حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 4 · ص 74 - 91

سورة الأنعام (5 من 8)

البعث مجازًا عن الإيقاظ لم يكن من الترشيح في شيء، لأنّ الترشيح باق على حقيقته لا يعتبر فيه تشبيه ولا استعارة، والذي غرّه ظاهر كلامهم، وكذا ما قيل البعث الإثارة لا الإيقاظ غايته أنّ بعث النائم يكون! ايقاظه فلا ترشيح فيه ولو قلنا بعث النائم بايقاظه لا يكون ترشيحًا بل تجريدًا. قوله: (ليبلغ المتيقظ الخ) الظاهر إنه علة غائية لما تقدم أعني، وهو الذي يتوفاكم الخ أي جعل هذا منتهى أعماركم، وقوله: أخر أجله إما تفسير للمراد من الأجل، أو إشارة إلى أنّ المراد به مجموع العمر لأنه يطلق عليهما كما مرّ. قوله: (ثم إليه مرجعكم) قال الثريف المرتضى: في الدرر والغرر فيما وقع في القرآن من ذكر الرجوع إلى الله نحو إليه ترجع الأمور كيف ترجع إليه وهي لم تخرج عن يده، وأجاب بأنه في دار التكليف قد يغير البعض فيضيف بعض أفعاله تعالى إلى غيره فإذا انكشف الغطاء انقطعت حبال الآمال عن غيره فيرجع إليه، أو أنّ المراد أن الأمور في يده من غير خروج ورجوع حقيقي فرجع بمعنى صار تقول العرب: رجع عليّ من فلان مكروه بمعنى صار، ولم يكن سبق، فهو بمعنى المصير إليه كما تشهد به اللغة أو أنه في دار الدنيا ما يكون للعباد ظاهرًا كالعبد لسيده، فإذا أفضى الأمر إلى الآخرة زال ذلك ورجع الأمر كله إلى الله ظاهر أو باطنا، قيل ولو حمله على البعث من القبور لكان أولى لأنّ انقضاء الأجل يتضمن

الموت، والظاهر أنه تمثيل مثل قدم على ربه وقوله بالمجازاة هو إمّا مجاز فيها أو كناية ثم إنه يحتمل أن يكون ما في القبر أو ما بعده أو أعثم منهما، ولو فسر بالمحاسبة وعرض الصحف لكان أظهر. قوله: (وقيل الآية خطاب للكفرة الخ) هذا مختار الزمخشرقي لأنها مسوقة للتهديد كما في قوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُم﴾ الخ ولأنّ حمل البعث على الإيقاظ تكرير مع ذكر كسب النهار ولأنّ ثم تدل على التراخي وهنا ليس كذلك وقد مرّ جوابه، وأما الجواب بأنّ واو ويعلم حالية وما عبارة عما كسب في النهار السابق كما يرشد إليه عدم إيراده بصيغة الاستقبال فلا دلالة فيه على أنّ الإيقاظ عن هذا التوفي وكلمة، ثم إنما تدل على تأخر الإيقاظ عن التوفي دون غيره، ولو سلم فإنما يدل على تأخره عن العلم دون الجرج ولا ضير فيه، ف! نه يعلم في الماضي أنهم يكسبون كما في الآتي، ثم إنّ المتبادر هو البعث عن التوفي المذكور لا عن غير المذكور فحمله عليه غير سديد لأنّ واو الحال لا تدخل على المضارع إلا شذوذًا أو ضرورة في المشهور، وقوله: في شأن الخ يشير إلى أنّ الضمير واقع اسم الإشارة، كما مرّ ومعنى في شأنه لأجل جزائه وحسابه وتشبيه نوم الليل بالموت لما فيه من ترك العبادة فتكون بيوتهم مقابرهم كما قيل: أيا نائم الليل هنئته فقبل الممات سكنت القبورا

وقوله ليقضي الأجل الخ فالمراد بالأجل مدة موتهم أو غايتها، وقوله: سماه وضربه أي

عينه والبعث علة لانقضاء تلك المدة، فإن قلت قد علل البعث بقوله فيه على هذا التوجيه فما وجه قوله ليقضي، قلت هو تعليل لتأخير البعث المستفاد من ثم، وفي الكشف وأما إن قضاء الأجل المسمى لا يصلح علة للبعث فليس بشيء بعدما فسره المصنف بقوله الأجل المضروب لبعثهم وجزائهم أي يبعثكم من القبور ليقضي أجل البعث والجزاء فيه، وهو متأخر عن البعث لا محالة ألا ترى إلى قوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [سورة يونس، الآية: 4] وقال العلامة في شرح الكشاف لا شك أنّ ظاهر الآية على العموم لكن قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ يدل على تهديد شديد لا يليق إلا بالمعاندين الجاحدين، ولهذا فسر التوفي وان كان مسندا إلى الله بانسداحهم كالجيف لأن المقصود بيان حالهم المذمومة في الليل كما أنّ قوله ما جرحتم الخ بيان حالهم المذمومة في النهار، ويتوفاكم أي يقبض أرواحكم عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ﴾ [سررة الزمر، الآية: 42] الآية، وفي أكثر التفاسير يبعثكم يوقظكم في النهار ليقضي أجل مسمى أي مدة الحياة ثم إليه مرجعكم بعد الممات، ثم ينبئكم بالمجازاة وإنما عدل عنه لأنّ قوله ويعلم ما جرحتم بالنهار دال على حال اليقظة وكسبهم فيها وكلمة، ثم تقتضي تأخر البعث عنها، فإن قلت البعث من القبور ليس علة لقضاء الأجل المسمى فنقول المراد بالأجل المسمى مدّة الكون

في القبور لا مذة الحياة كما قالوا والبعث علة لانقضاء تلك المدّة. قوله: (من النوم الخ) فان قلت النوم ضروري فالنائم غير مكلف

74

فكيف يحاسب عليه، قلت المراد أنه يحاسب على أسبابه ومقدماته فإنها اختيارية ألا ترى أنّ من نام في آخر الوقت حتى فاتته الصلاة يكون عاصيا بنومه. قوله: (وهو القاهر) قد مرّ تفسيره وفوق منصوب على الظرفية حال أو خبر بعد خبر، وذكر الإرسال بعده ليفيد أنّ إرساله ليس لاحتياجه بل لما ذكر من الحكم، وقوله: (تحفظ أعمالكم) تفسير للحفظة جمع حافظ ككتبة وكاتب، ويحتمل أنّ المراد بهم المعقبات التي تحفظه من بين يديه ومن خلفه، ويرسل مستأنف أو عطف على القاهر لأنه بمعنى الذي يقهر ولا يصح جعله حالًا لأن الواو الحالية لا تدخل على المضارع، وتقدير المبتدأ لا يخرجه عن الشذوذ على الصحيح وعليكم متعلق بيرسل أو بحفظة، والإشهاد جمع شهد كصحب وهو جمع شاهد، أو اسم جمع له لأن فاعلا لا يجمع على أفعال إلا نادرًا، وقوله: يحتشم بمعنى يستحي، وضمير من خدمه إمّا إلى السيد أو إلى العبد، قيل والمبالغة في الثاني أكثر وخدم بفتحتين جمع خادم، وهو من نوادر الجموع، وقوله ملك الموت وأعوانه جمع عون وهو المعين والظهير، والظاهر منه أن قبض الأرواح بجملتها ليس موكولًا إلى ملك الموت بل له أعوان يقبضونها معه، وقيل إنّ المباشر ملك الموت عليه الصلاة والسلام واسناد الفعل إلى المباشر والمعاون معًا مجاز كما يقال بنو فلان قتلوا قتيلا، والقاتل واحد منهم وقد يسند إليه فقط، والى الله تعالى وتوله حتى أي بلغت غلبته إلى أنهم لا يتأتى لهم مخالفة رسله في قبض الأرواح، وليس متعلقا لإرسال الحفظة حتى يقال ليس غاية إرسال الحفظة وقت مجيء الموت إلى أحدهم. قوله: (والمعنى الخ) يعني معنى قراءة التخفيف والضمائر كلها للرسل، والإفراط مجاوزة الحد وهو يكون بالزيادة والنقصان والتفريط التقصير، ولذا فسره بالتواني والتأخير، وقيل إنه على القراءتين، وفيه لف ونشر مرتب إن كان ضمير لهم للناس وما عبارة عن آجالهم وغير مرتب إن كان الضمير للرسل وما عبارة عن الإكرام والإهانة، وفيه نظر. قوله:) ثم رذوا إلى الله الخ) قيل الضمير للكل المدلول عليه بأحد وهو السرّ في مجيئه بطريق الالتفات والإفراد

أوّلًا والجمع آخرا الوقوع التوفي على الانفراد، والرذ على الاجتماع أي ردّوا بعد البعث، وقيل أيضا فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة ومن التكلم إليها لأنّ الرذ يناسبه اعتبار الغيبة، وان لم يكن حقيقة لأنهم ما خرجوا من قبضة حكمه طرفة عين، وقيل عليه ضمير ردّوا عبارة عن الأحد العامّ إذ المراد ليس فردًا واحدًا إلا عن المخاطبين فالالتفات واحد، ثم إنّ الردّ إنما يقتضي غيبتهم وقت الردّ لا وقت الخطاب بأنكم تردّون فكأنه لم يسمع قوله: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سورة التوبة، الآية: 94] ولا يخفى أن الأحد وان كان يعمّ كما مرّ في سورة البقرة، لكنه لما أضيف إلى المخاطبين اقتضى ذلك التغاير بينهما والردّ لا يختص بل يعمّ الجميع فرجع إلى العباد فيكون فيه التفاتان بلا تكلف، وكون الرذ يقتضي الغيبة مما لا شبهة فيه لأنه لا يردّ إلا من ذهب وغاب فالمردود في أوّل تعلق الرذ به غائب، وبعده يصير حاضرا، فيجوز اعتبار كل من حاليه، واعتبار حالة البعد أنسب بالمقام فلا يرد ما ذكره وهو لا ينافي الخطاب في تردّون ولكل وجهة.

وللناس فيما يعشقون مذاهب

وقوله: (إلى حكمه وجزائه) وقيل إنه الرذ من البرزخ إلى موضع العرض والسؤال، وليس ببعيد من هذا. قوله: (العدل) الحق يطلق على الله إمّا مجازا وهو بمعنى العدل، أو مظهر الحق أو واجب الوجود، أو الصادق الوعد، ونصبه على المدج، أو على أنه صفة للمفعول المطلق أي الردّ الحق، فلا يكون حينئذ المراد به الله. قوله: (لا يشنله حساب عن حساب) هذا بناء على أنه يحاسبهم، وقيل إنه يأمر الملائكة بذلك فيحاسب كل إنسان ملك وإذا حاسبهم بنفسه في زمان قليل لزم أن لا يشغله حساب عن حساب فلا يرد ما قيل إن هذا المعنى لا يدل عليه قوله اسرع الحاسبين، وقوله مقدار حلب شاة عبارة عن تقليل زمانه وهو أنه عنده. قوله: (فقيل لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب) أي إنه يوم اشتدت ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته، وقوله ذو كواكب كقوله:

إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا

بناء على أنّ الليل إذا لم يستتر بنور القمر ظهرت الكواكب صغارها وكبارها، وكلما اشتدت ظلمته اشتد ظهور الكواكب فيه، ومن الأمثال القديمة رأى الكواكب مظهرًا أي أظلم يومه لاشتداد الأمر فيه كما قال الهذلي:

75

إني أرى وأظن أنّ ستري وضح النهاروعالي النجم

وقد تلطف بعض المتأخرين فيه إذ قال:

قد أعرت الشباب غيري وما زال شباب الإنسان ثوبا معارا

أطلع الشيب في عذارى نجوما فرأيت النجوم منه نهارا

قوله: (أو من الخسف) معطوف على قوله من شداندهما قيل فهو على الأوّل استعارة للهول، وعلى هذا المراد حقيقة الظلمات يعني ليس المراد شذة الخسف والغرق حتى يدخل هذا الوجه في الأوّل فيكون أعئم منه بل المراد ظلمة البرّ بالخسف في الأرض، وظلمة البحر بالغرق فيه فتغايرا، ومنهم من جعله كناية عن الخسف والغرق فهو حقيقة أيضا. قوله: (معلنين ومسرين (يعني نصبها على الحال أو المصدرية، وقيل بنزع الخافض، والإعلان والإسرار ي! ضمل أن يراد بهما ما باللسان والقلب، وقراءة خفية بالكسر لأنها لغة فيه كالأسوة والأسوة. قوله: (على إرادة القول) أي تقديره والقول المقدر حال أو على إرادة معناه من تدعون بناء على مذهب الكوفيين في الحكاية بما يدلّ على معنى القول من غير تقدير، والصحيح الأوّل فيكون محل الجملة النصب، وقيل إنّ الجملة القسمية تفسير للذعاء فلا محل لها، وقرأ الكوفيون أنجانا بلفظ الغيبة مراعاة لقوله تدعونه والباقون أنجيتنا بالخطاب حكاية لخطابهم في حالة الدعاء. قوله: (غتم سواها (أمره بالجواب تنبيها على ظهوره كما مرّ أو إهانة لهم إذ لا يلتفتون لخطابه، والمصنف رحمه الله نظر إلى الظاهر فخصه بقوله سواها لتقدم قوله منها فكل للتكثير حينئذ، ولا حاجة إليه بل يجوز أن تبقى على أصلها من التعميم والإحاطة وذكر التعميم بعد التحصيص كثير، ولا يعدّ تكرأرًا، ثم إنّ المراد بالكرب ما يعم ما تقدم ولا محذور في التعميم بعد التخصيص أو أهوال القيامة، أو ما يعتري المرء من العوارض النفسية التي لا تتناهى كالأمراض والأسقام، فما قيل إن هذا يدلّ على أنّ المراد بما تقدم كرب مخصوص كالخسف والغرق والا فشدائد البر والبحر تتناول جميع الشدائد والكرب فلا فائدة في التعميم، أو الأولى نعمة رفع وهذه نعمة دفع هانه من قبيل متقلدًا سيفًا ورمحًا تكلف لا داعي له. قوله: (تعودون إلى الشرك الخ (لأنّ الخطاب للمشركين وشركهم مقدّم على ذلك، فالشرك المذكور بالمضارع، وثم شرك آخر عادوا إليه بعد النجاة كما يقتضيه السياق، وهذا يؤيد ما سلكه الزمخشرقي سابقا من تخصيص الخطاب بالكفرة ووضع تشركون موضع لا تشكرون ا) أي هو مقتضى الظاهر المناسب لقوله: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لأنّ إشراكهم تضمن عدم صحة

عبادتهم وشكرهم، لأنه عبادة بل نفيها لعدم الاعتداد بها معه إذ التوحيد ملاك الأمر، وأساس العبادة فوضعه موضعه توبيخا لهم لعدم الوفاء بالعهد، ولم يذكر متعلقه لتنزيله منزلة اللازم تنبيهًا على استبعاد الشرك في نفسه. قوله: (قل هو القادر) في الكشاف هو الذي عرفتموه قادرا أو هو الكامل القدرة، ولشراحة فيه كلام فقيل مراده أنها للعهد أو للجنس، وأنّ الحصر فيه باعتبار الكمال أو لخصوص هذه الأشياء المذكورة في النظم، وإنما أوّله بذلك لأنّ في هذه الأمور شرورًا وقبائح لا تسند إليه عند المعتزلة، وفيه تفصيل كفانا المصنف رحمه الله مؤنته بتركه وقوله: ﴿مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ المراد به جهة العلو وجهة السفل، فلا يتوهم أنّ الماء ليس تحت أرجلهم، والذي من فوقهم كأمطار حجارة من سجيل في قصة الفيل، وأرسال السماء في قصة نوح وإمطار الحجارة على قوم لوط عليه الصلاة والسلام. قوله: (أو يلبسكم) معنى يلبسكم يخلطكم فقيل: المراد اختلاط الناس في القتال بعضهم ببعض، وهو مراد المصنف رحمه الله، وقيل: المراد يخلط أمركم عليكم ففي الكلام مقدر وخلط أمرهم عليهم بجعلهم مختلفي الأهواء وشيعا جمع شيعة، وهم كل قوم اجتمعوا على أمر، وهو حال وقيل إنه مصدر منصوب بيلبسكم من غير لفظه. قوله: (فينشب القتال بينكم الخ) أصل معنى النشوب التعلق وفي الحديث قد نشبوا في قتل عثمان رضي الله عنه) 1 (، أي وقعوا فيه ويكون نشب بمعنى لبث نحو لم ينشب أن مات أي لم يلبث وليس مرادًا هناه قوله: (وكتيبة الخ (هو شعر للفرار السليّ وهو:

76

وكتيبة لبستهابكتيبة حتى إذا التبست نفضت لهايدي

فتركتهم نفض الرماح ظهورهم من بين منعقروآخرمسندي

ما كان ينفعني مقال نسائهم وقتلت دون رجالها لاتبعدي

فلبستها بمعنى خلطتها فالتب! ست أي اختلطت، والمراد بقوله نفضت لها يدي أنه فرّ يقال نفضت يدي من فلان إذا وكلته لنفسه، ويقال في ضده قبضت كفي وجمعت عليه يدي، والمراد تبريه منهم وتركهم وشأنهم كقوله: ﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ [سورة الحشر، الآية: 6 ا] يريد أنه مهياج للشر خبير بمداخله ومخارجه وفيه طرف من اللؤم والجبن، ولذا

عيب عليه هذا المقال، والكتيبة بالتاء المثناة الجيش. قوله: (يقاتل بعضكم بعضًا) هذا التفسير مأثور، روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ة سألت الله أن لا يبعث على أمّتي عذابًا من فوقها أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألتة أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل عليه الصلاة والسلام أن فناء أمتي بالسيف " (1 (. فإن قلت كيف أجيبت الدعوتان وقد وقع الخسف وسيكون خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بالجزيرة. قلت الممنوع خسف مستأصل لهم، وأمّا عدم إجابته في بأسهم، فبذنوب منهم، ولأنهم بعد تبليغه ﷺ، ونصيحته لهم لم يعملوا بقوله. قوله: (بالوعد والوعيد) فسره بعضهم بقوله يحوّلها من نوع إلى آخر من ًا نواع الكلام تقريرًا للمعنى وتقريبا إلى الفهم، والوعد والوعيد لا يناسب قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ وقيل الترغيب والترهيب ربما يحمل الإنسان على تأمّل يقوده إلى برهان، وهذا مصحح لا مرجح وقوله الواقع لا محالة الخ لف ونشر مرتب والصدق صدق إخباره وأحكامه. قوله: (بحفيظ وكل إلئ أمركم) أصل معنى التوكيل أن تعتمد على غيرك قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ والموكل على القوم هو الذي فوّض! أمرهم إليه فهم يعتمدون عليه، ويلزمه حفظهم فكونه بمعنى حفيظ ايشعمال له في لازم معناه قال الراغب ما أنت عليهم بوكيل أي بموكل عليهم وحافظ، ووكيل فعيل بمعنى مفعول في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾، أي اكتف به أن يتولى أمرك ويتوكل لك. قوله: (أما العذاب) فالنبا بمعنى المنبأ به أو بمعنى المصدر أي الأنباء، وقوله: وقت استقرار وفسره لأنه المناسب لما بعده وأمّا جعله مصدرًا ميميا بمعنى الاستقرار فغير مناسب لكن قول المصنف رحمه الله ووقوع إن عطف على استقرار على أنه بيان للاستقرار فظاهر، ويصح عطفه على وقت فيكون تجويزًا للمصدرية فيه لكنه خلاف الظاهر. قوله: (بالتكذيب الخ الما كانت قريش تفعل ذلك في أنديتها، ولذا أتى بإذا الدالة على التحقيق

بخلاف النسيان وفسر الإعراض بعدم المجالسة، وإن احتمل غير ذلك لدلالة قوله: ولا تقعد عليه ثم إنه قد استدلّ بهذه الآية على أن إذا تفيد التكرار حيث حرم القعود مع الخائض كلما خاض وفيه نظر لأنّ العموم ليس من إذا بل من الصيغة لترتب حكم المشتق على مأخذ اشتقاقه وهو الخوض. قوله: (اعاد الضمير الخ) يعني إلى الآيات، والظاهر عوده إلى الخوض أو الطعن أو مجموع ما مضى، وأصل معنى الخوض عبور الماء استعير للتفاوض في الأمور وأكثر ما ورد في القرآن للذمّ وتخاوضوا في الحديث وتفاوضوا بمعنى، وقوله بأن يشغلك بوسوسته هذا على سبيل الفرض إذ لم يقع، ولذا عبر بًان، وإمّا أن الشرطية زيدت بعدها ما واختلف في لزوم توكيد الفعل الواقع ما بعدها فالمشهور لزومه وقيل لا يلزم وعليه قوله في المقصورة:

أما ترى رأسي حاكى لونه طرّة صبح تحت أذيال الدجا

وقوله: بالتشديد يعني تشديد السين ونسي بمعنى أنسى، وقال ابن عطية رحمه الله: نسي

أبلغ من أنسى.

تنبيه: قال في كتاب الأحكام اختار الرافضة أنّ النبيئ غت! هـ منزه عن النسيان لقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾ [سورة الأعلى، الآية: 6] وذهب غيرهم إلى جوازه انتهى (وعندي (أن يجمع بين القولين بأنه لا ينسى شيئًا من القرآن والوحي ويجوز في غير ذلك. قوله: (بعد أن تذكره) الذكرى مصدر، والمصدر يؤنث بالتاء كضربة وبالألف كبشرى والضمير راجع إلى النهي، وفي الكشاف وإن كان الشيطان ينسينك قبل النهي قبح

77

مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول وهو مبنيّ على الاعتزال مع تكلفه ولذا تركه المصنف رحمه الله، وقوله: (ظلموا الخ) المراد ظلم خاص والظلم وضع الشيء في غير موضعه. قوله:) مما يحاسبون عليه) الظاهر أنه تفسير لقوله: ﴿مِنْ حِسَابِهِم﴾ فيكون مصدرًا بمعنى المفعول، ولا يصح أن يكون تفسير الشيء وأمّا جعل من ابتدائية بمعنى الأجل فمع كونه تكلفا الظاهر أن يقول إنها تعليلية لأنها ترد لذلك، كما ذكره النحاة وفسر على في على الذي يتقون باللزوم كما في قولهم عليّ ألف درهم، ولم يفسره بالمؤاخذة، كما في قوله: ﴿عَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة، الآية:

286] قيل لأنه لا يناسب سبب النزول ولا وجه له لأنه لا يؤاخذ إلا بما يلزمه، ومآلهما بحسب المعنى واحد وقوله وغيره من القبائح عممه والزمخشري خصه بالخوض! لمناسبة المقام. قوله: (لأنّ من حسابهم يأباه الأنه يصير المعنى، ولكن ذكرى من حسابهم وليس بسديد، وقد تبع فيه الزمخشريّ واعترض عليه كثير من الشراح وغيرهم بأنه لا يلزم من العطف على مقيد بقيد اعتبار ذلك القيد في المعطوف، وظاهر كلام بعضهم هنا أنه مخصوص بالحالط والجار والمجرور هنا حال لأنه صفة للنكرة قدمت عليها، والحال قيد في عاملها فإذا كان من عطف المفردات، وعمل فيها العامل لزم تقيدها فإن قدر عامل آخر لم يكن من عطف المفردات وقيل نحن لا ندعي هذا بل نقول إنه إذا عطف مفرد على مفرد لا سيما بحرف الاستدراك فالقيود المعتبرة في المعطوف عليه السابقة في الذكر عليه معتبرة في المعطوف البتة بحكم الاستعمال تقول ما جاءني يوم الجمعة، أو في الدار أو راكبا أو من هؤلاء القوم رجل ولكن امرأة فيلزم مجيء المرأة في يوم الجمعة، أو في الدار أو بصفة الركوب، أو تكون من القوم البتة، ولم يجىء الاستعمال بخلافه ولا يفهم من الكلام سواه بخلاف ما جاءني رجل من العرب ولكن امرأة فإنه لا يبعد كون المرأة من غير العرب، قالوا والسرّ فيه أن تقدم القيود يدلّ على أنها أمر مسلم مفروغ منه وانها قيد للعامل منسحب على جميع معمولاته وأنّ هذه القاعدة مخصوصة بالمفرد لذلك وأمّا في الجمل فالقيد إذا جعل جزءا من المعطوف عليه وان سبق لم يشاركه فيه المعطوف، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أسورة يونس، الآية: 49] كما في شرح المفتاح وهذا إذا لم تفهم القرينة خلافه كما في قولك جاءني من تميم رجل وامرأة من قريش، وتخصيص هذه القاعدة بتقدم القيد وادعاء اطرادها كما ذكره النحرير مما يقتضيه الذوق لكنا لم نر من التزمه غيره ومنهم من عممها كما قيل إنّ أهل اللسان والأصوليين يقولون إنّ العطف للتشريك في الظاهر فإذا كان في المعطوف عليه قيد فالظاهر تقييد المعطوف بذلك القيد إلا أن تجيء قرينة صارفة فيحال الأمر عليها فإذا قلت ضربت زيدًا يوم الجمعة، وعمرأ فالظاهر اشتراك عمر ومع زيد في الضرب مقيدًا بيوم الجمعة، فإن قلت وعمرأ يوم السبت لم يشاركه في قيده، والآية من القبيل الأوّل فالظاهر مشاركته في قيده ويكفي مثله للمنع وفيه بحث.

قوله: (ولا على شيء لذلك الخ) مراده بقوله لا تزاد بعد الإثبات لا تقدر عاملة بعد الإثبات لأنها إذا عملت كانت في قوة المذكورة المزيدة، ولذا قيل الظاهر أن يقول لا تقدر عاملة بعد الإثبات ولا ينافيه ما مر من تجويز زيادتها في الإثبات في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ [سورة الأن! ام، الآية: 42] كما أورده عليه بعضهم لا لأنه مشى على قول هنا وعلى آخر ثمة لأنها عكازة أعمى بل لأنّ خلاف الأخفش وغيره في غير الظروف، كقبل وبعد

وأمّا دخول من زائدة على الظروف في الإثبات فذهب إلى جوازه كثير من النحاة وارتضوه كما في شرح التسهيل وهذا مما يغفل عنه كثير من الناس وقوله لمساءتهم مصدو إمّا مضاف للفاعل، والمفعول مقدّر أو مضاف للمفعول. قوله: (ويحتمل أن يكون الضمير للذين يتقون والمعنى الخ) أي ضمير لعلهم للمتفين أي يذكر المتقون المستهزئين ليثبت المتقون على تقواهم ولا يأثموا بترك ما وجب عليهم من النهي عن المنكر، وذكروا الثياب لأنّ أصل التقوى كان لهم قبله وقوله تنثلم أي تنقص، وأصل معناه الكسر وثقب الحائط، وقد ذكر العلماء أنه لا يترك ما يطلب لمقارنة بدعة كترك إجابة دعوة لما فيها من الملاهي، وصلاة جنازة لنائحة فإن قدر على المنع منع وإلا صبر هذا إذا لم يكن مقتدى به وإلا فلا يفعل لأنّ فيه شين الدين، وما روي عن أبي حنيفة من أنه ابتلى به كان قبل صيرورته إما ما مقتدى به لقوله: ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: 68] .

78

قوله: (لعبًا ولهوا) قال السفاقسي هو مفعول ثان لاتخذوا وظاهر كلام ابن عطية والزمخشرفي أنه مفعول أوّل ودينهم ثان وفيه إخبار عن النكرة بالمعرفة وقال الرازي إنه مفعول لأجله أي اكتسبوا دينهم للهو واللعب فهو متعد لواحد. قوله: (أي بنوا أمر دينهم الخ الما أضاف الدين إليهم وليس لهم دين في الواقع أوّله في الكشاف بأوجه الأوّل أنهم اتخذوا الدين المفترض عليهم شيئا من جنس اللعب واللهو كعبادة الأصنام ونحوها، والدين المفترض الواجب عليهم وان كان في الواقع دين الإسلام لكن على هذا الوجه ليس المراد به هذا المفهوم بل مجرّد ما يصدق عليه مفهوم الدين الواجب الثاني أنهم اتخذوا ما يتبينون به، وينتحلونه بمنزله الدين لأهل الأديان شيئًا من اللعب واللهو، وحاصله أنهم اتخذوا اللعب واللهو دينا لهم كما صرح به الزمخشرفي، وليس من القلب في شيء ولا من جعل المبتدأ نكرة والخبر معرفة كما توهم، وفيه بحث الثالث أنهم اتخذوا دينهم الذي فرض عليهم وكلفوه أعني الإسلام لعبا ولهوًا حيث سخروا به واستهزؤوا، فحاصل الأوّل اتخذوا الدين الواجب لعبا، والثاني جعلوا اللعب دينا واجبا، والثالث استهزؤو! بالدين الحق الذي يجب أن يعظم غاية التعظيم، ومعنى الإضافة في الأول والثالث ظاهر، وفي الثاني أنه عادة لهم، والوجه الرابع أنّ المراد بالدين العبد الذي يعاد إليه كل حين معهود بالوجه الذي شرعه الله كعيد المسلمين، أو بالوجه الذي اعتادوه من اللعب واللهو كأعياد الكفرة لأنّ أصل معنى الدين العادة والعيد معتاد في كل عام، ولبعده عن الظاهر أخر وترك المصنف ر-حه الله الثاني منها لما فيه من الخفاء ولأنه إن حمل على ظاهره من القلب فهو ضعيف والا فهو راجع

إلى الوجه الآخر، والفرق بينهما سهل، وقوله زمان لهو الخ إشارة إلى أنه إذا كان بمعنى العيد وهو اسم زمان لأنه يوم مخصوص يقدر مضاف ليصح الحمل. قوله: (والمعنى أعرضر عنهم ولا تبال الخ (إشارة إلى أنّ الظاهر يقتضي الكف عنهم مع أنه مأمور بالتبليغ والقتال فأوّله بأنّ المراد لا تبال بهم وامض لما أمرت أو هو للتهديد، أو أن الآية نزلت قبل آية السيف التي في سورة براءة والأمر بالقتال فتكون منسوخة وعلى ما قبله فهي محكمة فذر بمعنى اترك فيه ثلاثة وجوه، واعلم أنهم اختلفوا في الوجوه المذكورة في الكشاف فقيل إنها أربعة وقيل ثلاثة، وقوله: اتخذوا ما هو لعب ولهو دينا لهم ليس من توجيه معنى الدين في شيء وهو الأوّل بعينه وإنما ذكره الزمخشري لبيان الوجهين من كونه مفعولأ أوّل أو ثانيًا، والقلب الداعي له أن لا يثبت لهم دين فقول النحرير: إنه ليس من القلب إذ لا داعي له لا وجه له وفسره العلامة بقوله: ما هو لعب إشارة إلى تأويله بمعرفة المفهومة من ما الموصولة كما قيل، وفيه تأمّل. قوله:) وغرتهم الحياة الدنيا حتى أنكروا البعث) ففرّ من الغرور وهو معروف، وقيل: إنه من الغرّ وهو ملء الفم أي أشبعتهم لذاتها حتى نسوا الآخرة وعليه قوله:

ولما التقينا بالعشية غرّني بمعروفه حتى خرجت أفوّق

قوله: (وذكر به أي بالقرآن) جعل الضمير للقرآن كما في قوله فذكر بالقرآن من يخاف وعيد، والقرآن يفسر بعضه بعضا فلهذا اقتصر عليه، وقيل: إنه يعود على حسابهم، وقيل على الدين وقيل إنه ضمير يفسره ما بعده فيكون أن تبسل بدلًا منه واختاره أبو حيان. قوله: (مخاقة أن تسلم الخ) إشارة إلى أنه مفعول لأجله بتقدير مضاف أو أصله أن لا تبسل ومنهم من جعله مفعولًا به لذكر وتسلم من الأفعال ويجوز أن يكون من التفعيل وهما متقاربان وفسر تبسل بالإسلام إلى الهلاك أي وقوعه فيه وجعله كأنه رهن بيده، قال الراغب: تبسل هنا بمعنى تحرم الثواب والفرق بين الحرام والبسل أنّ الحرام عاتم لما منع منه بحكم أو قهر والبسل الممنوع بالقهر، وقوله تعالى: ﴿أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: 70] أي حرموا الثواب، وفسر بالارتهان لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [سورة المدثر، الآية: 38] ورهينة فعيلة بمعنى فاعل أي ثابتة مقيمة، وقيل بمعنى مفعول أي كل نفس مقامة في جزاء ما قدمت من عملها، ولما كان الرهن يتصوّر منه حبسه استعير ذلك للمحتبس أي شيء كان انتهى، فمعنى

قوله ثرهن أي تحيس في الهلاك بسبب سوء عملها وهو معنى

79

إسلامه إليه، ولهذا جمع بينهما لأنه روي كل منهما عن السلف، وقال الزجاح: إنهما بمعنى واحد واليه أشار المصنف رحمه الله، فما قيل إنه من راهنه على كذا إذا خاطره فكان الهلاك يقول إن حصل منك سوء العمل، فالنفس لي تكلف نشا من قلة التدبر، وفريسة الأسد ما يفترسه ويصطاده، ولا تفلت أي تتخلص منه، والقرن بالكسر الكفوفي الشجاعة، والبسل بالسكون الحرام والإبسال التحريم قال:

أجارتكم بسل علينا محرّم وجارتنا حل لكم وحليلها

ويكون بسل جوابا بمعنى نعم وأجل واسم فعل بمعنى اكفف، وقوله عز وجل أن تبسل

نفس فسر هنا بالعموم أي كل نفس وهو نكرة في الإثبات كقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [مورة التكوير، الآية: 4 ا] إما لأنه قد يؤخذ عمومه من السياق واقا لأنه نفي معنى كما يفهم من كلام المصنف، فتأمّل. قوله: (ليس لها الخ) في هذه الجملة ثلاثة وجوه فقيل إنها مستأنفة للإخبار بذلك أو في محل رفع صفة نفس، أو في محل نصب على أنها حال من ضمير كسبت وضمير يدفع للوليّ والشفيع باعتبار أنه مذكور أو تأويله بذلك أو بكل واحد على البدل، ومعنى كونهما من دون الله سواء كانت من زائدة أو ابتدائية إنهما يحولان بينها وبينه بدفع عقابه، ولذا قيل إنّ فيه مضافًا مقدرًا أي دون عذابه، واليه يشير كلام المصنف، فلا يرد أنه من أين يؤخذ العذاب من النظم. قوله:) وإن تفد كل فداء) الفداء بالكسر والمدّ، وإذا فتح قصر وكل منصوب على المصدرية لأنه بحسب ما يضاف إليه لا مفعول به، وقيل: هو بمعنى الكامل، كقولك هو رجل كل رجل أي كامل في الرجولية وتقديره عدلًا كل عدل وفيه أنّ كل بهذا المعنى تلزم التبعية، والإضافة إلى مثل المتبوع نعتا لا توكيدًا، كما في التسهيل ولا يجوز حذف موصوفها، وقوله: (لا إلى ضميره) لأنّ العدل هنا مصدر لوقوعه مفعولًا مطلقا وليس هو بمأخوذ نعم يجوز أن يراد بضميره العدل بمعنى الفدية على الاستخدام فيصح الإسناد إليه كما في قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ لكن لا حاجة إليه مع صحة الإسناد إلى الجار والمجرور كسير من البلد وأخذ من المال وكذا كونه راجعًا إلى المعدول به المأخوذ من السياق، وكون يؤخذ بمعنى يقبل ونحوه. قوله: (أسلموا إلى العذاب الخ) فالمشار إليه بأولئك هم الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوًا لا الجنس المفهوم من قوله أن تبسل نفس مع قوله بما كانوا يكفرون لاحتياجه إلى تكلف وكون هذا مشروطا بعدم رجوعهم عما هم عليه معلوم بالأمخرورة ولا ينافيه مخافة أن تبسل الخ لأنه يخاف على كل أحد ويحرص على إنقاذه من كفره شفقة

منه. قوله: (تثيد وتفصيل لذلك الخ) لأنّ المسلم إليه مجمل مفصل بهذا فيؤكده، وماء مغلي بصيغة المفعول تفسير للحميم ويتجرجر من الجرجرة بجيمين وراءين مهملتين بمعنى يتردّد ويضطرب فيها وأصل الجرجرة صوت يردّه البعير في حنجرته، وخص العذاب بالنار لأنه المتبادر منه فلا يرد أنه لا وجه له وفسر ندعو بنعبد، والنفع والضرّ بالقدرة عليهما لأنه الواقع ولأنّ نفيهما أبلغ. قوله: (ونردّ على أعقابنا) جمع عقب وهو مؤخر الرجل يقال رجع على عقبه إذا انثنى راجعًا كرجع على حافرته وانقلب على عقبيه قال تعالى: ﴿فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: 66] ومعناه القهقرى وقيل إنه كناية عن الذهاب من غير رؤية موضع القدم وهو ذهاب بلا علم بخلاف الذهاب مع الإقبال، وخطاب قل وان كان للنبيّ! يلى لكن فاعل تدعو ونردّ عامّ له ولغيره، والمعنى أيليق بنا معاشر المسلمين ذلك فلا يرد أن ذلك لم يكن من النبيّ ﷺ حتى يتصوّر ردّه إليه لأنه لتغليب من أسلم من المؤمنين وليس مخصوصًا بالصدّيق أيضًا بسبب النزول، وقيل الردّ على الإعقاب بمعنى الرجوع إلى الضلال والجهل شركًا أو غيره. قوله: (من هوى يهوي هويًا إذا ذهب (هذا هو المعروف في اللغة وأمّا كونه من هوى بمعنى سقط يقال هوى يهوي هويا بفتح الهاء من أعلى إلى أسفل وبضمها لعكسه أو هما بمعنى، وأنه على تشبيه حال الضال كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء﴾ [سورة الحج، الآية: 31] لأنه في غاية الاضطراب فلا يناسب قوله: ﴿فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: 71] مع أنه يتوقف على ورود الاستفعال منه ومردة جمع ما ردوا لمهامه جمع مهمه وهو الفلاة وترك قول الزمخشري كما تزعمه العرب لأنه مبنيّ على إنكار الجن، وهو مذصب باطل والتشبيه تمثيلي وقد رذا بعد الكاف

80

ليكون تشبيه ردّ برذ وقوله متحيرًا بيان لأنه حال وكذا في الأرض ويصح تعلقه باستهوته والمستهوي بصيغة المفعول. قوله: (ومحل الكاف النصب على الحال) قال في الفرائد حاصله حينئذ نرذ حال مشابهتنا كقولك جاء زيد راكبًا أي في حال ركوبه، وليس الردّ في حال الشبه، وردّ بأنّ الحال مؤكدة كقوله: ﴿وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ فلا يلزم ذلك وفيه نظر، والتشبيه على الحالية تمثيليّ شبه حال من خلص من الشرك ثم عادله بحال من ذهبت به الغيلان في مهمه بعدما كان على الجادة، وعلى أن يكون مصدرًا

مركب عقلي. قوله: (أي يهدونه الخ) هو وما بعده وجه واحد وأوّل كلامه بيان لحاصل المعنى وقيل هما وجهان الأوّل بقاؤه على المصدرية، والثاني تأويل المصدر باسم المفعول وسوق الكلام يأباه. قوله: (يقولون له ائتنا) مرّ أنّ أمثاله يقدر فيه قول هو حال أو يحكي بالدعاء لأنه بمعنى القول على الخلاف بين البصريين والكوفيين فيه ولا ينافيه تعدية يدعون لإلى كما توهم، وقوله في محل آخر لا حاجة لتقدير القول بناء على أحد القولين فلا تناقض فيه كما قيل، وقوله هو الهدي وحده الحصر من تعريف الطرفين أو ضمير الفصل. قوله: (واللام لتعليل الخ) بذلك إشارة إلى قول أنّ الهدى الخ أي أمرنا أن نقول ذلك عن خلوص طوية لننقاد لأمره فاللام لام تعليل، وهذا معنى قول أبي حيان مفعول أمرنا الثاني محذوف تقديره أمرنا بالإخلاص لكي ننقاد ونستسلم لرب العالمين، وليس هذا ما وقع في الكشاف حتى يقال إنه مبني على الاعتزال من تساوي الأمر، والإرادة وأن المصنف رحمه الله تابعه غفلة منه كما توهم وهذا غفلة عن مراده وعن إنّ ما أورده في الانتصاف ليس مسلما ولذا سم يعرّج عليه من الشراح غير الطيبي، والذي في الكشاف هي تعليل للأمر بمعنى أمرنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نسلم، وفي الكشف قال جار الله إذا قلت أمرته ليقوم كان ظاهره أمرًا مطلقًا خصصه التعليل ونحوه قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [سورة الحج، الآية: 39] وقوله: ﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ [سررة إبراهيم، الآية: 31] أي أذن في القتل وقل لهم صلوا) أقول) والتحقيق أنّ حقه أن يعدّى بالباء فلما عدل عن ذلك حمل على أنه لام التعليل، وتقديره أمرنا بأن نسليم للإسلام لا لغرض آخر فأفاد مبالغة في الطلب من وجهين انتهى، وهو محل تأمّل وقيل إن الإشارة للإسلام ولا غبار في تعليل الأمر بالإسلام بنفس الإسلام لأن مآله أنه طلب النفع، وهو تكلف لا حاجة إليه، وقيل اللام بمعنى الباء قال أبو حيان وهو غريب لا تعرفه النحاة، وأمّا زيادتها وتقدير أن بعدها فقول مرّ ما فيه، وقال الخليل وسيبويه: ومن تابعهما الفعل في هذا، وفي: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [سورة النساء، الآية: 26] يؤوّل بالمصدر وهو مبتدأ واللام وما بعد خبره أي أمرنا للإسلام، وعليه فلا مفعول للفعل كما في المغني فهو كتسمع بالمعيدي، ولا يخفى بعده وذهب الكسائيئ والفراء إلى أنّ اللام حرف مصدرقي بمعنى أن بعد أردت وأمرت خاصة، وردّه الزجاج وارتضاه صاحب الانتصاف ففي اللام هنا أربعة وجوه كونها زائدة وتعليلية للفعل أو للمصدر المسبوك منه أو بمعنى الباء أو أن المصدرية، فاختر لنفسك ما يحلو، وفي هذه المسألة كلام سيأتي تفصيله، والهدى بمعنى الاهتداء فسره بالإسلام، ولذا قابله بالضلال

فليس الظاهر أن يقول الإضلال كما قيل. قوله: (عطف على لنسلم الخ (أي بناء على أنّ اللام تعليلية وهذا قبله حرف جرّ مقدر لاطراد حذفه والجار والمجرور معطوف على الجارّ والمجرور، وهو أيضا على مذهب سيبويه من تابعه من النحاة القائلين بدخول أن المصدرية على الأمر كما مرّ، أو فيه تسمح بناء على أنه معطوف على نسلم وأنه علة واللفظ مؤوّل والمراد ولتقيموا فاخرج على لفظ الأمر وفيه تأمّل، وأورد على هذا ابن عطية رحمه الله إنّ في اللفظ ما يمنعه لأن نسلم معرب وأقيموا مبنيّ، والمبنيّ لا يعطف على المعرب لأنّ العطف يقتضي التشريك في العامل، ورد بأته ليس كما ذكر بل هو جائز كقام زيد، وهذا وكقوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [سورة هود، الآية: 98] إلى غير ذلك. قوله: (أو على موقعه) ! خ فيه الزمخشري إذ قال إنه عطف على موضعلنسلم كأنه قيل وأمرنا أن نسلم وأن أقيموا إنه كثيرا ما يقع في هذا الموقع أن نسلم فعطف عليه وان أقيموا بهذا الاعتبار على التوهم كما في فأصدق واكن، وبه يشعر قول الزمخشريّ كأنه قيل وأمرنا أن نسلم وأن أقيموالكن لا يخفى أنّ أن في أن نسلم مصدرية ناصبة

81

للمضارع وفي أن أقيموا مفسرة، وقيل لا حاجة إلى هذا الاعتبار بل المراد إنه عطف على مجموع اللام وما بعدها، ثم جوّز أن يكون عطفا على ما بعد اللام وأن مصدرية موصولة بالأمر بناء على جواز وصلها به وأمّا دفعه بأنّ العطف على توهم أن المفسرة، وأنه توهم إن مكانه أن أسلموا فبعيد، وقال أبو حيان رحمه الله: ظاهره أنّ لنسلم في موضمع المفعول الثاني لأمرنا وعطف عليه أن أقيموا فتكون اللام زائدة، وقد قدم أنها تعليلية فتناقض كلامه فتأمّل، ولما ذكر سبب النزول نشأ منه سؤال أشار إلى جوابه بقوله وعلى هذا كما بينه في الكشاف، وفي الدرّ المصون إنّ فيه وجوهًا فقيل معطوف على قوله إنّ هدى الله وقيل على قوله لنسلم، وقيل على ائتنا وهو بعيد، وقيل معطوف على مفعول الأمر المقدّر أي أمرنا بالإيمان واقامة الصلاة، وقيل هو محمول على المعنى وفيه كلام طويل فانظره. قوله: (قائمًا بالحق) إشارة إلى أنّ الجار والمجرور في موقع الحال من الفاعل ومعنى الآية حينئذ كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾، [سورة ص، الآية: 27] ويجوز أن يكون حالًا من المفعول أي ملتبسة بالحق. قوله: (جملة اسمية الخ) قال الطيبي: الواو ستئنافية، والجملة تذييل لقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ ولهذا جعل اليوم بمعنى الحين ليعمّ الزمان فقوله مبتدأ، والحق صفته والمراد المعنى المصدري أي القضاء الصواب الجاري على وفق الحكمة فلذا صح الإخبار عنه بظرف الزمان أعني يوم الخ، وإلى هذا يشير كلام المصنف رحمه الله، وتمثيله بالقتال إشارة للمصدرية، وقوله: وقوله الحق الخ إشارة إلى أنّ تقديم الخبر ليس للحصر، وقوله: نافذ هو معنى كن فيكون وكونه في جميع الكائنات مأخوذ من جملة الكلام والتذييل وقال النحرير: تقديم الخبر لكونه الشائع في الاستعمال مثل عنده علم الساعة لأنّ الحصر غير مناسب هنا وقول الزمخشري لا يكوّن شيئا من السماوات والأرض وسائر المكوّنات إلا عن حكمة، وصواب مستفاد من المقام، ولو جعل التقديم هنا للحصر لكان للحصر على عكس ما ذكر أي قضاؤه الحق لا يكون إلا يوم يقول وهو فاسد اهـ، وفيه أنّ المعروف الشائع تقدم الخبر الظرفي إذا كان المبتدأ نكرة أو نكرة موصوفة كما مز في أجل مسمى، أما إذا كان معرفة فلم يقله أحد ومثاله غير مستقيم لأنه قصد فيه الحصر لأنّ علم الساعة عند الله لا عند غيره، وما قيل من أنه يشير إلى أنّ الط طف داخل في المعنى على المبتدأ وأنّ المقصود بكون قول الحق وقت إيجاد الأشياء نفاذه فيها وأنّ المراد السماوات والأرضى وما فيهما أو الكلام على الظاهر، والمقصود تعميم قوله الحق لجميع الكائنات لا محصل له وهو ناشئ من قلة التدبر. قوله: (وقيل يوم منصوب بالعطف على السماوات الخ (إذا عطف على السماوات فهو مفعول به، والمعنى أنه أوجد السماوات والأرض! وما فيهما وأوجد يوم الحشر والمعاد، وكذا إذا عطف على الهاء فهو مفعول به أيضا كما في قوله: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي﴾ [سورة البقرة، الآية: 48، وهو بتقدير مضاف أي هو له وعقابه وفزعه أو المراد باتقاء ذلك اليوم اتقاء ما فيه من ذلك، وأما القول بأنه معطوف على بالحق وهو ظرف لخلق فيتوقف على صحة عطف الظرف على الحال لأنّ الحال ظرف في المعنى وهو تكلف. قوله: أأو بمحذوف دل عليه بالحق (أي يقوم بالحق يوم الخ لأن معنى بالحق قائمًا بالحق كما مرّ قال أبو حيان رحمه الله: وهو إعراب متكلف. قوله: (وقوله الحق مبتدأ وخبر أو فاعل يكون الخ) يعني على الوجوه الثلاثة الأخيرة وقوله على معنى وحين يقول الخ تقرير للمعنى على تقدير أن يكون قوله الحق فاعل يكون على الوجوه الثلاثة، ويوم على الأوّل مفعول خلق، وعلى الثاني مفعول اتقوا، وعلى الثالث منصوب بفعل محذوف وقوله لقوله الحق إشارة إلى أنّ الكائن جميع المخلوقات واسناد الكون إلى الحق إسناد مجازي إلى السبب وقيل لما اقتضى كون قوله الحق فاعل يكون تعلق كن به قال لقوله الحق، وفسره بالقضاء ولا شك أنّ تكوين القضاء

يوجب تكوين المقضيّ، وهو تحريف لكلامه والقضاء بالمعنى المصدري لا يتعلق به التكوين إلا مجازا فالوجه ما قدمناه وفي الكشف المراد بالقول ما يقع بالقول، وهو المقضي أي حين يقول لمقضيه كن فيكون المقضي، والوجه الأوّل اهـ فلا يرد عليه أنّ هذا التفسير لا يناسب أن يكون قوله فاعلا ليكون بل المناسب أن يقال وحين يقول كن فيكون أثر قوله الحق كما توهم وعلى كونه فاعلا فإن عطف على السماوات

82

فالمراد بالتكوين الإيجاد واليه أشار بقوله حين يكون الخ وإن عطف على مفعول اتقوا أو تعلق بمقدر، فالمراد بالتكوين الإحياء للحشر لأنه الذي يتقي ويظهر بعده القيام بالحق، واليه أشار بقوله فيكون التكوين الخ، وفي قوله حشر الأموات تسمح لأنه ليس بتكوين وقوله كقوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ﴾ [سورة غافر، الآية: 6 ا] الخ يعني أنّ تحصيص الملك بذلك اليوم لتعظيمه لا لاختصاص ملكه به، وفيه كلام آخر سيأتي. قوله: (يوم ينفخ في الصور) أي استقرّ الملك يوم ينفخ، واليه أشار بقوله لمن الملك فلا يدعيه غيره، والصور قرن ينفخ فيه كما ثبت في الأحاديث لا جمع صورة كما قيل والصور وأحواله مفصلة في كتب السنة. قوله:) كالفذلكة للاية (لأنّ الحكيم جامع لجميع أفعاله المتقنة الجارية على وفق المصالح، والخبير جامع لعلم الغيب والشهادة ففيه لف ونشر مرتب قيل: والواو ليست للعطف بل هي استئنافية نحو: ﴿جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سورة سبأ، الآية: 17] وهو المسمى في المعاني بالتذييل، والمراد بالفذلكة إجمال ما فصل أوّلًا قال الواحدي رحمه الله في شرح قول المتنبي:

نسقوا لنا نسق الحساب مقدمًا وأتى فذالك إذ أتيت مؤخرا

فذالك جمع فذلكة وهي جملة الحاسب لقوله فيها فذلك كذا انتهى، وهو من النحت المولد. قوله: (آزر الخ) إن كان علما لأبيه فهو عطف بيان أو بدل وقال الزجاج رحمه الله: ليس بين النسا بين اختلاف في أنّ اسم أبي إبراهيم ﷺ تارج بناء مثناة فوقية، وألف بعدها راء مهملة مفتوحة وحاء مهملة، والذي في القرآن يدل على أنه خلافه، فإما أن يكون لقبا غلب عليه أو كما قيل هو اسم عمه أو اسم جذه والعم والجذ يسميان أبا مجازا، والمصنف رحمه الله أجاب بأجوبة وهي ظاهرة، وقيل آزر وصف معناه الشيخ بفارسية خوارزم، وقيل إنه المعوج بالسريانية وقيل معناه المخطئئ وعلى الوصفية لا يظهر لمنع صرفه وجه فقال المصنف رحمه الله: إنه حمل على موازنه وهو فاعل المفتوح العين، فإنه يغلب منع صرفه لأنه كثير في الإعلام الأعجمية، والأولى أن يقال إنه غلب عليه فألحق بالعلم والا فليس فيه علمية أصلًا لأنّ

الوصف في العجمة لا يؤثر في منع الصرف ومن لم يتنبه لهذا قال: العلة لم تبلغ النصاب، وقوله: أو نعت الخ فمنع صرفه لوزن الفعل والوصفية، لأنه على وزن أفعل، والأزر القوّة والوزر الإثم، وقوله: (والآقرب الخ) يشير إلى أنه لا عبرة بما وقع في التواريخ مخالفا لظاهر الكتاب المجيد لأنها أكثرها نسي بالتقادم وخلطت فيه أهل الكتاب، وقوله: (بحذف المضاف) أي عابد آزر، وحذفه إما في كلامهم أو في النظم. قوله: (وقيل المراد الخ) فهو من جملة المقول، وليس هذا التفسير المصطلح عليه في باب الاشتغال لا لأنه بينه وليس عينه بل ما يناسبه وهو تعبد لأنه لا يشترط فيه أن يكون عينه نحو زيدًا ضربت عبده إذ تقديره أهنت زيدًا، ضربت عبده بل لأنّ ما بعد الهمزة لا يعمل فيما قبلها، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا كما تقرّر عندهم. قوله: (تفسير أو تقرير) المراد بالتفسير تفسير آزر مرادًا به الصنم وعامله المقدر لأن تقديره أتعبد آزر، وقوله أتتخذ أصناما تفسير له والمراد بالتقرير تقريرهم بسوء عقيدتهم ليلزمهم، ولذا فسره النحرير بالتحقيق والتثبيت لأنه واتع وقيل المراد تقرير الاستفهام الإنكاري لا القابل للإنكار، وفيه نظر. قوله: (ويدل عليه أنه قرئ أزارا (بهمزتين الأولى استفهامية مفتوحة، والثانية مفتوحة ومكسورة وهي إمّا أصلية إن كان اسم صنم أو أصلية بمعنى القوّة، أو مبدلة من الواو بمعنى الوزر والإثم، وعليه فعامله مقدر أي تعبد إزرأ إن كان اسم صنم وإن كان عربيا فهو مفعول له، أو حال أو مفعول ثاني لتتخذ أو منصوب بمقدر كما ذكره المعرب وغيره ومن قرأ بهذه أسقط همزة أتتخذ، فجعل هذه القراءة دليلًا على أنه اسم صنم لا يتجه وقوله: (وهو يدل على أنه علم (أي قراءة يعقوب آزر بالمد وضم الراء على أنه منادى تدل على العلمية لأن حذف حرف النداء من الصفات شاذ، فما قيل إن النداء يكون بالصقات نحو يا عالم، وأجيب عنه بأنّ كثرته في الأعلام تكفي للترجيح، وقيل عليه دعوى الكثرة محل نظر من سوء الفهم وقلة التدبر، وكذا ما قيل إنّ خطاب إبراهيم ﷺ لأبيه بما يشعر بتحقيره ينافي حسن الأدب لأنه ليس بأدون من قوله إني

83

أراك وقومك في ضلال مبين وليس مقتضى المقام الأدب معه، وقوله ظاهر إشارة إلى أنه من أبان اللازم. قوله: (ومثل هذا التبصير الخ! إشارة إلى أنّ الإشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده، والإشارة قد تكون إلى متأخر كما مرّ في قوله هذا فراق بيني وبينك، وزيادة كافة وعدمها سبق منا تحقيقه، قيل، ولك أن تجعل المشبه التبصير من حيث أنه واقع والمشبه به التبصير من حيث أنه مدلول اللفظ، ونظيره وصف النسبة بالمطابقة

للواقع، وهي عين الواقع وليس أبا عذرته فإنه سبق ما هو قريب منه في كلام الطيبي رحمه الله ويجوز أن يكون المشار إليه ما أنذر به أباه وضلل قومه من المعرفة والبصارة فيكون قوله فلما جن عليه الليل تفصيلا وبيانا لمعنى المثل، وأشار بقوله التبصير إلى أنّ رأى هنا بصرية لا علمية والزمخشرفي جعلها بصرية لكن ذكر أنها مستعارة للمعرفة، كما بينه شراحه، وكذا قال ابن عطية رحمه الله: وردّه أبو حيان بأنه يحتاج إلى نقل عن العرب إنّ رأى بمعنى عرف تتعدّى إلى مفعولين (قلت (إذا كانت بصرية استعيرت للمعرفة استعارة لغوية من إطلاق السبب على المسبب فلا يرد ما ذكره، وهذا ما جنح إليه الزمخشرقي، ولولا هذا لكان ادّعاء الاستعارة لغوًا، وقوله وهو حكاية حال ماضية لما كان الظاهر أرينا جعله حكاية للحال الماضية استحضارا لصورته حتى كأنه حاضر شاهد. قوله:) تبصره دلائل الربويية) إن قرأناه فعلا من بصره يبصره فيكون ملكوت الذي هو نائب الفاعل بمعنى دلائل الربوبية أو بتقدير مضاف لكن هذه عبارة الكشاف بعينها، وقد ضبطها العلامة في شرحه على صيغة المصدر المنصوب وجعلها مفعولًا ثانيا مقدر التري، وهو يصح هنا وكأنه من طريق الرواية. قوله: (ربوييتهما وملكهما) الملكوت مصدر كالرغبوت والرحموت كما قاله ابن مالك وغيره من أهل اللغة وتاؤه زائدة للمبالغة، ولذا فسر بأعظم الملك،! وقوله ربوبيتهما إشارة إلى مصدريته، وقال الراغب: إنه يختص به تعالى وتفسيره الأوّل إشارة إلى معناه الحقيقي ورؤيتها إن كانت الرؤية بصرية رؤية آثارها، والثاني إشارة إلى معناه المجازي لأنّ ذلك هو المرئي، وقيل الأوّل ناظر إلى كون الرؤية رؤية البصيرة، والثاني إلى كونها رؤية البصر، وفيه نظر. قوله: (ليستدذ الخ (إشارة إلى ما مرّ في أمثاله من أنه إمّا معطوف على علة مقدّرة أي ليستدل وليكون أو علة لفعل مقدر أي وفعلنا ذلك الخ وقيل إنّ الواو زائدة وهو متعلق بما قبله، وهذه الوجوه جارية في كل ما جاء في القرآن من هذا فيل ينبغي أن يراد بملكوتهما بدائعهما وآياتهما لأنّ الاستدلال من غاية إراءتها لا من غاية إراءة نفس الربوبية، وقد مزت الإشارة إلى أنّ رؤية الربوبية برؤية دلائلها وآثارها، وقيل إنّ الاستدلال مع قطع النظر عن كونه سببًا للإيقان لا يكون علة للإراءة فكيف يعطف عليه بإعادة اللام وليس بشيء، وقوله وفعلنا تدره مقدما لأنّ العلة ليست منحصرة فيما ذكر، ومن قدره متأخرا رأى أنه المقصود الأصلي. قوله: (تفصيل وبيان لذلك) أي تفصيل للجملة المذكورة والترتيب ذكرى لتأخر التفصيل عن الإجمال في الذكر وليس في هذا دليل على أنه بالبصيرة أو البصر وقوله:) وقيل عطف الخ (قيل فائدته التنبيه على أنه ﷺ في معرفة ربه إلى مرتبة الإيقان بالاستدلال وإقامة البرهان بحيث قدر على إلزامهم، وان كان ذا نفس

قدسية لا يحتاج في اعتقادها بالذات إلى وساوس الأدلة، وكونه عطفًا على قال إبراهيم تبع فيه الزمخشري وهو تسمح والأوّل على إذ قال كما صرّج به غيرهما وقوله: (فإنّ أباه الخ) بيان لوجه المناسبة والارتباط، وقيل إنهم كانوا يعبدون الكواكب فاتخذوا لكل كوكب صنما من المعادن المنسوبة إليه، كالذهب للشمس، والفضة للقمر ليتقرّبوا إليها، فالصنم كالقبلة لهم فانكر أوّلأ عبادتهم للأصنام بحسب الظاهر، ثم أبطل منشأها وما نسبت إليه من الكواكب بعدم استحقاقها لذلك أيضًا. قوله: (وجق عليه الليل ستره بظلامه) هذه المادّة بمتصرّفاتها تدل على الستر قال الراغب: أصل الجن الستر عن الحاسة، يقال جنة الليل وأجنه وجن عليه فجنه ستره وأجته جعل له ما يستره وجن عليه ستره أيضأ، والزهرة بضم الزاي وفتح الهاء كتؤدة نجم في السماء الثالثة وتسكين الهاء في غير ضرورة الشعر خطأ، كما في أدب الكاتب، وفيه نظر وان نظر وان اشتهر خلافه، والوضع سوق مقدمة في الدليل لا يعتقدها لكونها

84

معلمة عند غيره لأجل إلزامه بها وهو مصطلح أهل الجدل، واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله فإنّ الخ قيل هذا ناظر إلى الوجه الثاني في فلما جن عليه الليل، وقوله أو على وجه النظر إلى الوجه الأوّل وفيه نظر لأنه يمكن أن يجري على القول الأصح على الوجهين، لأنّ معنى، وكذلك الخ ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم والمراد هدايته لطريق الاستدلال مع الخصوم، وبه تحصل زيادة اليقين، وإفحام الخصوم كما قاله الطيبي رحمه الله. قوله: (وإنما قاله رّمان مراهقتة) يريد الردّ على أنه لا حاجة إلى النظر والاستدلال المؤيد لما عنده من الاعتقاد فإنه مقام النبوّة والأنفس القدسية أعلى من أن تتشبث بحال الاستدلال فقال إنه كان في مبادي السن قبل البعثة ولا يلزمه اختلاج شك مؤدّ إلى كفر لأنه لما آمن بالغيب أراد أن يؤيد ما جزم به بأنه لو لم يكن الله إلهًا وكان ما يعبده قومه لكان إمّا كذا وامّا كذا، والفرق بينه وبين الأوّل إنه لإلزام الغير، وهذا الثلج الصدر ببرد اليقين، والوجه الأوّل لا لأنه دفع لما يقال إنّ قوله هذا ربي يكون حينئذ كفرا والأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عنه قبل البعثة، وبعدها بالاتفاق لأنّ كفر الصبيّ غير المراهب لا يعتذ به، وان صح إسلامه كما صرّح به الفقهاء، ولا يلزمه الكذب على الأوّل لأنه كلام لاستدراج الخصم على وجه الفرص وارخاء العنان ومثله لا يسمى كذبًا، بل لما قال محي السنة لا يجوز أن يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو موحد عارف بالله بريء عن كل ما سواه وكيف يتوهم هذا على من طهره الله وعصمه، وآتاه رشده من قبل إلى أن جاء ربه بقلب سليم، وقال وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات

والأرض وليكون من الموقنين أو تراه أرإه الملكوت ليوقن فلما أيقن رأى كوكبًا قال هذا ربي معتقدًا له هذا لا يكون أبدًا بل أراد أن يستدرج القوم بهذا القول، ويغرّفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموه إذ كانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، وقال الإمام السبكي رحمه الله في تفسير هذه الآية قد تكلم الناس فيها كثيرًا، وفهمت منها أنّ ذلك تعليم منه سبحانه لإبراهيم ﷺ طريق الحجة على قومه فاراه ملكوت السماوات والأرض، وعلمه كيف يحاجهم ويقول لهم إذا حاجهم في مقام بعد مقام إلى أن يقطعهم بالحجة ولا يحتاج مع هذا إلى أن يقال ألف الاستفهام محذوفة ويؤخذ منه أنّ القول على سبيل التنزل، وليس اعترافا وتسليمًا مطلقًا وقولنا على سبيل التنزل معناه أنّ الخصم ينطق به لينظر ما يترتب عليه، وهذا الذي فهمت أقرب ما قيل فيها ويرشد إليه صدر الآية وعجزها أي قوله وكذلك نرى إبراهيم الآية، وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: 83] على قومه انتهى وهذا هو الحق فالنظم دال على خلاف الوجه الثاني. قوله: (فضلاَ عن عبادتهم) هذا إمّ إشارة إلى عدم العبادة بالبرهان أو إشارة إلى أنه كني بعدم المحبة عن عدم العبادة، لأنه يلزم من نفيها نفيها بالطريق الأولى وهما متقاربان، والزمخشريّ قدر مضافا أي لا أحب عبادة الآفلين، والتعليل بقوله فإنّ الخ للازم المنطوق المراد منه فلا يرد عليه أنه لا يصح أن يكون تعليلًا لعدم المحبة بل لترك العبادة وقد بناه على عدم المحبة. قوله: (والاحتجاب بالاستار الخ الا يوصف الله بأنه محجوب، قال القاضي رحمه الله: في الشفاء ما في حديث الإسراء من ذكر الحجاب في حق المخلوق لا في حق الخالق فهم المحجوبون، والباري جل اسمه منزه عما يحجبه إذ الحجب إنما يحيط بمقدّر محسوس، ولكنه حجب على أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم للأجرام المحدودة، والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، فهو تمثيل لمجرّد منعه الخلق عن رؤيته، أو هو في حق المخلوق، وقال الشريف قدس سره: في الدرر والغرر العرب تستعمل الحجاب بمعنى الخفاء وعدم الظهور فيقول أحدهم لغير. إذا استبعد فهمه بيني وبينك حجاب، ويقولون لما يستصعب طريقه بيني وبينك كذا حجبا وموانع وسواتر وما جرى مجرى ذلك، فهو مجاز في المفرد عنده، وفي حكم ابن عطاء الله الحق ليس بمحجوب إنما يحجب عن النظر إليه إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، وهو القاهر فوق عباده فتدبره، وقيل: إنّ قوله يقتضي الإمكان والحدوث لف ونشر غير مرتب لأنّ الانتقال حركة، وهي حادثة فيلزم حدوث محلها، والاحتجاب اختفاء يستتبع إمكان

85

موصوفه ومن هاهنا ظهر ضعف ما قيل إنّ الاستدلال بحدوث الجواهر دون إمكانها طريقة الخليلءجمف وهو منقول عن جملة أهل الكلام وهم يقولون إنه من صفات الإجرام المحدودة المتحيزة، وهو يستلزم الحدوث فلا يرد عليهم ما ذكره فتأمّل، وبزوغ القمر طلوعه منتشر

الضوء، وأصله في بزوغ الناب لظهوره، وبزغ البيطار الداية أسال دمها فبزغ هو أي سال فشبه هذا به قاله الراغب رحمه الله. قوله: (فلما أفل) قيل كان غاب عن نظره ولم يكن حين رآه في ابتداء الطلوع بل كان وراء الجبل ثم طلع منه، أو في جانب آخر لا يراه، والا فلا احتمال لأن يطلع القمر من مطلعه بعد أفول الكواكب ثم يغرب قبل طلوع الشمس، وقيل فيه بحث إذ يجوز أن يكون الجبل في طرف المغرب، والذي ألجأهم إلى هذا التعقيب بالفاء، ويمكن أن يكون تعقيبا عرفيًا مثل تزوّج فولد له إشارة إلى أنه لم تمض أيام وليال بين ذلك سواء، كان استدلالًا أو وضعا، واستدراجا لا إنه مخصوص بالثاني كما توهم على أنا لا نسلم ما ذكره إذا كان كوكبا مخصوصًا وإنما يرد لو أريد جملة الكواكب أو واحد لا على التعيين فتأمّل. قوله: (استعجز نفسه الخ) أي أظهر العجز صورة، وقوله إرشاد إشارة إلى أنّ هذا القول! يس بمرضي عنده، وهو الحق الحقيق بالقبول والنظم ناطق به كما بين في شروح الكشاف، لأنّ قوله لئن لم يهدتي ربي وقوله يا قوم إني بريء مما تشركون يدل على أنه كان مع قومه، وكان محاجا لهم مثافهة والمجموع دليل لمكان التعريض بدليل قوله كونن من القوم الضالين، ثم الجملة القسمية تدل على أنّ الكلام مع منكر مبالغ في الإنكار فلا يناسب فرض التردّد في نفسه على أنّ قوله ربي صريح في اعترافه بأنّ له ربا يعرفه ويعبده، وما قيل من أنه استعجز نفسه فاستعان بربه في درك الحق وقوله: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ إشارة إلى حصول اليقين من الدليل فخلاف الظاهر على أنّ حصول اليقين من الدليل لا ينافي محاجته مع قومه كما في الكشف فقد علمت أنّ في كلام المصنف رحمه الله نبوة من الظاهر لكن ينبغي أن يقاد إليه بزمام العناية بما مرّ، وفي الانتصاف إنما عرّض! بضلالهم في أمر القمر لأنه قد أيس منهم في أمر الكواكب، ولو قال في الأوّل لما أصغوا ولما أنصفوا، ثم صرّح في الثالثة بالبراءة لما تبلج الحق وظهر غاية الظهور، وهم في ظلمات العمى والعناد. قوله: (له ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر الخ) قال بعض المتأخرين ما نصه بعدما حكى كلام المصنف والكشاف لا حاجة إلى هذا التكلف لأن الإشارة إنما هي إلى الجرم ولا تأنيث فيه وإنما التأنيث بحسب اللفظ وليس في ذلك المقام لفظ الشمس فإنه في الحكاية لا المحكي انتهى، وقد سبق إلى هذا أبو حيان رحمه الله فقال يمكن أن يقال إنّ أكثر لغة العجم لا تفرق في الضمائر، ولا في الإشارة بين المذكر والمؤنث ولا علامة عندهم للتأنيث بل المؤنث والمذكر سواء عندهم فأشار في الآية إلى المؤنث بما يثار به إلى المذكر حين حكى كلام إبراهيم ﷺ وحين أخبر تعالى عنها بقوله: بازغة وأفلت أنث على مقتضى العربية إذ ليس ذلك بحكاية انتهى، وهذا إنما يظهر لو حكى كلامهم بعينه في لغتهم أما إذا عبر عنه بلغة العرب فكونه يعطي حكم كلام العجم فلا وجه له وان ظنوه شيئا،

ثم إنّ النفس ألفت أخذ المعاني من الألفاظ حتى إذا تصوّرت شيئًا لاحظت ما يعبر به عنه في ذلك التخاطب وتخيلت أنها تناجي نفسها به كما قاله الرئي! في الشفاء، فإذا اشتهر التعبير عن شيء بلفظ مذكر أو مؤنث لوحظ فيه ذلك وإن لم يطلق عليه ذلك الاسم وقت التعبير والإشارة، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [سورة ص، الآية: 32] فحيث خولف ذلك المقتضى احتاج إلى عذر وتأويل كما حققه السيد قدس سرّه في ألم ذلك الكتاب وبعضهم ذكره هنا من عنده زاعمًا أنه من نتائج أفكاره وأمّ كون لغته لا تأنيث فيها فلا وجه له لما علمت أن العبرة بالحكاية لا المحكي، ألا ترى إنه لو قال أحد الكواكب النهاري طلع فحكيته بمعناه وقلت الشمس طلعت لم يكن لك ترك التأنيث بغير تأويل لما وقع في عبارته، وإذا تتبعت ما وقع في النظم الكريم رأيته إنما يراعي فيه الحكاية مع أنه مبنيّ على أنّ إسماعيل هو أوّل من تكلم بالعربية والصحيح خلافه. قوله: (وصيانة للرب عن شبهة التأنيث) قيل ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر أو لأنه لا يفرق في غير لغة العرب بين المذكر والمؤنث في الإشارة فأجرى الكلام على قاعدة تلك اللغة في مقام

86

الحكاية، وعلى قاعدة العربية في مقام الإخبار، وأمّا ما قيل وكان اختيار هذه الطريقة واجبا لصيانة الرب عن شبهة التأنيث فيرد عليه إنّ هذا في الرب الحقيقي مسلم، ورذ بأن مراد القائل ما ذكره هذا الفاضل بقوله ويحتمل الخ والحكم بالوجوب بالنظر إلى اقتضاء المقام فلا يرد عليه شيء، وأجيب أيضا بأنه على تقدير أن يكون مسترشدا ظاهر وعلى المسلك الآخر إظهارًا لصونه ليستدرجهم إذ لو حقر بوجه ما كان سببًا لعدم إصغائهم، وقوله: (من الإجرام الخ) إشارة إلى أنّ ما موصولة ويصح جعلها مصدرية، وقوله: (ومخصص الخ) أي يخصصها بصفاتها كالبزوغ والأفول. قوله: (لتعدّد دلالته الأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب ولكل منهما دلالة كما عرفت، والبزوغ وان كان انتقالًا مع البروز لكن ليس للثاني مدخل في الاستدلال، وقيل عليه إنّ البزوغ أيضًا انتقال مع احتجاب إلا أنّ الاحتجاب في الأوّل لاحق وفي الثاني سابق، وإما إنّ جوابه يؤخذ مما بعده وهو رؤيتها في وسط السماء فلا يشاهد البزوغ حتى يستدل به فلا يخفى ما فيه، فليتأمّل. قوله: (وخاصموه في التوحيد (أي تارة بأدلة فاسدة واقفة في حضيض التقليد، وأخرى بالتخويف فأشار إلى جواب كل منهما وإليه شار المصنف رحمه الله بقوله ولعله الخ فتدبر. قوله: (في وقت الخ) إشارة إلى ا! أن يشاء على معنى الظرف مستثنى من أعمّ الأوقات استثناء مفرّغا، وقال الزمخشريّ: إنّ الوقت محذوف فيه، وقال أبو البقاء: إنّ المصدر منصوب على الظرفية من غير تقدير وقت وقد منع ذلك ابن الأنباري فقال: ما معنا. يجوز خروجنا صياح الديك، ولا يجوز خروجنا أن يصيح الديك على معنى وقت صياحه، وإنما يقع ظرفًا المصدر الصريح، وأجاز ذلك ابن جني من غير فرق بينهما كما في الملتقط وغيره والاستثناء متصل، ويجوز أن يكون منقطعا على معنى ولكن أخاف أن يشاء ربي خوفي ما أشركتم به، وشيئا مفعول به أو مفعول مطلق وأن يصيبني بيان له. قوله: (بتخفيف النون) واختلف في أيهما المحذوفة، فقيل نون الرفع وقيل نون الوقاية، والأوّل مذهب سيبويه، وهو أرجح لقلة التغيير بالحذف والكسر ولأنه عهد حذفها للجازم وهذه لغة غطفان وهي لغة فصيحة ولا يلتفت إلى قول مكيّ إنه ضعيف. قوله: (لأنها لا تضرّ بنفسها (قيد بنفسها لأنها تضرّ إن شاء الله مضرتها وقوله ولعله إنما أتى بلعل لأنه لم يسبق له ذكر، وإنما فهم من قوله أخاف، والتهديد يؤخذ من تعليقه شيئا بمشيئته تعالى. قوله: (كأنه علة الاستثناء) في الكشاف أي ليس بعجب ولا مستبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها كرجمه بالنجوم لأنه إذا أحيل شيء إلى علم الله أشعر بجواز وقوعه. قوله: (أفلا تتذكرون الخ) قد مرّ أنّ فيه وجهين تقدير معطوف عليه أي أتسمعون هذا فلا تتذكرون، أو تقديم الهمزة من تأخير لصدارتها أي بعدما أوضحته من الدلائل الظاهرة المقتضية لشرعة التذكر إشارة إلى أن ما صنعوه ناشئ عن الغفلة. قوله: (وكيف أخاف ما أشركتم) أي أشركتموه به فحذف اختصارًا لعلمه بالقرينة وذكره فيما بعده، ولأنّ المراد تخويفهم، وذكر المشرك به أدخل في ذلك، وأمّا ما قيل إنه ليعود إليه الضمير فيما لم ينزل به، فليس بشيء لأنه يكفي سبق ذكره في الجملة، والظاهر أن يقال في وجهه والنكتة فيه إنه لما قيل قبيل هذا رلا أخاف ما أشركتم به، كان هذا كالتكرار له فناسب الاختصار إنه ى! يب حدّفه إشارة إلى بعد وحدانيته عن الشريك، فلا ينبغي عنده نسبته إلى الله ولا ذكره معه، ولما ذكر حال المشركين الذين لا ينزهونه عن ذلك صرّح به، وهذه نكتة بديعة فمن قال هنا لا بذ من بيان فائدة حذف بالله في الأوّل وإثباته في الثاني ولم أر أحدًا تعرض له، فأقول لعل الوجه في ذلك إنّ مقصود إبراهيم ﷺ في الأوّل إنكار أن يخاف غير الله تعالى سواء كان مما يشركه الكفار أو لا، وبالجملة خصوصية الإشراك بالله تعالى مقصودة في هذا المقام، وأمّا قوله: (ما أشركتم

﴾ دون أن يقول بالله فلان الكلام

فيما أشركوا وفي الثاني إنكار. عدم خوفهم من إشراكهم بالله فإنّ المنكر المستبعد عند العقل السليم هو الإشراك بالله تعالى لا مطلق الإشراك فلذا حذفه في الأوّل وأتى به في الثاني انتهى. فلا يخفى أنه تطويل من غير طائل مع أنّ ما أشركوا كيف يدل على ما سوى الله غير الشريك، وهو عجيب منه وأنت في غنى عنه مما

87

أوضحناه لك.

قوله: (وهو حقيق بأن يخاف منه كل الخوف) أي يخاف بسبب عذابه وعقابه الخوف الشديد، وفي الكشاف وأنتم لا تخافون ما يتعلق به كل مخوف وقدر أنتم ليبين أنهم أحقاء بالخوف فبنى الكلام على تقوى الحكم فعلى هذا يصح أن يكون قول المصنف رحمه الله وهو حقيق الخ بيانا لمآل الجملة وهو لا ينافي كون الجملة حالية وإن طعن فيه بأنّ المضارع المنفيّ لا يقرن بالواو كالمثبت لكنه غير مسلم ومنهم من جعله قيدا، وقال هذا القيد مع القيد السابق أعني قوله ولا يتعلق به ضرّ يومي إلى أنه جعل قوله ولا تخافون الخ عطفًا على جملة أخاف وان كان الزمخشري جعلها حالًا من فاعل أخاف أو مفعوله. قوله: (بالقادر الضاز النافع (وفي نسخة والقادر الضارّ، وهي ظاهرة لأنّ بين لا تضاف إلا لمتعدد وأمّا على هذه فقيل الباء بمعنى مع متعلق بمحذوف، وهو مع المجرور في محل نصب حال عن المقدور لا متعلق بالتسوية والا فلا يكون لبين معنى وهو تعسف. قوله: (بإشراكه) بيان لأنّ في الكلام مضافا مقدّرا وقيل إنه أرجع الضمير إلى الإشراك المقيد بتعلقه بالموصول فلا حاجة إلى العائد وهو مبنيّ على مذهب الأخفش في الاكتفاء في الربط برجوع العائد إلى ما يتلبس بصاحبه، كما مرّ تحقيقه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [سورة البقرة، الآية: 234] الآية لكنه لم يذكر مثله في ربط الصلة ولا بعد فيه، وقوله لم ينصب الخ فعدم التنزيل كناية عن ذلك، وقيل هو تعميم للدليل بحيث يشمل العقليّ والنقليّ، والسلطان الحجة فمعنا. على الثاني ظاهر وعلى الأوّل لأنه متضمن للحجج والبراهين. قوله: (احترازًا من تزكية نفسه) فأدرج نفسه فيمن زكاه إخفاء لتزكية نفسه لأنه أدعى لترك العناد إذ تزكية النفس، وان طابقت الواقع ربما دعت الخصم إلى اللجاج فلا يقال إنّ من ادّعى أنّ الحق معه لا يكون مزكيًا لنفسه، وكيف لا والتزكية بالباطل كذب لا تزكية، ووجه أيضا بأنه للإشارة إلى أنّ أحقية إلا من لا تخصه بل تشمل كل موحد ترغيبًا لهم في التوحيد. قوله: (استئناف منه) أي من إبراهيم ﷺ محكيا عنه، والظاهر أنه استئناف نحويّ لا بياني لأنه ما كان جواب مقدّر، وهذا جواب سؤال محقق، بقي هنا ا!

ابن هشام رحمه الله قال في المغني الاستئناف النحوقي ما كان في ابتداء الكلام، أو مقتطعا عما قبله، وهذا خارج عنهما لارتباط الجواب والسؤال فكيف يكون استئنافا نحويًا، والجواب عنه أنه في ابتداء كلام المجيب تحقيقًا أو تقديرًا فيدخل فيما ذكره، أو المراد بكونه مقتطعا عما قبله أن لا يعطف عليه ولا يتعلق به من جهة الإعراب وان ارتبط بوجه آخر. قوله: (والمراد بالظليم هنا الشرك) فإن قلت لا يلزم من قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان، الآية: 13] إن غير الشرك لا يكون ظلما قلت: التنوين في بظلم للتعظيم فكأنه قيل لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم ولما تبين أنّ الشرك ظلم عظيم علم أنّ المراد لم يلبسوا إيمانهم بشرك أو أنّ المتبادر من المطلق أكمل إفراده. قوله: (لما روي الخ) (1 (هذا حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأحمد ابن حنبل والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه فقول النحرير: كما ستراه قريبا إن صح لا يليق به، وقوله: يصدق بتشديد الدال يصح قراءته مجهولًا ومعلوما. قوله: (وقيل المعصية الخ) هذا ما ارتضاه الزمخشري تبعا لجمهور المعتزلة لأنّ تفسير الظلم بالشرك يأباه ذكر اللبس أي الخلط إذ هو لا يجامعه، وإنما يجامع المعاصي قال النحرير: قد شاع استدلال المعتزلة بهذه الآية على أنّ صاحب الكبيرة لا أمن له، ولا نجاة من العذاب حيث دلت بتقديم لهم على اختصاص الأمن بمن لم يخلط إيمانه بظلم أي بفسق، وأجيب بأنّ المراد بالظلم هنا الشرك الذي هو ظلم عظيم كامل، ويشبه أن يكون تنكير ظلم إشارة لهذا بدليل ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه والزمخشرقي دفعه بأنّ لبس الإيمان بالشرك أي خلطه به مما لا يتصوّر لأنهما ضدان لا يجتمعان، والحديث إن صح خبر واحد في مقابلة الدليل القطعي فلا يعمل به، والقول بأنّ الفسق أيضا لا يجامع الإيمان عند المعتزلة لكونه اسما لفعل الطاعات، واجتناب المعاصي حتى إن الفاسق ليس بمؤمن كما أنه ليس بكافر مدفوع بأنه كثيرًا ما يطلق على نفس التصديق بل لا يكاد يفهم منه بلفظ الفعل غير هذا حتى إنه يعطف عليه عمل الصالحات، وأجيب بأنه إن أريد بالإيمان مطلق التصديق سواء كان باللسان، أو غيره فظاهر أنه

88

يجامع الشرك، كالمنافق وكذا إن أريد تصديق القلب لجواز أن يصدّق بوجود الصانع دون وحدانيته كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف، الآية: 06 ا] وهو ما أشار إليه المصنف رحمه الله، ولو أريد التصديق بجميع ما يجب التصديق به

بحيث يخرح عن الكفر فلا يلزم من لبس الإيمان بالشرك الجمع بينهما بحيث يصدق عليه أنه مؤمن، ومشرك بل تغطيته بالكفر وجعله مغلوبًا مضمحلا أو اتصافه بالإيمان ثم الكفر ثم الإيمان ثم الكفر مرارًا، وبعد تسليم جميع ما ذكر فاختصاص إلا من بغير العصاة لا يوجب كون العاصة معذبين البتة بل خائفين ذلك متوقعين للاحتمال، ورجحان جانب الوقوع وقيل فيه بحث لأنّ اللبس على هذا المعنى متحقق على تقدير الانتهاء إلى الإيمان بتأخره عنه فيلزم أن ينتفي إلا من حينئذ البتة ولأنّ المراد بالأمن نفيا واثباتًا التعذيب وعدمه، والا قالا من كفر كاليأس ويدفع بأنّ المراد باللبس بالكفر أن يكون الكفر متأخرًا لأنه جعل كاللباس والغطاء وما قبله كالتوطثة والفراش، وكون الإيمان يجبّ ما قبله قرينة له كما هو معلوم من الدين بالضرورة، والمراد بالأمن الطرف الراجح الذي هو كالجزم كما أشار إليه وليس هو إلا من الذي يكفر به، وفي بعض الحواشي فإن قيل المؤمن الفاسق الذي مات على الفسق ليس له الأمن فما وجه حمل الظلم على الشرك مع أنه يقتضي أنّ من لم يشرك آمن، وإن كان فاسقا قيل على التقدير المذكور يكون المراد من الأمن الأمن من خلود العذاب، ومن الاهتداء الاهتداء إلى طريق توجب إلا من الخلود فإذا كان المراد من الظلم المعصية، كان الأمن إلا من العذاب مطلقا فتأمّل. قوله: (1 ن جعل خبر تلك) وآتيناها خبر بعد خبر أو معترضة أو تفسيرية، وقيل يصح تعلقه بآتينا لتضمنه معنى الغلبة وجعله متعلقًا بمحذوف في هذا الوجه لئلا يلزم الفصل بين أجزاء البدل بأجنبي. قوله: (بالتنوين (قال أبو البقاء: يقرأ بالإضافة على أنه مفعول نرفع فرفع درجة الإنسان رفع له، ويقرأ بالتنوين فمن مفعول، ودرجات منصوب على الظرفية أو على نزع الخافض أي إلى درجات أو على المصدرية بتأويل رفعات أو هو تمييز، وأما كونه مفعولًا ومن بتقدير لمن فبعيد. قوله: (كلاَ منهما (لم يقل منهم لأنّ هداية إبراهيمءلمجييه معلومة مما سبق، لأنّ الغرض تعديد النعم على إبراهيمءلمجب! بشرف الأصول والفروع، والولد لا يعد نعمة ما لم يكن مهديًا، قيل وإنما ذكر نوحا لمجم! هـ لأنّ قومه عبدوا الأصنام فذكره ليكون له به أسوة وأمّا إنه لما ذكر أنعامه من جهة الفرع ثني بذكر النعمة من جهة الأصل فلا دلالة في النظم على علاقة الأبوّة، وقد قيل إنها معلومة بدليل آخر أو لشهرتها، ولك أن تقول أن من قبل دال عليه، فتدبر. قوله: (الضمير لإبراهيم عليه الصلاة والسلام الخ) وهو من عطاياه التي امتن بها

عليه على كلا الوجهين، لأنّ شرف الذزية وشرف الأقارب شرف لكنه على الأوّل أظهر، ويكون تطرية في مدح إبراهيم ﷺ بالعود إليه مرّة بعد أخرى، وقال محيي السنة رحمه الله: ومن ذرّيته أي ذرّية نوح ع! ي! هـ ولم يرد من ذرّية إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنه ذكر في جملتهم يونس ﷺ وكان من الأسباط في زمن شعياء أرسله الله تعالى إلى أهل نينوى من الموصل وقال إنّ لوطًا ﷺ كان ابن أخي إبراهيم لمج! هـ ابن تارح آمن بإبراهجم ولشص معه مهاجرا إلى الشأم فأرسله الله إلى أهل سدوم، ومن قال الضمير لإبراهيم ﷺ يقدر ومن ذزية إبراهيم، وسليمان ﷺ هدينا لأنّ إبراهيم هو المقصود بالذكر، وذكر نوح لتعظيم إبراهيم ولذلك ختم بيونس ولوط وجعلهما معطوفين على نوحا هدينا من عطف الجملة على الجملة، وصاحب الكشف أخرج إلياس ﷺ، وليس كذلك لما في جامع الأصول عن الكسائيّ إنهما من ذرّيته فبقي لوط خارجا ولما كان ابن أخيه آمن به وهاجر معه أمكن أن يجعل من ذزيته على سبيل التغليب كما ذكره الطيبي، وعليه ينزل كلام المصنف رحمه الله تعالى 0 قوله: (عطف على نوحًا) وذكر إسماعيل وان كان من ذرّية إبراهيم لأنّ السكوت عن إدراجه في الذرّية لا يقتضي أنه ليس منهم، وأنما لم يعد في موهبته لأنّ هبة إسحق كانت في كبره وكبر زوجه فكانت في غاية الغرابة، وذكر يعقوب لأنّ إبقاء النبوّة بطنا بعد بطن

89

غاية النعمة ولم يعطف كلًا هدينا لأنه مؤكد لكونه نعمة. قوله: (جزاء مثل ما جزينا (قيل عليه أنّ مجموع الأمور الثلاثة من رفع الدرجة، وكثرة الأولاد والنبوّة فيهم ليست موجودة في غير إبراهيم ﷺ، والمراد بمماثلة جزائهم لجزائه مطلق المشابهة في مقابلة الإحسان بالإحسان والمكافأة بين الأعمال، والا جزية من غير بخس لا المماثلة من كل وجه لأنّ اختصاص إبراهيمءكب! هـ بكثرة النبوّة في عقبة مشهور فلا يرد عليه ما توهم. قوله: (دليل على أنّ الذزية تتناول أولاد البنات) لأنّ انتساب عيسى ﷺ ليس إلا من جهة أمّه، وأورد عليه أنه ليس له أب يصرف إضافته إلى الأمّ إلى نفسه فلا يظهر قياس غيره عليه والمسألة مختلف فيها والقائل بها استدل بهذه الآية وآية المباهلة حيث دعا ﷺ الحسن والحسين رضي الله عنهما بعدما نزل ندع أبناءنا وأبناءكم إن لم نقل إنه من خصائصه ﷺ، وقيل: إنّ هذا ليس بشيء لأن مقتضى كونه بلا أب أن لا يذكر في حيز الذرّية وفيه نظر، وقوله: (فيكون البيان) المراد به قوله ومن ذرّيته، ويكون توله وزكريا وما بعده معطوفا على مجموع الكلام السابق. قوله: (قيل هو ادرش! جدّ نوح) عليهما الصلاة والسلام، وعلى هذا لا

يجوز إرجاع ضمير ومن ذرّيته إلى نوح-لمج! هـ، وقيل إلياس من ولد إسماعيل، وعن العينيّ أنه سبط يوشع بن نون. قوله: (الكاملين في الصلاح) جواب عما يقال الصلاح صفة محمودة في نفسها لكنها لا يوصف بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام 0 قوله: (وقرأ حمزة والكسائي الليسع) بوزن الضيغم وهو آعجمي دخلت عليه الألف واللام على خلاف القياس وقارنت النقل فجعلت علامة للتعريب، كما قال التبريزي إن استعماله بدونها خطأ يغفل عنه الناس، ويكون تنظيره باليزيد في دخول اللام فيما لا تدخل قبل النقل فإن كان فعلا فشابه العجمي الفعل في عدم جواز دخول أل عليه، فليس يسع من قبيل يزيد فعلًا حتى يرد أنّ دخول اللام عليه مخصوص بالضرورة فلا يصح تخريج ما في القرآن عليه فإنّ التشبيه ليس من كل الوجوه، ووجه الشبه ما مرّ، وهو أعجمي قيل إنه معرّب يوشع. قوله: (رأيت الوليد بن اليزيد الخ) هو من قصيدة للرمّاح بن ميادة من قصيدة مدح بها الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان أوّلها:

ألا تسأل الربع الذي ليس ناطقًا واني على أن لا أنين لسائله

كم العام منه أومتى عهد أهله وهل يرجعن لهو الشباب وعاطله

هممت بقول صادق أن أقوله واني على رغم العداة لقائله

رأيت الوليد بن اليزيد مباركا شديدًا بأعباء الخلافة كأهله

أضاء سراج الملك فوق جبينه غداة تناجي بالنجاح قوابله

وهي قصيدة طويلة وقد قيل: إنّ اللام دخلته لمشاكلة الوليد وهي فيه للمح الأصل ورأيت إن كانت علمية فمباركا مفعول ثان، والا فهو حال وشديدًا حال مترادفة أو متداخلة، وأعباء جمع عبء كثقل لفظا معنى وإضافته إلى الخلاف كأظفار المنية أو لجين الماء أو هو استعارة تصريحية لمهماتها، وما قيل إنه من قبيل لجين الماء وفيه استعارة تخييلية مجرّدة عن المكنية وهم، والكاهل ما بين الكتفين، ويونس بن متا بالمثناة كحتى ويقال: متتا بالفك اسم أبيه، وقيل: اسم أمّه وأنه لم يشتهر نبيّ باسم أمّه غير يونس وعيسى صلى الله عليهما وسلم وقد رسم بالألف. قوله: (وفيه دليل الخ) قيل ظاهره تفضيل كل منهم على من عداه وهو مشكل لأنه يلزم منه تفضيل الشيء على نفسه ولو أول بعالمي زمانه إنما يتم لو لم يجتمع في زمان نبيان وليس كذلك فإبراهيم ولوط عليهما الصلاة والسلام اجتمعا فتوجيهه تحصيص العالمين بمن ليس نبيًا واليه أشار بقوله بالنبوّة، وبقوله على من عداهم من الخلق ليلزم كون

الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل من الملائكة على ما هو المشهور من الاستدلال عليه بهذه الآية، وفيه إنه لا يلزم فضل غير المذكورين من الأنبياء عليهم ولا فضلهم على رسلهم لأنّ المراد كما صرّح به تفضيلهم بالنبوّة فاويهم فيها، وأما التفضيل على الملائكة مطلقا فمن عموم العالمين فلا يرد ما ذكره. قوله: (عطف على كلا) الظاهر أنه أراد أنه عطف

90

على كلا فضلنا وجوّز أن يريد بكلا أحدهما لا على التعيين، فقوله أو هدينا هؤلاء إشارة إلى أنه واقع موقع المفعول به لتأويله ببعض، وقوله: فإنّ الخ إشارة إلى وجه ذكر من التبعيضية في النظم، وقوله تكرير لبيان ما هدوا إليه أي لأجل بيانه لأنّ المهديّ إليه لم يتكرّر، والمكرّر الهداية، وقوله: ما دانوا به يعني أديانهم، ويصح أن يكون إشارة إلى الهدي إلى الطريق المستقيم. قوله: (دليل على أنه متفضل عليهم بالهداية) قيل فيه دليل على أنّ الهداية بمشيئته تعالى، وأما أنه متفضل بها فمبناه على عدم لزوم المشيئة لذاته وذلك غير ذلك، وردّ بأنه ظاهر من لفظ المشيئة فإنها مرادفة للإرادة ومن كلمة التبعيض، ولذا قال بعضهم لما جعل المشيئة علة الهداية صارت تفضلًا بلا شبهة فاندفع ما فيه وما أورد عليه. قوله: (مع فضلهم) قيل لو أخره بعد قوله: (لحبط عملهم) كان أولى وأمره سهل، وقوله: (بسقوط ثوابها) إشارة إلى أنّ سقوط الأعمال لا يتصوّر بعد الوقوع، وإنما الساقط جزاؤها، وقوله: (والرسالة أليس عطفًا تفسيريا بل المراد أنّ النبوّة وان كانت أعمّ فالمراد بها ما يشمل الرسالة لأنّ المذكورين رسل، وقد يقال إنما ذكر الأعمّ في النظم لأنّ بعض من دخل في عموم آبائهم وذرّياتهم ليسوا برسل فلا يرد عليه أنّ تفسير النبوّة بالرسالة غير ظاهر، وتفسير هؤلاء بقريش من قرينة خارجية مع دلالة إشارة والمقام. توله: (أي بمراعاتها) هذا تفسير لمحصل معنى التوكيل بها لأنّ معناه الحفظ، وما قيل المراد بتوكيلهم بها توفيقهم للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهد فمعنى المراعاة داخل في معنى التوكيل إن أراد أنه تفسير له بجزء معناه، فلا نسلمه لأنه وما ذكره من لوازمه ولو سلم فإنما تركه لتكرّره مع قوله ليسوا بها بكافرين وما توهم من أنه إشارة إلى تقدير مضاف، وأنّ فيه مبالغة لأنه يقتضي مراعاة المرإعاة تعسف لا وجه له. قوله.

(وهم الأنبباء عليهم الصلاة والسلام المذكورون ومتابعوهم) رجحه الزمخشري بوجهين، الأوّل أنّ الآية التي بعده إشارة إلى الأنبياء المذكورين عليهم الصلاة والسلام فإن لم يكن الموكلون هيم لزم الفصل بالأجنبي الثاني أنه مرتب بالفاء على ما قبله فيقتضي ذلك، وقيل إنّ فيه بعدًا فان الظاهر كون مصذق النبوّة ومنكرها مغايرًا لمن أوتيها، ولدّلك رجح بعضهم غير هذا الأوّل وهو أن يراد كل مؤمن، وقوله وقيل الملائكة قال الإمام فيه بعد لأنّ القوم قلما يقع على غير بني آدم. قوله: (فاختص) أمر من الاختصاص أي اجعله منفردًا بذلك واجعل الاقتداء مقصورًا عليه وهو مستفاد من التقديم. قوله: (والمراد بهداهم الخ) فإن قيل الواجب في الاعتقاد وأصول الدين هو اتباع الدليل من العقل أو السمع، ولا يجوز لا سيما للنبي مج! يي! أن يقلد غيره فما معنى أمره بالاقتدأء بهداهم قلنا معناه الأخذ به لا من حيث إنه طريقهم بل من حيث إنه طريق العقل والشرع ففيه تعظيم لهم وتنبيه على أنّ طريقهم هي الحق الموافق للعقل والسمع كذا قال النحرير: وفيه إنّ اعتقاده حينئذ ليس لأجل اعتقادهم بل لأجل الدليل فلا معنى لأمره بالاقتداء في ذلك، وأيضا قيل عليه أنّ الأخدّ باصول الدين حاصل له قبل نزول هذه الآية فلا معنى للأمر يأخذ ما قد أخذ قبل إلا أن يحمل على الأمر بالثبات عليه، فتعين كما قاله بعض المحققين إنّ الاقتداء المأمور به ليس إلا في الأخلاق الفاضلة والصمفات الكاملة، وإذا أمر رسوله ىشيي! أن يقتدي بجميعهم في ذلك، وهو معصوم عن مخالفة ما أمر به ثبت أنه اجتمع فيه جميع ما تفرق فيهم من الكمال، وثبت بهذه الآية أنه أفضل الرسل كما قال الإمام رحمه الله: وهو استنباط حسن فثبت أنه أفضل من الجميع كما ثبت أنه أفضل من كل واحد منهم، ولما نقل عن ابن عبد السلام إنه لا يدلّ على تفضيله على الجميع شنع عليه علماء عصره، واعلم أنّ المأمور بالاقتداء فيه هو العقائد لا الفروع مطلقا فما قاله النحرير: وغيره لا وجه له. قوله: (فليس فيه دليل عليه الصلاة والسلام متعبد بشرع من قبله) كما ذهب إليه كثير واستدلوا بهذه الآية وردّه المصنف كغيره بأنّ المراد بها العقائد الدينية مما لا يتبذل دون الفروع لأنها ليست مضافة إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعًا فيها لتناتض الأحكام وأيضًا لو تعبد بشريعة لنقل إلينا ولم ينقل وقد عرفت ما في هدّا الوجه الذي اختاره فتذكر. قوله: (والهاء في اقتده

91