء والرإغب عكس فلما جمع بين كلاميهما لزم منه ما لزم، وأجيب بأنّ قوله لعلكم تتقون إذا كان حالًا من ضمير اعبدوا تناول الذين من قبلكم العقلاء وغيرهم وهو الذي اختاره الراغب واقتصر عليه وإذا كان حالًا من مفعول خلقكم والمعطوف عليه كان المراد بقوله الذين من قبلقم الأمم السالفة وهو الذي اختاره في الكشاف والتغليب مختص بهذا الوجه فكأنه قال أو عن مفعول خلقكم والمعطوف عليه لا على غعنى جعله متناولًا لغير ذي العقول بل على أنه خلقكم ومن قبلكم من الأمم السالفة وغلب المخاطبين من الأمم على الغائبين منهم فلا إشكال فيه. وأمّا جعل هذا التفاتًا لمن ذكر بطريق الغيبة من غير حاجة إلى التغليب فقيل إنه لم يلتفت إليه لأنه لا يجوز صرف الخطاب عن جماعة إلى جماعة أشمل من الأولى في كلام واحد ولا يخفى عليك أنه لا بد من التغليب في قوله الذين من قبلكم أيضًا لأنّ الذين ونحوه من صيغ جمع المذكر السالم مخصوص بالعقلاء فإطلاقه على غيرهم إنما يكون

بطريق التغليب وحينئذ فلا مانع من أن ينسب إلى الجميع ما ينسب إلى بعضهم من ترجي التقوى ويتبنى هذا على التغليب والاختلاط السابق كما يقال بنو فلان قتلوا قتيلًا والقاتل واحد منهم ففي الكلام حينئذ تغليبان أحدهما: في اللفظ والآخر: في النسبة فإنّ التغليب كما يكون في طرفي

12

القضية يكون في نسبتها كما صرّحوا به واجتماع تغليبين في لفظ واحد وارد في القرآن كما صرّح به في شرح التلخيص والمفتاح في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [سورة الشورى، الآية: 11] وهذا ليس بأبعد مما اذعاه من غير بينة فتأمّل.

قوله: (وقيل تعليل الخ (في الكث اف لعل جاءت للأطماع روتي القرآن من كريم رحيم إذا

أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة لجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه وهو معنى ما قيل من أنها بمعنى كي لأنها لا تكون بمعنى كي حقيقة وأيضا فمن ديدن الملوك وعادتهم أن يقتصروا في مواعيدهم المن! ش ة على عسى ولعل ونحوهما أو يخيلوا إخالة رمزة وابتسامة، فإذا عثر على شيء من ذلك لم يبق شك في النجاج والفوز بالمطلوب وعلى هذا ورد كلام مالك الملوك ذي الكبرياء أو جاء على طريق الإطماع لئلا يتكل العباد كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سورة التحريم، الآية: 8] والأطماع إيقاع الغير في الطمع والطمع كما قاله الراغب نزوع النفس إلى الشيء فهو توجيه فيما له ترجي المخاطب وهو الذي أراده فإنّ معاني الألفاظ كما تكون بالنسبة إلى المتكلم تكون بالنسبة للمخاطب وغيره حقيقة فهو معنى حقيقيّ أيضًا للعل واليه أشار الشريف في شرحه، وهو معنى قول الراغب الطمع والإشفاق لا يصح على الله ولعل وان كان طمعًا فإنه يقتضي في كلامهم أن يكون تارة طمع المخاطب وتارة طمع غيره وتحقيق هذا المقام، وتطبيق مفاصل كلام العلامة من مزالّ الإقدام التي خبط فيها شراحه، والحق الحقيق بالقبول ما تلخص من كلام بعض الفحول، وهو أنه أراد أنها للتحقئين إلا أنه أبرز في صورة الأطماع وترجية الغير إمّا لإظهار أنه لا فرق بين أطماعه في شيء وبين جزمه بإعطائه لاقتضاء كرمه ذلك أو لسلوك طريق الملوك في إظهار الكبرياء وقلة الاعتداد بالأشياء أو للتنبيه على أنّ حق العباد أن لا يتكلوا على العبادة بل يقفوا بين الخوف والرجاء، ولما ذهب ابن الأنبارقي وغيره إلى أنّ لعل تجيء بمعنى كي حتى حملوها عليه في كل موضمع امتنع فيه الترجي سواء كان إطماعًا أو لا أشار إلى توجيه ما قالوه بأنهم لم يريدوا أنها بمعنى كي حقيقة لأنّ أهل اللغة يعدّوه من معانيها ولذا لم تقع في موضعها في نحو دخلت على المريض كي أعوده ولا يقول به أحد فالمراد أنّ ما بعدها، إذا صدر من كريم على سبيل الأطماع سيلحق عقب ما قبلها تحقق الغاية عقيب ما هي سبب له فكأنها بمعنى كي ولا يجري هذا إلا في الإطماعية دون غيرها. وقيل مقصوده الردّ عليهم مشيرًا لمنشأ توهمهم وفيه أنه توهم عامّ منشؤه خاص وقد ارتضاه بعضهم ونزل عليه كلام المصنف رحمه الله والظاهر ما ارتضاه قدس سرّه، وما قيل من أنّ من فسرها بكي لا يدعي أنها حقيقة

في معناها حتى يكونا مترادفين يصح وقوع كل منهما في موقع الآخر بل مجاز فلا يقتضي صحة وقوعها في جميع مواقع كي حتى يلزم صحة نحو لعلي أعوده مع أنه لا يلزم من كون لفظ بمعنى آخر أن يعطي له جميع أحكامه ولم يدعوا أنه لا فرق بينهما أصلا ولا نسلم الاتفاق على عدم صلوحها لمجرّد معنى العلية بل الظاهر الاتفاق على خلافه لأنّ جمهور المفسرين حتى الزمخشريّ والمصنف فسروها بكي في مواضمع كثيرة كما سيأتي نيه ما فيه ثم إنّ كثيرا من أهل اللغة والعربية " تد عدوه من معانيها كما نقل عن سيبوبه وقطرب، أقول لك أن تقول إنّ الأطماع بمعنى الترجي إذا كان معنى حقيقيًا يكنى به بقرينة مقام الكبرياء عن تحقق ما بعدها على عادة الكبراء كما قال زهير:

غمرالرداءإذاتبسم ضاحكا عتقت لضحكته رقاب المال

ثم يتجوّز به عن كل متحقق كتحقق العلة سواء كان معه أطماع أم لا كما قرّروه في المجاز المبنيّ على الكناية في نحو لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم فالعلامة اختاره لأنّ المجاز أولى من الاشتراك عنده لا سيما وهو أبلغ وفيه جمع لنشر كلام القوم ولا ينافي حيئ! ذ تفسيره به وكيف لا وقد صرّح به وقال إنها جاءت كذلك في مواضع من القرآن فإن نزل كلام المصنف عليه بصرف قوله إذ لم يثبت في اللغة إلى أنه لم لثت على أنه معنى حقيقيّ فيها ونعمت والا يدفع ما يرد عليه حيث فسر به بأنه تغ فيه غيره وان لم يكن مرضيًا له

13

وهي شنشنة من أخزم، نعم كلام كثير من أهل العربية يدلّ على أنه معنى حقيقيّ لها ولكل وجهة يرضاها وليكن هذا على ذكر منك ينفعك فيما سيأتي. قوله: (كما قال سبحانه وتعالى وما خلقت الخ) إشارة إلى جواب سؤال تقديره كيف يصح جعلها بمعنى كي وأفعاله تعالى على المشهور لا قعلل بالأغراض عند الأشاعرة خلافا للمعتزلة فلا يقال فعل كذا لكذا بل لحكمة لأنّ الأصح خلافه حتى قال صدر الشريعة رحمه الله أفعاله تعالى معللة بمصالح العباد عندنا مع أنه لا يجب عليه الأصلح وما أبعد عن الحق من قال إنها غير معللة بها فإنّ بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لاهتداء الخلق واظهار المعجزات فمن أنكر تعليل بعض الأفعال لا سيما الأحكام الشرعية كالحدود فقد أنكر النبوّة ولذا كان القياس حجة وأمّا الوقوف على ذلك في كل محل فلا يلزم، والحق أنّ الخلاف في هذه المسألة لفظيّ فان فسرت العلة والغرض بما يتوقف عليه ويستكمل به الفاعل امتنع ذلك في حقه تعالى وان فسرت بالحكمة والثمرة المترتبة على الفعل فلا شبهة في وقوعها كما قيل:

من عرف الله أزال التهمه وقال كل فعله لحكمه

ولما لم يصح عند الأشاعرة استعارة لعل للإرادة لاستلزامها وقوع المراد جعلوها مجازا

عن الطلب الأعمّ وحيث فسرت بالإرادة فيتجوّز عن الطلب وأمّا التعليل فقد عرفته آنفًا. قوله؟

(وهو ضعيف الخ) استشكل بأنه مناف لتفسيرهم به في آيات كثيرة ولتصريح النحاة به واستشهادهم عليه بكلام فصحاء العرب كقوله:

فقلتهم لنا كفوا الحروب لعلنا نك! ووثقتم لناكل موثق

فإنّ قوله وثقتم الخ يقتضي عدم التردّد في الوقوع كما في الترجي وبهذا يتعين أنها بمعنى

كي ووجه بأنه استعارة للطلب فإمّا أن يجعل مفعولًا له أي خلقكم لطلب التقوى والتعليل مستفاد من ربطها بما قبلها أو حالًا أي خلقهم طالبا منهم التقوى ولا يخفى ما فيه من التعسف وأنت إذا عرفت ما قرّرناه استغنيت عن مثل هذه التكلفات. قوله: (والآية تدلّ على أنّ الطريق إلى معرفة الله تعالى الخ) هذه الدلالة ليست بطريق البرهان العقليّ وإنما هي بطريق الإشارة من عرض الكلام وفحوى المعنى ووجهه بعد العلم بأنّ المراد بمعرفة الله التصديق بوجوده متصفا بصفاته اللائقة بجلال ذاته، ووحدانيته بفتح الواو تفرّده ة ي جميع شؤونه بحيث لا يصح عليه التجزي ولا التكثير ولا يشاركه شيء أصلًا وأصله الوحدية فزيد فيه ألف ونون على خلاف القياس للمبالغة كما قيل في نفسانيّ وروحانيّ وهو وان شاع لم يذكره أهل اللغة بخصوصه، والعلم معطوف على المعرفة والفرق بينهما مشهور، والصنع إجادة الفعل فهو أخص منه، والاستدلال إقامة الدليل بأنه لما أمر وجوبا بعبادته توقف ذلك على معرفته فيجب أيضًا لوجوب ما لا يتمّ الواجب إلا به واستحقاقه العبادة عامّة مأخوذ من هذا الأمر لأنه لو لم يستحق لم يجب أو من عنوان الربوبية لأنّ المالك الانقياد والخضوع له والنظر في مصنوعاته من الأنفس والآفاق يدلّ على ذلك لأنها محدثات مبتدعة في غاية الإتقان فلا بدّ لها من موجد واجب الوجود لئلا يتسلسل ويلزم المحال كما تقرّر في- الأصول، وعقة الاحتياج الإمكان أو الحدوث أو هما كما هو مشهور، والمصنوعات دلّ عليها قوله تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿رِزْقًا﴾، ووجه الترتيب أن أقرب الأشياء إلى الناظر نفسه وأحواله الدال عليها قوله خلقكم فلذا قدم ثم اتبع بالأصول وما يليه، وتعين النظر طريقًا إلى المعرفة يفهم من التوصيف المقصود منه تعيين الرب بمصنوعاته المأمور بعبادته فكأنه قيل إن لم تعرفوا المستحق للعبادة الواجبة فهو من اتصف بما ذكر، ولا شك أنه إشارة إلى طريق النظر والفكر وأمّا كونه طريقا للتوحيد فقيل لأنّ السياق له وما ذكر طريق لمعرفته، وأمّا الاستحقاق فمن تعليق الحكم بالوصف المشتق المشعر بالعلية التي لا تعرف إلا بالنظر في الصنع وبما ذكرناه علم أنه لا يرد على المصنف رحمه الله ما قيل من أنّ ما ذكره ظاهر لو كانت العبادة بمعنى المعرفة كما فسر به قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية: 56] أو كانت

14

شاملة لها وإلا ففيه خفاء لما عرفته من وجه التفسير بها. قوله: (وأن العبد لا يستحق الخ الأنه

تفضل بخلقه وإيجاده وتربيته واعطائه ما به قوامه فلو فكر في كل عضو عضو وما ركب فيه من القوى والحواس لوجده أنعم عليه قبل عبادته بما لا يحصى مما لا تفي الطاقة البشرية بشكره ولا تقاوم عبادته بعضًا منه فكيف يستحق بها شيئا آخر كما لا يخفى وهذا مستفاد من تعليق الأمر بالرب الموصوف بما ذكر وبهذا ظهر موقع لعل هنا لمن تدبر. واعلم أنه سأل في الكشاف لم يقل في النظم تعبدون لأجل اعبدوا أو اتقوا لمكان تتقون ليتجاوب طرفا النظم أي ليتناسب أوّل الكلام وآخره إذ معناه حينئذ اشتغلوا بالأمر الذي خلقتكم لأجله مع اشتماله على صنعة بديعة من ردّ العجز على الصدور وما في النظم يوهم أنّ المعنى اشتغلوا بما جلقتم لغيره وهو متنافر وأجاب بأنّ التقوى ليست غير العبادة حتى يؤدّي إلى تنافر النظم وإنما التقوى قصارى أمر العابد فإذا قال اعبدوا ربكم الذي خلقكم للاستيلاء على أقصى غايات العبادة كان أبعث على العبادة وأشد إلزاما ونحوه أن تقول لعبدك احمل خريطة الكتب فما ملكتك إلا لجرّ الأثقال، ولو قلت لحمل الخرائط لم يقع ذلك الموقع، وقال أبو حيان رحمه الله إنه ليس بشيء لأنه لا يمكن هنا تجاوب طرفي النظم على تقدير اعبدوا لعلكم تعبدون أو اتقوا لعلكم تتقون لما فيه من الغثاثة والفساد لأنه كقولك اضرب زيدا لعلك تضربه وتلقاه بعضهم بالقبول حتى قيل: إنّ المصنف إنما تركه لهذا أو لخفائه، مع أنه مبنيّ على أنّ لعل للتجليل فإنه إنما يحسن على ذلك التقدير، وهو مخالف لما قدمه من أنها ليست بهذا المعنى وما في شروحه من تقرير الجواب على وجه يدفع الغثاثة المذكورة كما قال قدس سرّه حاصل الجواب أنّ الملاءمة حاصلة بحسب المعنى مع مبالغة تامّة في إلزام العبادة كما صوّرها في المثال فإنّ الأخذ بالأشق الأصعب يسه!! الشاق الصعب ويعين على تحصيله وهو محل بحث فليتدبر. قوله:) صفة ثانية) هذا الموصول محتمل للرفع والنصف من أوجه، فالنصب إمّا على القطع بتقدير أعني أو على أنه نعت ربكم أو بدل منه أو مفعول تتقون، ورجحه أبو البقاء أو نعت الأوّل لكهم قالوا: إنّ النعت لا ينعت عند بعضهم فإن جاء ما يوهمه جعل نعتا ثانيا إلا أن يمنع منه مانع فيكون نعتا للثاني نحو يا أيها الفارس ذو الجمة فذو الجمة نعت للفارس لا لأيّ لأنها لا تنعت إلا بما تقدم ذكره وقد يعتذر بأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل مع أنّ نعت نعت أفي لغلبة الجمود فيه لا يقاس عليه والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبر. جملة فلا تجعلوا وأورد عليه أنّ صلته ماضية فلا تشبه الشرط حتى تزاد الفاء في خبره وأنه لا راد علة فيه وأنّ الإنشاء لا يكون خبرا في الأكثر وأجيمب بأنّ الؤاء قد تدخل في خبر الموصولة بالماضي كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ [سورة البروج، الآية: 0 ا] كما ذكره الرضي وأنّ الاسم الظاهر وهو الله هنا يقوم مقام الضمير عند الأخفش وأنّ الإنشاء يقع خبرا بالتأويل المشهور وكل مصحح لا مرجح ولذا أخره المصنف

وما قيل إنه مبتدأ خبره رزقا لكم بتقدير يرزق أو يرزقكم تكلف بارد. قوله:) وجعل من الأفعال العامّة الخ) قال الراغب جعل لفظ عامّ في الأفعال كلها لأنه أعمّ من فعل وصنع وسائر أخواتها ولها خمسة أوجه فتكون بمعنى طفق فلا تتعدى وبمعنى أوجد فتتعدى لواحد ولإيجاد شيء عن شيء وتكوينه عنه وتصيير شيء على حالة دون حالة وللحكم بشيء على شيء حقًا أو باطلا، وقال السيرافي أنها تكون بمعنيين صنع وعمل فتتعدى لواحد وصير فتتعدى لاثنين لا يجوز الاقتصار على أحدهما وهذه كصير على ثلاثة أوجه الأوّل بمعنى سمي نحو: ﴿جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا إنلأنًا﴾ [سورة الزخرف، الآية: 19] كما تقول! صير زيدًا فاسقا أي بالقول الثاني على معنى الظن والتخيل نحو اجعل الأمير عاميا وكلمه أي صيره في نفسك كذا. الثالث أن تكون بمعنى النقل نحو جعلت الطين خزفًا أي نقلته من حالة إلى أخرى وقد لا يكون مدخول صار جملة نحو صار زيد إلى عمرو اأتهى. وطفق يطفق كجلس وضرب ويقال طبق بالباء من أفعال المقاربة النواسخ تدخل على المبتدأ والخبر فترتفع وتنصب ومعناها الشروع في الفعل والتلبس بأوائله ومنصوبها لفظا أو محلا خبرها فلذا قال المصنف رحمه الله تبعا للراغب

15

فلا يتعدى. وهي في الآية بمعنى صير كما سيشير إليه المصنف رحمه الله، وقيل تحتمل معنى أوجد أيضًا أي أوجد الأرض حالة كونها مبسوطة مفترشة لكم فلا تحتاجون لبسطها والسعي في جعلها مفترشة. قوله: (وقد جعلت قلوص بني سهيل الخ) هذا من شعر في الحماسة ومنه: ولست بنازل إلا ألمت برحلي أوخيالتها الكذوب

وقدجعلت قلوص بني سهيل من اكواومرتعهاقريب

كان لها برحل القوم مثوى رما إن طيها إلا اللغوب

واستشهد به المصنف رحمه الله تبعا للنحاة في أنّ جعل بمعنى طفق من أفعال المقاربة فترفع

الاسم وتنصب الخبر واسمها هنا قلوص المرفوع، إلا أنّ خبرها وقع جملة اسمية منصوبة محلًا وهو معنى قوله فلا يتعدّى كما سمعته آنفا، وهكذا ذكره في المغني في باب اللام وفي التسهيل والأصل في خبرها أن يكون مضارعا لكنه جاء شذوذًا على خلافه كما هنا وليس بمتفق عليه رواية ودراية فذهب إلتبريزي في شرح الحماسة إلى أنّ جعل بمعنى طفق لا يتعدى هنا حقيقة، وقوله مرتعها قريب في موضمع الحال أي أقبلت قلوص هذين الرجلين قريبة المرتع من رحالهم لما بها من الإعياء فجعلها لازمة فقول المصنف فلا يتعدى يجوز إبقاؤه على ظاهره كما ذهب إليه بعض أرباب الحواشي وعلى هذا يجوز إرجاع قوله فلا يتعدى إلى صار أيضًا لأنها تكون لازمة لكن المصرح به في كتب العربية خلافه، ورواه ابني سهيل بتثنية ابن وسهيل اسم وعلى الأوّل! هو اسم قبيلة وقال أبو العلاء: رفع قلوص رديء لأنّ جعل إذا كانت للمقاربة يكون خبرها فعلا فالأحسن نصب قلوص ويكون في جعلت ضمير يعود على المذكور وجعلت ليست للمقاربة بل بمعنى

صيرت فلا تفتقر إلى فعل ومرتعها قريب جملة في موضع المفعول الثاني وذكر مسألة الشلويين ويؤيده أنه روي بنصب قلوص والقلو عالفتية من الإبل أوّل ما تركب وا! وار جمع كور بالضم والراء المهملة قبلها واو ساكنة الرحل بأدأته كما قاله المرزوقي وغيره فمن قال إنه بالفتح بمعنى جماعة كثيرة من الإبل لم يصب رواية ودراية، ومرتعها مرعاها وقربه لإعيائها لا لكثرة الخصب كما توهم لأنّ الأوّل هو المروي ويعينه قوله اللغوب في البيت الذي يليه، فقد عرفت أنّ قلوص في البيت يرفع وينصب وأنه يصح أن يقال بني وابني كما في شرح شواهد المغني وغيره، وقوله بمعنى صار معنى مستقل غير معنى طفق فمن قال ضم صار إلى طفق مع أنّ صار ليس من أفعال المقاربة إشارة إلى ما ذكره بعض المحققين من أن طفق ونحوها ليس من أفعال المقاربة الموضوعة لدنو الخبر بل موضوعة لشروع فاعله في معنى الخبر فقد خلط وخبط خبط عشواء، واعلم أنّ قول المصنف أو مبتدأ مما سبقه إليه بعض المعربين فذكره المصنف رحمه الله تكميلا للوجوه ولا ينافيه أن يكون فيه ضعف من جهة ما ولا وجه للتشنيع عليه تبعًا لبعض أرباب الحواشي، بقوله إنه أخطأ حيث توهم أن قوله في الكشاف رفع على الابتداء معناه أنه مبتدأ أو مرإده أنه خبر، وإنما عبر به لأن العامل في الخبر عنده الابتداء وأورد عليه أنّ الفاء في الخبر تدل على السببية والصفات المذكورة ليست مقتضية لنفي الإشراك وأطال بغير طائل مما تركه خير منه لكنا نبهناك عليه لئلا يظن بعض العقول القاصرة في سرابه ماء فتدبر. قوله: (وبمعنى صير فيتعدّى الخ (التصيير هو انتقال الشيء من حال إلى حال وخلع المادّة صورة ولبس أخرى وهذا هو الذي يكون بالفعل نحو صيرت الحديد سيفا والسبيكة سوارًا وقد يكون بالقول كالتسمية في جعلوا الملائكة إناثا وقد يكون بالعقد أي بتصميم الحكم نحو جاعلوه من المرسلين وجمع المصنف رحمه الله بين القول والعقد لتقاربهما وتلازمهما غالبا وعدم التأثر الحسيّ فيهما ومنه الانتقال إلى حال شرفي كتأثير إحياء الموات في انتقاله إلى الملك وتأثير عقد النكاح، وقيل المراد بالعقد الاعتقاد فإن من يعتقد في شيء أمرًا انتقل إليه في اعتقاده، وقيل المراد بالعقد العقد الشرعي المحتوي على الإيجاب والقبول وليس بشيء، وكون قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾ مما تعدى لمفعولين هو الظاهر وقد جوّز أنّ الجعل فيها بمعنى الإيجاد متعد لواحد وفراشًا حال كما مرّ.

16

قوله: (ومعنى جعلها فراشًا الخ) الفراس معروف وما ذكره المصنف رحمه الله ملخص من قول الإمام أنّ مقتضى طبع الأرض! أن يكون الماء محيط بأعلاها لثقلها ولو كانت كذلك لما كانت فراشًا فأخرج الله بعضها، ومن الناس من زعم أنّ كونها فراشًا ينافي كونها كرية كما هو مبرهن في علم الهيئة وليس بشيء لأنّ الكرة إذا عظمت كان كل قطعة منها كالسطح في افتراشه، وقول المصنف رحمه الله من الإحاطة

بها فيه تسمح والأحسن أن يقول كما قال الإمام محيطًا بأعلاها كما لا يخفى. قوله: (متوسطة الخ) التوسط في الأجسام الوقوع في وسطها وهو ظاهر، وفي المعاني والكيفيات الاعتدال من بينها كما هنا فإنها لوكانت كلها صلبة لشق التمكن عليها لتألم الأعضاء ولوكنت لطيفة كالماء والهواء صعب الاستقرار عليها كما لو كانت لينة كالقطن. قوله: (قبة مضروبة الخ) البناء كل ما يرفع ليكتن به صواء كان بيتًا أو خيمة وقد غلب في الأوّل حتى صار حقيقة عرفية فيه وفسره بالقبة وهو أعمّ منها لأنه أكثر وقد جوّز في السماء أن يشمل المجموع وكل طبقة وجهة منها وأن يكون اسم جنس جمعيّ يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمرة وتمر وهم يطلقون عليه الجمع أيضًا وواحده سماءة بالهمز والمد، ويقال أيضًا سماوة بالواو وأمّا سمأة بسكون الميم قبل الهمزة بزنة طلحة فخطأ والبناء مصدر أطلق على المبنيّ بيتًا كان أو قبة أو خباء أو طرافًا وفي الكشهء وغيره من الشروح الأوّل من شعر، والثاني من لبن، والثالث من وبر أو صوف والرابع، من أدم وفي الثاني نظر استعمالًا وفي فقه اللغة عن ابن السكيت ولست من صحة بعضه على يقين خباء من صوف، بجاد من وبر فسطاط من شعر سرادق من كرسف قشع من جلود طراف من أدم حظيرة من شذب خيمة من شجر أقنة من حجر قبة من لبن سترة من مدر، وقوله بنى على أهله الأهل عشيرة الرجل وأقاربه، ويكون بمعنى الزوجة وهو المراد لأنه كان من عادتهم أن يضربوا للعروس خيمة للدخول عليها ويقال بنى على أهله إذا دخل عليها عروسًا وتعديته بعلى والناس يقولون بنى بأهله وفي الدرة أنه خطأ والصحيح جوازه سماعا وقياسًا كما بيناه في شرحها. قوله: (وخروج الثمار الخ) خروج الأشياء تكوّنها وبروزها وقوله بقدرة الله تعالى ومشيئته إشارة إلى مختار الأشاعرة من أنّ القدرة والإرادة مجموعين هما اللذان يقتضيان وجود الموجودات من غير احتياج إلى صفة التكوين التي أثبتها الماتريدية كما هو مبين في الكلام وقوله جعل الماء الخ جواب عن سؤال مقدّر وهو ما معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرته وارادته بأنه سبب عاديّ يخلقه الله تعالى ويعني به أنّ عروق الأشجار والنبات التي هي بمنزلة الأرحام أو الأفواه لها تجذب من الرطوبة الأرضية ماء مخلوطا بأجزاء دقيقة لطيفة ترابية هي بمنزلة نطفة يتولد منها الثمار والأزهار أو هي لها بمنزلة المأكل والمشرب فإذا صعد بها إلى الأغصان وطبخت بالشمس والهواء صارت كالكيموس والغذاء الذي يحصل به النماء فيتولد منه ذلك بقدرة خفية وعادة الأهية من غير تأثير لشيء بالذات والواسطة في تكوّنها، والإفاضة استعارة للإعطاء والتفصيل وفيه لطف هنا لمناسبته للماء وفي

جعل ما يجتذب كالنطفة إشارة إلى قوله في الكشاف ما سوّاه عز وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار وفيه إيماء إلى قول الحكماء إنّ الأجرام العلوية كالآباء والسفلية كالأمهات التي تلد الموجودات وتربيها في مهد الوجود وكون النطفة مادّة وسببا ظاهر لأنها أصل الأجزاء وسبب ليكون ما عداها منعقدًا معها كالمنشا، والمراد بالصور الأشكال، والكيفيات هي الطعوبم والألوان. قوله: (أو أبدع في الماء قوّة فاعلة الخ) يعني أنّ الباء على ما مر من مذصب أهل السئنة للسببية العادية وعلى هذا وهو ما ذهب إليه الحكماء للسببية الحقيقية والإبداع الإيجاد وقد يطلق عندهم على إيجاد شيء غير مسبوق بمادّة ولا زمان كالإنشاء ويقابله التكوين، والقوّة رسمت بأنها مبدأ الفعل مطلقأ سواء كان الفعل مختلفا أو غير مختلف بشعور وارادة أولًا وقيل هي مبدأ التغير في آخر من حيث هو آخر وهذا هو المراد هنا، وهي تنقسم إلى قوى طبيعية ونفسانية وما هنا من الطبيعية التي بلا شعور، والمراد

17

بنفوس الأسباب أعيانها وذواتها، ومدرجا بكسر الراء حال من ضمير له أو من إنشائها وكونه مفعولًا ثانيًا للإنشاء بتضمينه معنى الجعل والتصميير تكلف ما لا حاجة إليه وقوله من اجتماعهما الضمير للقوّتين أو للماء والتراب، والصنائع جمع صناعة أو صنيعة بمعنى نعمة، والسكون بمعنى الاستئناس والاطمئنان وعظيم قدرته وقع في نسخة بدله عظم قدرته بصيغة المصدر مثل كبر لفظ! ًا ومعنى، والعبر جمع عبرة كسدرة وسدر الاعتبار والاتعاظ، وقوله وهو سبحانه وتعالى قادر الخ تطبيق لما قالوه على قانون الشرع فإنّ الحكماء لا ينكر " - ن أنه قادر على خلقها ابتداء من غير أسباب ومواد كما ابتدأ خلق الأسباب والمواذ وأبرزها من بطون العدم إلى ظهور الوجود لكن جرت حكمته بعقد الأمور بأسبابها الأقرب إلى العقول لأنه إدل على قوّة قدرته ووفور حكمته لما فيه من خلق الأسباب مستعدة لما أفاضه عليها من التأثير وأدل على عظمته من خلقها دفعة بغير أسباب، وفي رسائل إخوان الصفاء في النبات حكم وصنائع ظاهرة جليلة لا تخفى ولكن صنائعها مختفية محتجبة وهي التي تسميها الفلاسفة القوى الطبيعية ويسميها أهل الشرع ملائكة وجنود الله الموكلين بتربية النبات والمعنى واحد وإنما نسبت هذه المصنوعات إلى القوى والملائكة دون الله لأنه جلت عظمته عن مباشرة الأجسام والحركات الجزئية كما تجل الملوك والرؤساء عن مباشرة الأفعال وان كانت منسوبة إليهم لأنها بأمرهم وارادتهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [سورة الأنفال، الآية: 17] ومن لم يفهم سره قال إنشاؤها دفعة أدلّ على القدرة وأغرب منه قوله أنّ المصنف إن أراد بالقوّة الفاعلة المؤثر الحقيقيّ كان خلاف مذهب أهل السنة والا لم يصح قوله يتولد الخ وقصر السببية على الماء والتراب لأنّ بهما القوام وهما أعظم الأجزاء المادية، ولذا قال خلقه من تراب ومن الماء كل شيء حيّ فسقط ما قيل من أنّ في هذا الاقتصار قصورا، لأنها من العناصر الأربعة. قوله: (ومن الأولى للايتداء الخ) السماء من

السموّ فلذا قالوا: إنّ أصل معناها لغة كل ما علا سواء كان فلكًا أو سحابًا أو نفقا، وحقيقته في العرف يختص بالفلك فإن كان بهذا المعنى فهو ظاهر لأنه المتبادر منه على ما يقتضيه ظواهر الآيات والأحاديث لقوله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الزمر، الآية: 21] وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء﴾ [سورة البقرة، الآية: 19] وأمثاله وورد في الحديث عنه ﷺ: " المطر ماء يخرج من تحت العرش فينزل من سماء إلى سماء حتى يجتمع في السماء الدنيا في موضع يقال له الأبزم فتجيء السحاب السود فتدخله فتشربه مثل شرب الإسفنجة فيسوقها الله حيث ماء " وهكذا ورد في، أحاديث كثيرة، وتأويلها بعيد من غير حاجة إليه ومن ذصب إلى خلافه أوّل الآيات بأنّ المراد أنها تنزل من السحاب، وهو يسمي سماء لعلوه أو أنه ينشأ من أسباب سماوية وتأثيرات أثيرية فهو مبدأ مجازي له واليه أشار المصنف رحمه الله وتفصيله كما في كتب الحكمة الطبيعية أنّ الشمس إذا سامتت بعض البحار والبراري أثارت من البحار بخارا رطبا ومن البراري بخارًا يابسا والبخار أجزاء هوائية يمازجها أجزاء صغار مائية لطفت بالحرارة حتى لا تتمايز في الحس لغاية صغرها فإذا صعد البخار إلى طبقة الهواء الثالثة تكاثف فإن لم يكن البرد قويا اجتمع ذلك البخار وتقاطر لثقله بالتكاثف فالمجتمع هو السحاب والمتقاطر المطر، وان كان قويا كان ثلجًا وبردًا وقد لا ينعقد سحابًا ويسمى ضبابا، وتثير مضارع أثار التراب والغبار إذا حركه حتى يرتفع، وقوله من أعماق الأرض جمع عمق والمراد به داخلها والمراد بالأرض جهة السفل فيشمل البحار والأنهار لما عرفته مما قرّرناه لك فسقط ما قيل من أنه لا حاجة لهذا، لأنّ الأكثر ارتفاعها من البحار والأنهار والجوهر ما بين الأرض والسماء لا الهواء نفسه حتى يكون من إضافة الشيء إلى نفسه فيحتاج إلى التأويل وان كان هو أحد معانيه. قوله: (من الثانية للتبعيض) بخلاف الأولى وان جوّز فيها على أنّ التقدير أنزل من مياه السماء لما فيه من التكلف وأقرب منه ما قيل إنها للسببية كقوله تعالى: ﴿مَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [سورة نوح، الآية: 25] وقوله بدليل قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾ [سورة فاطر، الآية: 27] استشهاد بنظائره فإنّ التنكير في هذه الآية وتنوينه يدلّ على البعضية في، دره منها لا سيما مع جموع القلة وقوله واكتناف المنكرين له أي

18

وقوعهما قبله وبعده من الكنف بفتحتين وهو الجانب ويقال اكتنفه القوم إذا كانوا منه يمنة وش! رة

كما في المصباح فكون ما بعده وما قبله أعني ماء ورزقا محمولين على البعض يقتضي كونه موافقا لهما وقوله كأنه قال الخ بيان لحاصل المعنى لا إشارة إلى أنه مفعول أخرح لتأويل ممن ببعض أو لجعله صفة للمفعول سدّت مسدّة أو اسم وقع مفعولًا ورزقا مفعول له أو مفعول مطلق لأخرج لأنه بمعنى رزق أو حال كما فيل وستأتي تتمته والمعنى شيئا من الثمرات أي بعضها، وأورد عليه أنّ الظاهر أنّ المقدّر مفعول وكلمة من على حالها تبعيضية صفة للمفعول وكون من التبعيضية ظرفا مستقرًّا لم يجوّزه النحاة اللهمّ إلا أن تكون ابتدائية وهو بيان لحاصل المعنى ولا يخفى ما فيه فإنّ كونها ظرفا مستقرًّا أكثر من أن يحص كقوله منهم من كلم الله ولست على ثقة مما ذكر وستأتي تتمة الكلام عليه في قوله: ﴿كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلًا طَيِّبًا﴾ [سورة المائدة، الآية ت 88] الآية. قوله: (إذ لم ينزل من السماء الماء كله الخ) بيان لأن التبعيض هو الموافق للواقع في الثلاثة أي الذي نزل من السماء بعضه فرث ماء هو بعد في السماء، ولم يخرج بالماء المنزل منها كل الثمرات بل بعضها فكم من ثمرة هي بعد غير مخرجة به، والمخرح بعض الرزق لا كله فكم من رزق ليس من الثمار كاللحم، وقد يتوهم أنّ قوله ولا أخرح بالمطر كل الثمار أريد به أنّ بعضها يخرج بماء البحر والعيون فينافي ما سيأتي في سورة الزمر من أن جميع مياه الأرض! من السماء وفساده ظاهر لما مرّ، أقول هذا المتوهم هو الفاضل الطيبي حيث قال: فإن قلت يخالف قوله ولا أخرح بالمطر كل الثمار ما قاله في الزمر كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسم، قلت على تقدير صحة هذه الرواية الفاء في قوله فأخرج به مستدعية للإخراج بعد الإنزال بلا تراخ عادة ومفهومه أن بعضًا من الثمرات يخرج على غير هذه الصورة وهي ما يسقى بماء الآبار والعيون والأنهار فإنها متراخية عن الإنزال لأنه استودعها الجبال ثم أخرجها من الأرض! وأخرج بها بعض الثمرات وتبعه الفاضل اليمني والمدقق في الكشف لم يعرج عليه نفيًا واثباتا وفيما قالوه نظر لا يخفى فإنّ قوله ما أخرج بالمطر كل الثمار يفهم منه أنّ بعضها خرج به وهو صادق على خروج البعض بغيره من المياه كما لا يخفى فكيف يدّعي فساده، فإن قيل إنه غير متعين لم يتنم مذعاهم أيضًا وما قيل من احتمال كون من فيه ابتدائية بتقدير من بذر الثمرات أو تفسير الثمرات بالبذر تعسف ظاهر. قوله: (أو للتبيين الخ) فرزقًا مفعول لأخرج بمعنى مرزوق وفيما ذكر من المثال المراد أن عنده من المال معين هو ألف درهم وقد أنفقه لا أنّ عنده أكثر من ذلك إلا أنه أنفق منه ألفا فإنه على هذا تكون من تبعيضية ولذا ناقثه بعضهم في المثال وان كان مثله غير مسموع من المحصلين وهكذا إذا كانت الثمرات للاستغراق، فإنّ المراد بها الجم الكبير كما أشار إليه في الكشاف والمرزوق هنا هو الثمرات، ولكم صفته وقد كان من الثمرات صفة رزقا فلما قدم صار حالًا

على القاعدة في أمثاله إلا أنه تقدم فيه البيان على المبين، وقد اختلف النحاة فيه فجوّزه الزمخشريّ وتبعه كثير من النحاة والمفسرين ومنعه صاحب الدر المصون وغيره، وقال إنّ من ابتدائية سميت بيانية باعتبار مآل المعنى وبه صرّح بعض أهل العربية ومن التي للبيان لا تكون إلا مستقرًّا حالًا أو صفة، وقد تكون خبرا على كلام فيه سيأتي وفي الكشاف فإن قلت فبم انتصب رزقا، قلت إن كانت من للتبعيض كان انتصابه بأنه مفعول له وان كانت مبينة كان مفعولًا لاخرج يعني أنّ من الثمرات على التبعيض مفعول به لا على أنّ من اسم بل على تقدير شيئًا من الثمرات وتقديره بأخرج بعض الثمرات بيان لحاصل المعنى فرزقا بالمعنى المصدري مفعول له، ولكم ظرف لغو مفعول به لرزقا أي أخرج بعض الثمرات لأجل أنه رزقكم، وقد جوّز فيه أن يكون من الثمرات مفعول أخرج ورزقا حال من المفعول أي مرزوقًا أو نصبا على المصدر لأخرج وعلى التبيين رزقا مفعول أخرج كما مرّ. قوله: (وإنما ساغ الثمرات الخ) هذا جواب سؤال تقديره أنّ جمع السلامة المذكر والمؤنث للقلة والمعنى هنا ليس عليها فلم لم يقل الثمار أو الثمر أمّ كون الثمار جمع كثرة فظاهر، وأما الثمر فاسم جنس جمعيّ، وهو مختلف فيه هل هو للكثرة أو للقلة أو مشترك وما ذكر

19

على تقدير أنه يكون للكثرة وأمّا جمع التصحيح فاختلف فيه أيضا على الوجوه الثلاثة والمشهور المنصور أنه موضوع للقلة وحكاية لنا الجفنات الغرّ تؤيده، ولذا زاد ابن الرباح الإشبيلي على قوله:

بأفعل وبأفعال وأفعلة وفعلة يعرف الأدنى من العدد

قوله:

وسالم الجمع أيضًا داخل معها وذلك الحكم فاحفظها ولا تزد

والحاصل مما ذكره في جوابه أمّا أوّلًا فالثمرات جمع ثمرة أريد بها الكثرة كالثمار لا الوحدة الحقيقية إذ التاء فيها للوحدة الاعتبارية فإنّ كل شيء وان كثر فله وحدة بوجه ما ولي! ص واحد الثمر ثمرة بمعنى واحد مشخص من جنس ألثمر بل ثمار كثيرة عرضت لها وحدة باعتبار ما كوحدة المالك فإنها إذا تلاحقت واجتمعت يطلق عليها ثمرة، فالكثرة المستفادة من الثمرات أكثر من المستفادة من الثمار ولا أقل من المساواة والواحد على هذا الثمرة التي في قولهم أدركت ثمرة بستانه وهي في ذلك القول جنس شامل للأنواع الموجودة في ذلك البستان، وقال ابن الصائغ: في تقريره الثمرات وان كان جمكل! قلة فواحده ثمرة شاملة الثمرات لا فرد من أفراد الثمر، ونظيره قولهم كلمة اأحويدرة لقصيدته المشهورة فهو من إيقاع المفرد موقع الجمع ثم جمعه جمع قلة فإن قيل كان يحصل هذا بالثمار الذي هو جمع كثرة فيقال هذا سؤال دوريّ لحصول المقصود بكل من اللفظين وحاصل ما قالوه برمتهم أنه مع كونه جمع قلة يفيد كثرة أكثر من جمع الكثرة أو مثلها، وقد قيل على هذا أمور منها أنّ الشمول في ثمرة بستانه إنما فهم من الإضافة الاستغراقية لا من المضاف ولا إضافة فيما نحن فيه، وقريب منه ما قيل من أنّ ما

ذكر غير ظاهر لأنا لا نسلمه بسلامة الأمير، وقيل أيضًا الثمار جمع كثرة مفرده ثمر، وهو جنس يشمل ثمارا كثيرة فيفيد ما لا تفيده الثمرات لإحاطته بكل جنس يسمى ثمرا بخلاف الثمرات فإنّ آحاد جمع القلة الجموع التي دون العشرة فلا يتناول ما فوقها بغير قرينة على أنّ الثمرات جمع ثمرة وهي واحدة من جنس الثمر لأنّ التاء للوحدة فالثمر لكونه جنسا أكثر من ثمرة وجمعه أكثر من جمعها سواء كان جمع قلة أو كثرة وليس بشيء (وههنا يحث) وهو أنهم قالوا إنه جمع ثمرة مرادًا بها ما يشمل الثمرات الكثيرة ووحدته اعتبارية، وقال قدس سره: بهغيره أنه إن لم يكن أكثر من الثمرات فليس بأقل منها، وان كان جمع قلة فيقال لهم الوحدة في ثمرة بستانك جاءت من الإضافة بجعل وحدة المحل أو المالك كالوحدة الحقيقية ولا إضافة هنا فلا بد من اعتبار أمر يصير به واحدا وهو إمّا بجعله صنفا أو نوعا أو جنسا من الثمار وليس فيه ما يجعله واحدا غير هذا فإن كان فعليهم البيان حتى ينظر فيه وعلى هذا يقال إن قلته باعتبار أن آحاده أجناس لا تزيد على العشرة وان كان مفرده قائما مقام الجمع وجنسًا تحته ما لا يحصى وكون أجناس الثمار المخرجة بما أنزله الله كذلك غير مناسب للمقام أيضًا، فيعود السؤال وان أراد أن آحاد أجناسه لكونها كثيرة أخرجت الجمع عن القلة لزمهم كون لفظ أجناس وأنواع وأمثالهما جمع كثرة ولا قائل به فلا بد من الالتجاء إلى أن تعريفه أبطل جمعيته فرجع هذا الجواب لما بعده وهو غير صحيح أيضا، وهذا وارد غير مندفع فتدبر. قوله: (ويؤيده قراءة الخ) وهي قراءة محمد بن السقيقع ووجه التأييد أنه ليس المراد بها ثمرة واحدة من غير شبهة فهي واقعة على جماعة الثمار وقوله يتعاور بعضها الخ التعاور من قولهم تعاور القوم كذا واعتوروه إذا تداولوه وتناوبوه فأخذ هذا مرّة وهذا أخرى والمراد أنه يقع كل منهما في موقع الآخر فيكون جمع القلة للكثرة وجمع الكثرة للقلة، وهذا فيما إذا لم يكن للفظ إلا جمعا واحدًا ظاهر، وظاهر كلامهم فيه أنه حقيقة وأمّا إذا كان له جمعان أو جموع فلا يقع أحدهما موقع الآخر منكرا إلا مجازا، وقوله كم تركوا الخ وقع فيه جمع القلة موقع الكثرة لقوله كم فإنها تقتضيها وكذا قوله ثلاثة قروء وقع فيه جمع الكثرة وهو قروء موقع القلة لقوله ثلاثة وفيه كلام سيأتي في محله. قوله: (أو لأنها لما كانت محلاة الخ) إشارة لما تقرّر في كتب الأصول والعربية من أنّ الألف واللام إذا لم تكن للعهد ودخلت على الجموع أبطلت جمعيتها حتى تناولت القلة والكثرة والواحد من غير فرق سواء كانت جنسية أو استغراقية، ومن خصه بالثاني

20

وقال: المحلى باللام الاستغراقية لتناوله الآحاد لا يخرج عن حوزة شمول كل واحد من الآحاد بخلاف المعري عنها فإنه قد يخرج عن استغراقه واحد واثنان فيصدق أن يقال لا رجال في الدار وفيها رجل أو رجلان بخلاف لا رجل فقد ضيق الواسع وقصر لما قصر، وليس ما ذكر

من أمور الجمعية سؤالًا وجوابًا مبيّ على كون من بيانية كما توهم من تعقيبه به لما عرفته من أنّ اللام إذا لم تكن للعهد تبطل الجمعية لصدق مدخولها على القليل والكثير، ولذا قال المصنف رحمه الله: خرجت عن حدّ القلة ولم يقل دخلت في الكثرة والنكتة في العدول عن الظاهر المكشوف، إذ لم يقل من الثمار للإيماء إلى أنّ ما برز في رياض الوجود يفيض مياه الجود كالقليل بالنسبة لثمار الجنة ولما ادّخر في ممالك الغيب. قوله: (إن أريد به المصدر الخ) أي إذا أريد بالرزق المصدر كانت الكاف في لكم مفعولًا به واللام مقوية لتعدي المصدر واليه أشار بقوله رزقا إياكم، فحذف اللام وفصل الضمير تنبيهًا على زيادتها ومفعوليته، ولولاه كان انفصالًا في محل الاتصال وهو قبيح، وان أريد به المرزوق فلكم صفة له متعلقة بمقدر وقال ابن عقيل بعدما ذكر عن أبي حيان رحمه الله لا يمتنع عكس هذا. قوله: (متعلق باعبدوا على أنه منهي الخ) المراد بالتعلق التعلق المعنويّ، كلعطف وغيره فهو مجرد ارتباط بينهما وفي الكشاف فيه ثلاثة أوجه أن يتعلق بالأمر أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له أندد الآن أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن لا يجعل لله ند ولا شريك واختلف الشراح فيه وهل هو بعينه ما ذكره المصنف رحمه الله على أنه تلخيص له كما هو دأبه أو لا فذهب ابن الصائغ إلى اتحادهما وقال إنه عطف نهي على أمر للاشتراك في الطلب وهو من عطف المسبب على السبب وفيه نظر فالفاء عاطفة جملة على جملة ولا ناهية والفعل مجزوم بها لسقوط نونه وقال الطيبي رحمه الله أن لا نافية، وهو منصوب جوابا للأمر ولذا علله بقوله لأن أصل العبادة الخ فالفاء جوابية لأنها إما عاطفة أو جواب لشرط أو ما في معناه كالأمر أو زائدة، وفي الكشف تبعا للرازي معناه اعبدوا فلا تجعلوا وفيه إرشاد لأن العبادة تتناول التوحيد، وقوله لأنّ الخ تصريح بذلك فيحتمل أن يكون عطف نهي على أمر، ويحتمل أن يكرن جواب الأمر والأوّل أقرب لفظًا لعدم الإضمار والتأويل، ومعنى لأن التصريح بالنهي أبلغ مع استفادة ما يستفاد من النصب لجعله محتملا للموافقة والمخالفة وجزم الفاضلان بخلافه فقالا إنه نهي متعلق باعبدوا متفرع على مضمونه على معنى إذأ كنتم مأمورين بعبادة ربكم وهو مستحق للعبادة فلا تشركوا لتكون عبادتكم على أصل وأساس فإنّ أصل العبادة وأساسها التوحيد وهذا أولى من جعل القاضي له معطوفا على الأمر لأن الأنسب حينئذ العطف بالواو كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [سورة النساء، الآية: 36] وسيأتي ما فيه، وقيل وجه جواز العطف في الجملة إن تجرّد الفاء المجرّد العطف بلا تعقيب وبعتبر التعقيب بين الأمر والنهي عنه أو يراد بالعبادة قصدها وإرادتها وبصح جعل لا تجعلوا جوابا للأمر ولا يخفى أن شيئًا من هذه الوجوه لا تشعر به العبارة ولا يتبادر من الآية وهذا مما في حواشي الرازي حيث قال بعدما ذكر ما مرّ عن صاحب الكشف وفيه نظر لأنه إذا كان أصل العبادة وأساسها التوحيد فاعبدوا إمّا بمعنى وحدوا فلا

يترتب عليه قوله: فلا تجعلوا الخ فالشيء لا يترتب على نفسه أو مغاير له لأنّ التوحيد أصل تتفرّع عليه العبادة فالأمر بالعكس والنصب في جواب الأمر إنما يجوز إذا كان هنا سببية والعبادة ليست سببًا لعدم الشرك إلا أن تجعل من القلب كقوله تعابى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: 4] لأنه ليس في كلامه ما يدل على الترتيب لأنّ التعليق أعمّ منه، أقول يرد على ما في الكشف أنّ كلامه لا يخلو من الخلل لأنّ عطفه وجوابيته تقتضي المغايرة بينهما وينافي قوله لأنّ العبادة تتناول التوحيد لأنّ الجزء لا يعطف على الكل بالفاء وإذا عطف كان بالواو أو حتى نحو قدم الحجاج حتى المشاة، ويردّ على ما قاله الفاضلان أنّ قولهما ما إذا كنتم مأمورين بعبادة ربكم وهو مستحق لعبادة فلا تشركوا لتكون عبادتكم على أصل وأسئاس أنه حينئذ مسبب بحسب الظاهر، فهو جواب شرط مقدر والفاء فصيحة أو قريبة منها والسببية بين الأمر والنهي

21