حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 5 · ص 2 - 17

سورة يونس عليه السلام (1 من 4)

ناطق بالحكمة على طريق الاستعارة بالكتابة، واثبات الحكمة قرينة لها تخييلية، والحكمة، وهي الحق والصواب صفة لله لكنه لإشتماله عليها أو لمشابهته للناطق بها وصف بها. قوله: (أو لأنه كلام حكيم) فالمعنى حكيم قائلة فالتجوّز في الإسناد كليله قائم، ونهاره صائم. قوله: (أو محكم آياته لم ينخ شيء منها) أي بكتاب آخر لمنافاته لما سيأتي، وهو عطف بحسب المعنى على ما قبله لأنه في قوّة لأنه مشتمل ففعيل بمعنى مفعل على ما فيه، وهذأ بناء على أنّ المراد بالكتاب السورة وأنه لا منسوخ فيها، والمحكم يقع في مقابلة المتشابه، وفي مقابلة المنسوخ، وكونه إشارة إلى الكتب المتقدّمة من التوراة والإنجيل، والزبور كما قيل بعيد، ولذا تركه المصنف رحمه الله. قوله: (استفهام إنكار للتعجب) في الكشاف الهمزة لإنكار التعجب والتعجيب منه أي لإنكار تعجب الكفار من الإيحاء كما سيذكره والتعجيب السامعين من تعجبهم لوقوعه في غير محله فإن كان مراد المصنف رحمه الله ما ذكره الزمخشري فلام للتعجب صلة الإنكار وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون صفة أي إنكار كائن للتعجب أي لبيان أنه مما يتعجب منه إذ التعجب لا يجري عليه تعالى والجزم بأنه تعريض للزمخشري ومخالفة له دعوى من غير دليل، وتقديم خبر كان لأنه مصبّ الإنكار. قوله: (وقرئ بالرفع) أي برفع عجب على أنه اسم كان وهو نكرة و﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ المعرفة خبره ومن ذهب إلى أنه لا ينبغي الحمل عليه جعل كان تامّة و﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ بدل منه بدل كل من كل أو اشتمال أو بتقدير حرف جرّ أي لأنّ أوحينا أو من أن أوحينا. وهو أظهر من البدلية، وقول المصنف رحمه الله على أنّ الأمر بالعكس أي عكس المعروف في كلام العرب، وهو الإخبار عن المعرفة بالنكرة فيكون هذا ذهابا إلى جوازه مطلقا أو في باب النواسخ مطلقا أو إذا كانت مدخولة للنفي أو ما هو في حكمه كالاستفهام الإنكارقي على ما فصله النحرير في شرح التلخيص، ويحتمل أن يريد بالعكس القلب إمّا على قبوله مطلقا أو إذا تضمن لطيفة فإن وجدت قبل إلا عدل عنه إلى الوجوه الأخر فإن قلت هنا وجه أظهر، وهو أنّ للناس خبر كان وعليه اقتصر في اللوامح فلم تركوه قلت تركوه لأنه ركيك معنى لأنه يفيد إنكار صدوره من الناس لا مطلقا، وفيه ركاكة ظاهرة فتأمّل. قوله:) واللام للدلالة على أنهم الخ) يعني ليس متعلقًا به على طريق المفعولية كقوله:

عجبت لسعي الدهر بيني وبينها

لأنّ معمول المصدر لا يتقدم عله بل هي للبيان كما في هيت لك وسقيا لك فمتعلقها مقدّر، ومنهم من جوّزه بناء على التسمح في الظرف أو لأنه بمعنى المعجب والمصدر إذا كان

بمعنى مفعول أو فاعل يجوز تقديم معموله عليه كما ذكره النحاة، وجوّز أيضا تعلقه بكان، وإن كانت ناقصة بناء على جوازه. قوله: (من أفناء رجالهم) أفناء بفتح الهمزة وسكون الفاء، والنون والمد وهذه العبارة وان استعملت في خمول النسب فليس بمراد لأن نسبه فيهم، وشرفه نار على علم بل المراد أنه ممن لم يشتهر بالجاه، والمال اللذين اعتقدوا أنهما سبب العز والإجلال لجهلهم، وجاهليتهم لأنه قد يستعمل لعدم التعيين مطلقًا أو التعيين كقول أبي تمام:

من مبلغ أفناءيعرب كلها إني بنيت الجارقبل المنزل

يقال هو من أفناء الناس إذا لم يعلم ممن هو قاله الجوهرفي، وتال الأزهريّ عن ابن الأعرابيّ أعفاء الناس وأفناؤهم أخلاطهم الواحد عفو وفنو، وعن أبي حاتم عن أمّ الهيتم هؤلاء من أفناء الناس،. ولا يقال في الواحد هو من أفناء الناس وفسروه بقوم تراع من هاهنا ومن هاهنا، ولم تعرف أمّ الهيتم الإفناء واحدأ والمراد بالخلط إبهام النسب وليس بمراد هنا، ومراد أبي تمام التعميم ومنهم من اعترض على المصنف رحمه الله ومتابعته الزمخشريّ في هذه العبارة، واختار أنّ المراد برجل أنه مشهور بينهم بالجلالة، والعفة والصدق كما قال: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [سورة التوبة، الآية: 28 أ] فإنه محل الإنكار وهو أنسب بالمقام وهو غير ظاهر لأنه وإن كان أعظم مما ذكر لكن السياق يقتضي بيان كفرهم، وتذليلهم وتحقيرهم لمن أعزه الله، وعظمه وما ذكره يناسب القسم الثاني لا الأوّل فقط خلط تفسيرًا بآخر لأن تعجبهم يحتمل أن يكون لكونه ليس له مال وجاه كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [سورة الزخرف، الآية: 31] أو لكونه من البشر كقوله

2

تعالى: ﴿لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [سورة فصلت، الآية: 14] أو لكونه أنذرهم بالبعث الذي أنكروه والمصنف رحمه الله لم يلتفت إلى هذا لبعده عن السياق، وقولهم يتيم أبي طالب لأنه كان معه في صغره، ولم يعرفوا أنّ أنفس الدرّ يتيمه، وقيل للحسن رحمه الله لم جعله الله يتيمًا فقال لئلا يكون لمخلوق عليه منة فإنّ الله هو الذي آواه وأدّبه ورباه، وقوله: (وجهلهم بحقيقة الوحي (لأنه سبحانه يعلم حيث يجعل رسالاته وما عدوه سيئا ليس بشيء يلتفت إلى مثله، وقوله: (هذا) أي الأمر هذا أو خذ هذا، وقوله خفة الحال قد أجاد في التعبير عن قلة المال به لأنه أخف إذ ليس له معه ما يشغله عما أريد منه مع عدم احتياجه إليه، ولذا قيل لبعض المشايخ هل

يقال للنبيّ ﷺ زاهد فقال: ما قدر الدنيا عنده حتى يزهد فيها وقد أرسل الله إليه ملك الجبال في بدء الوحي، وقال: إن شئت جعلتها لك ذهبا وجواهر فلم يطلب ذلك وأنما يطلب الغنى من لا يقدر عليه وقوله وقيل الخ هو التفسير الثاني كما عرفته. قوله: (أن هي المفسرة الخ) أي لمفعوله الإيحاء المقدر وشرطها موجود وهو أن يتقدم عليها ما فيه معنى القول دون حروفه كالإيحاء نحو كتبت إليه أن قم وقوله أو المخففة من الثقيلة على أنّ اسمها ضمير الشأن وفي وقوع الجملة الأمرية الإنشائية خبر الضمير الشأن دون تأويل وتقدير قول اختلاف فذهب صاحب الكشف إلى أنه لا يحتاج إلى ذلك لأنّ المقصود منها التفسير وخالفه النحرير وغيره في ذلك، وذهبوا إلى أنه لا فرق بين خبره وخبر غيره، ولم يذكر احتمال كونها مصدرية حقيقة في الوضع لمنع كثير من النحاة وصلها بالأمر والنهي، وذكره أبو حيان هنا بناء على جوازه مع أنه نقل عنه في المغني أنّ مذهبه المنع بناء على أنه يفوت معنى الأمر إذا سبك بالمصدر، واعترض! بأنه يفوت معنى المضيّ، والحالية والاستقبال المقصود أيضا مع الاتفاق على جوازه، وقد يقال إن بينهما فرقًا فإنّ المصدر يدلّ على الزمان التزامًا فقد تنصب عليه قرينة فلا يفوت معناه بالكلية بخلاف الأمر فإنه لا دلالة للمصدر عليه أصلا، وقد مرّ ما ذهب إليه بعض المدققين من أنّ المصدر كما يجعل ويسبك من جوهر الكلمة فيجوز أخذه من الهيئة، وما يتبعها فيقدر في هذا، ونحوه أوحينا إليه الأمر بالإنذار كما قدر في لا تزني خير عدم الزنا خير، ومنهم من ذكر هذا بحثا من عنده مع أنّ هذا مشترك في الالتزام، والجواب مع أنّ المفتوحة المشددّة لأنها مصدرية أيضا، وقوله فتكون الخ تفريع على الوجه الثاني، وعلى الأؤل مفعوله مقدر وهذه الجملة مفسرة لا محل لها من الإعراب كما مز. قوله: (عمم الإنذار الخ (أي حيث قال الناس دون المؤمنين، والكافرين، ولا مانع من الاستغراق العرفي أي كل أحد ممن يقدر على تبليغه إذ تبليغ جميع أهل عصره غير ممكن له، وإليه يشير قول المصنف رحمه الله إذ قلما من أحد الخ فلا وجه للاعتراض بأنّ الاستغراق المفهوم من كلامه غير صحيح لأنّ تبليغ الإنذار إلى كل من في عصره ليس في وسعه ولا حاجة إلى دفعه بأنه لم يرد الاستغراق، وإنما قصد المبالغة، وأفا تبشير الكافرين إن آمنوا فراجع إلى تبشير المؤمنين، وقيل إنّ في المؤمنين عموم الخبر به، وهو شموله للثقلين، واعترض! على قوله في المغني أنّ أبا حيان منع وصل أن المصدرية بالأمر بأنه جوّزه هنا، وفي سورة النحل. قوله:) سابقة ومنزلة رفيعة الخ) في الكشاف أي سابقة، وفضلًا ومنزلة رفيعة سميت قدما لما كان السعي، والسبق بالقدم سميت المسعاة الجميلة قدما كما سميت النعمة يدًا لأنها تعطى باليد وباعا لأنّ صاحبها يبوع بها فقيل

لفلان قدم في الخير والسابقة هنا مصدر بوزن فاعلة بمعنى السبق، والسبق كالتقدم بمعنى فضلهم على غيرهم لما خصوا به من سائر الأمم فالقدم مجاز مرسل عن السبق لكونها سببه وآلته، والسبق مجاز عن الفضل والتقدم المعنوي إلى المنازل الرفيعة فهو مجاز بمرتبتين، وقيل المراد تقدمهم على غيرهم في دخول الجنة لقوله ﷺ: " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة " وقيل تقدمهم في البعث، وقيل سابقة اسم فاعل أي سعادة سابقة في اللوج أو شفاعة سابقة، وفي الكشاف وجه آخر، وهو أنّ قدم صدق بمعنى مقام صدق كمقعد صدق بإطلاق الحال، وارادة الحال، وليس هذا معنى قوله منزلة رفيعة كما توهم حتى يلزم جمع المعاني المجازية، وظاهر. أنّ القدم يطلق على السبق مطلقا كما تطلق اليد على

3

النعمة، والعين على الجاسوس، والرأس على الرئيس، وقال صاحب الانتصاف لم يسموا سابقة السوء قدما إمّا لكون المجاز لا يطرد أو لأنه غلب في العرف عليه. قوله: (وإضافتها إلى الصدق) أصل الصدق في الأقوال قال الراغب: ويستعمل في الأفعال فيقال صدق في القتال إذا وافاه حقه، وكذا في ضدّه يقال كذب فيه فيعبر به عن كل فعل فاضل ظاهرًا، وباطنا، ويضاف إليه كمقعد صدق، ومدخل صدق، ومخرج صدق، وقدم صدق، ولسان صدق في قوله، واجعل لي لسان صدق سأل أن يجعله الله صالحأ بحيث إذا أثنى عليه لم يكن كذبا كما قال:

إذانحن أثنينا عليك بصالح فأنت كما تثني وفوق الذي نثني

فإضافته من إضافة الموصوف إلى صفته، وأصله قدم صدق أي محققة مقرّرة لما عرفت

من معناه، وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق، ثم جعل الصدق كأنه صاحبها، وهذا من منطوقه، وقوله والتنبيه الخ أي تنبيه على أنهم إنما نالوا تلك السابقة بصدقهم ظاهرًا وباطنًا، واعترض! عليه بأنه إنما يحصل هذا إذا كانت الإضافة من إضافة المسبب إلى السبب إلا أن يكون في التنبيه إشارة إلى احتمالها لها، ويدفع بأنه لا حاجة إلى ما ذكر لأنّ الصدق إنما تجوّز به عن توفية الأمور الفاضلة حقها للزوم الصدق لها حتى كأنها لا توجد بدونه ويكفي مثله في ذلك التنبيه، وهذا كما أنّ أبا لهب يشعر بأنه جهنمي. قوله: (يعنون الكتاب الخ) يعني الإشارة إلى

الكتاب السابق ذكره، وعلى قراءة لساحر الإشارة إلى رجل، وقوله وفيه اعتراف الخ لأنّ السحر خارق للعادة، وقال النحرير لأنّ قولهم إنّ هذا لسحر المراد به الحاصل بالمصدر وهم كاذبون في ذلك عند أنفسهم أيضا، وبهذأ الاعتبار يكون دليل عجزهم لأنّ التعجب أوّلًا ثم التكلم بما هو معلوم الانتفاء قطعا حتى عند نفس المعارض دأب العاجز المفحم، وما قيل عليه أنه لا دخل لتعجبهم فيه فالأولى تركه ليس بشيء. قوله:) التي هـ! أصول الممكنات) إنما فسر به بيانا لحكمة تقديمها، وكونها أصولًا لأنّ السماء جارية مجرى الفاعل، والأرض مجرى القابل، وبإيصال الكواكب اختلاف الفصول، ويكون م! فيها على ما قزره الحكماء وقد تقدم تفصيله وقوله تعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [سورة الأعراف، الآية: 54] قيل هي مدة مساوية لأيام الدنيا، وقيل هي بالمعنى اللغوفي، وهو مطلق الوقت وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها من أيام الآخرة 10 لتي هي كألف سنة مما تعدون قيل، والأوّل أنسب بالمقام لما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة بخلق هذه الأجرام العظيمة في مثل تلك المدّة اليسيرة، ولأنه تعريف لنا بما نعرفه، وقوله استوى إمّا بمعنى استوى أمرد، وتمّ أو استولى فيرجع إلى صفة القدرة، وقيل إنه صفة غير الثمانية لا يعلم ما هي، وقيل إنه مما اشتبه فيتوقف فيه كما فصل في محله، والعرش تقدم أنه الجسم المحيط بجميع الكائنات أو الملك أو شيء غير ذلك. قوله: (يقدّر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته الخ) يعني تعريف الأمر للعهد، والمراد أمر الكائنات، وتدبيرها بمعنى تقديرها جارية على مقتضى الحكمة، وأمّا ما سيذكره فهو معناه اللغوفي، وقوله وسبقت به كلمته أي قضاؤه كما في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: 115] وجملة يدبر استئنافية لبيان حكمة استوائه على العرس وتقرير لعظمته، وقوله ويهيئ بتحريكه أي بسبب تحريك العرس، وفلك الأفلاك أسباب ذلك لأنّ بحركته تحريك غيره ولذا اقتصر عليه. قوله: (والتدببر النظر الخ (وجه لاشتقاقه، وبيان لحقيقته، وقوله تقرير لعظمته لأنها علمت من خلق المخلوقات العظام فقرّر ذلك بأنه لعز جلاله لا يجسر أحد على الشفاعة عنده بغير إذن فالتقدير لا شفاعة لشفيع، وهو تعليم للعباد أنهم إذا فعلوا شيئا يتأنون والا فهو سبحانه وتعالى قادر على خلقها دفعة في آن واحد، وعدل عن قول الزمخشريّ يدبر يقضي، ويقدّر على حسب مقتضى الحكمة، ويفعل ما يفعل المتحريّ للصواب الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يلقاه ما يكره آخرًا انتهى لأنه كما قيل خطأ لفظا، ومعنى فإنه لا يجوز إطلاق التحرّي على الله، ولا يمثل فعل الله به، ولأنه مبنيّ على رأيه، وهي قاعدة فاسدة عند أهل السنة. قوله: (وردّ على من زعم أنّ اكهتهم تشفع الخ) قيل هذا الردّ غير تامّ لأنهم لما ادعوا شفاعتها قد يدعون الإذن

لها فكيف يتمّ هذا الرذ، ولا دلالة فيها على أنهم لا يؤذن لهم

4

وما قيل إنها دعوى غير مسلمة واحتمالها غير مجد لا فائدة فيه إلا أن يقال مراده أن الأصنام لا تدرك ولا تنطق فكونها ليس من شأنها أن يؤذن لها بديهيّ، وأما إثبات الشفاعة لمن أذن له فمعلوم من الكلام لأنه لو كان المراد نفي الشفيع مطلقأ قيل لا شفيع والمراد الشفاعة المقبولة، وهي شفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأخبار. قوله:) أي الموصوف بتلك الصفات الخ (يعني الإشارة إلى الذات الموصوفة بتلك الصفات المقتضية لاستحقاق ما أخبر به عنه وإذا كان وجه ثبوت ذلك له ما ذكر مما لا يوجد في غيره اقتضى انحصاره فيه وأنه لا رلث غيره ولا معبود سواه فاتضح معنى قوله لا غير، وقوله: فاعبدوه وحدوه لكن قوله للألوهية يقتضي أن الجلالة الكريمة خبر لا صفة فلذا قيل الأظهر تأخيرها لأنّ ما ذكر تفسير لاسم الإشارة. قوله: الا غير (أي لا وست غيره، وقيل إنه وقع في النسخ بدون ضمير فيقتضي قصر الموصوف على الصفة قصرًا إضافيا قلا يلائم تعليله، وأفا كون انتفاء السبب الخاص لا يقتضي انتفاء سبب آخو للربوبية فليس بشيء لأنّ ما ذكر من لوازم الألوهية فهي لا توجد بدونه، والقصر من تعريف الطرقين ومن فحواه لأن تلك المقتضيات لا توجد في غيره، وقيل إنه حمله على القصر مع انتفاء أداته لئلا يلزم التكرار فإن ما قبله داذ على ثبوت الربوبية مع عدم المنكر لها فتأقل. قوله:) وحدوه بالعبادة (قد أشرنا إلى أن التخصيص من ترتيب الأمر بالعبادة على اختصاص الربوبية، وأيضا أصل العبادة ثابت لهم فيحمل الأمر به على ما ذكر ليفيد وفيه نظر. قوله:) تتفكرون أدنى تفكر الخ) يريد أنه كالمعلوم الذي لا يفتقر إلى فكر تاتم، ونظر كامل بل إلى مجرّد التفات وأخطار بالبال، وهذا بيان لإيثار تذكرون على تفكرون وان كان هو المراد ولذا فسر به وجعل المتذكر هو ما سبق من استحقاقه لما ذكر والمنبه عليه ذلك، وخطؤهم فيما هم عليه المشار إليه بقوله لا ما تعبدنه فلا فرق بين كلامه، وكلام الكشاف كما توهم. قوله: (بالموت أو النشور (وفي نسخة والبعث وفي أخرى والنشور والحصر المذكور مستفاد من تقديم إليه وقيل عليه إنه لا يناسب ما سيأتي من أن قوله: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ الخ كالتعليل لقوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ فالحق ما وقع في النسخة الأخرى والبعث بالواو وفيه نظر يعلم مما سيأتي. قوله: (مصدر مؤكد لنفسه الخ) المصدر إذا أكد مضمون جملة تدذ على معناه فإن كانت نصا فيه لا تحتمل غيره فهو يسمى في اصطلاج النحاة مؤكدًا لنفسه نحو له عليّ ألف اعترافا، وإن احتمله وغيره نحو زيد قائم حقًا فهو مؤكد لغيره ولا بد له من عامل محذوف فيهما، وتفصيله ووجه الشمية مفصل

في النحو- قوله: (مصدر آخر مؤكد لفيره) قد عرفت معنى المؤكد لنفسه، وغيره وهنا لما كان الوعد يححمل الحقية والتخلف كان مؤكدا لغيره مما تضمنته جملة المصدر وعامله المقدر، وقيل انتصماب حقا بوعد على تقدير في لشبهه بالظرف كقوله:

أفي الحق إني هائم بك مغرم

وما ذهب إليه المصنف رحمه الله أظهر. قوله: (بعد بدئه وإهلاكه الخ) يعني أنّ معنى

قوله يبدؤهـ االخلق ثم يعيده إعادته بعد بدئه واهلاكه لأنه بيان للموعود به، والموعود به الإعادة وإنما ذكر البدء، والإهلاك لتوقف الإعادة عليهما إذ معناها وجود ثان لما وجد أوّلًا بعد فنائه فتدبر. قوله: (أي بمدله أو بعدالتهم الخ (يعني أنّ الألف، واللام عوض! عن الضمير المضاف إليه، وهو إمّا ضممير الله أو ضمير المؤمنين فالمعنى بعدله أو بعدالتهم ويرجح الثاني بأنه أوفق بما يقابله من قوله بكفرهم فيعلل جزاء المؤمنين بإيمانهم، وهو المقصود من القسط لأنّ الكفر ظلم عظيم، وأيضا لا وجه لتخصيص العدل بجزاء المؤمنين بل جزاء الكافرين أولى به لما اشتهر أنّ الثواب بففمله، والعقاب بعدله، وقوله وقيامهم على العدل تفسير لعدالتهم بالقيام على العدل في الأعمال الظاهرة فيدخل فيه الإيمان وعلى ما بعده يخص بالإيمان، ورجحوه لما مرّ. قوله: (فإن معناه الخ) المبالغة في اسنحقاق العقاب بجعله حقًا مقرّرًا لهم كما تفيده اللام، ولم يجعل عك وجعل الثواب علة إشارة إلى أنه المقصود، وأمّا العقاب فهو بكسبهم وليس مقصودًا له تعالى بالذات بل بالعرض، ولذا قال تعالى: <سبقت رحمتي غضبي >، وقوله من الإبداء والإكلادة يقتضي تعلق ليجزي بهما على التنازع، وقيل الأظهر تعلقه بيعيده فقط وقوله وأنه

5

تعالى يتولى الخ، يعني لم يذكر الجزاء إشارة إلى أنه أمر عظيم لا تحيط به العبارة خصوصًا وقد جعل ذاته الكريمة هي الجازية فإنّ العظيم لا يتولى بنفسه إلا الأمر العظيم، ثماليه أشار بقرله يتولى ففي كلامه إدماج لمعنى آخر.

قوله: (والآية كالتعليل لقوله إليه مرجعكم الخ (جريا على ما اطرد في استعمال الجملة

المصدّرة بأنّ كتوبوا إنه غفور رحيم وكونها تعليلًا أو كالتعليل لإخفاء فيه وإنما الكلام في المعلل هل هو كون المرجع إليه أو كونه لا مرجع إلا إليه فالظاهر هو الثاني كما أشار إليه النحرير في شرحه والمعنى مرجعكم إلى الله لا إلى غيره، وإنما أرجعكم إليه ليجازيكم بما يليق بكم واستة، دة الحصر من المعلل ظاهرة ومن العلة لأنّ البدء والإعادة معلومة الانتفاء عن غيره عقلا فلا حاجة إلى أن يعتبر في الكلام ما يدل على الحصر حتى يتكلف له ما تكلفه من تعسف بما لا يليق ذكره. قوله: (ويؤيده قراءة من قرأ أنه الخ) أي بالفتح بتقدير لام التعليل فهو صريح فيما ذكر وجوّز فيه أن يكون منصوبًا بوعد مفعولًا له أو مرفوعا بحقا فاعلا له وكلامه يحتمل أن يكون وعد وحق هما العاملان في المصدرين المذكورين وأن يكونا فعلين آخرين مقدّرين بدلالة ما قبلهما عليهما فإن كان المراد الأوّل فالمصدران ليسا للتأكيد ويكون هذا إعرابًا آخر لأن فاعل العامل في المصدر المؤكد لا بد أن يكون عائدًا على ما تقدمه مما أكده فالمعنى وعد الرجوع إليه، وحق الوعد، وان كان الثاني فهو ظاهر ثم إن التعليل المذكور لا يناسب كون المراد بالمرجع الموت فإمّا أن يكون هذا إشارة إلى أنّ تفسيره الثاني هو المرضيّ عنده أو يكون الصحيح نسخة العطف بالواو كما مز التنبيه عليه. قوله: (ذات ضياء وهو مصدر الخ (يعني هو على تقدير مضاف أو جعلها نفس الضياء مبالغة كما أشار إليه في نورًا، وانقلاب الواو ياء لانكسار ما فبلها وأمّا همزة فعلى القلب المكاني فلما وقعت الواو أو الياء المنقلبة عنها متطرفة بعد مذة قلبت همزة ابتدأء أو بعد قلبها ألفًا كما هو معروف في التصريف، وكونه جمعا بعيد، ولأنّ تقابله بنور ألا يقتضيه كما قيل، وخالفه أبو عليّ في الحجة فقال كونه جمعًا كحوض، وحياض أقيس من جعله مصدرًا كقيام فهما قولان، وإنما كان أقدر لأنّ المصدر يجري على فعله في الصحة، والاعتلال انتهى، وقوله في كل القرآن هذه رواية، وقد قال بعض القرّاء أنها لم تصح، وقيل إنما قرأ بها هنا، وفي سورة الأنبياء القصص. قوله: (أو سمي نورًا للميالفة الخ) معناه ظاهر لكنه في نسخة أو فيكون فيه وجهان، وفي نسخة بالواو والأولى أظهر، وقوله، وهو أعمّ من الضوء كما عرفت أي في أوّل سورة البقرة بناء على أنه ما قوي من النور، والنور شامل للقوي والضعيف، وعلى القول الثاني هما متباينان فما كان بالذات كالشمس، والنار فهو ضوء، وما كان بالعرض فهو نور ولذا غاير بينهما في النظم، واليه أشار

بقوله نبه الخ، وكونه بمقابلة الشمس، والاكتساب منها لا يؤخذ من النظم، وإنما هو من دليل آخر، وذكره تتميما للفائدة، وقوله خلق يشعر بأن جعل بمعنى خلق فضياء ونورًا حال، وقد مرّ التفصيل في الضوء، والنور بما لا مزيد عليه، وأنه إذا كان أبلغ فلم قيل الله نور السماوات والأرض، ولم يقل ضياؤها، والجواب عنه، وقد ذكر في وجهه هنا أنّ المقصود تشبيه هد 51 الذي نصبه للناس بالنور الموجود في الليل، وأثناء الظلام، والمعنى أنه جعل هداه كالنور في الظلام فيهدي قوما ويضل آخرون، ولو جعله كالضياء جمثل الشمس التي لا يبقى معها ظلام لم يضل أحد، وليس كذلك فتأمّل. قوله: (قدّر مسير كل واحد منهما الخ) يعني الضمير لهما بتأويل كل واحد منهما أو للقمر، وخص بما ذكر لسرعة سيره لأنّ ما تقطعه الشمس في سنة يقطعه هو في شهر ولأنّ منازله معلومة محسوسة، وأحكام الشرع منوطة به في اكثر فلا يضرّ ما قيل إن العنين يؤجل سنة شمسية، وقوله حساب الأوقات بالنصب إشارة إلى عطفه على عدد لا على السنين بالجرّ، وهو القراءة وتقدير مضاف، وهو سير يقتضي أن منازل منصوب على الظرفية أو الحالية، وقيل أصله قدر له منازل فهو مفعول به، وقوله ولذلك أي لكونه مخصوصًا بالقمر لأنّ علم ذلك إنما هو به، وليست الإشارة إلى كون الأحكام منوطة به حتى يمنع، وليس ذكر الأيام في تفسير الحساب بناء على عود الضمير للشمس كما توهم. قوله: " لا متلبسًا بالحق (يعني أن الباء

6

للملابسة، وهو حال، والحق خلاف الباطل، وهو الصواب أي لم يخلقه باطلا وعبثًا، وقوله مراعيًا تفسير له أي أوح خواص وقوى منتظمة بمصالح العالم السفليّ، وقوله على وجود الصانع إشارة إلى أن الآيات بمعنى الدلائل، وقيل هي آيات القرآن، وتفصيلها نزولها مفصلة منجمة مبينة ل! ما يلزم، وقوله فإنهم المنتفعون حمله على العلماء، وخصهم لما ذكر ولم يجعله بمعنى العقلاء، وذوي العلم لعمومه كما قيل لأن هذا أبلغ كقوله: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [سورة النازعات، الآية: 45] وقوله: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سورة يونس، الآية: 6، مرّ تفسيره في سورة آل عمران. قوله: (لا يتوقعوئه لإنكارهم البعث الخ) قالوا الرجاء يطلق بمعنى توقع الخير، وهو الأصل كالأمل، ويطلق على

الخوف، وتوقع الشرّ، ويطلق على مطلق التوقع، وهو في الأوّل حقيقة، وفي الآخرين مجاز، وجوّز الزمخشري فيه هنا الوجوه الثلاثة، واقتصر المصنف رحمه الله على معنى التوقع لأنه أنسب بالمقام، وقيل لعدم احتياجه إلى تقدير مضاف كحسن أو سوء، وقال الإمام حمل الرجاء على الخوف بعيد لأنّ تفسير الضد بالضد غير جائز يعني في غير الاستعارة التهكمية، والتهكم غير مراد هنا كما يشعر به قوله تفسير دون استعارة فمن ردّه بذلك لم يصب مع أنّ الإمام رحمه الله لا يسلم له ما قاله فإنه ورد في استعمالهم، وذكره الإمام الراغب والمرزوقيّ، وأنشدوا شاهدآ له قول أبي ذؤيب:

إذالسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل

قال الراغب وجهه أنّ الرجاء والخوف متلازمان، واعترض على المصنف رحمه الله بأنّ تفسيره لا ينتظم مع تعليل قرينه فالمراد لا يخافونه لاعتمادهم على شفعائهم فإن قوله لغفلتهم لا يتمشى مع الإنكار، وليس بوارد لأنه يعني أنهم غفلوا وذهلوا عن الأدلة وما يرشدهم إلى العلم بها حتى أنكروا، والتفسير بذلك إيماء إلى ظهورها حتى كأنها حاضرة عندهم وإنما عرض لهم ذهول وغفلة فتدبر وقوله من الآخرة أي بدلًا عنها لأنّ مجرّد الرضا بها مع عدم ترك الآخرة ليس بذم، وهو تفسير له بما وقع في النظم في قوله أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، وجملة رضوا معطوفة على الصلة أو حالية بتقدير يرقد. قوله: (وسكنوا إليها الخ (حقيقة الطمأنينة سكون بعد انزعاج كما قاله الراغب رحمه الله فالاطمئنان إما بمعنى السكون بسبب زينتها وزخارفها فالباء سببية أو ظرفية بمعنى سكنوا فيها سكونا خاصا، وهو سكون من لا يرحل ولا ينزعج لزعمهم أنه لا حياة غيرها وقوله مقصرين كان حقه أن يقول قاصرين لأنّ أقصر معناه كف مع القدرة لا بمعنى الاقتصار الذي عناه. قوله: (لا يتفكرون فيها لانهماكهم الخ الما كان الغافلون، والذين لا يرجون عبارة عما هو متحد الذات أشار إلى أنه من عطف الصفة على الصفة تنبيهًا على أنهم جامعون بينهما وأن كل واحدة منهما متميزة مستقلة صالحة لأن تكون منشأ للذم والوعيد كما في الكشاف، وهو أولى مما ذكره المصنف رحمه الله فإنه يفهم من ظاهره أنّ كلًا منهما غير موجب للوعيد بالاستقلال بل الموجب له المجموع، وهؤلاء هم المنكرون للبعث على هذا الوجه، ولما صح أن تكون الثانية سببأ للأولى قال في الكشاف، ولا يخطرونه ببالهم لغفلتهم فوكل الترتيب إلى ذهن الذكيّ، وفي كلام المصنف رحمه الله ًا يضًا إشارة إليه. قوله:) وإمّا لتغاير الفريقين الخ) أي هما فريقان من الكفرة متغايران فلذا عطفا

فالأوّل المشركون المنكرون للاخرة، والثاني أهل الكتاب مثلا الذين ألهاهم حبّ الدنيا والرياسة عن الإيمان والاستعداد للآخرة، وقوله بما واظبوا أي داوموا واستمرّوا والاستمرار التجدّدي من المضارع لا سيما إذا اقترن بكان فإنه كالصريح فيه، والتمرّن التدرّب والاعتياد. قوله:) بسبب إيمانهم الخ (قدر متعلق الهداية ما ذيهر، وقدره تارة بإلى وتارة باللام لتعديه بهما كما أنه يتعذى بنفسه، والتقدير الأوّل والأخير يدل عليه قوله بعده: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ﴾ الخ لأنه بيان له يعني أنّ عملهم، وايمانهم يكون نورًا بين أيديهم يقودهم إلى الجنة أو أنهم بذلك تنجلي بصيرتهم وينكشف لهم حقائق الأمور أو لما يريدونه من النعيم أو غيره في الجنة. قوله: (" من عمل بما علم " الخ) هذا يقتضي أنّ العمل هو المورّث لما ذكر لا مجموع الإيمان والعمل حتى ينافي ما سيذكره كما توهم. قوله:) ومفهوم الترتيب وإن دل على أنّ السبب الهداية

7

الخ) هذا ردّ لما في الكشاف من أن الآية دلت على أنّ الإيمان المعتبر في الهداية إلى الجنة هو المقيد بالعمل الصالح لا المطلق لأنه جعل الصلة مجموع الأمرين كأنه قال إنّ الذين جمعوا بين الإيمان، والعمل الصالح يهديهم ربهم، ثم قال بإيمانهم أي المقرون بالعمل فرأى بعضهم وتبعه المصنف رحمه الله أنه مبنيّ على الاعتزال، وخلود غير الصالح في النار ولا دلالة فيها على ما ذكره لأنه جعل سبب الهداية إلى الجنة مطلق الإيمان وأمّا أن إضافته إلى ضمير الصالحين تقتضي أخذ الصلاح قيدًا في التسبب فممنوع فإنّ الضمير يعود على الذوات بقطع النظر عن الصفات، وأيضا فإن كون الصلة علة للخبر في نحو الذي يؤمن يدخل الجنة بطريق المفهوم فلا يعارض! السبب الصريح المنطوق، وليس كلى خبر عن الموصول يلزم فيه ذلك نحو الذي كان معنا أمس فعل كذا كما فصل في المعاني، وقد ردّ هذا بأنّ الجمع بين العمل الصالح والإيمان ظاهر في أنهما السبب والتصريح بسببية الإيمان المضاف إلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالتنصيص على أنه ذلك الإيمان المقرون بما معه لا المطلق لكنه ذكر لأصالته وزيادة شرفه فلا استدراك، ولا دلالة على استقلاله، ثم إنّ النزاع إنما هو في سبب الهدأية إلى

طريق الجنة لا إلى الاستقامة على سلوك السبيل المؤدّي إلى الثواب وأنّ من لا يكون مهتديا إلى الجنة لا يدخل الجنة مطلقا، ومنعه مكابرة فتدبر. قوله: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ أي من تحت منازلهم أو بين أيديهم، وقوله استئناف أي نحويّ أو بيانيّ فلا محل له من الإعراب، وقوله على المعنى الأخير لعدم المقارنة في الأوّلين وان صح أن يكون حالأ منتظرة لكنه خلاف الظاهر، وقوله خبر أي ثالث، وقوله أو حال أخرى منه أي من مفعول يهديهم فتكون حالًا مترادفة أو من الأنهار فهي متداخلة، وقوله أو بيهدي أي على الأخير. قوله: (أي دعاؤهم الخ) الدعوى مشهورة في الادّعاء لكنها وردت بمعنى الدعاء أيضا، وهو المراد هنا بقرينة ما بعده لأنه من جنس الدعاء وتكون أيضا بمعنى العبادة وقد جوّز إرادته هنا، وان كانت الجنة ليست دار تكليف أي لا عبادة لهم غير هذا القول والمراد نفي التكليف كقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ [سررة الأنفال، الآية: 35] والأوّل أظهر فلذا اختاره المصنف والثاني أدق أو المراد أنه عبادة لهم تلذذًا لا تكليفا. قوله: (اللهئم إنا نسبحك الخ) أشار به إلى أنّ سبحان مصدر بمعنى التسبيح، وعامله محذوف، وقدّرها اسمية وقدم اللهمّ مع أنه مؤخر بناء على أنّ النداء يقدم على الدعاء لكنه استعمل مع سبحانك كذلك أمّا جعلها اسمية فلأنه أبلغ بقرينة أن الجمل التي بعدها كذلك، وأفا التأخير فلأنّ التنزيه تخلية عن جميع النقائص، وفي النداء ربما يتوهم ترك الأدب. قوله: (ما يحى به بعضهم بعضًا الخ (اختلف في إضافة هدّا المصدر وهو تحية فقيل إنه مضاف لفاعله أي تحيتهم بتقدير مضاف أي تحية بعضهم بعضًا آخرًا والبعض المقدر مفعول والفاعل محذوف وكلام المصنف رحمه الله يحتملهما، وأما على كون المحيي الملائكة عليهم الصلاة والسلام فهو مضاف للمفعول لا غير وكذا إذا كان المحي هو الله سبحانه وتعالى كما في الكشاف، وستأتي الإشارة إليه في كلام المصنف رحمه الله، وقيل يجوز أن يكون مما أضيف فيه المصدر لفاعله ومفعوله معا إذا كان المعنى يحيي بعضهم بعضا كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: 78] حيث أضيف لداود وسليمان عليهما الصلاة والسلام وغيرهما وهما حاكمان ومعهما المحكوم عليهم قيل وهذا مبني على أنه هل يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز أم لا فان قلنا نعم جاز ذلك لأنّ إضافة المصدر لفاعله حقيقة ولمفعوله مجاز، ومن منع ذلك أجاب بأنّ أقل الجمع اثنان فلذلك قال لحكمهم، وقد مرّ أنّ الخلاف في ذلك إذا كان المجاز لغويا وأفا إذا كان عقليا فلا خلاف في جوازه ونظير. ما قيل في حب الهرّة من الإيمان أن المراد أن تحب الهرّة أو تحبك الهرّة

وقيل المراد حث الهزة مطلقا سواء كان منها أو لها، وقيل لم يقصد بالإضافة إلى الفاعل والمفعول النظر إلى ذلك بل قطع النظر عنه، ومعناه التحية الكائنة فيما بينهم والضمير على كل حال للمؤمنين وعلى كل حال لا يخفى ما فيه، ولما رآه السفاقسيئ مشكلأ قال إنه مصدر مضان للمجموع لا على سبيل العمل فكان كما قيل:

ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر

قوله:) أي أن يقولوا ذلك الخ (فسره بالمصدر لأن المبتدأ آخر

8

المضاف إلى المصدر فيكون بعضًا منه فلا يقال إنه لا ضرورة لتأويله بالمصدر، والدعاء مقول لهم لا قول. قوله:) ولعل المعنى أئهم الخ) يعني أن لدعائهم أوّلًا وآخرًا فأوّله سبحانك اللهمّ، وآخره الحمد دلّه رلمحت العالمين وذلك أنهم إذا دخلوا الجنة ترقوا في معرفته تعالى، ومعرفة كنه ذاته غير ممكن فالغاية القصوى معرفة صفاته وهي إئا سلبية وتسمى بصفات الجلال وافا غيرها وتسمى بصفات اجمرام وبه فسر قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن، الآية: 78] والأولى متقدمة على الثانية فلذا قدم قوله سبحانك، وأخر النداء أيضًا مع تقدمه في نحوه إشارة إلى ترقيهم في معرفة صفات الجلال، ثم قيل الحمد لله إشارة إلى ترقيهم في صفات الإكرام، وقوله أو الله تعالى إشارة إلى الوجه الآخر، وهو أن يكون تحية مضافا للمفعول والفاعل هو الله كما صرّج به الزمخشري فيما تقدّم وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [سورة يس، الآية: 58] . قوله:) وأن هي المخففة من الثقيلة الخ) واسمها ضمير الشان محذوف، والجملة الاسمية خبرها وأن ومعمولاها خبر المبتدأ وليست مفسرة لفقد شرطها ولا زائدة كما قيل وقراءة مجاهد وقتادة ويعقوب وغيرهم بتشديدها ونصب الحمد تدذ على ذلك وعذى يسرع بنفسه حملا له على يعجل. قوله:) وضع موضع تعجيله الخ (قال سيبويه التقدير لو يعجل الله للناس الشرّ تعجيلا مثل تعجيلهم الخير، ثم حذف تعجيلا وأقيمت صفته مقامه ثم حذفت الصفة وأقيم ما أضيفت إليه مقامها كاسأل القرية انتهى، وفي الكشاف وضحع استعجالهم

بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعارًا بسرعة إجابته لهم، واسعافه بطلبتهم حتى كان استعجالهم بالخير تعجيل لهم والمراد أهل مكة، وقولهم فأمطر علينا حجارة من السماء، وفي الانتصاف هذا من تنبيهاته الحسنة الدالة على دقة نظره إذ لا يكاد يوضع مصدر مؤكد مقارنا لغير فعله في الكتاب العزيز بدون هذه الفائدة الجليلة والنحاة يقولون فيه أجري المصدر على فعل مقدر دل عليه المذكور، ولا يزيدون عليه وإذا راجع الفطن قريحته وناجى فكرته علم أنه إنما قرن بغير فعله لفائدة ففي قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [سورة نوح، الآية: 17] التنبيه على نفوذ القدرة في المقدور وسرعة إمضاء حكمها حتى كان إنبات الله لهم نفس نباتهم أي إذا وجد الإنبات وجد النبات حتمًا حتى كان أحدهما عين الآخر فقرن به، وقال المدقق في الكشف أنه إشعار بسرعة إجابته لهم حتى كأنّ استعجالهم بالخير عين تعجيله لا يتأخر عنه، وهذا كما قيل في قوله فانفجرت أنه دالّ على سرعة الامتثال كأنّ الانفجار ترتب على نفس الأمر فما قيل أنّ مدلول عجل غير مدلول استعجل لأن عجل يدلّ على الوقوع، واستعجل على طلب التعجيل وذلك واقع من الله، وهذا مضاف إليهم فلا يصح ما ذكر بل لا بدّ أن يقدر تعجيلًا مثل استعجالهم أي ولو يعجل الله للناس الشرّ إذا استعجلوه استعجالهم بالخير من قلة التدبر وكذا دفعه بأنّ استفعل ليس للطلب بل هو كاستقرّ بمعنى أقرّ، وقد علم من كلام المصنف رحمه الله تعالى دفع ما توهموه لأنه لا بد فيه من تقدير ولكن طيه لدلالة المذكور عليه حتى كأنه مذكور بذكره إفادة النكتة المذكورة ولذا عده في البيان من إيجاز الحذف وشبهه المدقق بالفاء الفصيحة حتى أنه لو سمى المصدر الفصيح حسن ذلك وقد أطال بعضهم هنا بغير طائل مما رأينا تركه خيرًا منه فقول المصنف رحمه الله تعالى وضع أي حل محله بعد حذفه، وقوله في الخير لأنه مشبه به فهو ثابت بخلاف تعجيل الشرّ فإنه في حيز لو منفيّ وقوله: (المراد شرّ استعجلوه) يؤخذ مما سيقدره وبقية كلامه ظاهر إلا أنه قيل لو طرج قوله تعجيله للخير من البين كان أولى، وقوله لأميتوا وهلكوا لأنّ معنى قضى إليه أجله أنهى إليه مذته التي قدر فيها موته فهلك، وعلى قراءة قضينا الضمير فيه لله أيضا وفيه التفات. قوله: (عطف على فعل محذوف الخ) يعني أنه لا يصح عطفه على شرط لو ولا على جوابها لانتفائه، وهذا مقصود إثباته لا نفيه فلذا ذهبوا فيه إلى طرق منها أنه معطوف على مجموع الشرطية لأنها في معنى لا يعجل لهم، وفي قوّته فكأنه قيل لا نعجل بل نذرهم، ومنها أنه معطوف على مقدر تدل عليه الشرطية أي ولكن نمهلهم أو لا تعجل كما قدره المصنف رحمه الله، وقيل الجملة مستأنفة والتقدير فنحن نذرهم، وقيل إنّ الفاء جواب شرط مقدر، والمعنى، ولو يعجل الله ما استعجلوه لأبادهم، ولكن يمهلهم ليزيدوا في طغيانهم ثم يستأصلهم

9

وإذا كان كذلك فنحن نذر هؤلاء الذين لا يرجون لقاءنا من أهل مكة في طغيانهم يعمهون، ثم نقطع دابرهم، وقيل هذه

الآية متصلة بقوله إنّ الذين لا يرجون لقاءنا دالة على استحقاقهم العذاب وأنه تعالى إنما يمهلهم استدراجا وأتى بالناس بدل ضميرهم تفظيعًا للأمر ثم قيل فنذر الذين لا يرجون لقاءنا مصرحًا باسمهم، وذكر المؤمنين إنما وقع في البين تتميمًا ومقابلة فليس بأجنبيّ، ولا حاجة إلى جعله جواب شرط مقدر، وأمّ جعل لو بمعنى أن وتفريع ما بعده عليه فركيك إذا تأملت وان ظن أنه وجه وجيه. قوله: (دعانا لإزالتة مخلصًا فيه الخ الجنبه في محل نصب على الحال ولذا عطف عليه الحال الصريحة والتقدير دعانا مضطجعا لجنبه أو ملقي لجنبه واللام على ظاهرها، وقيل أنها بمعنى على ولا حاجة إليه وقد يعبر بعلى بدله وهي تفيد استعلاءه عليه، واللام تفيد اختصاصه به لاستقراره عليه، واختلف في ذي الحال فقيل الإنسان والعامل فيها مس، واستضعف بأمرين.

أحدهما: تأخرها عن محلها بغير داع.

والثاتي: أنّ المعنى على أنه يدعو كثيرًا في كل أحواله لا على أنّ الضرّ يصيبه في كل أحواله كما صرّح به في غير هذه الاية.

وقيل إنه لا بأس به فإنه يلزم من مسه الضرّ في هذه الأحوال دعاؤه في تلك الأحوال

أيضا لأنّ القيد في الشرط قيد في الجواب فإذا قلت إذا جاء زيد فقيرًا أحسنا إليه فالمعنى أحسنا إليه في حال فقر.، وقيل ذو الحال فاعل دعانا وهو ظاهر ثم هل المراد بالإنسان الجنس، والأحوال بالنسبة إلى المجموع أي منهم من يدعو على هذه الحال ومنهم من يدعو على تلك أو المراد شخص معين وأنّ هذه أحواله، والمراد الكافر ذهب إلى كل منها بعض المفسرين ولا حاجة إلى جعل إذا هنا للمضيّ، وصرفها عن أصلها كما قيل وقوله ملقى قدر له متعلقا خاصا ليظهر به معنى اللام. قوله: (وفائدة الترديد تعميم الدعاء لجميع الأحوال (أي سواء كان بالنسبة لشخص واحد أو للنوع كما مز، وأمّا شموله لأصناف المضار أي الأمراض فلأنها إمّا خفيفة لا تمنعه القيام أو متوسطة تمنعه القيام دون القعود أو شديدة تمنع منهما فهذه الأحوال مبينة لمضاره من السياق ولا خفاء في ذلك يحتاج إلى التوجيه كما توهم. قوله: (مضى على طريقتة واستمرّ على كفره) فيه إشارة إلى أنّ المراد بالإنسان نوع منه، وهو الكافر لا الجنس فالمرور على هذا مجاز عن الاستمرار على ما كان عليه، وعلى الثاني باق على حقيقته وهو كناية عن عدم الدعاء وعدى بعلى في الأوّل لتضمنه معنى المضيّ وعن في الثاني لتضمنه معنى المجاوزة. قوله:) كأنه لم يدعنا الخ (بالتشديد بيانا لأصله لقوله فخفف والتمثيل لتخفيفه

واضمار ضمير الشأن بدليل رفع ثدياه وهذا بناء على أنها إذا خففت لا يبطل عملها فيقدّر لها ما يقتضيه الكلام، وقال الفاضل اليمني: أنه يبطل عملها، وأصل البيت كان ثدييه فلما خفف بطل عملها فلا حاجة إلى تقدير. قوله:

(ونحومشرق اللون كان ثدياه حقان)

وفي بعض النسخ مشرق الصدر ولم يعز هذا البيت لقائله والنحر موضع القلادة من الصدر والأصل حقتان فحذفت تاؤه في التثنية على خلاف القياس كما قالوا، وهذا يدل على أنه لا يقال حق بمعنى حقة كما يستعمله الناس، وكان مخففة بطل عملها فالجملة بعدها لا محل لها فانظر من أي أنواع الجمل هذه أو اسمها محذوف في محل رفع وضمبر ثدياه للنحر والثدي معروف، وقيل ليس البيت كالآية لأنها اعتبر فيها ضمير الشأن لأنّ حق هذه الحروف الدخول على المبتدأ والخبر، ولو بعد التخفيف فإنه لا يبطل إلا العمل وعلى هذا لا حاجة إلى ضمير الشأن في البيت والتمثيل به لمجرّد بطلان العمل وهذا مخالف لما صرّحوا به فإنّ ابن مالك رحمه الله تعالى صرّج في التسهيل بأنها عاملة بعد التخفيف دائما، وقال في المفصل يجوز إعمالها والغاؤها مطلقا فأوّله ابن يعيش بأنّ المراد بإلغائها عملها في ضمير الشأن وهو بعيد ومن ذهب إلى الأوّل قدر ضمير الشأن في البيت كما صرحوا به، وأمّا التفصيل الذي ذكر. فلم نره لغيره، وبطلان عملها يخرجها عن مقتضاها على القول به وفي شرح الشواهد لابن هشام رحمه الله أنّ هذا البيت أورده سيبويه رحمه الله تعالى هكذا:

ووجه مشرق النحر كان ثدياه حقان

وعليه فالضمير للوجه أو للنحر وهو بتقدير مضاف أي ثديا صاحبه أو الإضافة لأدنى ملابسة، وقد روي أوّله وصدر، وأصل كان كأنه والضمير للوجه أو الصدر أو للشأن

10

والجملة الاسمية خبره فلا يتعين تفدير ضمير الشأن كما قالوه هنا وروي كان ثدييه على أعمالها في اسم مذكور فحقان الخبر، وقوله إلى كشف ضر الخ إشارة إلى تقدير مضاف لأنّ المدعو إليه كشفه لا هو، وقيل إلى بمعنى اللام فلا تقدير فيه.

قوله: (مثل ذلك التزيين الخ) تفسير معنى لا إشارة إلى أنّ الكاف اسمية، والإشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعده لا إلى شيء آخر مشبه به، وقد مرّ تحقيقه في سورة البقرة في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: 143] والتزيين مرّ تحقيقه وتحقيق فاعله في سورة الأنعام. قوله:) حين ظلموا بالتكذيب واستعمال القوى الخ) جعلها ظرفًا بمعنى حين لا

شرطية بتقدير جواب، وهو أهلكناهم بقرينة ما قبله لعدم الحاجة إليه. قوله: (أو عطف على ظلموا) وكذا قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ وجوّز الزمخشريّ كونه اعتراضا بين الفعل ومصدره التشبيهي، وقال النحرير لأنّ معنى ظلموا وما بعده إحداث التكذيب، ومعنى هذا الإصرار عليه بحيث لا فائدة في إمهالهم، وحاصل المعنى أن السبب في إمهالهم هذان الأمران، وهذا ظاهر على تقدير العطف، وأمّا على تقدير الاعتراض فلأنه مفيد لتقرير ما تخلل هو بينه، وهو إفادة السببية وهذا دفع لما توهم من أنه لا يصلح سببا لإهلاكهم، والعطف يقتضيه والضمير في كانوا عائد على القرون وجوّز مقاتل رحمه الله أن يكون ضمير أهل مكة فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة، والمعنى ما كنتم لتؤمنوا وكذلك نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك الجزاء نجزي وقرئ يجزي بياء الغيبة التفاتا من التكلم في أهلكنا إليها. قوله: (وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد استعدادهم الخ) قيل عليه أنّ علمه تعالى ليس علة لعدم إيمانهم لأنّ العلم تابع للمعلوم لا بالعكس وقال بعض فضلاء عصرنا كون العلم علة لكفرهم وعدم إيمانهم باطل لا يشتبه على مؤمن فضلا عن عالم فاضل لأنّ كون علم العالم الديان علة للكفر، والعصيان مقالة أهل الزيغ والطغيان وحاشى مثل المصنف رحمه الله أن يقع فيه لكن ظاهر عطف قوله وعلمه الخ على قوله لفساد استعدادهم يوهم ذلك فيجب أن يؤوّل كلامه، ويصرف عن ظاهره بأن يجعل المراد موتهم على الكفر المعلوم منه تعالى أو يجعل العلم علة للحكم بأنهم يموتون على الكفر، ويكون حاصل المعنى، ولقد أهلكنا القرون السابقة لما كذبوا وعلمت أنهم لا يؤمنون وان أهلكناهم فتكون العلة هي المعلوم أعني عدم إيمانهم فيما سيأتي ولكن إنما علم ذلك لكون علم الله تعالى محيطا بالمستقبل فتوسيط العلم لإثبات المعلوم لا لإفادة علية العلم فافهم، وقال آخر من فضلاء العصر أقول معنى كون العلم تابعًا للمعلوم أنّ علمه تعالى في الأزل بالمعلوم المعين الحادث تابع لماهيته بمعنى أن خصوصيته العلم وامتيازه عن سائر العلوم إنما هو باعتبار أنه علم بهذه الماهية، وأئا وجود الماهية وفعليتها فيما لا يزال فتابع لعلمه الأزليّ التابع لماهيته بمعنى أنه تعالى لما علمها في الأزل على هذه الخصوصية لزم أن تتحقق، وتوجد فيما لا يزال على هذه الخصوصية فنفس موتهم على الكفر، وعدم إيمانهم متبوع لعلمه الأزليّ، ووقوعه تابع له فخذ هذا التحقيق ينفعك في مواضع شتى وهذا مما لا شبهة فيه وهو مذهب أهل السنة رحمهم الله تعالى وقد صرّج به النحرير في أوّل سورة الأنعام حيث قال: علم الله بأنهم يتركون الإيمان، ويؤثرون الكفر صار سببا لامتناعهم عن الإيمان باختيارهم عند المعتزلة، وأما عند أهل السنة فقد صار ذلك سببًا لعدم إيمانهم بحيث لا سبيل إليه أصلا وبهذا يندفع ما قال الإمام

الرازي إن هدّا يدل على أنّ سبق القضاء بالخسران، والخذلان هو الذي حملهم على الامتناع عن الإيمان وذلك عين مذهب أهل السنة انتهى، وبهذا علصت ما في هذا المقام من الخبط، وقد زاد في الطنبور نغمة من قال في رده إنّ المصنف رحمه الله لم يرد الاستدلال بالعلم على المعلوم حتى يلزم جعل المعلوم تابعا للعلم، ويرد عليه أنّ الأمر بالعكس بل أراد به الإشارة إلى أن وقوع إهلاكه تعالى القرون مشروط بعلمه بموتهم على الكفر، وإن كان نفس الموت على الكفر سببا لنفس الإهلاك، وهو كناية عن نفس موتهم على الكفر لأنّ علم الله تعالى يتعلق بالأشياء على ما هي عليه، والنكتة في تلك الإشارة ما ذكرنا من الاشتراط فتدبر ما ذكرناه، ولا تقع في هوّة التقليد كما وقعوا واحدا بعد واحد، وقد سبق طرف من هذا فيما سبق، وكون اللام لتأكيد النفي مز تفسيره. قوله: (نجزي كل مجرم أو نجزيكم الخ) يعني المجرمين إمّا عامّ شامل لهم، ولمن قبلهم

11

من القرون أو خاص بالمخاطبين وذكر القوم إشارة إلى أنه عذاب استئصال والتشبيه على الثاني على ظاهره أي يجزيكم مثل جزاء من قبلكم وعلى الأوّل هو عبارة عن عظم هذا الجزاء والتشبيه فيه على منوال ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: 43 ا] ولم يلتفت إلى جعل القوم المجرمين عبارة عن القرون لأنه غير مناسب للسياق، والدلالة المذكورة من تخصيصهم بالوصف المذكور وهي ظاهرة. قوله: (استخلفناكم قيها بعد القرون) إشارة إلى أنه معطوف على قوله، ولقد أهلكنا لا على ما قبله، وقوله استخلاف من يختبر هو معنى قوله لننظر واشارة إلى أنه على طريق التمثيل لأنّ المعنى كاستخلاف إذ حقيقة الاختبار لا تصح في حقه تعالى. قوله: (أتعملون خيرا أو شرّا الخ (كذا وقع في الكشاف فقيل عليه القاعدة النحوية أنّ ما بعد كيف إن كان فعلًا كان حالًا نحو كيف ضرب وان كان اسما كان خبرا نحو كيف زيد، وهذا يخالفه فكأنه جعله مجازا عن أي شيء لدلالة المقام عليه، ويحتمل أنه بيان لحاصل المعنى، وفيه أن ما ذكره ليس على إطلاقه فإنها في كيف كنت خبر أيضا، وفي كيف ظننت زيدًا مفعول به، والتحقيق أن معناها السؤال عن الأحواد والصفات لا عن الذوات، وغيرها فالسؤال هنا عن حالهم وأعمالهم ولا معنى للسؤال عن العمل إلا عن كونه حسنا أو قبيحا وخيرأ أو شزًا فليست مجازًا بل هي على حقيقتها فهي إفا مفعول به أو مفعول مطلق قال في المغني وعندي أنها تأتي مفعولًا مطلقأ وأنّ منه كيف فعل ربك إذ المعنى أفي فعل فعل ربك ولا يتجه فيه أن يكون حالًا من الفاعل انتهى. قوله:) وكيف معمول تعملون فانّ معنى الاستفهام يحجب الخ (أي ليس معمولًا لننظر لأن الاستفهام له الصدارة فيحجب أي يمنع ما قبله من العمل فيه ولذا لزم تقديمه على عامله هنا، وهو من التعليق على كل حال إقا

لأنّ النظر بمعنى العلم أو لكونه طريقا له فيعامل معاملة أفعال القلوب في جريان التعليق فيه، وفي قوله معمول تعملون إشارة مّا إلى ما تقدم، وفي قوله سابقا يختبر إشارة إلى أنّ المراد من النظر هنا الاختبار والمراد منه العلم لأنّ الاختبار طريقه فهو راجع إلى ما في الكشاف فإن قلت إذا كان بمعنى العلم يلزم أن لا يكون الله عالما بأعمالهم قبل استخلافهم قلت المراد أنه تعالى يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بأعمالهم ليجازيهم بحسنها كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، [سورة هود، الآية: 7] ويمكن أن يقال المراد بالعلم المعلوم كما مرّ في نظائره فحينئذ يكون هذا مجازًا مرئيًا على استعارة، وعلى الأوّل استعارة تمثيلية مرتبة على استعارة تصريحية تبعية وليس الذهاب إلى هذا من المصنف رحمه الله، والزمخشريّ لأنّ النظر تقليب الحدقة والله تعالى لا يتصف به فلا يلزم تبعيته له في نفي الرؤية كما هو مذهب بعض القدرية القائلين بأنه تعالى لا يرى، ولا يرى كما توهم ولا في جعل رؤية الله بمعنى علمه فإنّ الرؤية إدراك عين المرئيّ كما أنّ السمع إدراك المسموع، وهي حالة مغايرة للعلم فينا، وأمّا في الله تعالى فهل هي مغايرة لعلمه بالمرئيات، والمسموعات كما ذهب إليه الأشاعرة أو ليست مغايرة له بل رؤية الله، وسمعه عبارة عن علمه كما ذهب إليه المعتزلة كما ذهب إليه بعض شرّاح الكشاف بل لأن المعنى يقتضيه فإذا قلت أكرمتك لأرى ما ثصنع فالمعنى لأختبرك، وأعلم ما صنعك فأجازيك عليه، ومن حمل كلام المصنف رحمه الله تعالى على أنه حمل البصر على الانتظار، والتربص! الذي هو أحد معانيه وقال إنّ معمول تعملون ضمير كيف لا هو نفسه فقد خبط وتعسف لعدم تدبر كلام المصنف رحمه الله ولم يعرف أنّ كيف لا يصح أن يرجع إليها ضمير كما صرّج به السيرافيّ في شرح الكتاب، ولولا خوف الملل لذكرت كلامه برمته، وكشفت لك الغطاء عما فيه من المفاسد فكن على بصيرة من ربك. قوله: (وفائدته الدلالة) أي لم يقل لننظر عملكم، وعدل عنه إلى ما ذكر لهذه النكتة وهي أنّ النظر إلى كيفية الأعمال لا إليها نفسها، وهما بالنظر إلى معناه الأصليئ فإن المجاز مشعر به، وملوح إليه في الجملة فتدبر، وقوله يحسن الفعل تارة، ويقبح كالخمر يشرب للهو ولإساغة الغصة عند عدم غيرها. قوله: (يعني المشركين الخ) هذا بيان للواقع، ولأنّ من لا يرجو اللقاء وينكر البعث فهو مشرك، وقوله: (بكتاب آخر) إشارة إلى أنّ المراد بالقرآن معناه اللغوفي، وقوله: (أو ما نكرهه (أو فيه لمنع الخلو. قوله: (أو بدّله

12

بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى الخ (التبديل يطلق على تبديل ذات بذات أخرى كبدلت الدنانير دراهم، وعلى صفة بأخرى كبدلت الخاتم حلقة فالظاهر أنّ المراد بقوله أئت بقرآن غير هذأ القسم الأوّل، وقوله أو بدله الثاني لأن تبديل بعض

الشيء ليس تبديلا لذاته بل قريب من تبديل الصفة، والصورة. قوله:) ولعلمهم سألوه الخ (الإسعاف المساعدة بالإجابة إلى ما طلبوه فيلزموه بأنه ليس من عند الله بل هو افتراء منه فلذا بدله وغيره كما يريد وليس المراد أنه لو أجابهم آمنوا، وقوله ما يصح إشارة إلى أن كان تامّة بمعنى وجد ونفي الوجود قد يراد ظاهره، وقد يراد به نفي الصحة فإنّ وجود ما ليس بصحيح كلًا وجود. قوله: (وهو مصدر استعمل ظرفًا) أي هو مصدر على تفعال بكسر التاء ولم يجىء مصدر بكسرها غير تلقاء وتبيان وان وقع في الأسماء غيرهما، وقرئ شاذًا بفتح التاء، وهو القياس في المصادر الدالة على التكرار كالتطواف، والتحوال، وقد يستعمل تلقاء بمعنى المقابل، وأمام فينتصب انتصاب الظروف المكانية، ويجوز جزه بمن أيضا فإنها لا تخرج الظرف عن ظرفيته، ولذا اختصت الظروف الغير المتصرّفة كعند بدخولها عليها فهو هنا كذلك بمعنى من جهتي ومن عندي استعمل في الظرفية المجازية إذ معنى الملاقاة غير مراد هنا فما قيل إن أراد أنه يستعمل ظرفًا ولو في موضع آخر فمسلم كتوجهت تلقاءه ًاي جانبه، وان أراد أنه هنا ظرف فممنوع لدخول من عليه لا صحة له. قوله: (وإنما اكتفى بالجواب عن التبديل) يعني أنهم اقترحوا عليه أحد أمرين الإتيان بقرآن آخر والتبديل فأجاب عن التبديل فقط بحسب الظاهر لأن الإتيان بقرآن آخر غير مقدور عليه فلم يحتج إلى الجواب عنه لأنه إذا لم يكن له التبديل لم يكن له الإتيان بقرآن آخر بطريق الأولى فهو جواب عن الأمرين بحسب المآل، والحقيقة، وهم يعلمون أنّ الإتيان بمثله غير مقدور ولكن اقترحوه لما مرّ ولا يصح أن يكون مرادهم الإتيان به من الله تعالى بالوحي أيضًا لأنه لا يناسب قوله إن اتبع إلا ما يوحي إليّ إني أخاف إن عصيت ربي، وأمّا كون عصيانه بالاقتراج على الله فإنه لا يليق به فخلاف الظاهر الناطق به السياق، وفي قوله من تلقاء نفسي إشعار بأنه يكون من الله وهو كذلك كما وقع في نسخ بعض الآيات كما سيشير إليه، وأمّا الاعتراض بأنّ قوله من تلقاء نفسي يشعر بأنه مقدور له، ولكن لا يفعله بغير إذنه تعالى والتبديل بالمعنى الأوّل أي تبديل القرآن بغيره غير مقدور له فليس بوارد لأنّ التبديل المقصود به تبديل البعض بدليل وقوعه في مقابلة الأوّل، والسكوت عن الأوّل لا يشعر بإمكانه بل يشعر بخلافه فتدبر. قوله: (تعليل لما يكون الخ) أي مستأنف لبيان وجه ما ذكره والمستبد المستقل وقوله:) وجواب للنقض الخ) أي أنه جواب لنقض مقدر، وهو أنه كيف هذا وقد وقع مثله بالنسخ لبعض الآيات، واعترض عليه بأنّ قوله من تلقاء نفسي يحصل به جواب النقض فلا حاجة لدفعه بهذا بل الجواب حاصل بالأوّل، وهذا تعميم بعد

التخصيص فيشمل النسخ وغيره، وفيه بحث، وقوله: (ولذلك الخ) أي قيده بقوله من تلقاء نفسي رذا لتعريضهم بأنه من عنده، وسماه عصيانا لأنّ تبديل ما هو من عند الله معصية، وقوله: (وفيه إيماء الخ (لأنّ اقتراج ما يوجب العذاب يستوجبه أيضًا، وإن لم يكن كقعله ولذا جعله إيماء. قوله:! (لو شاء الله غير ذلك (مقتضى الظاهر أن يقال لو شاء الله أن لا أتلوه ما تلوته لأنّ مفعول المشيئة المحذوف بعد لو عين ما وقع في الجواب على ما قرّره أهل المعاني فقيل المراد بقوله غير ذلك عدم تلاوته فهو تفسير بالمعنى، وقد تقدم ما فيه فتذكره. قوله:) ولا أعلمكم به على لساني (دريت بمعنى علمت يقال: دريت بكذا، وأدريتك بكذا وأدريتك كذا فيتعذى بنفسه، وبالباء وكذا العلم لكونه بمعناه قد يتعذى بالباء فيقال علمت به كما استعمله المصنف رحمه الله، وأعلمته بكذا وفي الدرّ المصون أنه إذا تعدى بالباء يضمن معنى الإحاطة، وفي القاموس أنه إذا تعدى بالباء يكون بمعنى الشعور، وفيه نظر. قوله:) بلام التثيد (المراد بلام التًا كيد اللام التي تقع في جواب لو، وليست لام الابتداء لأنها لا تدخل على

13

الماضي، وأفا دخولها في المعطوف على الجواب دونه، وان كان خلاف الظاهر فهو جائز لنكتة، وهي هنا إن إعلامهم به على غير لسانه أشد انتفاء وأقوى قيل، ولا هذه مذكرة ومؤكدة للنفي زائدة لأن لا تقع في جواب لو لأنه يقال لو قام زيد ما قام عمرو دون لا قام، فيه نظر لأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع وقوله، والمعنى أي على هذه القراءة.

قوله: (على لغة من يقلب الألف المبدلة الخ) هذه قراءة الحسن وابن عباس رضي الله تعالى عنهما بهمزة ساكنة فقيل إنها مبدلة من ألف منقلبة عن ياء وهي لغة عقيل كما حكاه قطرب فيقولون في أعطاك أعطأك، وقيل لغة بلحرث، وقيل الهمزة أبدلت من الياء ابتداء كما يقال في البيت لبأت وهذا على كونها غير أصلية وقد قرئ بالألف أيضا. قوله: (أو من الدرء الخ) فالهمزة أصلية من الدرء، وهو الدفع والمنع، ويقال أدرأته أي جعلته دارئا ودافعا والمعنى ما ذكره المصنف رحمه الله وقرئ أنذرتكم من الإنذار. قوله: (مقدار عمر (عمر يشبه بظرف

الزمان فينتصب انتصابه أي مدة، وقيل هو على حذف مضاف أي مقدار عمر، واليه ذهب المصنف رحمه الله تعالى وهو بضم الميم وقرأ الأعمش بسكونها للتخفيف وقوله مقدار عمر بالتنوين فأربعين منصوب بدل أو عطف بيان لمقدار ويجوز إضافته، والأربعون سن به تمام الرجولية والعقل، ولذا أكثر جمعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكون بعدها وكذا كان نبينا ﷺ، وقوله من قبل القرآن إشارة إلى أنّ الضضير عائد عليه على معنى النزول وقيل على وقت النزول، وقبل التلاوة وقوله لا أتلوه ولا أعلمه بيان للقبلية المذكورة. قوله: (فإنه إشارة إلى أن القرآن الخ) تعليل للتقرير قيل عليه إنّ كلامه لا يخلو من تشويش ولو جعل قوله فإنّ من عاس تعليلًا لقوله ثم قرر الخ بدل قوله فإنه إشارة الخ وأتى بمعنى قوله القرآن معجز آخرًا بأن يق! ول علم أنه معلم من الله وأنّ ما قرأ عليهم معجز خارق للعادة انتظم غاية الانتظام، وقوله بين ظهرانيهم بفتح النون أي بينهم، وفي وسطهم، والقريض الشعر من القرض، وهو القطع،: والبذ بالمعجمة الغلبة والمنطيق بكسر الميم البليغ والأحاديث جمع حديث على خلاف القياس أو جمع أحدوثة، وأعرب بمعنى أظهر، وبين والأقاصيص القصص، وقوله على ما هي عليه أي على النهج التي وقعت عليه مطابقا للواقع وقوله معلم به من التعليم أو الإعلام. قوله: (أفلا تستعملون عقولكم الخ) العقل قوّة للنفس، ونور روحانيّ به تدرك العلوم، وعقل يكون بمعنى علم وأدرك، والمصنف رحمه الله جعله مأخوذًا من العقل المذكور والمراد به استعماله لأنه مما يعلم بالعقل، ويدرك بالفكر. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾ قد مرّ مرارا أنّ نفي الأظلمية كناية عن نفي المساوي أيضًا، وقوله تفاد تفاعل من الفداء جعل مجازا عن المحاماة، والاحتراز والاتقاء والاجتناب قال الشاعر:

تفادي الأسود القلب منه تفاديا

وقوله مما أضافوه إليه كناية أي مما نسبوه إليه من كونه افتراء منه لأنه المقصود من قولهم: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ﴾ الخ كما مرّ. وقول: أو تظليم الخ أي نسبتهم إلى الظلم، والحبهم به عليهم فعلى الأوّل القصد إلى نفي ما ذكروه بأنه لا أحد أظلم ممن أسند إلى الله مالم يقله وكذب بآياته، وعلى الثاني يتضمن ذلك مع زيادة لأنّ نسبته إلى الافتراء تكذيب بايات الله

والأوّل أنسب بالمقام وعلى الثاني تعلقه به لأنهم إنما سألوه ﷺ تبديله لما فيه من ذمّ آلهتهم الذين افتروا في جعلها آلهة، وقيل إنه توطئة لما بعده. قوله: (فكفر بها) يعني أنّ المراد الكفر بكونها من عند الله لا تكذيب ما تضمنته، وقوله: (لأنه جماد الخ) المقصود من هذا الوصف نفي المعبودية عن الأوثان إمّا لأنها جمادات لا تقدر على النفع، والضرّ ومن شأن المعبود القدرة على ذلك وأمّا لأنهم إن عبدوها لا تنفعهم، وان تركوا عبادتها لا تضرّهم ومن شأن المعبود أن يثيب عابده، ويعاقب من لم يعبده، والفرق بينهما إطلاق النفع، والضرّ في الأوّل وتقييده بالعبادة وتركها في الثاني كذا في شرح الكشاف، وكلام المصنف رحمه الله صريح في الأوّل وأو للتنويع. قوله: (وكأنهم كانوا شاكين الخ) أي شاكين في البعث كما أشار إليه بقوله إن يكن بعث لأنّ المتبادر من الشفاعة عند الله أنه في الآخرة، وهو مستلزم للبعث، وقوله لا يرجون لقاءنا يقتضي

14

خلافه من إنكارهم له فإذا كانوا شاكين مترددين كانوا تارة لا يرجون اللقاء، وأخرى يرجونه ويعدونهم شفعاء لهم فيه، وأورد عليه أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا﴾ [سورة يونس، الآية: 7] على ما فسره المصنف رحمه الله والفرضر لا يستلزم التردّد والشك يعني هذا القول منهم على سبيل الفرض والتقدير أي إن كان بعث كما زعمتم فهؤلاء يشفعون لنا فلا تنافي بين الآيتين والمراد بالشك مطلق التردّد لا ما تساوى طرفاه، ولذا قال فيما سيأتي على توهم أنه الخ. قوله: (وهذا من فرط جهالتهم الخ) أي ما ذكر في قوله ويعبدون من دون الله الخ، وتركهم عبادة الله من قوله من دون الله لأنّ معناه يعبدون غير الله مما لا يضرّ ولا ينفع والموجد بالجيم بمعنى الخالق فإن قلت الشفاعة نفع ولو كانت متوهمة فكيف هذا مع قوله قطعا الخ قلت مراده بقوله يعلم قطعا علمهم في الدنيا بعدم نفعها وضرّها فإنه محقق وانكارهم مكابرة لا يعتذ بها أو المراد علم غيرها بذلك مطلفا فتأمل. قوله: (أتخبرونه) قيل فسره به مع ظهوره لأنه يرد بمعنى الإعلام وهو غير مناسب للمقام، وفوله وفيه تقريع وتهكم هو الواقع في أكثر النسخ يعني المقصود من ذكر أنباء الله بما لا تحقق له، ولم يتعلق به علمه التهكم والهزؤ بهم، والا فلا أنباء، وقوله العالم بجميع المعلومات إشارة إلى ما

يلزم من نفي علمه بذلك وهو عدم تحققه. قوله: (من العائد المحذوف) وهو مفعول يعلم إذ التقدير يعلمه وهذه الحال مؤكده لنفي الشريك المدلول عليه بما قبله، وهو جار على التفسيرين ووجه التأكيد إنه جرى في العرف أن يقال عند تأكيد النفي للشيء ليس هذا في السماء، ولا في الأرض! لاعتقاد العامة أنّ كل ما يوجد إما في السماء، وأما في الأرض كما هو رأي المتكلمين في كل ما سوى الله إذ هو المعبود المنزه عن الحلول، وهذا إذا أريد بالسماء، والأرض جهتا العلو والسفل، وقيل الكلام إلزامي لاعتقاد المخاطبين أن الأمر كذلك، وعلى كلام المصنف رحمه الله تعالى فيه دليل على نفي مدعاهم لأنّ ما فيهما مخلوق مقهور فكيف يكون شريكأ لخالقه، والمعبود السماوي الكواكب، والأرضيّ الأصنام، والهياكل وقوله: (عن إشراكهم (إشارة إلى أن ما مصدرية، وما بعده إشارة إلى أنها موصولة، والعائد محذوف. قوله: (موجودين على الفطرة الخ) أي فطرة الإسلام، والتوحيد التي خلق عليها كل أحد كما في الحديث فالمراد كونهم على جبلة واحدة قبل أن يظهر خلافه، وهو في ابتداء النشأة بقطع النظر عما عرض لهم فالمراد كونهم على جبلة واحدة قبل أن يظهر خلافه، وهو في ابتداء النشأة بقطع النظر عما عرض لهم أو المراد اتفاقهم على الحق في عهد آدم عليه الصلاة والسلام، قبل اختلاف أولاده أو المراد اتفاقهم على التوحيد، والحق في زمن نوج عليه الصلاة والسلام بعد أن لم يبق على الأرض من الكافرين ديار وفي هذه الوجوه الاتفاق في الحق أو المراد اتحادهم في الضلال والباطل في الفترة، وهذا أضعفها لبعده ولأنه باعتبار الأكثر لأن منهم من كان على الحق أو على الضلال معطوف على الحق. قوله: (باتباع الهوى والأباطيل الخ) هذا ناظر إلى كون الاتفاق في الحق، وقوله أو ببعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام الخ ناظر إلى كونه في الضلال. قوله:) بتأخير الحكم بينهم الخ (يعني أن الناس لما اختلفوا،

وافترقوا إلى محق ومبطل، والله قادر على أن يحكم بينهم وينزل عليهم آيات ملجئة إلى اتباع الحق أو أن يهلك المبطل ويظهر المحق لكن الحكمة، والقضاء الأزلي اقتضيا تأخيره إلى يوم الفصل والجزاء. قوله: (أي من الآيات التي اقترحوها الخ) كآية موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام طلبوا ذلك تعنتا وعنادًا والا فقد أتى بآيات ظاهرة ومعجزات باهرة تعلو على جميع الآيات، وتفوق سائر المعجزات لا سيما إعجاز القرآن الباقي على وجه الدهر إلى يوم القيامة، وفسر في الكشاف قوله يقولون بقالوا إشارة إلى أنه لحكاية الحال الماضية ولم يتبعه المصنف رحمه الله لعدم تعينه. قوله: (تصرف عن إنزالها (يعني أن الصارف عن الإنزال للآيات المقترحة أمر مغيب، واعترض عليه بأنه أمر متعين، وهو عنادهم فالمراد إنما الغيب دلّه لا أعلم متى ينزل بكم العذاب المستأصل لشأفتكم لعنادكم، وان كنت عالمًا بأنه لا بد من نزوله وأجيب بأنا لا نسلم أنّ عنادهم هو الصارف فقد يجاب المعاند، وقوله تعالى وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون إن دذ على بقائهم على العناد، وان جاءت لم يدل على أن العناد هو الصارف. قوله: (لنزول ما اقترحوه (

15

وقع في نسخة ما اقترحتموه كما في الكشاف، وهو بيان لمتعلق الانتظار، وقيل إنه تهكم بهم لأنه لم يقع، وفيه تأمل، وقوله لما يفعل الله بكم كالقحط الذي دام عليهم، ونصره عليهم، وقتلهم في مواطن كثيرة، وضمير غيره راجع لما+ قوله تعالى: (﴿وَإِذَا أَذَقْنَا﴾ الآية الخ (قيل المراد بالناس كفار مكة لما ذكر في سبب نزولها من قحطهم، وطلبهم أن يدعو لهم بالخصب فيؤمنوا، وقيل إنه عاتم لجميع الكفار دون العصاة لأنّ في الاية ما ينافيه، وقوله صحة وسعة تمثيل، ولم يرد به الحصر وفسر مكرهم بالطعن، وقيل هو إضافة ذلك للأصنام والكواكب والحيا بالمد والقصر المطر، والمراد به هنا الخصب، وقوله منكم بيان لأنّ أسرع أفعل تفضيل وذكر للمفضل عليه، وأسرع مأخوذ من سرع الثلاثيّ كما حكاه الفارسيّ، وقيل هو من أسرع المزيد وفيه خلاف فمنهم من منعه مطلقًا، ومنهم من أجازه مطلقًا، وقيل إن كانت همزته للتعدية امتنع والا جاز ومثله بناء التعجب، وقوله قد دبر الخ

تفسير لسرعته والتدبير مجاز عن التقدير أي تقديره لذلك قبل ذلك. قوله: (على سرعتهم المفضل عليها الخ) في الكشاف ما وصفهم بسرعة المكر فكيف صح قوله أسرع مكرا، وأجاب بأنه دل عليه كلمة المفاجأة لأنّ المعنى فاجأوا وقوع المكر منهم وسارعوا إليه، وظاهر كلامه أنّ صحة استعمال أسرع الدال على المشاركة في السرعة متوقف على دلالة الكلام عليه وأنّ وجهه ما ذكر، وكان المصنف رحمه الله لم يصرّح بالصحة إشارة إلى أنه ليس بلازم لكن دلالة الكلام عليه أوضح وأظهر، وهو كذلك وإذا الأولى شرطية، والثانية فجائية رابطة لجواب الشرط والكلام في كونها ظرف زمان أو مكان، وفي العامل فيها وفي الشرطية مبسوط في محله. قوله: (والمكر إخفاء الكيد) الكيد المضرة، والمكر إيصال المضرة، وإطلاقه على الله مجاز، ولا يستعمل إلا مشاكلة، وقد سبق ما فيه، وقوله وهو من الله الخ يعني إطلاقه عليه إمّا استعارة بتشبيه الاستدراج به أو مجاز مرسل أو مشاكلة فإنها لا تنافيه كما في شرح المفتاح. قوله: (تحقيق للاثتقام (كما مرّ من أنه إذا ذكر علم الله أو إثباته بكتابة ونحوها لما فعله العباد فهو عبارة عن المجازاة، وقوله لم يخف الخ. تجهيل لهم في مكرهم، واخفائهم ذلك على من لا يخفى عليه خافية. قوله: (بالياء ليوافق ما قبله) هذه قراءة الحسن ومجاهد ونافع في رواية عنه جريا على ما سبق من قوله منهم ولهم، والباقون بالخطاب مبالغة في الإعلام بمكرهم والتفاتًا لقوله قل الله إذ التقدير قل لهم فناسب الخطاب، وفي قوله إنّ رسلنا التفات أيضا إذ لو جرى على قوله قل الله لقيل إن رسله فلا إشكال فيه كما قيل من حيث إنه لا وجه لأمر الرسول ﷺ بأن يقول لهم إنّ رسلنا إذ الضمير لله لا له، وأجيب بتقدير مضاف أي رسل ربنا أو الإضافة لأدنى ملابسة كما قيل، وقد أجاب بأنه حكاية ما قال الله أو على كون المراد أداء المعنى لا بهذه العبارة، وهذا على تقدير أن يكون هذا الكلام داخلا في حيز القول، وليس بمتعين لجواز جعل قول الله ذلك تحقيقًا للقول المأمور به وفي قوله على الحفظة إشارة إلى أنّ المراد برسلنا رسل الملائكة، ولو قال الكتبة كان أظهر فتأمّل. قوله تعالى: (﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ الآية (قال الإمام لما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ [سورة يونس، الآية: 121 الخ وهو كلام كليّ ضرب لهم مثلابهذا ليتضح ويظهر ما هم عليه، وقوله يحملكم على السير، ويمكنكم في الكشاف فإن قلت كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحريعني وهو مقدم عليه فلا يكون غاية له إذ التسيير في البحر إنما هو بالكون في الفلك قلت لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر، ولكن مضمون الجملة الثرطية الواقعة بعد حتى بما في حيزها كأنه قيل

يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف، وتراكم الأمواج، والظن للهلاك، والدعاء بالإنجاء قال أبو حيان رحمه الله: وهو كلام حسن ولما رآه محتاجا للتأويل أوّله بالحمل على السير والتمكين منه المتقدم على الكون في الفلك ليتضح جعله غاية له فهذا هو الداعي لتفسير المصنف رحمه الله بما ذكر، ولم يحتج لما في الكشاف لأنه قيل إنّ التحقيق أنّ الغاية إن فسرت بما ينتهي إليه الشيء بالذات فالغاية ليست إلا الشرط وأن فسرت بما ينتهي إليه الشيء مطلقًا سواء كان بالذات أو بالواسطة كان الغاية مجموع الشرط، والجزاء وقيل المسير

16

في البحر هو الله إذ هو المحدث لتلك الحركات في السفينة بالريح، ولا دخل للعبد فيه بل في مقدماته وأما سير البز فمن أفعال العبد الاختيارية، وتسيير الله فيه إعطاء الآلات والأدوات فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولذا فسره المصنف رحمه الله بالحمل عليه بأن أحوجه للمعاش، والحركة ومكنه منها فهو معنى مجازقي شامل لهما، وأمّا ادعاء اتحاد السير فيهما والاستدلال به على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله فتكلف وقال ابن عطية رحمه الله ركوب البحر للجهاد والحج جائز، وكذا ركوبه لضرورة المعاس، ولغيره وعند هيجان الريح مكروه.

تنبيه: في بعض التفاسير حكى الفخر خلافا في راكب السفينة هل هو متحرّك بحركتها أو ساكن وظاهر الآية الأول لتسويته بين البرّ والبحر وسير البرّ يعمّ الركوب والمشي، ثم نقل عن السلف المنع فيه لغير ضرورة، وعند هيجان ريحه.

) قلت) الأوجه أن لا خلاف فإنه ساكن بالذات سائر بالواسطة، وقرأ ابن عامر ينشركم بالنون، والشين المعجمة، والراء المهملة من النشر ضد الطيّ أي يفرّقكم ويبثكم، وقال الحسن ينشركم من النشر بمعنى الإحياء، وقرأ بعض الشاميين ينشركم بالتشديد للتكثير من النشر، وقرأ الباقون يسيركم من التسيير، والتضعيف فيه للتعدية تقول سار الرجل وسيرته، وقال الفارسي: إنّ سار متعد كسير لأنّ العرب تقول سرت الرجل وسيرته بمعنى كقول الهذلي:

فلاتجزعن من سنة أنت سرتها فأوّل راض سنة من يسيرها

ولم يرتضه النحاة، وأولوا البيت بما فصله المعرب. قوله: (في الفلك) مفرده وجمعه واحد والحركات فيه بينها تغاير اعتبارقي، وقوله بمن فيها إشارة إلى أنّ الخطاب الأوّل عامّ وهذا خاص بمن فيها وهو التفات للمبالغة في تقبيح حالهم كأنه أعرض! عن خطابهم وحكى لغيرهم سوء صنيعهم وباء بهم للتعدية وفي بريح ربها للسببية فلذا تعلق انحرفان بمتعلق واحد لاختلاف معناهما، ويجوز أن تكون الباء الثانية للحال أي جرين بهم ممتبسة بريح طيبة فيتعلق

بمحذوف كما في البحر، وقيل بريح متعلق بجرين بعد تعديته بالباء وقد تجعل الأولى للملابسة، وفرحوا عطف على جرين وهو عطف على كنتم، وقد تجعل حالًا وفسر طيبة بلين هبوبها يعني وموافقتها لهم بمقتضى المقام، وقوله: (والضمير للفلك) قدّمه لكونه أظهر، وان كان الثاني أقرب، وقوله بمعنى تلقتها تأويل له على الوجه الثاني وهو ظاهر. قوله: (ذات عصف شديدة الهبوب) أي هو من باب النسب كلابن وتامر وهو مما يستوي فيه المذكر والمؤنث كما صرحوا به فلذا لم يقل عاصفة مع أن الريح مؤنثة لا تذكر بدون تأويل، وقوله شديدة الهبوب تفسير لمعنى العاصف لأنه من العصف، وهو الكسر أو النبات المتكسر لأن الريح الشديدة تفعل به ذلك فكان كتامر من التمر، ومن لم يدر هذا قال لو حذف قوله ذات عصف كان أولى، وجعله من باب تامر لا وجه له لأنّ الريح تذكر وتؤنث فلذا لم يقل عاصفة أو لاختصاص العصوف به فهو كحاثض، وكيف يتأتى ما ذكره وتفسيره بشديدة الهبوب ينافيه، وقوله يجيء الموج منه تخصيص له لأنه ليس على ظاهره. قوله: (اهلكوا وسدّت عليهم مسالك الخلاص الخ) يشير إلى أنه استعارة تبعية شبه إتيان الموح من كل مكان الذي أشرف بهم على الهلاك، وسد عليهم مسالك الخلاص، والنجاة بإحاطة العدوّ، وأخذه بأطراف خصمه، وهذا أوفق بالنظم من قوله في الكشاف جعل إحاطة العدوّ بالحيّ مثلا في الهلاك، وليس هذا كقوله: ﴿واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: 19] وهذا لا ينافي قوله تعالى وظنوا، وقيل إنه يريد أنّ الإحاطة استعارة لسد مسالك الخلاص تشبيها له بإحاطة العدوّ بإنسان ثم كني بتلك الاستعارة عن الهلاك لكونه من روادفها ولوازمها فقوله أهلكوا بيان للمعنى المراد بطريق الكناية. وقوله: (وسدّت الخ) بيان للمعنى الأصلي له، وأنه استعارة لا حقيقة وجعل كناية عن نفس الهلاك لا القرب منه كما قيل لأنه مقطوع لا مظنون، وإنما المظنون هو الهلاك نفسه ومن جعله كناية عن القرب منه جعل الظن بمعنى اليقين، ولك أن تجعله كناية عن الهلاك مع كون الظن بمعنى اليقين بناء على تحقق قوعه. في اعتقادهم، وفيه بحث. قوله: (من غير إشراك لتراجع الفطرة)

17