حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 4 · ص 92 - 109

سورة الأنعام (6 من 8)

للوقف الخ) أي هاء السكت التي تزاد في الوقف ساكنة

إجراء للوصل مجرى الوقف، وبعضهم يحرّكها تشبيهًا لها بهاء الضمير، والعرب كثيرًا ما تعطي للشيء حكم ما يشبهه وتحمله عليه، وقد روي قول المتنبيّ:

وأحرّ قلباه ممن قلبه شبم

بضم الهاء وكسرها على أنها هاء السكت شبهت بهاء الضمير فحركت، والأحسن كما في

الدرّ أن يجعل الكسر لالتقاء الساكنين لا لشبه الضمير لأنّ هاء الضمير لا تكسر بعد الألف فكيف بما يشبهها، وأمّا كونه اتبع فيه خط المصحف فمما لا ينبغي ذكره لأنه يقتضي أنّ القراءة بغير نقل تقليدا للخط فمن قاله فقدوهم، وقيل إنها ضمير المصدر أي اقتد الاقتداء، وهو أقرب لأنّ إجراء الوصف مجرى الوقف ضعيف حتى قيل إنه مخصوص بالضرورة، والمراد بقوله أشبعها أنه كسرها ووصلها بياء وهو قراءة كما في الدرّ المصون، وابن عامر كسرها من غير إشباع وهو الذي تسميه القراء اختلاسًا. قوله: (جعلا من جهتكم) هذا القيد معلوم من قوله أسألكم لأن المسؤول منه يطلب شيء من جهتة بالضرورة، وقيل إنه ماخوذ من قوله في موضمع آخر إن أجرى إلا على الله، قيل والآية تدلّ على أنه يحل أخذ الأجر للتعليم وتبليغ الأحكام وللفقها فيه كلام لشهرته غنيّ عن البيان، والجعل بضمّ الجيم وسكون العين كالجعالة، والجعيلة ما يجعل للإنسان بفعله وهو أعمّ من الأجر والثواب كما قاله الراغب. توله: (وهذا من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه) قيل فيه اعترإف بعدم اختصاص الهدي المذكور بالأصول فلا وجه لنفي التمسك به قبيله) قلت) استفادة الاقتداء بهم في الأصول من الأمر الأوّل لا ينافي أن يؤمر بالاقتداء بهم في أمر آخر كالتبليغ وتلك آية هذه آية أخرى، ولا ينافيه تقدم المتعلق للحصر ثمة لأنه نفي لاتباع طريقة غيرهم في شيء أخر، ألا ترى قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [سورة الأحقاف، الآية: 35] لا ينافي تلك الآية وقد أمر فيها بالاقتداء بهم أيضا وهو معلوم من تحقيق المسألة والنظر فيما قاله أهل الأصول فيها فلا حاجة إلى ما قيل مخالفته لتخصيص الهدي بالأصول ظاهرة وأمّ لزوم جواز التمسك المذكور فلا لأنّ محل الخلاف هو أنه مأمور بالتعبد بشرع من قبله فيما لم يوجد في القرآن ما يدل على وجوبه أو حرمته أو إباحته فإذا وجد ذلك لا يكون محل الخلاف كيف وكثير من أحكام القرآن في الكتب المتقدمة، وقوله: إلا تذكيرًا جعله نفس التذكير مبالغة، وذكرى مصدر كما مرّ ولا حاجة لتأويله بمذكر والمراد بالغرض غرض التبليغ والقرآن، ويصح تفسيره بالأجر أيضًا. قوله: (وما قدروا الله حتى قدره) فسره هنا بما عرفوه حق معرفته وفي الزمر بما قدروا عظمته في أنفسهم حق تعظيمه لأنه في الأصل معرفة المقدار بالسبر ثم إستعمل في معرفة الشيء على أتمّ

الوجوه حتى صار حقيقة فيه كما قالوا رحم الله من عرف قدره أي نفسه وحقيقته ومعرفة الله لما لم تكن إلا بصفاته فسر في كل محل بما يليق به فهنا لما كان في حق المشركين والكفار ناسب العظمة فدّكر في كل مقام ما يليق به، ولهذا فسر أيضا بما وصفوه حق وصفه لما عرفت. قوله: (في الرحمة والأنعام على العباد (لما جعل قولهم ما أنزل الله على بشر من شيء سببًا لأنهم ما عرفوه حق معرفته فإمّا أن يكو! اعدم المعرفة في صفة أالمطف أو في صفة القهر فإن كان في اللطف فالسبب إنكار النبوّة لأنها من أجل رحمته بالعباد، وان كان في القهر فالسبب الجسارة على ذلك الإنكار والى هذا أشار المصنف رحمه الله بقوله حين أنكروا الخ. قوله: (والقائلون هم اليهود الني) اختلفوا في القائلين ما أنزل الله على بشر من شيء فذهب الجمهور إلى أنهم اليهود، واستدل عليه بقراءة الخطاب في قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: 191 وتقرير الاستدلال أنّ قوله قل من أنزل الخ جواب لأولئك القائلين والتاء في تجعلونه خطاب لهم ولا شك في أنّ الجاعلين التوراة قراطي! هم اليهود فيكون القائلون تلك المقالة هم اليهود، فإن قلت اليهود يقولون التوراة كتاب الله أنزله على موسى ﷺ، فكيف يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء أجيب بأنّ مرادهم الطعن في رسالته ﷺ مبالغة في ذلك الإنكار فقيل لهم على سبيل الإلزام قد أنزل الله التوراة على موسى ﷺ فلم لا يجوز إنزال القرآن على محمد ﷺ فكأنهم أبرزوا إنزال القرآن عليه في صورة الممتنعات حتى بالغوا في إنكاره فألزموا بتجويزه

92

ثم وصف كتاب موسى ﷺ قصدًا إلى تجهيلهم وتوبيخهم بصفات ثلاث أحدها أنه نور وهدى للناس، وثانيها أنهم حرّفوه وتصرّفوا فيه بابداء بعض واخفاء كثير كصفته غ! يرو وآية الرجم، وثالثها إنهم علموا في ذلك الكتاب على لسان محمد ﷺ ما لم يعلموا ولا آباؤهم مما كانوا يختلفون فيه، وقراءة الغيبة على هذا التفات تبعيدا لهم بسبب ارتكابهم القبيح عن ساحة الخطاب، ولذا خاطبهم حيث نسب إليهم الحسن في قوله وعلمتم، وهذا من عيون اللطائف في الالتفات ويؤيد هذا الوجه ما روي في سبب النزول فقوله مبالغة الخ إشارة إلى أنهم عمموا الإنكار مع اعترافهم بالتوراة لذلك، وقوليما نقض كلامهم أي ردّه بإلزامهم كما عرفت وقراءة الجمهور بالجرّ عطف على نقض فإنها تدل على أن الخطاب لليهود، وقراءة الياء التفات نكتته ما ذكرنا مع مناسبته للغيبة في قالوا وقدروا.

قوله: (بدليل الخ) هو دليل على كون الخطاب لليهود لكونهم الذين صدو منهم ذلك أو

دليلى للمبالغة لأنهم لا ينكرون نزول التوراة فهو كما إذا قيل فلان يعرف الفقه فقلت منكرًا لذلك هو لا يعرف شيئًا أصلا مع أنه لا بد لمعرفته لشيء مّا، وإنما ألزموا بالتوراة لاعترافهم

بها فكلامهم مبالغة على طريق الكناية أو أنه كان لذهول من الغضب والتهوّر كما روي عن ابن الصيف. قوله: (وقراءة الجمهور) بالجر قيل الذين يجعلون التوراة كذلك هم أليهود لا قريش، وأمّ على قراءة الياء التحتية فيكون التفاتا جعلوا غيبا لثناعة ارتكاب ذلك الفعل وليس اعتراضًا بأنّ قراءة الياء لا تخرجه عن الاستدلال لأنّ ذلك الفعل، إنما صدر منهم وأنّ المصنف رحمه الله أيضا قصد التعريض بالاعتراض على تخصيص الزمخشريّ الاستدلال بقراءة الخطاب كما قيل فإنّ مراد العلامة إنّ قراءة الخطاب، أظهر في ذلك لدلالتها بالمعنى والصيغة. قوله: (وتضمن (وفي نسخة وتضمين وهو معطوف على نقض، وهو دليل آخر لأنه لو كان جوابا لكفار قريش لم يكن ما ذكر من التوبيخ في موقعه لأنهم لا يوبخون بفعل غيرهم فهو دليل على أنه جواب، وخطاب لهم فيكون القول الأوّل منهم، ومن لم يتفطن لهذا قال إنه عطف على قراءة الجمهور لا على إنه دليل آخر أوله مدخل فيه وان أوهمه ظاهر العبارة، وكيف يعطف على الدليل ما ليس بدليل، وفي نسخة تضمن على المضيّ فلا يكون من الدليل ويكون كقوله في الكشاف وأدرج تحت الإلزام توبيخهم انتهى، وتوبيخهم مفعول تضمن وذمهم بصيغة المصدر معطوف عليه والمراد بالحمل الحفظ من غير عمل كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [سورة الجمعة، الآية: 5] الآية. قوله: (روي) هذا الحديث) 1 (أخرجه ابن جرير والطبرانيّ عن سعيد بن جبير، والصيف بالصاد المهملة كضد الشتاء، والحبر بكسر أوّله وفتحه العالم الفصيح وليس حينئذ من إسناد ما صدر من البعض، إلى الكل إذا أريد به إنكار بعثته ﷺ مبالغة ويكون منه إن أريد ظاهره، وليس إسناده إليهم لأنهم رضوا به لأنّ تمام الحديث يدلّ على خلافه كما سيأتي إذ لا يلزم ذلك في هذا الإسناد ولو سلم فجعله رئيسا لهم في حكم الرضا بما يقوله، ويفعله وحي! عذ فاللوم والتوبيخ لمالك حين جسر على مثله، وإن لم ينكر نزول التوراة في الحقيقة أو جعل عدم العمل والرضا بما فيها بمنزلة إنكارها، قيل وهذا الوجه لا يلائم لومهم وإلزامهم بإنزال التوراة على موسى عت! هـ لا سيما بعد أن قال هذا القائل، إنما صدر هذا عني من الغضب ثم إنّ النحرير جعل قوله روي الخ جوابًا مستقلًا حيث قال إنّ

هذا القول صدر مبالغة في إنكار إنزال القرآن على النبيّ ﷺ أو غضبًا وذهولًا عن حقيقة الكلام كما أشار إليه بقوله وروي، الخ لكن الوجه هو الأوّل ولذا رتب عليه بحث الإلزام والتوبيخ حين عيروه انتهى. فلذا عطف في الكشاف بالواو، والعلامة في شرحه جعله مؤيدًا للجواب الأوّل، ولم بجعله جوابا مستقلا وكان المصنف رحمه الله تعالى جنح إليه فترك العطف فلا يرد عليه ما قيل الظاهر أن يقول وروي بالواو لأنه بدونه يوهم كونه بيانا لكون القائلين هم اليهود لا وجها آخر، وليس كذلك لعدم دلالة هذه الرواية على أنّ الغرضى من هذا القول نفي إنزال القرآن، فتأمّل وقوله أنشدك الله قسم من نثده بمعنى سأله، وبغض الله للحبر السمين لأنه يدلّ على الحمق

93

والجهل ولأنه من كثرة التنعم باكل والشرب في أكثر ولذا قيل ما أفلح سمين قط، وهو أغلبي، وتتمة الحديث: " فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود " فضحك القوم فغضب، ثم التفت إلى عمر رضي الله عنه فقال ما أنزل الله على بشر من شيء فقال له قومه ما هذا الذي بلغنا عنك قال: إنه أغضبني فنزعوه أي عزلوه عن كونه رئيسًا عليهم وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. قوله: (وقيل هم المشركون الخ) وعليه قراءة الياء التحتية ظاهرة لقولهم: ﴿لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: 57 ا] ولقولهم: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ إلا أنّ قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ لا يلائمه لأنه ليس من فعل المشركين فلذا جعل من الانتقال عن خطابهم إلى خطاب اليهود به تعريضًا بهم بأنّ إنكارهم إنزال الله من جنس فعل هؤلاء بالتوراة في البطلان وعدم الإسناد إلى برهان، وعلى قراءة الخطاب فهو التفات من خطاب قوم إلى خطاب قوم آخرين وهو التفات عند الأدباء لكن الالتفات في القول المختار أبلغ وأحسن، وقيل: إنهم لما سمعوا كلام اليهود ورضموا به خوطبوا بما يخاطبون به وهو بعيد. قوله: (على لسان محمد ﷺ) والخطاب لليهود كما صرحوا به واليه يشير قول المصنف رحمه الله زيادة على ما في التوراة وقوله: (وقيل الخطاب الخ) فإن قيل إنه من جملة مقول قل من أنزل، وليس أجنبيا بينه وبين قل الله فأفي داع لتعيين إنه خطاب لليهود أو لقريش قيل هو لا يدخل معنى في حيز من أنزل الكتاب الخ إذ لا دخل له في الجواب، ولدّا قالوا إنه في موقع الحال أو عطف على مقول قل على إنه مقول آخر بالاستقلال وعلى تقدير كون الخطاب لقريش فهو خطاب لمن آمن منهم إذ التعليم إنما هو لهم لا للكفرة ولم يتعرّضوا لما فيه من القراءتين على الالتفات، ولا شبهة أن في قوله ما لم تعلموا إشارة إلى أنهم أهل علم بالكتاب فلذا لم يلتفتوا إلى كونه خطابا لقريش تنزيلًا لعلمهم الحاصل بالتعليم منزلة العدم لعدم العمل بموجبه توبيخا لهم كما قيل، وضعف كونه خطابًا لمؤمني قريش لعدم

اقتضاء السياق والسباق له، وعلى هذا هو اعتراض للامتنان على النبيّ ﷺ، وأتباعه لهدايتهم للمجادلة بالتي هي أحسن كما في الكشف والذي اقتضى التخصيص أنّ التعليم فاعله إمّا الإحبار أو النبيّ ﷺ فعلى الأوّل الخطاب لليهود، وعلى الثاني للمؤمنين، وما قيل الظاهر أن يقال هم قريش حتى يندرح فيهم من آمن منهم ويكون أوّل الكلام خطابًا لبعضهم وآخره خطابا لبعضهم وهم مؤمنوهم وإذا كان الخطاب مع اليهود وخطاب تجعلونه لهم، فلا يظهر لخطاب من آمن من قريش بهذا الخطاب وجه إلا أن يقال الناس عامّ فيدخل فيهم قريش وعلمتم معطوف على تجعلونه والخطاب فيه للناس باعتبار اليهود، وفي علمتم لهم باعتبار مؤمني قريش تكلف لا حاجة إليه. قوله: (أي أنزله الخ (يعني هو إمّا فاعل فعل مقدر أو مبتدأ خبره جملة مقدرة، واختلف في الأرجح منهما فقيل تقدير الفعل ليطابق السؤال ويقل التقدير، لأنّ ما بعد أداة الاستفهام في من أنزل فعل، وقيل: الأرجح تقدير الله أنزله وهو المطابق لمن أنزل بتقدير الله أنزله أم غيره مع إفادته للتقوّى وقد مرّ الكلام فيه، وله تفصيل في كتب العربية والمعاني وقوله أمره بأن يجيب عنهم إشارة إلى نكتة تلقين السائل الجواب، وعدم نقل جوابهم إشارة إلى أنهم ينكرون الحق مكابرة منهم وقد مرّ تفصيله. قوله: (في أباطيلهم) قد مر أنّ الخوض هو المتكلم في الشيء وأنه مخصوص بالباطل في المشهور، وإليه أشار المصنف رحمه الله وقوله: (فلا عليك) أصله، فلا بأس عليك واسم لا يحذف كثيرًا، وقد سمع في هذا بخصوصه، ووجوه الإعراب فيه ظا+ص. وكونه حالًا من ضمير خوضهم لأنه مصدر مضاف لفاعله، وقوله: (أو من هم الثاني) وهو معطوف على هم الأوّل إشارة إلى أنه لا يصح حينئذ جعل الظرف متصلا بيلعبون على الحالية أو اللغوية لأنه يكون معمولًا له متأخرًا عنه رتبة ومعنى مع أنه متقدم عليه رتبة أيضا لأنّ العامل في الحال عامل في صاحبها فيكون فيه دور وفساد في المعنى، وفي قوله والظرف متصل بالأوّل إيجاز لأنه أراد بالكلام الأوّل فيشمل كونه لغوًا أو حالًا من هم ولذا لم يقل بهم الأوّل، ومن لم يتنبه له قال لا أرى وجها لعدم ذكره جواز كون الظرف حالًا من مفعول ذرهم مع أن المتبادر من عبارته. قوله: (مبارك كثير الفائدة والنفع) لاشتماله على منافع الدارين وعلوم

94

الأوّلين والآخرين، قال الإمام: قد جرت سنة الله بأنّ الباحث عن القرآن والمتمسك به يحصل له عز الدنيا وقد شوهد كذلك في كل عصر، وقوله

يعني التوراة خصها لأنها أعظم كتاب نزل قبله، ولأنّ الخطاب مع اليهود أو الكتب التي قبله فهو أعمّ شامل لها ولغيرها ومعنى كونها بين يديه أنها متقدّمة عليه لأنّ كل ما كان بين اليدين فهو كذلك. قوله: (عطف على ما دل عليه مبارك الخ) في الكشاف معطوف على ما دلّ عليه صفة الكتاب كأنه قيل أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه من الكتب والإنذار، وقال النحرير: لا حاجة إلى هذا التكلف لجواز أن يكون عطفًا على صريح الوصف أي كتاب مبارك وكائن للإنذار، ومثل هذا أعني عطف الظرف على المفرد في باب الخبر والصفة كثير وقيل الداعي إلى هذا التكلف أنه رأى الصفات السابقة عراة عن حرف العطف ليتلاءم أطراف الكلام ولا ينفك النظام، فلما جيء به مقترنًا بالعطف اقتض حسن التوجيه أن لا يحمل على الوصف بل على العطف على محذوف وله غير نظير في القرآن سيما في هذه السورة كما مرّ، وليس بشيء وإن ارتضاه بعضهم لأنه يقتضي أنّ الصفات إذا تعدّدت ولم يعطف أوّلها يمتنع العطف في آخرها أو يقبح، وليس كذلك بل الواقع المصرّح به خلافه كقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [سورة التحريم، الآية: 5] فعطف قوله وأبكارا مع ترك العطف في الصفات السابقة لكنه لنكتة يمكن اعتبار ما يضاهيها هنا، مع أنّ ما ذكره لازم على الوجه الثاني وهو قوله أو علة لمحذوف الخ لأنّ جملة وأنزلناه لتنذر معطوفة على أنزلنا الواقع صفة فالظاهر أنّ الحامل على هذا أنّ اللفظ والمعنى يقتضيه أمّا المعنى فلأنّ الإنذار علة لإنزاله كما قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: 19] ولو عطف لكان على أوّل الصفات على القول الأصح ولا يحسن عطف التعليل على المعلل به ولا الجارّ والمجرور على الجملة الفعلية لأنه نظير هذا رجل أقام عندي وليخدمني ولا يخفى قبحه، ومنه يعلم الحامل اللفظي، وليس تقديم الجارّ فيه للحصر لأنه فهم من الجملة السابقة علة أخرى ككثرة البركة بل للاهتمام لأنّ الإنذار مقتضى المقام أو الحصر إضافيّ، ويصح أن يقدّر لتبشر ولتنذر. قوله: (وإنما سميت الخ) وجه الأوّل أنهم يجتمعون عندها كتجمع الأولاد عند الأمّ المشفقة، ووجه قوله أعظم القرى شأنا أنّ غيرها كالتبع لها كما يتبع الفرع الأصل ووجه قوله لأنّ الأرض! الخ، يعني أنها أخرجت من تحتها كما يخرج الأولاد من تحت الأمّ وأيضًا فالناس يرجعون إليها كما ترجع الأولاد إلى الأمّ، واليه أشار الزمخشريّ في شعر له رويناه في ديوانه من قوله:

أنا جار بيت الله مكة مركزي ومضرب أوتادي ومعقد أطنابي

فمن يلق في بعض القريات رحله فأمّ القرى ملقى رحالي ومنتابي

واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله قبلة أهل القرى ومحجهم، ومنتابي بمعنى مرجعي

نوية بعد نوبة وإنما ذكرناه لأنّ شراحه لم يقفوا عليه وعلى المراد منه والقراءة بالياء التحتية على الإسناد المجازي لأنه منذر به. قوله: (أهل المشرق والمنرب) أوّله لعموم بعثته لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سورة سبأ، الآية: 28] واللفظ متحمل له وردّا على من تمسك بها لأنه مرسل للعرب خاصة ولا متمسك فيها لما سمعت على أنه خصهم لأنهم أحق بإنذاره كقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة العراء، الآية: 214] ولذا نزل كتاب كل رسول بلسان قومه مع أنه استدلال لإرساله للعرب وليس فيه حجة على نفي غيره. قوله: (والضمير يحتملهما) أي النبيّ والكتاب على البدل والصلاة المراد بها مطلق الطاعة مجازًا، أو اكتفى ببعضها لما ذكر وكلام المصنف رحمه الله تعالى ظاهر في الثاني، وعلم الإيمان بمعنى علامته ولذا أطلق الإيمان عليها مجازا كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: 143] أي صلاتكم. قوله: (ومن أظلم الخ) استفهام إنكاري معناه النفي والمراد أنه أظلم من جميع المخلوقات كما مرّ ومسيلمة بكسر اللام لأنّ ما بعد ياء التصغير يلزم كسره، والعامّة تغلط فتفتحها، وهو من بني حنيفة أهل اليمامة اذعى النبوّة في زمن النبيّ ﷺ، وقتل في خلافة أبي بكر رضي الله عنه والأسود العنسي، كك كاهنا باليمن من بني عنس بعين مهملة مفتوحة ونون ساكنة وسين مهملة

95

ادّعى النبوّة، واستولى على اليمن، وأخرج بعض عمال رسول الله ﷺ منها فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي، وجاء خبر قتله قبيل موته ﷺ وقيل عقبه، وقوله: (اختلق) بالقاف بمعنى افترى، وعمرو بن لحيّ منقول من تصغير لحى، وهو الذي حرم البحائر وسيب السوائب في الجاهلية والزمخشري قصره على من ادّعى النبوّة والمصنف عمم وأو للتنويع لا للترديد، وعن النبيّ بوو: " رأبت فيما يرى النائم كأن في يديّ سوارين من ذهب فكسرا علئ، وأهماتي، فأوحى الله إلئ أنفخهما فنفختهما فطارا عني، فأؤلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الآسود العنسي " (1 (، كذا في الكشاف، قالوا والتأويل المذكور لأنّ السوار سيما الذهبي لا يناسب الرجال سيما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكونهما في يديه دليل على نزاع فيما يتقوّى به من أمر النبوّة ونفخهما إشارة إلى استحقار شأنهما وزوالهما بأدنى شيء وقد كنت تأوّلت هذه الرؤيا قبل الوقوف على هذا بأنّ الذهب النبوّة لأنه أشرف المعادن، وأنفعها لأنه خواتيم الله في أرضه التي بها التعامل، كما أنها

أشرف صفات البشر الذين بهم تنتظم الأمور وكونها سوار إشارة إلى أنها بعده أو أنه يذهبها رجلان من أصحابه وهما الصذيق بأمره وخالد بن الوليد بمباشرته رضي الله عنهما والطيران بالنفخ زوالهما بدون مباشرته بنفسه بل بمقتض كلامه وشرعه، ثم وقفت على هذا وهو قريب مما قلته. قوله: (أو قال أوحى إلئ) فسره الزمخشري بمسيلمة الكذاب والأسود العنسي والمصنف رحمه الله جعله عبد الفه بن أبي سرح كاتب الوحي لما كان هذا داخلًا في الافتراء على الله وجه العطف باو بأنّ المراد بالثاني هو القول ولو على سبيل الترديد فيه، وقال الإمام: إنه في الأوّل يدعي أنه أوحى الله إليه ولم ينكر نزول الوحي على النبيّ ﷺ وفي الثاني أثبت الوحي لنفسه، ونفاه عنه ﷺ، فكان جمعًا بين أمرين عظيمين، وهو إثبات ما ليس بموجود، ونفي ما هو موجود فجعل الواو عاطفة وضمير إليه للنبيّ ﷺ، وعلى توجيه غيره الواو للحال والضمير لمن وكون سبب النزول قصة ابن أبي سرح) 1 (ذكره ابن عطية في تفسيره، وقال ابن عرفة أنه غير صحيح ولم يبين وجهه. قوله: (كالذين قالوا الخ) فيكون دعوا. أنه سينزل بمعنى أنه قادر على ذلك والزمخشري حمل هذه الآية على ابن أبي سرح وساق حديثه هنا، ورجح بأنه ليس في حديثه أنه أوحى إليه بل ادّعى القدرة على ذلك لو روي أنّ هذه القصة كانت لابن أبي خطل، وكان يكتب للنبي ﷺ لكن ابن الجوزي قال: إنه موضوع، وحديث ابن أبي سرح أخرجه ابن جرير عن السدي بدون قصة فتبارك الله، وقال ابن سيد الناس: في سيرته إنّ عثمان رضي الله عنه شفع له عند النبيّ ﷺ فقبله بعد تلوّم وحسن بعد ذلك إسلامه حتى لم ينقم عليه شيء ومات ساجدا وأكثر بلاد المغرب فتحت على يديه في زمن عثمان رضي الله عنه. قوله: (حذف مفعوله)، ثم لما حذف أقيم الظاهر مقام المضمر إذ أصله ولو ترى الظالمين إذ هم وتقييد الرؤية بهذا الوقت ليفيد أنه ليس المراد مجرّد رؤيتهم بل رؤيتهم على حال فظيعة عند كل ناظر، وما قيل ظاهره إنّ المفعول المحذوف هو الظالمون ولكن المقصود أنه هيئة كونهم

في غمرات الموت، حال كون الملائكة باسطي أيديهم وجواب الشرط المحذوف شاهد لما قلت، فهو تعسف لتفسيره الكلام بما لا يدل عليه نعم هو وجه آخر، وقيل المفعول إذ والمقصود تهويل هذا الوقت لفظاعة ما فيه وجواب الشرط مقدر أي لرأيت أمرا فظيعا هائلًا. قوله: (شدائده) يعني أصل معنى الغمرة المرّة من غمر الماء ثم استعير للشدة وشاع فيها حتى صار كالحقيقة واليه يشير قول المتنبي:

وتسعدني في غمرة بعدغمرة سبوح لهامنها عليها شواهد

فانظر موقع قوله سبوح هنا ومثله بسط اليد هنا على الوجه الأخير. قوله: (بقبض أرواحهم الخ)، والمتقاضحي الغريم الذي يطلب قضاء حقه والملظ بالظاء المعجمة والطاء المهملة الملح الملازم، وقوله: كالمتقاضي صريح في أنه تشبيه لفعل الملائكة في قبض أرواح الظلمة بفعل الغريم الملح في استيفاء حقه، وفي الكشف أنه كناية عن ذلك ولا بسط ولا قول حقيقة وقيل الظاهر من كلام المصنف رحمه الله أن يكون

96

هذا القول حقيقة لا تمثيلا وتشبيها لفعل الملائكة عند قبض أرواحهم بفعل الغريم الملظ، كما ذهب إليه في الكشاف فحمل قوله كالمتقاضي على التنظير وأنّ هذا الفعل صادر منهم حقيقة كما يصدر من الغريم، وهو الذي ارتضاه في الانتصاف وبه نطقت الآثار فبسط اليد إئا حقيقة أو على سبيل التمثيل وإذا كان بسط اليد بالعذاب بنحو الضرب فهو حقيقة أو المراد زيادته كما في قوله بل يداه مبسوطتان. قوله: (يقولون لهم الخ) فأخرجوا في محل نصب مقول قول مقدر وهو كثير مطرد والقول المضمر في محل النصب على الحالية من الضمير في باسطو الأمر على الأوّل للعنف بهم، وعلى الثاني للتوبيخ والتعجيز، والأوّل ناظر إلى قبض أرواحهم والثاني إلى قوله بالعذاب، ولو عمم لقوله وخلصوها لكان له وجه، وليس تقدير القول منافيا للتمثيل لأنه على سبيل الفرض أيضا، والمراد باليوم مطلق الزمان لا المتعارف وهو إما حين الإماتة أو ما يشمله وما بعده. قوله: (وإضافتة إلى الهون الخ) الهون والهوان بمعنى كما في قول الخنساء:

تهين النفوس وهون النفوس يوم الكريهة أبقى لها

واضافة العذاب إما حقيقية لأنّ العذاب قد يكون للتاديب لا للهوان أو هو كرجل سوء

كما في الكشاف لأنّ العذاب مضرّة مقرونة بالإهانة، كما إنّ الثواب منفعة مقرونة بالإكرام فالعذاب مشتمل على الهوان واضافته إليه ليفيد أنه متمكن فيه لأنّ الاختصاص الذي تفيده الإضافة ًا قوى من اختصاص التوصيف، والعراقة بالعين المهملة الأصالة وأصلها ثبات العروق قيل، ولو ذكر ادّعاء الولد والشريك فيما مضى لكان أنسب، وتعدية القول بعلى لتضمنه الافتراء واليه أشار بقوله كاذبا، وجملة ولقد جئتمونا الخ مستأنفة من كلامه تعالى، ولا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ﴾ [سورة البقرة، الآية: 174، لأنه كناية عن الغضب وكونه من كلام ملائكة العذاب بعيد. قوله: (جمع فرد (على خلاف القياس، وفي الدر المصون فرد بفتح الراء، وقيل: بسكونها وفي نسخة فردان كسكران، وهو يقتضي أنه مفرد محقق لا مقدر، وفي الصحيح كأنه جمع فردان في التقدير إلا أن يكون تسمح في التعبير، وقال الراغب؟ هو جمع فريد كأسير وأسارى وكسالى بضم الكاف وفتحها جمع كسلان وفراد بالضم كرخال جمع رخل أنثى الضأن، وهو جمع نادر لم يات منه إلا كلمات مخصوصة كما مرّ، وقوله: فردًا كثلث يعني بضمتين مفرد بمعنى منفرد كعنق كما في القاموس، فكان الظاهر تكراره كما يقال فردأ فردا لكنه يؤوّل بما أوّل به قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾، [سورة غافر، الآية: 67] ووقع في نسخة فراد كثلاث المعدول عن فرد فرد وقيل إنه من تحريف النساخ لما قيل إنّ مجيء هذا الوزن المعدول مخصوص بالعدد بل ببعض كلماته، ولم نره في اللغة ولا في كلام من يوثق به.

زقلت) في الدرّ المصون يقالط جاء القوم فراد غير منصرف كأيحاد ورباع في كونه صفة معدولة وبه قرئ، وقرئ منوّنا مصروفا أيضًا فلا عبرة بإنكاره وكون العدل مخصوصا بما ذكر غير مسلم وإنما هو شائع فيه وإلى هاتين القراءتين أشار المصنف رحمه الله بقوله فرادا كرخال الخ فما ذكر من قلة الاطلاع، وفي تفسير الفراء فرادى جمع والعرب تقول قوم فرادى، وفراد غير منصرف شبهت بثلاث ورباع وفرادى واحده فرد وفريد وفرد وفردان ا!. وفردى كسكرى تأنيث فردان والتأنيث لجمع ذي الحال. قوله: (بدل) أي بدل كل من كل لأنّ المراد المشابهة في الانفراد المذكور والكاف حينئذ اسم بمعنى مثل أو فرد، وعلى الحالية فهي إما حال مترادفة أو متداخلة، وقوله عند من يجوز تعدد الحال أي من غير عطف وهو الصحيح، وقوله أو مشبهين هو على هذا حال أيضا وعطفه بأو لأنه قسيم لما قبله معنى لأنه على ما قبله شبيه في

الانفراد وفي هذا باعتبار ابتداء الخلقة فلا وجه لما قيل الظاهر أن يقول أي مكان أو، وقوله: (مشبهين ابتداء خلقكم) كذا قدره أبو البقاء واعترض عليه المعرب بأنهم لم يشبهوا بابتداء خلقهم فصوابه أن يقدر فيه مضاف أي مشبهة حالكم حال ابتداء خلقكم وفيه نظر، وحفاة جمع حاف وهو خلاف المنتعل، والغرل بغين معجمة وراء مهملة ولام الأقلف وصحفه بعضهم عزلًا بعين مهملة وزاي معجمة، وهو خطأ لأنّ هذا هو المروي المأثور في الحديث (1)، والبهم جمع بهيم أو أبهم وأصله الخيل التي لا شية فيها واستعير للخالي عما يغير هيئته الأصلية، وقوله مجيئا المراد بالمجيء هنا الخلق والإعادة ولذا جعل

97

كما خلقناكم صفة له، وقوله: فشغلتم إشارة إلى أنه متضمن للتوبيخ، والتخويل بالخاء المعجمة الأنعام وأصله ملك الخول وهم الخدم والنقير النقرة في ظهر النواة ويكنى به عن الشيء الحقير وقوله ما قدمتموه كناية عن كونهم لم يصرفوه إلى ما يفيد في الآخرة وكان الظاهر في العبارة أن يقول ما قدّمتم منه شيئا فكأنه جعل شيئا بدلًا من ضمير المفعول تنصيصا على العموم ولا يضرّ توسط منه لأنه ليس بأجنبيّ. توله: (في ربوبيتكم الخ) يعني أنّ فيكم متعلق بشركاء على حذف مضاف، وهو الربوبية واستحقاق العبادة عطف تفسيري له وقدره الزمخشريّ، في استبعادكم لأنهم حينئذ دعوها آلهة وعبدوها فقد جعلوا لله شركاء فيهم وقيل استعبده جعله عبدا فقوله في استعبادكم أي استعباد الإله إياكم، ولو قال في عبادتكم لكان أصوب لأنهم عبدوها فقد جعلوها شركاء في عبادتهم لا استعبادهم وردّ بأنه لم يجعل ال! ضاف المقدر عبادتكم لأنّ جعلهم شركاء في العبادة، كان على الحقيقة لا الزعم دمانما الزعم كونهم شركاء في اتخاذهم عبيدا ولك أن تجيب عنه بأنّ معنى جعلهم شركاء في العبادة العبادة الحقة المستحقة، وهي ليست على الحقيقة وإليه يشير كلام المصنف رحمه الله. قوله: (أي تقطع وصلكم الخ) هذا على قراءة الرفع وقد قرئ بهما يعني أنه من الأضداد أي الألفاظ المشتركة بين ضدين كالقرء للحيض، والطهر فيكون مصدرا لا ظرفا، وقيل إنه على هذا مصدر بمعنى البينونة والفصل وتحقيقه أنه قد يقال بيني وبينك شركة في كذا كما يقال بيني وبينك فراق والشركة من قبيل الوصلة فاستعمل لذلك بمعنى الوصل وتد اقتدى في ذلك بالإمام وتحقيقه أنّ بعضهم كابن عطية طعن في هذا بأنه لم يسمع من العرب البين بمعنى الوصل، وإنما انتزع من هدّه الآية فقيل عليه إنه فهم أنه معنى حقيقي لها، وهو مجاز كما قاله الفارسي لأنها تستعمل بين الشيئين المتلابسين في نحو بيني وبينك رحم وصداقة وشركة فصارت لذلك بمعنى الوصلة، ولو قيل بأنه حقيقة لم يبعد فإنّ أبا عمرو

وأبا عبيد وابن جني والزجاج وغيرهم من أئمة اللغة نقلوه وكفى بهم سندًا فيه فكونه منتزعا من هذه الآية غير مسلم، وقيل هو ظرف أسند إليه الفعل على الاتساع هذا توجيه لقراءة الرفع فهو على هذا لازم الظرفية لكنه توس! ع فيه كما يتوسع بجعله مفعولًا، وفيه نظر، وقيل إنه منصرف غير لازم للظرفية وعليه الزمخشريّ في سورة العنكبوت، وقوله: (والمعنى الخ) يعني أنه وان أسند إليه لفظا لكن المعنى على الظرفية إذ التقدير وقع التقطع بينكم في قراءة النصب. قوله: (وحفص عن عاصم بالنصب) فالوجوه السابقة على قراءة الرفع وأوّله المصنف رحمه الله بما ذكره وقيل إنه الفاعل وبقي على حاله منصوبًا حملا له على أغلب أحواله، وهو مذهب الأخفش، وقيل إنه بنى لإضافته إلى مبنيّ كما مز في مثل ما أنكم تنطقون، وقوله: (إنها شفعاؤكم (قيل المناسب للمقام إنها شركاء دته في الربوبية ألا ترى إلى قوله ﴿لَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء﴾ (فلت) ما ذكره المصنف رحمه الله هو المناسب لقوله تعالى: ﴿مَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ﴾ . قوله: (على إضمار الفاعل لدلالة الخ) أي تقع الأمر أو الاشتراك بينكم أو وصلكم، وقيل إنّ الفاعل ضمير المصدر ولا يخفى إباء العبارة عنه إذ قوله لدلالة ما قبله لا يناسبه ولو كان كذلك لقال لدلالة الفعل عليه، وقال أبو حيان أنه ليس بصحيح لأنّ شرط إفادة الإسناد مفقودة فيه وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه ولذلك لا يجوز قام القائم أو هو أي القيام، وفيه أنه سمع من العرب بدا بداء وقد قدروا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [سورة يوسف، الآية: 35] بدا البداء فليتأمّل، ثم إنه إذا كان الضمير للمصدر فالمعنى على تأويل التقطع كما مرّ لئلا يصير التقدير تقطع التقطيع، وإذا تقطع التقطيع حصل الوصل وهو ضد المقصود. قوله: (أو أقيم مقامه موصوفه الخ) فما موصوفة لا موصولة ولو سلم جواز حذف الموصول وابقاء صلته، وهو مذهب الكوفيين كما نقله المعرب لأنها إذا كانت ظرفًا غير متصرّف يلزم حذف الفاعل من غير بدل يحل محله وجوازه في مثله غير مسلم، وقد أشار أبو حيان رحمه الله تعالى إلى منعه ولم يذكر فيه خلافا قال: والذي يظهر لي أنه من بًاب التنازع سلط على ما كنتم تزعمون تقع وضل فاعمل الثاني، وهو ضل وأضمر في تقطع ضميرها وهي الأصنام فالمعنى لقد تقطع بينكم ما كنتم تزعمون وضلوا

98

عنكم كما قال تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [سورة البقرة، الآية: 66 أ] أي لم يبق إيصال بينكم وبين ما كنتم تزعمون أنهم شركاء فعبدتموهم وهذا إعراب حسن لم يتنبه له أحد. قوله: (بالنبات والشجر (لف ون! ئمر مرتب لأنها تتشقق ويخرج م! نها شيء ينمو والحب معروف، رالنوى ما في

جوف التمر، ثم إنّ قوله الشقاق الخ مروي عن مجاهد رحمه الله وضعف بأنه لا دلالة له على كمال القدرة مع أنّ الشقاق داء يكون في الدواب، وأما استعماله بمعنى الشق فلم يذكره أهل اللغة إلا أنه وقع في شرح التسهيل صيغة فعال يكون للادواء كالزكام والأصوات كالصراخ قال ابن عصفور: وهو مقيس فيهما وفيما تفرق أجزاؤه كالرفات والحطام فيمكن أن يخرج هذا عليه لدلالته على التفرّق. قوله: (ليطابق ما قبله) قيل مشابهة إخراج الحي من الميت للأنبات تكفي للمطابقة وهذا غفلة عن كونه بيانا لما قبله ولذلك ترك العطف فلا بذ من تعميمه ليصلح لذلك، وقوله: (ذلك) إشارة إلى غير النامي. قوله: (حملاَ على فالق الحب الخ) أي عطفا عليه لا على يخرج الحيّ لأنه بيان لفالق الحب والنوى وهذا لا يصلح للبيان وإن صح عطف الاسم المشتق على الفعل وعكسه كقوله: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [سورة الملك، الآية: 19] والإمام وصاحب الانتصاف جعلاه معطوفًا على يخرج الحيّ من الميت، وفيه من البديع التبديل كقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [سورة الحج، الآية: 61] وإنما عدل إلى صيغة المضارع في يخرج ليدل على تصويره وتمثيله واستحضاره، واشتماله على زيادة فيه لا يضرّ ذلك بكونه بيانًا، كما أن مخرج الميت من الحيّ بيان مع شموله للحيوان والنبات وله وجه وحجته إنه ورد في آيات أخر معطوفا عليه هكذا يخرج الحيّ من الميت ويخرج الميت من الحي فيبعد قطعها عن نظائرها وإنما عدل إلى المضارع لتصويره واستحضاره لكونه أوّل في الوجود وأعظم في القدرة. قوله: (الذي يحق له العبادة) فسره به ليرتب عليه قوله فأنى تؤفكون ترتبًا ظاهر إلا أنه حمله على مفهومه الأصلي دون ذات الواجب تصحيحا للحمل على ما قيل. قوله: (شاق عمود الصبح الخ) عمود الصبح ضوؤه المشبه به وهذا جواب عما يقال ما معنى فلق الصبح، والظلمة هي التي تفلق عنه كما قال تفرّي ليل عن بياض نهار، وحاصله أنّ الصبح صبحان صادق وكاذب تعقبه ظلمة فإن أريد الأوّل فالمراد فالقه عن بياض النهار أو في الكلام مضاف مقدر أي فالق ظلمة الإصباح وان أريد الثاني فالمراد فالقه عن ظلمة آخر الليل التي تعقبه وشاقه منه كما قال الشاعر:

فانشق عنه عمود الفجر حافله

والإصباح مصدر سمي به الصبح قال امرؤ القيس:

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى بصبح وما الإصباح منك بامثل

وفتح الهمزة على أنه جمع صبح كقفل وأقفال ويقال مساء وامساء أيضًا قال تناسخ الإصباح والإمساء والغبش بغين معجمة وباء موحدة وشين معجمة ظلمة آخر الليل. قوله: (سكنا) في الكشاف السكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناسا واسنرواحا إليه من زوج أو حبيب ومنه قيل للنار سكن لأنه يستأنس بها ألا تراهم سموها مؤنسة والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه ويقال للدار سكن أيضا كما قال الراغب فهو يطلق على الزمان والمكان ومن فيه قال:

يابارقاذكرالحشى سكنه م! ض لتابالعقيق من سكنه

فيجوز أن يراد جعل الليل مسكونًا فيه، وقوله التعب بكر العين كحذر صفة مشبهة من التعب، وقوله اطمأن إليه بمعنى سكن إليه، ولذا عذى بإلى كما في الأساس، وقوله: أو يسكن فيه الخلق أي يقروا ويهدؤوا من السكون. قوله: (ونصبه بفعل دلّ عليه جاعل لا به (لأنه يشترط في عمل اسم الفاعل كونه بمعنى الحال أو الاستقبال والكسائيّ وبعض الكوفيين أجازوا عمله بمعنى الماضي مطلقا حملا له على الفعلى الماضي الذي تضمن معناه واستدلوا بهذه الآية ونحوها، وبعضهم جوّزا عما له بمعنى الماضي إذا دخلت عليه الألف واللام، وبعضهم جوّز أعماله في الثاني إذا أضيف إلى الأوّل لشبهه بالمعرف باللام إذا أضيف وهذه مذاهب للنحاة قال السيرافي: الأجود هنا أن يقال إنما نصب اسم الفاعل المفعول الثاني ضرورة حيث لم يمكن إضافته إليه وقد أضيف إلى الأوّل فاكتفى في الأعمال بما في اسم الفاعل من معنى الفعل الماضي

99

ولا يجوز الاعمال بدون هذه الضرورة، ولما لم يوجد عاملا في المفعول الأوّل مع كثرة وروده في الكلام قال أبو عليّ: إنه منصوب بفعل دل عليه اسم الفاعل فنحو معطي زيد درهما كأنه لما قيل زيد قيل ما أعطي فقال: درهمًا أي أعطاه درهما كقوله:

ليبك يزيد ضارع لخصومة

فيسلم من الضرورة المذكورة، وردّه الأندلسيّ بأنه لا يستقيم ذلك في نحو ظانّ زيد أمس

قائما إذ لا يقال هذا ظانّ زيد أمس ظنه قائما للزوم حذف أحد مفعولي ظانّ، وهو لا يجوز، وأجيب بأنّ للفارسي أن يرتكب جوازه للقرينة وان كان قليلا في أفعال القلوب، وضعف مختار السيرافي بقولهم هذا ضارب زيد أء. س وعمرا إذ لا اضطرار هنا إلى نصب عمرًا لأنّ حمل التابع على إعراب المتبوع الظاهر أولي- ولا استدلال للكسائيّ في قوله تعالى: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ الْوَصِيدِ﴾ [سورة الكهف، الآية: 18] لأنه حكاية للحال كما قرّره الرضي وغيره، وقيل عليه من لم يجوّز أعماله بمعنى الماضي كيف يسلم صحة الأمثلة المذكورة حتى يستدل بها على جواز أعماله فلا حاجة إلى أن يقال إعماله ضروريّ في تلك الأمثلة، ولا أن يقال انتصابه فيها بفعل مدلول عليه بها حتى يرد عليه عدم استقامته في المثال الأخير، وان جاز الاعتذار عنه، وكيف يسلم كون انتصاب سكنا بجاعل حتى يستدلّ به عليه بل يجعله بفعل دلّ عليه جاعل كما ذكره المصنف رحمه الله.

(قلت) القائل بجواز أعماله بمعنى الماضي تمسك بما ذكر، وقال: إنّ التقدير واذعاء حكاية الحال خلاف الأصل ومثله يكفي في الأدلة النحوية، فكيف ينكر عليه، وقوله: (وبدل عليه) أي على كونه بمعنى الماضي وإنما حمله على المعنى ليتناسبا. قوله: (أو به) أي باسيم الفاعل المذكور ولا بفعل مقدّر وهذا مختار الزمخشري، واعترض عليه بأنه ذكر أن جاعلا دال على جعل مستمرّ في الأزمنة المختلفة ومع ذلك جعله عاملا في المضاف إليه ناصبا حيث جوّز عطف والشمس والقمر في قراءة النصب على محل الليل، وهو صريح في أنّ اسم الفاعل إذا أريد به الاستمرار كان عاملاَ فتكون إضافته غير حقيقية، وقد ذكر أنها حقيقية في مالك يوم الدين فبين كلاميه تناف وأجيب بأنّ الزمان المستمرّ يشتمل على الماضي والحال والاستقبال، فإن نظر إلى المضيّ لم يعمل وكانت إضافته حقيقية وإن لم ينظر إليه كان عاملًا واضافته غير حقيقية وكل واحد من الاعتبارين متعين باقتضاء المقام وقرائن الأحوال، وأجيب أيضًا بأنه لا منافاة بين أن يكون المستمرّ عاملا واضافته حقيقية لأنه لما استمرّ احتوى على الماضي وغيره فروعي الجهتان معًا فجعلت الإضافة حقيقية نظرا إلى الجهة الأولى واسم الفاعل عاملا نظرا إلى الثانية، وليس بشيء لأنّ مداركون إضافته حقيقية أو لفظية على العمل وعدمه، ويمكن أن يقال الاستمرار في مالك يوم الدين ثبوتي وفي جاعل الليل تجذديّ ومتعاقب إفراده واضافته لفظية لورود المضارع بمعناه دون الأوّل كما قرّره الشريف قدس سرّه، وقد مرّ فيه فوائد ومباحث في سورة الفاتحة، ولك أن تؤيد هذا الأخير بل تذعي تعينه بأن ملك يوم الدين لم يقع فكيف يقال إنه مستمرّ إلا بمعنى أنه ثابت بقطع النظر عن معنى التجدد كما في الصفة المشبهة والا كان الاستمرار فيه غير حقيقيّ وهو محتاج إلى التكلف، فتأمّل فإن قلت إنه ذكر في المفصل أنّ الصفة تدل على معنى ثابت واسم الفاعل والمفعول يجريان مجراها في ذلك فيقال ضامر البطن وحاملة الوشاج ومعمور الدار ومؤدب الخدام، وقد ذكره غيره من النحاة، فإن أريد الاستمرار الثبوتي يكون صفة مشبهة واشترط لعمله ما يشترط لها، فلا يصح الحمل عليه هنا، ولذا قال أبو حيان: إذا كان بمعنى الاستمرار لا يعمل عمل اسم الفاعل، وليس لمجروره محل كما صرّحوا به، قلت هو لا يجري مجراها إلا إذا اشتهر بذلك وشاع استعماله لذلك حتى يلحق بالصفة المشبهة، وهذا ليس كذلك ولم يتعرّضوا هنا لحكاية الحال لأنّ كون

الليل محل الهدّ وليس مما يستغرب، والحكاية تختص به ويصح أن يكون جعل بمعنى أحدث المتعدي لواحد وسكنا حال. قوله: (ويشهد له الخ) لأنّ العطف متعين فيكون في وجه النصب كذلك، وليس المراد أنها تدل على تعلقهما من حيث المعنى بالليل والنهار كما قيل، وقوله: (بجعل مقدّرا (وهو الناصب لسكنا أو آخر والأوّل أولى. قوله: (أي مجعولان حسبانًا (أو محسوبان حسبانًا، ثم إن المصنف رحمه الله فسر الحسبان في سورة

100

الرحمن بحساب معلوم مقدّر في بروجهما ومنازلهما ويتسق بذلك أمور السفليات ويختلف الفصول والأوقات وتعلم السنون والحساب. قوله: (مصدو حسب بالفتح)، هكذا قال الزمخشري: أيضا فإن أراد أنه لا يكون إلا كذلك ورد عليه الحرمان فإنه مصدر حرمه كضربه وعلمه وان أراد أنه الأصل المقيس المسموع وما سواه ورد على خلاف القياس اتجه، وحسب هنا بمعنى زعم وظت وخمن والتسيير مصدر سيره. ثوله: (الذي قهرهما) المراد بقهرهما كونهما مسخرين لا يتيسر لهما إلا ما أريد بهما وبهذا التفسير يظهر تناسب المبدأ والختام فلا يتوهم أنه كان الظاهر تقدير الحكيم العليم، وفسره في غير هذه السورة بالغالب بقدرته على كل مقدور، والأنفع من التداوير جمع تدوير تفعيل من الإدارة وليس بمعنى ذلك التدوير الذي اصطلح عليه أهل الهيئة وهو فلك صغير خارج المركز لأنه ليس للشمس فلك تدوير إلا أن يريد به مطلق الخارج المركب وليس بمعنى الاستدارة لأنه لا يناسب هنا، وهدّا إجمال لما سيأتي في سورة يس من أنّ مخالفة حركاتها المقدرة لها تخل بتكوّن النبات وتعيش الحيوان، واعلم أنه قال في البحر الكبير أن السنة الشرعية قمرية لا شمسية، والشمسية مما حدث في دواوين الخراج، فإن قلت فلم أضاف الله الحساب إليهما قلت لأنّ بطلوع الشمس ومغيبها يعرف عدد الأيام التي تتركب منها الشهور والسنون فمن هنا دخلت انتهى. قوله: (في ظلمات الخ) المراد بالنجوم ما عدا النيرين لأنها التي بها الاهتداء ولأن النجم يخص بما عداهما، واليه أشار بقوله: (في ظلمات الليل) لأنهما لا ظلمة مع! مما ويجوز أن يدخلا فيها فيكون بيانا لفائدتهما العامّة بعدما بين فائدتهما الخاصة. قوله: (وإضافتها إليهما للملابسة (الإضافة تكون لأدنى ملابسة مجازا، وهل هو مجاز لغوي أو حكمي عقليّ اضطرب فيه كلام أهل المعاني، فقال النحرير: في شرح المفتاح في تحقيق قوله تعالى: ﴿ابْلَعِي مَاءكِ﴾ [سررة هود، الآية: 44] إضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيها لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك بناء على أنّ مدلول الإضافة في مثله الاختصاص الملكي فيكون استعارة تصريحية أصلية جارية في التركيب الإضافي الموضوع للاختصاص الملكي في مثل هذا، وإن اعتبر اللام وبنى الاتصال والاختصاص عليها فالاستعارة تبعية، وقال: في إضافة كوكب الخرقاء حقيقة الإضافة اللامية ألاختصاص الكامل، فالإضافة لأدنى ملابسة تكون مجازًا حكميًا، وقال الشريف قدس سرّه: راذًا عليه الهيئة التركيبية في الإضافة اللامية موضوعة للاختصاص الكامل المصحح، لأن يخبر عن المضاف بأنه للمضاف إليه، فإذا استعملت لأدنى ملابسة تكون مجازًا لغويا لا حكميا كما توهم لأنّ المجاز في الحكم إنما يكون بصرف النسبة عن محلها الأصلي إلى محل آخر لأجل ملابسة بين المحلين، وفيه كلام ليس هذا محله، وقوله مشتبهات الخ فهي استعارة تصريحية تحقيقية وعلى الأوّل المجاز في الإضافة، ولكم إجمال لأنه يدل على انتفاعهم بها مطلقا، وقوله فإنهم المنتفعون به أي بالتفصيل بيان لوجه التخصيص مع أن فائدة التفصيل عامّة. قوله: (فلكم استقرار الخ (جوّز في مستقرّ ومستوح أن يكونا مصدرين ميميين وأن يكونا اسمي مكان والاستقرار إمّا في الأصلاب أو فوق الأرض لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: 36] أو في الأرحام لقوله تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ﴾ [سورة الحج، الآية: هـ، والاستيداع في الأرحام، فجعل الصلب مستقز النطفة والرحم مستودعها لأنها تحصل في الصلب لا من قبل شخص آخر، وفي الرحم من قبل الأب فأشبهت الوديعة كان الرجل أودعها ما كان عنده أو في الأصلاب أو تحت الأرض أو فوقها فإنها عليها أو وضعت فيها لتخرج منها مرّة أخرى كقوله: وما المال والأهلون إلا ودائع ولا بذ يوئم أن ترذ الودائع

وجوّز أن يكون المستقز كناية عن الذكر والمستوح كناية عن الأنثى، وقوله لأن الاستقرار منا الخ وجه كون الأوّل معلوما بأنه صادر منا والثاني مجهولًا بأن الله أودعهم وهو ظاهر. قوله: (ذكر مع ذكر النجوم الخ (بناء على أن الفقه شدة الفهم والفطنة، ومن قال إنه الفهم مطلقًا وليس بأبلغ من العلم قال إنه تفنن حذرا من صورة التكرير، وقال في الانتصاف

الفقه أنزل من العلم، وإذا قيل فلان لا يفقه كان أذمّ من

101

لا يعلم ولما كان علم الإنسان بنفسه أقرب إليه من علم العلويات نفي عنه الفقه دون العلم، وهذا عكس ما ذكره المصنف رحمه الله تبعا للكشاف. قوله: (من السحاب) يعني المراد بالسماء لأنها كل ما علا، أو هو مجاز أو بتقذير مضاف كجانب أو أنه ينزل من السماء حقيقة إلى السحاب، ومنه إلى الأرض وتلوين الخطاب هنا الالتفات من الغيب إلى التكلم وعبر به إشارة إلى نكتته العامّة، والخاصة إنه لما ذكر فيحا مضى ما ينبهك على أنه الخالق اقتضى ذلك التوجه إليه حتى يخاطب. قوله: (نبت كل صنف) أي النبات بمعنى النابت وشيء ليس بعاتم بل المراد به الصنف من النبات إذ لا معنى لإضافة النبات إلى شيء ليس منه وقوله المفتنة بالفاء والتاء والنون افتعال من الفتن، وفي نسخة مفتنة بنونين أي على فنون وأنواع وقال ابن الجوزي: تقول لذي الفنون من العلوم مفتن، وقد افتن في الأمر أخذ من كل فن والعامّة تقول متفنن والمتفنن هو الضعيف وقد تفنن ضعف أخذ من الفنن، وهو مالان من الغصون. قوله:) من النبات أو الماء (المراد بالنبات أصوله والخضر شعبه وأوراقه وجملة تخرج صفة خضرا أو مستأنفة ومتراكبا معناه بعضه فوق بعض، وقد أخرج تعالى من الماء الحلو الأبيض في رأي العين أصنافا من النبات والثمار مختلفة الطعوم والألوان واليه نظر القائل يصف المطر:

يمدعلى الآفاق بيض خيوطه فينسج منهاللثرى حلة خضرا

فلله درّ التنزيل كم حوى معنى بديعا لو مرّ على خاطر الشعر قطع نفسه تقطيعًا، وقوله أخضر وخضر كأعور وعور إشارة إلى اختصاصه بالألوان والعيوب وما ألحق بهما. قوله: (جمع قنو (وهو ومثناه سواء لا يفرق بينهما إلا الإعراب، ولم يأت مفرد يستوي مثناه وجمعه إلا ثلاثة أسماء صنو وصنوان وقنو وقنوان ورئد ورئدان بمعنى مثل قاله ابن خالويه، وحكى سيبويه شقد وشقدان وحش وحشان للبستان نقله في المزهر. قيل وجعل من النخل الخ مبتدأ

وخبرًا ليس كما ينبغي لأن المقصود تعديد آيات قدرة الله ولا يستقاد ذلك إلا بنسبة جعل القنوان إليه تعالى، وهذا التركيب لا يدل عليه وسيأتي جوابه في قوله: ﴿وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ﴾ ومن طلعها على البدلية بدل بعض من كل وقوله فعلان بالفتح ليس من أبنية الجمع بل من أبنية المفردات كقبان وهو شرط اسم الجمع كما قرّره النحاة، وقوله: قريبة الخ لما كانت النخل شاهقة أشار إلى تأويله وهو حقيقة فيهما لكنه اقتصر في الوجه الثاني على البعض لما ذكره ويحتمل أن المراد سهولة الوصول إلى ثمارها بالهز والسقوط مجازًا. قوله: الدلالتها الخ) الزمخشري جعلهما وجهين أي إما أن يقدر على طريق الاكتفاء كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [سورة النحل، الآية: 81] أو لا يقدر اقتصارًا على ما هو أوفر نعمة وكلام المصنف رحمه الله يحتمله ويحتمل أنه جعلهما وجهًا واحدًا وهو أقرب وأوجه. قوله: (عطف على نبات) النبات على ما قاله الراغب النابتات الخارجة من الأرض سواء كان له ساق كالشجر أو لم يكن كالنجم لكنه اختص في المتعارف بما لا ساق له بل اختص عند العامّة بما تأكله الحيوانات، وعليه قوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾ [سررة النبأ، الآية: 15] وجعله الواحدي على خضرا، وقال الطيبي: الأظهر أن يكون عطفا على حبًا لأنّ قوله نبات كل شيء مفصل لاشتماله على كل صنف من أصناف النامي كأنه قال: فأخرجنا بالنامي نبات كل شيء ينبت كل صنف من أصناف النامي، والنامي الحب والنوى وشبههما وقوله فأخرجنا منه خضرًا الخ تفصيل لذلك النبات أي أخرجنا منه خضرا بسبب الماء فيكون بدلًا من فأخرجنا الأوّل بدل اشتمال ومن هاهنا يقع التفضيل فبعض يخرج منه السنابل ذات حبوب متكاثرة، وبعض يخرج منه ذات فنوان دانية، وبعض آخر جنات معروشات الخ وهذا مبنيّ على أن المراد بالنبات المعنى العاتم، وحينئذ لا يحسن عطفه عليه لأنه داخل فيه فالوجه ما ذكرنا فإن أريد ما لا ساق له تعين عطفه عليه لأنه داخل فيه وتعين أن يقدر لقوله من النخل فعل آخر وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله، وما قيل إنه لم يجعله معطوفا على خضرًا لا! الأشجار ليست كالخضراوات في الخروج من النبات لأن الخارج أولًا يكبر، ويصير شجر إلا أنه يخرج نبات، ثم يخرج منه شيء يصير شجرأ ولأن كثرة صنوف المسببات واقتنانها مع وحدة

102

السبب وهو الماء أدخل في مقام بيان كمال القدرة والحكمة لكن هذين الوجهين على تقدير إوجاع الضمير قي منه إلى النبات، وأما إذا رجع! ! ى الماء كما جوّز فلا يتمشيان ليس بشيء لأنه ناشئ من الغفلة عن معنى ا! نبات لأنّ الشجر وأغصانه من النبات على الأوّل، ولأنه يفيد وحدة السببية لأنه تفصيل للمسبب سواء رجع الضمير إلى الماء أو إلى النبات، وهذا كله من قلة التدبر وقوله لكم إشارة إلى خبر مقدر وهو ظاهر. قوله: (ولا يجوز عطفه على قنوان (لما جوّز الزمخشرقي فيه وجهين هذا وما قبله رذ

عليه المصنف رحمه الله بما ذكره لأنه يؤول إلى أن يكون المعنى ومن النخيل جنات من أعناب وفساده ظاهر إلا أن يتكلف له ما لا حاجة إليه كما قال النحرير: وقد يجاب عنه بأنّ من أعناب صفة جنات وهي لما كانت معروشة تحت أشجار النخل جاز وصفها بكونها مخرجة من النخيل مجاز الكون هيئتها مدركة من خلالها كما يدرك القنوان، وفيه جمع بين الحقيقة والمجاز أو بأن المراد أنه من عطف الجملة أي ومخرجة وحاصلة من الخضر، أو الكرم جنات من أعناب ففي قوله عطف على قنوان تجوّز لا حاجة إليه على هذا التقدير لجواز أن يعتبر جنات من أعناب عطفًا على قنوان وذلك المحذوف أعني من الخضر أو من الكرم عطفا على من النخل أي من نبات أعناب، يفي أنه على حذف المضاف لأنّ البستان لا يكون من العنب نفسه بل من النبات والأشجار انتهى، وقد يجاب عن الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من لا يقول به بأن الكلام على تقدير المضاف أي يخرج من أرض النخيل أو رياضها ونحوه، فلا يلزم ما ذكر، وقيل جنات مبتدأ ومن أعناب خبره ولا يلزم الابتداء بالنكرة من غير تخصيص لأن العطف على المخصص يكفي في التخصيص ذكره ابن مالك واستشهد عليه بقوله:

عندي اصطباروشكوى عند قاتلتي فهل بأعجب من هذا امرؤسمعا

وأورد على الوجه الأوّل أيضا أنه لا دلالة فيه على أنّ الأعناب والجنات من آثار القدرة

ولا خفاء في أنه لا يختص بالوجه الأوّل ولا بالجنات والأعناب بل يجري في النخيل والقنوان، ويندفع بًا نه مفوض إلى شهادة الذوق ودلالة المقام كما قرّره النحرير رذا على العلامة، ولك أن تقول أنّ قوله تعالى: ﴿نَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: 79] إشارة إلى ذلك لأن معناه آيات دالة على أنه لا يقدر عليه غير الله تعالى وقوله نصب على الاختصاص أي بأخص ونحوه مقدرأ وقوله: (لعزة الخ (بيان لنكتة وجه تغيير الأسلوب لأنه اتفق على قراءة النصب وكان الظاهر الجرّ فعدل عنه لذلك وغير المصنف رحمه الله ما في الكشاف فبدأ بقراءة النصب المتفق عليها، وأخر قراءة الأعمش المروية عن عاصم فإنها شاذة والجمهور على كسر تاء جنات عطفا على نبات كل شيء وجملة من النخل معترضة أو هو عطف على خضرا، وفي الرفع وجوه أحدها أنه مبتدأ خبره مقدر مقدما أو مؤخرا وثم وجنات أو ومن الكرم جنات، وهو أحسن بمقابلة من النخل أو ولهم أو ولكم جنات ومنهم من قدره وجنات من أعناب أخرجناها لكم، وهو معطوف على قنوان قال الزمخشرفي: من غير ملاحظة قيد من النخل، والمعنى جنات من أعناب وضعف بما ذكره المصنف وتوجيهه ما تقدم. قوله:

(حال من الرمان الخ) منهم من جعله حالًا من الثاني لقربه وقدر مثله في الأوّل ومنهم من جعله حالًا من الأوّل لسبقه وتدر في الثاني ولا بد من تقدير والا كان المعنى جميعه متشابه، وجميعه غير متشابه وهو غير صحيح كما أشار إليه النحرير وقوله أو من الجميع أي بعض ذلك يعني

الضمير راجع إلى الأمرين واقعا موقع اسم الإشارة وفي الكلام مضاف مقدر وهو بعض ومنهم من قال في تفسيره. إنه حال منهما بتأويل كل واحد أو الجميع، فإن قلت يأبى عن التأويل بكل واحد قوله بعض ذلك متشابه وبعضه غير متشابه وأيضًا المتشابه يسند إلى المتعدد وكل واحد غير متعذد قلت المراد كل نوع، والنوع متعدد يحتمل التبعيض والمضاف محذوف اهـ وعذه بعض الناس سهوًا لأنه ليس المراد تأويله بجميع بدليل تفسيره وليس بشيء لأنه لا فرق بين تأويل الضمير الراجع إليهما بذلك وتأويله نفسه بجميع فتأمّله وأشار بقوله متشابه الخ إلى ما في الكشاف إنّ افتعل وتفاعل هنا بمعنى كاستوى وتساوى وقوله:) في الهيئة، والقدر الخ) إشارة إلى ما وقع فيه

103

التشابه وعدمه ويحتمل أنه لف ونشر فالهيئة ما به التشابه وغيره ما به عدمه. قوله: (أي ثمر كل واحد من ذلك (إشارة إلى أن الضمير راجع إلى جميع ما تقدم بتأويله باسم الإشارة، وأئا رجوعه إلى كل واحد منهما على سبيل البدل فبعيد لا نظير له في عدم تعيين مرجع الضمير، وذلك إما إشارة إلى الرنان والزيتون فيكون استخداما على إرجاعه إليه باعتبار الشجر، وقد سبق ذكره بمعنى الثمر أو إلى جميع ما تقدم ليشمل النخل وغيره مما يثمر فتأمّل. قوله: (إذا أخرج ثمره الخ) يشير إلى أنّ التقييد بقوله إذا أثمر للإشعار بأنه حينئذ ضعيف غير منتفع به فيقابل حال الينع، ويدل كمال التفاوت على كمال القدرة، وعلى هذا لا يتم ما نقل عن الزمخشري في حواشيه أنه قال: فإن قلت هلا قيل إلى غض ثمره وينعه قلت في هذا الأسلوب فائدة، وهي أنّ الينع وقع معطوفا على الثمر على سنن الاختصار على طريقة جبريل وميكائيل للدلالة على أنّ الينع أولى من الغض فلذا لم يقل إلى غض ثمره وينعه، كذا في شروح الكشاف، وفي الكشف إنّ قوله كيف يخرجه ضئيلا يأبى هذه الحاشية ويجعلهما متقابلين، نعم لو قيل فيه استحضار للحال الأولى واراءة التباين بين الحالين بخلافه لو قيل غض الثمر وينعه ففيه تقابل محض لكان حسنا (أقول) قد وقع مثل هذا في سورة يوسف في قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [سورة يوسف، الآية: 4] فقال ثمة أخرهما ليعطفهما على الكواكب على طريق الاختصاص بيانا لفضلهما واستبدادهما بالمزية على غيرهما من الطوالع كما أخر جبريل وميكائيل عن الملائكة، ثم عطفهما عليها لذلك واعترض عليه صاحب التقريب بأنّ أحد عشر كوكبا لا يتناول الشمس والقمر بخلاف الملائكة فإنها تتناول جبريل وميكائيل، وأجاب عنه بأن التناول غير لازم لأنّ إفادة المبالغة هنالك من حيث إنّ ظاهر العطف المغايرة فكان فيه تنبيه على أنهما من جنس وهاهنا أيضا كان يمكنه أن يقول ثلاثة عشر كوكبًا فلما عطف دل على فرط اختصاص واهتمام بشأنهما لزيادة الفائدة والتشبيه باعتبار التأخير، واخراجهما من جن! الكواكب وجعلهما متغايرين بالعطف انتهى وهذا بعينه

جار هنا لأنه لم يقتصر على ثمره وزاد الظرف فاقتضى ذلك تعينه فكيف غفلوا عنه مع التصريح به فيما سيأتي، وضئيل بمعنى صغير ضعيف وهو في وقت الإخراج كذلك. قوله: (وإلى حال نضجه) وفي نسخة وألى حال نضيجه بوزن فعيل قيل يشير إلى أنّ الينع إمّا مصدر أو صفة ويانعه بالجز عطف على الضنم، وقيل الأوّل إشارة إلى تقدير الوقت ليناسب إذا أثمروا الثاني إشارة إلى عدم لزومه، ولا يخفى أنه تأويل يحتاج إلى تأويل، لأنّ الزمان لا ينظر والحال ليس بمعنى الزمان بل بمعنى الصفة. قوله: (ولا يعوقه الخ الأنه لو كان له ضد، أو نذ لخالفه في بعض ما يريد هالا لم يكن ضدًّا ولا ندا فيلزم تخلف ما ذكر كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء، الآية: 22] . قوله: (أي الملاءلكة الخ) كلا الأمرين موجب للشريك أما الأوّل فظاهر وأما الثاني فلأنّ الولد كفؤ الوالد فيشاركه في صفات الألوهية، وتسمية الملائكة جنا استعارة وقد سبق في سورة البقرة عن المصنف رحمه الله ما يقتضي أنّ الجن تشمل الملائكة حقيقة، وتوله: تحقيرًا لشأنهم يعني عبدوا ما هو، كالجن في كونه مخلوقًا مستترًا عن الأعين، والمراد التحقير من حيث قام الشركة لا ازدراؤهم في أنفسهم. قوله: (او الشياطين الخ) فهو استعارة في جعلهم شركاء وعلى الوجه الذي بعده مجاز عقليّ. قوله: (والشيطان خالق الشرّ) وجمعه حينئذ لأنه مع أتباعه كأنهم معبودون كما قاله الإمام: قيل ولذلك غير قول الزمخشريّ إبليس إلى قوله والشيطان ليشمل أتباعه. قوله:) ومفعولًا جعلوا لله شركاء الخ) في الكشاف فائدة التقديم استعظام أن يتخذ دئه شريك من كان ملكا أو جنيا أو إنسيا أو غير ذلك، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء، وفي الكشف إنه على الوجهين يعني جعل لله مستقرّا وغيره، وما ذكره في الإيضاح من رذ قول من جعل تقديم لله على تقدير الاستقرار للاهتمام معللا بأنّ الإنكار ناشئ من الجعل المتعلق بالمفعولين على السواء فلا فرق بين المتلوّ وعكسه مدفوع بأنّ ذلك لا ينافي كون مصب الإنكار أحد الجزأين، وملاحظة أصلهما، ولهذا جعل في المفتاح قوله لله شركاء تمهيدًا لهذا، ثم إنه ناقض نفسه في ذلك حيث سلم أنّ تقديم شركاء على الجن على

104

تقدير أن يكونا مفعولين لذلك (قلت) محصل ما في

الإيضاح أن الفعل المتعذي إلى مفعولين لا اعتناء بذكر أحدهما إلا باعتبار تعلقه بالآخر فإذا قدّم أحدهما على الآخر لم يصح تعليل تقديمه بالعناية، وقد أجابوا عنه بأنّ الاشتراك بين الشيئين في مطلق العناية والاهتمام لا ينافي كون أحدهما أهمّ من الآخر بسبب خارج ككون الله نصب عين المؤمن هنا مع أنه يناقض ما ذكره فيما مرّ من أنّ تقديم شركاء على الجن على القول بأنهما مفعولًا جعلوا لاستعظام أن يتخذ شريك من كان ملكا أو جنيا أو غيرهما، ويناقض أيضا ما ذكره في بحث تقديم بعض معمولات الفعل على بعض كتقديم المفعول الأوّل على الثاني في باب أعطيت وقد دفع التناقض المذكور بأن إنكار التعليل بالعلة الحاصلة على تقدير خاص لا ينافي صحة التعليل بعلة أخرى على تقدير آخر، ثم إنه رذ جعلها على الوجهين بأنه على الثاني فقط، وعلى تقدير الظرف لغوًا سواء تعلقا بشركاء أو بجعلوا، وذلك لأن حق الظرف اللغو أن يتأخر عن المفعول، وأما على تقدير اللغوية وجعل لله شركاء مفعولي جعلوا فيكون تقديم الخبر الظرف على المبتدأ النكرة جاريا على الأصل غير معلل بالاهتمام والاستعظام، وأشار في شرح المفتاح الشريفي إلى أنّ تقديمه لأنه محز الإنكار ولأن المفعول الأوّل منكر يستحق التأخر فلا تنافي بين التنكير واعتبار التقديم لنكتة أخرى، ثم قال: إن السكاكيّ لم يرض! بما في الكشاف لأنّ المقصود الذي سيق له الكلام إنكار اتخاذ الشريك لله مطلقا جنيا كان أو غيره، واستفادة هذا المعنى من تقديم دلّه على الجن لا يخلو من ضعف لأنّ التقديم إنما يدل بحسب المقام على أنّ المقدم أدخل في الإنكار لا على أنّ المؤخر لا دخل له في الإنكار أصلا، ولا يخفى أنّ المقدم مصب الإنكار ومحزه كما قرّروه في أنه يجب أن يلي همزة الإنكار ليفيد ذلك فإذا قلت أفلسا أعطيته كان الإنكار لخسة الفلس لا للعطاء، وهذا مثله على أنا نقول هو بخصوصه لا دخل له في الإنكار بل باعتبار كونه شريكًا ثم إنّ السكاكي جعل سبب التقديم كون المقدم في نفسه نصب العين، وكون كل واحد من مفعولي جعل حاضرًا في الذهن وقت الإنكار لا يقتضي كون كل واحد منهما في نفسه نصب العين باعتبار أمر آخر مقتض لتقديمه، والسكاكي قد صرّح بهذا القيد أعني في نفسه، والمعترض! غفل عنه وعن فائدته. قوله:) والجن بدل من شركاء (قيل الأولى أن ينصب بمحذوف جوابا عن سؤال، كأنه قيل من جعلوه شركاء فقيل الجن، وذلك لأنه لو كان بدلًا لكان التقدير وجعلوا لله الجن، وليس له كبير معنى، وأجيب بأنّ المبدل منه! يس في حكم الساقط بالكلية. قوله: (وقد علموا أن الله خالقهم (اختار كون الضمير راجعا إلى الجاعلين لئلا يلزم تشتت الضمائر لو ارجع إلى الجن، وان رجح بأن جعل المخلوق كالخالق أفحش من جعل من لا يخلق كمن يخلق، وبأن كونهم مخلوقين معلوم من قوله: ﴿وَالَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [سورة الأنعام، الآية: 98]

وقدر قد لتصحيح لفظ الحال وعلموا لمعناه لأنه المقارن لجعلهم ولأنه المقتضى للإنكار فتأمل، وقوله: (دون الجن) نفي الخالقية عنهم على الثاني ظاهر، لأنّ الخالق لا يكون مخلوقا، وعلى الأوّل معلوم من إنكار تشريكهم المارّ، وقيل: إنّ الشيء الواحد لا يكون مخلوقا لخالقين، فقوله: وخلقهم في قوّة أن يقال دون الجن، ولا يضره جواز الاجتماع في الخلق بطريق الاشتراك لأنّ المراد بالخلق في قوله وخلقهم ما هو بالاستقلال ولا يخفى ما فيه من التكلف، وقوله: (أي وجعلوا الخ) إشارة إلى أنّ هذا على تقدير أن لله شركاء مفعولًا جعل وهو ظاهر، وقيل إنه على هذا يكون جعل متعذيًا إلى مفعول واحد وإنه كان عليه أن يذكره وليس بشيء، وقوله: أي زوروا في الكشاف والمزوّر محرّف مغير للحق إلى الباطل. قوله: (بنير علم) ذنم لهم بأنهم يقولون بمجرّد الرأي والهوى، وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز أن ينسب إليه تعالى إلا ما جزم به وقام عليه الدليل، وقيل هو كناية عن نفي ما قالوا فإن ما لا أصل له لا يكون معلوما ولا يقام عليه دليل ولا حاجة إليه لأنّ نفيه معلوم من جعله اختلاقا وافتراء ومن قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وقوله: فقالت اليهود فيكون المراد بالبنين ما فوق الواحد أو أنّ من يجوّز الواحد يجوّز الجمع، وأفرد قوله شريكا أو ولدًا لأنّ نفي الواحد يدلّ على نفي الجنس، ولأنه أليق بالتنزيه. قوله: (ثبت

105

الغدر) الثبت بسكون الباء بمعنى ثابت، والغدر بفتحتين وغين معجمة ودال، وراء مهملتين المكان ذو الحجارة والشقوق، قال: في العين رجل ثبت الغدر إذا كان ثبتًا في قتال أو كلام وفي المجمل يقال للرجل والفرس ثبت في موضع الزلل، والإضافة فيه على معنى في ولما كان تعالى منزهًا عن المكان والحلول أوّله بقوله عديم النظير فيهما، ومعناه أنّ إبداعه لهما لا نظير له لأنهما أعظم المخلوقات الظاهرة فلا يرد عليه أنه لا يلزم من نفي النظير فيهما نفيه مطلقًا، ولا حاجة إلى تكلف أنه خارج مخرج الردّ على المشركين بحسب زعمهم أنه لا موجود خارج عنهما، وقوله: (وخبره أني الخ) وهو استفهام إنكاري في معنى الإخبار فلا حاجة إلى تقدير القول فيه.

قوله: (اي من أين الخ) أني لها استعمالات أحدها بمعنى كيف الثاني بمعنى من أين وهي عبارة سيبويه، والفرق بين أين ومن أين أنّ أين سؤال عن مكان الشيء، ومن أين عن المكان الذي برز منه ووقع في عبارات بعضهم أنها بمعنى أين وهو تسمح كما في عروس الأفراج، وفي الكشف إنها بمعنى أين ومن مقدرة قبلها كما تقدر في الظروف وفيه نظر لأنه لو كان كذلك لجاز ظهورها، فيقال من أني ولم يسمع. قوله:) وقرئ بالياء للفصل (هي قراءة إبراهيم النخهص قال ابن جني تؤنث الأفعال لتأنيث فاعلها لأنهما يجريان مجرى كلمة واحدة لعدم استغناء كل عن صاحبه فإذا فصل جاز تذكيره وهو في باب كل أسهل لأنك! وحذفتها استقل ما بعدها وهو كلام حسن، وعلى الوجهين الأخيرين الجملة خبر، واعترض على الوجه الأخير بأنه إذا كان العمدة في المفسر مؤنثا فالمقدر ضمير القصة لا ضمير الشأن، وليس بوارد لعدم لزومه وإن ظنه كثير لازمًا وقد نبه على خطئه في شرح التسهيل. قوله:) وإنما لم يقل به (أي لم يقل عليم به لتقدّم كل شيء لأنّ الأوّل مخصوص بغير ذاته وصفاته، والثاني عامّ لعلمه بهما وبغيرهما، وهذا لا يخالف ما ذكره في سورة البقرة. قوله: (1 لأوّل الخ (قزره في الكشاف هكذا إنه مبتدع السماوات والأرض وهي أجسام عظيمة لا يستقيم أن يوصف بالولادة لأنّ الولادة من صفات الأجسام ومخترع الأجسام لا يكون جسما حتى يكون والدا، وهذا عندي أحسن من تقرير المصنف رحمه الله لما فيه من الخلل لأنّ كون السماوات من جنس ما يوصف بالولادة لا يقتضي تصوّره في نوعها أو إفرادها لأن التوالد لا يكون فيما لا روج له فكيف يقال إن تبرّأها عن ذلك لاستمرارها، وطول مدتها والولد إنما يطلب للبقاء ببقاء النوع، وهي غير محتاجة إلى ذلك فالله جل وعلا أولى به وكأن القاضي غرّه قوله لا يستقيم الخ وظنه صفة أجسام، وليس كذلك بل ضمير أنه للشأن ومبتدع مبتدأ، ولا يستقيم الخ خبره فاعرفه فإن من لم يهتد له قال تقرير المصنف رحمه الله: أولى لكونه بطريق برهانيّ من تقرير الزمخشرفي، وقوله المعقول بمعنى المتصوّر في العقول فلا حاجة إلى أنه بناء على الأكثر وإنه لا حاجة إلى الكلية لأنّ الكلام في ولد الوالد وهو يستدعي الزوجة، وقرّره بوجه آخر في البقرة وهو أن الوالد عنصر الولد المنفعل بانفصال ماذته منه وهو تعالى مبتدع الأشياء كلها فاعل على الإطلاق منزه عن الانفعال فلا يكون والدًا انتهى، وهي متقاربة المعاني، والفرق بينهما يعلم مما بعدهما

إنه قال هناك:

﴿اقَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [سورة البقرة، الآية: 17 ا] وهنا أني يكون له ولد فتدبر. قوله:) الثالث أنّ الولد الخ) الدليل الأوّل من قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [سورة البقرة، الآية: 117] والثاني من قوله ولم تكن له صاحبة والثالث من قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ والزمخشريّ قرّره هكذا إنه ما من شيء إلا وهو خالقه والعالم به ومن كان بهذه الصفة كان غنيا عن كل شيء والولد إنما يطلبه المحتاج قال النحرير: الظاهر أنّ العلم بكل شيء وجه مستقل فتكون الوجوه أربعة إلا أنه أدرجه وجعله مع خلق كل شيء وجها واحدًا لأنّ المعنى إنما يتحقق بالإيجاد الاختياري، وذلك بالعلم ولأنه ربما يناقثى في لزوم كون الولد كالوالد في العلم بكل شيء، وقيل: إن المصنف رحمه الله جعلهما وجهًا واحدًا لمدارهما على معنى واحد وهو الكفاءة وان هذه المناقشة ترذ على الزمخشري لا على المصنف لتقييده العلم بقوله لذاته، وفيه أنه لا يجدي نفعأ لأنّ المساواة في العلم ذاتيا أو غيره لا تلزم في الكفاءة، ولذا قيل في كلام المصنف مناقشة ظاهرة لأن التفاوت في العلم بل في سائر الكمالات لا ينافي الكفاءة فكثيرًا ما يلد العالم النحرير والمؤمن ضده، وهذه أدلة إقناعية لا تليق

106

المناقشة في مقدماتها. قوله: (إشارة إلى الموصوف الخ الأن اسم الإشارة كإعادة الموصوف بصفاته المذكورة كما مرّ تحقيقه، وقوله: ويجوز الخ يعني يجوز أن يكون الله بدلًا من اسم الإشارة وربكم صفته وما بعده خبر، ولا يجوز في الله أن يكون صفة فإن أراد مع ما بعده لا يصح أيضا لأنه جملة والجمل لا يوصف بها إلا النكرات أو المعرّف بأل الجنسية، وهذا ليس كذلك وكذا خالق كل شيء يصح أن يكون بدلًا من الضمير وذكر فيما سبق للاستدلال على نفي الولد وهنا لإثبات استحقاق العبادة فلا تكرار، واليه يشير كلام المصنف رحمه الله تعالى وقد غفل عنه بعضهم مع ظهوره وأفاد بعص المتأخرين هنا إنه قيل هنا ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وفي سورة المؤمن: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [سررة غافر، الآية: 62] فإن قيل لم قدم هاهنا قوله: ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ على قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وعكس في سورة المؤمن قلنا لأنّ هذه الآية جاءت بعد قوله: ﴿جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء﴾ الخ فلما قال: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ أتى بعده بما يدفع الشركة فقال: ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ثم قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وهناك جاء بعد قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة غافر، الآية: 57] فكان الكلام على تثبيت خلق الناس وتقريره لا على نفي الشريك عته كما كان في الآية الأولى فكان تقديم خالق كل شيء هناك أولى، وقيل معناه يجوز أن يكون البعض بدلًا من اسم الإشارة لأنّ العلم أخص من اسم الإشارة عند الجمهور فلا يجوز أن يكون صفة له لأن الموصوف لا بد أن يكون أخص أو مساويًا كما حقق في النحو، وأما كونه صفة فقيل إنه على مذهب ابن السرّاج فإنه

ذهب إلى أن أعرف المعارف اسم الإشارة ثم المضمر ثم العلم ثم ذو اللام، ويحتمل أن يكون الله صفة ذلكم على ما مرّ من أنه صفة، وقد مز ما فيه. قوله: (حكم مسبب عن مضمونها الخ) قيل العبادة المأمور بها هي نهاية الخضوع وهي لا تتأتى مع الشريك فلذا استغنى عن أن يقال فلا تعبدوا إلا إياه وذكره غيره من المحشين، وقال إنه من سوانح الوقت وهذا يقدج فيما ذكروه من أنّ تقديم المفعول في إياك نعبد يعتمد الاختصاص إذ على هذا يفهم من مجرّد العبادة ولا حاجة فيه إلى تقديم المفعول، ويرذه أن مفهوم العبادة لا يقتضي الاختصاص! إلا من الدليل الخارجيّ على أن إفادة الحصر بوجهين لا مانع منه كما في لله الحمد فإن التقديم ولام الاختصاص يدلان عليه، وكذا التقديم مع التصريح بأداته كما صرّحوا به. قوله: (فكلوها إليه الخ) الأمر بإيكالهم إليه لازم لمفهوم هذه لأنه إذا تولى جميع الأمور لزم أن لا يوكل إلى غيره ممن لا يتولاها، والتوسل بالعبادة مأخوذ من جعل وهو على كل شيء وكيل حالًا وقيدا للعبادة كما يشهد له الذوق، فما قيل إنه يريد أن فائدة الإخبار بكونه على كل شيء وكيل ذاك لا أنه يفهم ذلك من الوكيل ناشئ من عدم التحقيق، وكذا تفريعه على الرقيب بالمجازاة إشارة إلى أنه كناية عن المجازاة ثم لما وصفه بأنه رقيب عليهم عقبه بقوله لا تدركه الأبصار إشارة إلى أنّ مراقبته ليست كمراقبة غيره، لأن المراقبة تستلزم النظر إليه بحسب الظاهر المتوهم. قوله: (وهي حاسة النظر) المراد بالحاسة القوّة ولذا أنث وتأنيث هي مراعاة للخبر. قوله: (واستدل به المعتزلة الخ) فسر بعضهم الإحاطة بإدراك ذاته وجميع صفاته وفسرها بعضهم بإدراكه بالكنه، وأورد عليه أنه كما لا يدرك كنهه بالبصر لا يدرك بالعقل أيضا فالتخصيص بالأبصار يقتضي تفاوتا بينها وبين العقول مع أنّ الأبصار لا تدرك كنه غيره أيضا وبأنّ التخصيص خلاف الظاهر، ومقتضى المدح الامتناع والأقرب شيء يمكن أن يبصر ولا يبصر لمانع فالحق في الجواب كما دلت عليه الأحاديث أنه لا يرى بأعمال الحاسة إنما يرى بقوّة يخلقها بمحض قدرته في العبد ثم إنهم تمسكوا بالآية تارة على الامتناع، لأنّ ما يمدح بعدمه يكون وجوده نقصًا يجب تنزيه الله عنه وتارة على عدم الوقوع، والمصنف رحمه الله اقتصر على إيراد الأوّل وأجاب بما يبطل عدم الوقوع لأنه يلزم منه إبطال الامتناع، وقوله ليس الإدراك مطلق الرؤية بل على وجه الإحاطة كما أشار إليه أوّلًا، وتوله: (ولا النفي في الآية عامًّا (لأنّ القضية مطلقة لم تقيد بكلية

ولا دوام، ولما كان عموم الأوقات وعموم الأحوال متلازمين لم نجعلهما جوابين. قوله:) فإنه في قوّة قولنا لا كل بصر الخ (يعني الألف واللام للاستغراق

107

والنفي لسلب العموم واحتمال الثاني لا يضرنا لأنه يكفي الاحتمال الأوّل في إبطال الاستدلال، ثم تنزل عن منع الكلية فقال مع أن النفي لا يوجب الامتناع، وقيل عليه لا يخفى إنّ حديث التمذج يدفعه (قلت أليس هذا بمسلم عندنا، وكيف يتمذح بنفي ما أثبته الكتاب والسنة بل إنما ذكر للتخويف بأنه رقيب من حيث لا يرى فليحذر كما أشار إليه الطيبي، وقد روي في تفسير الآية لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة.

قوله: (يحيط علمه بها) قيل الأنسب بالمقام إنه علم بطريق الرؤية، ويجوز تعميمه أيضأ. قوله: (فيدرك ما لا تدركه الأبصار كالأبصار (فهذه الجملة سيقت لوصفه تعالى بما تضمن تعليل قوله وهو يدرك الأبصار فقط على هذا الوجه، ثم إنّ المراد بالإبصار هنا النور الذي يدرك به المبصرات فإنه لا يدركه مدرك بخلاف جرم العين فإنه يرى، أو يقال المراد أنّ كل عين لا ترى نفسها ووقع في نسخة بدل كالإبصار بالإبصار على صيغة المصدر. توله: (ويجوز أن يكون من باب اللف الخ) فإنّ اللطيف يناسب كونه غير مدرك بالفتح والخبير يناسب كونه مدركا بالكسر، وبقوله فيكون اللطيف مستعارًا من مقابل الكثيف فشبه به الخفيّ من الإدراك اندفع ما قيل إنّ المناسب لعدم الإدراك اللطيف المشتق من اللطافة وهو ليس بمراد هنا، وأما اللطيف المشتق من اللطف بمعنى الرأفة فلا يظهر له مناسبة هنا، وفي شرح الأسماء الحسنى لمحمد البهائيّ اللطيف الذي يعامل عباده باللطف وألطافه لا تتناهى ظواهرها وبواطنها في الأولى والآخرة، وان تعذوا نعمة الله لا تحصوها، والله لطيف بعباده يرزق من يشاء، هيأ مصالح الناس من حيث لا يشعرون وأخفى لهم لطفه من حيث لا يعلمون، وقيل اللطيف العليم بالغوامض والدقائق من المعاني والحقائق ولذا يقال للحاذق في صنعته لطيف، ويحتمل أن يكون من اللطافة المقابلة للكنافة، وهو وان كان في ظاهر الاستعمال من أوصاف الجسم لكن اللطافة المطلقة لا توجد في الجسم، لأن الجسمية يلزمها الكنافة وإنما لطافتها بالإضافة فاللطافة المطلقة لا يبعد أن يوصف بها النور المطلق الذي يجل عن إدراك البصائر فضلًا عن الإبصار ويعز عن شعور الإسرار فضلا عن الأفكار، ويتعالى عن مشابهة الصور والأمثال وينزه عن حلول الألوان والإشكال، فانّ كمال اللطافة إنما يكون لمن هذا شأنه ووصف الغير بها لا يكون على الإطلاق، بل بالقياس إلى ما هو دونه في اللطافة ويوصف بالنسبة إليه بالكنافة انتهى.

وهذا يقتضي أنه حقيقة فيه تعالى فتأمّله، والخبير للمبالغة فيه يكون علة، والمقام وان اقتضى ترك العطف لكن المقصود به إثبات هذه الأوصاف والتعليل الذي أشار إليه المصنف

رحمه الله ضمنيّ، وقوله لما لا يدرك بالحاسة أي ليس شأنه ذلك فلا يقال إذا كان اللطيف بمعنى ما لا تدركه الأبصار كيف يعلل الشيء بنفسه فلا يرد هذا كما توهم، وقوله: ولا ينطبع فيها أي لا ينطبع ويرتسم مثاله فيها وإلا فالشيء نفسه لا ينطبع ففيه تسمح، وهذا أحد المذاهب في كيفية الرؤية وتحقيقه في كتب الحكمة والكلام، وقوله: (وهي للنفس الخ) المعروف إنها للقلب كالبصر للعين، وقوله: (تجلى) بمعنى تظهر وتكشف، وقوله: (الدلالة) فجمعه باعتبار أنواعه وقيل المراد آيات القرآن. قوله: (فلنفسه أبصر) قدره غيره فلنفسه الإبصار، وقدّره أبو حيان فيهما بقوله فالإبصار لنفسه أي نفعه وثمرته، ومن عمى فعليها أي فالعمى عليها أي فجدوى العمى عائد على نفسه، والإبصار والعمى كنايتان عن الهدى والضلال، قال: وهذا الذي قدرناه من المصدر وهو الإبصار والعمى أولى لوجهين أحدهما أنّ المحذوف يكون مفردًا لا جملة ويكون الجارّ والمجرور عمدة لا فضلة، وفي تقدير غيره المحذوف جملة والجارّ والمجرور فضلة ولأنه لو كان المقدر فعلا لم تدخله الفاء سواء أكانت شرطية أو موصولة مشبهة بالشرط لأنّ الفعل الماضي إذا لم يكن دعاء ولا جامدًا، ووقع جواب شرط أو خبر مبتدأ مشبه باسم الشرط لم تدخل الفاء في جواب الشرط، ولا في خبر المبتدأ لو قلت من جاءني فأكرمته لم يجز بخلاف تقديرنا، وهو غير وارد، لأنه ليس كالمثال الذي ذكره بل مثاله من جاءني، فلا كرامة جاء إذ تقدم فيه الجارّ والمجرور لإفادة الحصر والجاز والمجرور إذا تقدم على الماضي جاز اقترانه بالفاء، بل قيل: إنها لازمة له كما صرّح به النحرير، والمعرب السفاقسي، ففي هذه المسالة ثلاثة مذاهب المنع، وهو مختار أبي حيان والجواز

108

واللزوم وهو مختار غيره، وفي الدرّ المصون أنّ هذا التقدير سبق الزمخشري إليه غيره من السلف كالكلبي وقوله: فعليها وباله لم يقدر فعليها عمى كما قدره الزمخشري لأنّ عمى لم يعهد تعديه بعلى بخلاف ما قدّره فإنه لا يحتاج إلى تكلف تأويل، وقيل إنه قدّر في إحداهما الفعل وفي الأخرى الاسم إشارة إلى جواز كل من المسلكين، والمراد بالعمى والبصر الهدى والضلال كما أشار إليه المصنف رحمه الله، ومن هذا عرفت أنّ الظرف المقدر متعلقه فعلًا يقع جواب الشرط مع الفاء أو بدونها كما يؤخذ من كلام الزجاج، وقد ردّه في المغني وليس بصواب كما ستراه. قوله: (والله سبحانه وتعالى هو الحفيظ (الحصر مستفاد من تقديم المسند إليه على ما عرف من مذهب الزمخشري من عدم اشتراط الخير الفعلي، وقوله وهذا الخ يعني قد جاءكم بصائر إلى

هنا كما صرّح به في الكشاف لا قوله: ﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ فقط كما قيل وعلى هذا فقل مقدرة كما صرّح به شراح الكشاف، وأمّا ما قيل الورود على لسانه لا يقتضي هذا التقدير، فإنّ منشئ القصيدة على لسان غيره لا يضمر القول فتخيل فاسد، وإنما نظيره ما إذا وصف متكلم نفسه، ثم ذكر ما لا يصح إسناده إليه فإنه لا بد من تقدير الحكاية والا فسد كلامه، واختل نظامه، وقوله مثل ذلك قد مز شرحه. قوله:) وليقولوا الخ) قدر صرفنا ماضيًا والزمخشرفي قدره مضارعا متأخرا قيل لقصد التخصيص، وفيه نظر واللام لام العاقبة وهي مجاز منقول من التعليل ولذا عطف عليه الغرض وجوّز أن يكون على الحقيقة أبو البقاء وغيره لأنّ نزول الآيات لا ضلال الأشقياء وهداية السعداء، قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [سورة البقرة، الآية: 26] وبجوز أن يكون التقدير لينكروا وليقولوا الخ، وقيل هذه اللام للأمر ويؤيده إنه قرئ بسكونها كأنه قيل، وكذلك نصرّف الآيات وليقولوا هم ما يقولون، فإنهم لا احتفال بهم ولا اعتداد بقولهم وهو أمر معناه الوعيد والتهديد وعدم الاكتراث بقولهم، وفي الدرّ المصون فيه نظر لأنّ المعنى على ما قالوه وأيضا فإنّ قوله ولنبينه نص في أنّ اللام لام كي، وأما تسكين اللام في القراءة الشاذة فلا دليل فيها لاحت! مال إنها خففت لإجرائها مجرى كبد، وكونها معترضة ولنبينه متعلق بمقدر معطوف على ما قبله وان صححه لا يخرجه عن كونه خلاف الظاهر، وعبارة الزمخشرفي هنا، وليقولوا جوابه محذوف تقديره وليقولوا درست نصرّفها، ومراده بالجواب المتعلق، وهو اصطلاج منه وقع في مواضمع من كتابه قال المعرب سماه جوابا لأنه يقع جوابا للسائل الذي يقول أين متعلق هذا الجارّ، فلا يرد عليه ما قاله أبو حيان، ولكونه خلاف الظاهر عدل عنه المصنف رحمه الله. قوله: (درست من الدروس الخ) فيه قرا آت ثلاث متواترة وما عداها شاذة فقرأ ابن عامر درست كضربت، وابن كثير وأبو عمرو دارست كقاتلت، والباقون درست أنت كضربت، ومعنى الأولى قدمت وتكرّرت على الإسماع كقوله: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: 25] ومعنى الثانية دارست يا محمد غيرك ممن يعلم الأخبار الماضية، كقوله: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ [سورة النحل، الآية: 103] الآية ومعنى الثا اصة حفظت، واتقنت بالدرس أخبار من مضى كقوله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [سورة الفرقان، الآية: هـ، وقرئ في الشواذ درست ماضيًا مجهولًا، وفسرت بتليت

وعفيت أي الآيات، واعترض! على الثاني بأنّ درس بمعنى انمحى لازم لم يعرف متعديا في اللغة والاستعمال، ورذ بأنه ورد متعديا قال الزبيدي درس الشيء يدرس دروسا عفا ودرسته الريح، وقال النحرير: جاء درس لازما ومتعديًا لمعنيين وقرئ دزست مشددا معلوما وتشديده للتكثير أو للتعدية والتقدير درست غيرك الكتب، وقرئ مشددًا مجهولًا، وقرئ دورست على مجهول فاعل، ودارست بالتأنيث والضمير للآيات أو للجماعة، وقرئ درست بضم الراء والإسناد للآيات مبالغة في محره أو تلاوته لأنّ فعل المضموم للطبائع والغرائز، وقرأ أبيّ رضي الله عنه درس وفاعله ضمير النبيّ ع! ي! أو الكتاب إن كان بمعنى انمحى ودرسن بنون الإناث مخففا ومشددًا، وقرئ دارسات بمعنى قديمات أو بمعنى ذات درس أو دروس كعيشة راضية وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي دارسات، وقراءة المفاعلة إمّا على أنه بمعنى أصل الفعل، أو تأويله بما مرّ تحققه في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ﴾ [سررة البقرة، الآية: 9] . قوله: (اللام على أصله (قال الشريف قدس سرّه: أفعاله تعالى

109