حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 5 · ص 213 - 230

الرعد (1 من 2)

يوسف عليه الصلاة والسلام وأبيه واخوته مشتملة على قصص، وأخبار مختلفة، وقد يطلق الجمع على الواحد كما مز في أضغاث أحلام، وهو كما قيل إلا أنه خلاف المتبادر المعتاد فإنه يقال في مثله قصة لا قصص. قوله: الذوي العقول المبرأة عن شوائب الألف والركون إلى الحس (فسره به لأن اللب وان كان بمعنى العقل لكن أصله للخالص من الشيء فلذا يقال لكل شيء خالص إنه لب كذا فاعتبر خلوص العقل عن الأوهام الناشئة عن الألف والحس، ولم يقف عليه قال إن المصنف رحمه الله تعالى حمله على العقل

بالفعل فلذا قيده به، ولا حاجة إليه. قوله: (ما كان القرآن حديثًا مفتري) يعني اسم كان ضمير راجع للقرآن المفهوم من القصص إذا قرئ بالكسر ولا يعود لها لأنه كان يلزم تأنيث ضميره وإذا قرئ بفتح القاف يجوز أن يعود إلى القصص والى القرآن لكنه فسره بما يجري على القراءتين، وعوده إلى القصص بالفتح في القراءة به، واليه في ضمن المكسور، وتذكيره باعتبار الخبر، وان جوز لا حاجة إليه. قوله تعالى: (﴿وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾) العامة على نصب تصديق على عطفه على خبر كان، وقرأ غيرهم تصديق بالرفع وقد سمع من العرب فيه الرفع والنصب والمراد بما بين يديه ما تقدمه من الكتب الإلهية. قوله: (وتفصيل كل شيء يحتاج إليه في الدين الخ) قيل عبارة كل للتكثير، والتفخيم لا للإحاطة والتعميم كما في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النمل، الآية: 23] ومن لم يتنبه لهذا احتاج إلى تخصيص الشيء بالذي يتعلق بالدين، ثم تكلف في بيانه فقال إذ ما من أمر ديني إلا وله سند من القرآن بوسط أو بغير وسط، ولم يدر أن عبارة التفصيل لا تتحمل هذا التأويل ورد بأنه متى أمكن حمل كلمة كل على الاستغراق الحقيقي لا تحمل على غيره، والعجب أن هذا القائل قال في تفسير قوله تعالى، وتفصيلا لكل شيء يحتاج إليه في الدين ففيه دلالة على أنه لا اجتهاد في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام لأنه فرع الإجمال في بعض الأمور الدينية فبين كلاميه مناقضة ظاهرة والمنصوص عليه في التوراة ستمائة حكم، وشيء والوقائع غير متناهية فكيف لا يكون في شرعه اجتهاد والتفصيل هنا بمعنى التبيين كما صرح به في اللغة فلا ينافي الإجمال، والفرع الذي ذكر. من كونه لا اجتهاد في الشرائع السابقة مما لم يتعرّضوا له في الأصول لأنه لا يترتب عليه حكم الآن، والظاهر أنه غير صحيح لما ذكره المجيب. قوله: (يصدّقونه) قيل حمل الإيمان على معناه اللغوي فقدر له مفعولًا، والأولى أن يحمل على المصطلح عليه كي لا يدخل فيه من يصدق بقلبه، ويجحد به عنادًا، ولا يخفى أن من هذا حالًا لا يعتد بتصديقه، ولا يسمى مؤمنًا فالمراد تصديقه تصديقا متعارفا، وهو ما طابق فيه اللسان الجنان. قوله: (وعن النبي ﷺ " علموا أرقاءكم سورة يوسف " (الأرقاء بالمد جمع رقيق، ولعل تهوين سكرات الموت لدعائه ﷺ بقوله توفني مسلما وألحقني بالصالحين، وأما عدم الحسد فلاعتباره بما وقع بسبب حسد يوسف عليه الصلاة والسلام لإخوته وان كان سببًا

لرفعته في الدنيا والآخرة كما قال:

عداي لهم فضل عليّ ومنة فلا قطع الرحمن عني إلاعاديا

وهذا الحديث رواه الثعلبي والواحدي وابن مردويه عن أبيّ رضي الله عنه، وهو موضوع، وقال ابن كثير أنه منكر من جميع طرقه وهو من الحديث المشهور الذي ذكر فيه فضائل جميع السور، وقد اتفقوا على أنه موضوع تمت السورة والحمد لله على جميع آلائه، والصلاة والسلام على أشرف مخلوقاته وخاتم أنبيائه، وعلى آله وأصحابه ما دعى الله بأسمائه اللهم يسر لنا خدمة كلامك ووفقنا لفهم معانيه بإلهامك إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

الرعد

سورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله:) سورة الرعد (خبر مبتدأ محذوف ومدنية خبر آخر أو هو مبتدأ وخبر. قوله:

(مدنية وتيل مكية) قال الداني في كتاب العدد وكونها مكية قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وقال قتادة هي مدنية إلا قوله

213

ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة، وروي من أوّلها إلى آخر ولو أن قرأنا الآية نإنه مدنيّ وباقيها مكي، وهي ثلاث وأربعون في الكوفي، وأربع في المدني، والمكي وخمس في البصري، وسبع في الشامي. قوله: (قيل معناه أنا الله أعلم وأرى) هذا بناء على أنها حروف مقتطعة من كلمات، وهو أحد الأقوال السابقة، وتخصيصه هنا هذا الوجه لأنه مأثور روي عن مجاهد كما في الدرّ المنثور فما قيل من أنه لا وجه له لا وجه له. قوله: (يعني بالكتاب السورة الخ (ليس من باب إطلاق اسم الكل على البعض لأنّ الكتاب بمعنى المكتوب صادق على السورة فلا داعي إلى التجوّز من غير قرينة، والحامل على ذلك ما ستراه في تصحيح الحمل، وقوله وتلك إشارة إلى آياتها باعتبار أنها التلاوة بعضها والبعض الآخر في معرض! التلاوة صارت كالحاضرة أو لثبوتها في اللوج أو مع الملك، وهذا على جعل تلك مبتدأ، وآيات الكتاب خبره، وقيل إشارة إلى أنباء الرسل عليهم الصلاة والسلام المذكورة في آخر السورة المتقدمة، وأمّا إعراب المر فكما مز في البقرة. قوله:) اي تلك الآيات آيات السورة الكاملة (قيل في بيانه إن خبر المبتدأ إذا عرف بلام الجنس أفاد المبالغة وأنّ هذا المحكوم عليه اكتسب من الفضيلة ما يوجب جعله نفس الجنس، وإنه ليس نوعًا من أنواعه وهو في الظاهر كالممتنع، ولذا قال الزمخشري: الكاملة العجيبة في بابها فيحمل على الاستغراق لمقتضى المقام مبالغة في الكمال إذا أريد بكل كتاب السورة أو على الحقيقة فيدعي اتحاد مفهوم الكتاب بالسورة، ولذا قيل الكتاب دون السورة، وقيل الكمال مستفاد من إطلاق الكتاب الذي هو مجموع المنزل على بعضه فكأنه الكل في الكمال كأنه المستأهل لأن يسمى كتابًا دون غيره، وليس هذا من قبيل قوله تعالى ذلك الكتاب المفيد لحصر جن! الكتاب في المشار إليه فيفيد أنه الكامل دون ما عداه من الكتب إذ المسند هنا ليس معرّفا باللام حتى يفيد حصره في المسند إليه بل المضاف إلى المعرف، وقيل إنّ الكمال مستفاد من حمل اللام على الاستغراق أو الحقيقة للمبالغة في الكمال لا لأنّ مدخول اللام ليس بمسند فإن مدار الإفادة هو

كون اللام لأحد المعنيين المذكورين ليس إلا وليس بمخصوص بالمسند ومن ادعى ذلك فعليه البيان قيل لأنّ ذلك إنما ينتظم أن لو كانت السورة من أفراد الكتاب كما أنّ زيدًا في قولك زيد هو الرجل من أفراد الرجال، وما قالوه في ذلك الكتاب لأمر غير ما نحن فيه، ثم إنه إنما اعتبر هذا المعنى هاهنا ليفيد الحكم ولم يعتبر في سورة يوسف لوصفه بالمبين، ولا يخفى عليك أنه إذا أريد بالكتاب السورة فالآيات إتا أن يراد بها جميع آياتها أولًا، والمراد الأوّل وجميع الايات هو السورة فتكون الإضافة بيانية، ويؤول المعنى إلى أنّ تلك آيات هي الكتاب، ومعناه معنى ذلك الكتاب، والمآل أنها سورة كاملة عجيبة ولا بد للقائل من الاعتراف بهذا أيضا، وما أورده من الشبهة قد عرفت دفعه، وقد علم من هذا فائدة، وهي أن الخبر إذا كان مضافا إضافة بيانية إلى المعرف باللام الجنسية يفيد الحصر، وما ذكره شراح الكشاف خال من التكلف والمجاز. قوله: (أو القرآن (بالنصب عطف على السورة فالمعنى آيات هذه السورة آيات القرآن، ولا يلزم منه كون آيات السورة جميع آيات القرآن لعدم الفائدة فيه، وإنما جوّزه في سورة يونس لوصفه بالحكيم. قوله: (هو القرآن كله) تفسير للذي أنزل، ولم يفسره أحد ببعض القرآن هنا، وإذا كان في محل جرّ عطفًا على الكتاب فالحق خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق أو ذلك الحق. قوله: (عطف العام على الخاص) قيل عليه أن الكتاب إمّا بمعنى السورة أو القرآن كما مر وليس أعمّ لأنه إمّا من عطف الكل على الجزء أو من عطف أحد المترادفين على الآخر، وكذا ما قيل إنّ هذا الوجه على إرادة السورة من الكتاب وليس هذا بوارد لأنّ التفسير المذكور للمراد منه في النظم والعموم، والخصوص باعتبار مفهوم الكتاب بمعنى المكتوب من القرآن المتلو الصادق على الكل، والجزء والمراد منه أحد ما صدقاته، والذي أنزل ما أنزل على النبيّ ﷺ، وهو أعم من ذلك بل من القرآن فتدبر. قوله:) أو إحدى الصفتين على الأخرى) قيل هذا إذا أريد بالكتاب القرآن قيل، وفيه رذ على أبي البقاء رحمه الله إذ جعله نعتا للكتاب بزيادة الواو في الصفة كقوله أتاني كتاب أبي حفص والفاروق، ويرد عليه أنّ الذي ذكره في زيادة الواو

214

للإلصاق خصه صاحب المغني بما إذا كان النعت جملة، ولم نر من ذكره في المفرد في غير هذا المحل، وعلى ما ذكره المصنف هو كقوله:

هو الملك القرم وابن الهمام

قوله: (والجملة كالحجة على الجملة الأولى (يعني على هذا الوجه، وهو ما إذا كان مبتدأ وخبرًا، وعلى ما قبله الحق خبر مبتدأ محذوف، وفي الكشاف بعد ما فسر الكتاب بالسورة هو الحق الذي لا مزيد عليه لا هذه السورة وحدها وفي أسلوب هذا الكلام قول الإنمار؟ لآ هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها تريد الكملة، والإنمارية هي فاطمة بنت

الخرشب ولدت لزياد العبسي ربيعا الكامل، وعمارة الوهاب وقي! الحفاظ، وأن! الفوارس، وكاتت العرب تسميهم الكملة قال في الكشف، وهو تغليب كالعمرين إن جعل الكامل لقبا وإن جعل وصفا غالبًا فأظهر، وفيه نظر لأنه لا يكون تغليبا إلا إذا كان لقبًا، وجعل الجمع له أمّا إذا كان وصفا فلا تغليب فيه إلا باذعاء الاختصاص فكيف يكون أظهر مع أنه لقب بلا شبهة، وفيه كلام في حواشي المطوّل، وكانت قيل لها أفي بنيك أفضل فقالت ربيع بل عمارة بل قيس بل أنس ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، والله أنهم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها، ووجه الشبه عقلي مركب في حكم الواحد، وهو امتناع تعين أحد المتقابلين فيهما أعني الفاضل والمفضول في المشبه والطرف، والوسط في المشبه به فكما أنها نفت التفاضل آخرًا بإثبات الكمال لكل واحد وأتت بالإجمال بعد التفصيل للدلالة على أن كمال كل واحد منهم لا يحيط به الوصف كذلك هنا لما أثبت لهذه السورة بخصوصها الكمال استدرك عليه بأنّ كل المنز! كذلك فلا تختص سورة دون أخرى بالكمال للدلالة المذكورة، وهذا وجه بليغ ومعنى بديع، وما ذكره المصنف وحمه تعالى شيء آخر وهو أن هذه الجملة لتقرير ما قبلها والاستدلال عليه لأنه إذا كان كل منزل عليه حقا كان الكتاب النازل عليه كلًا وبعضًا حقا فهو كامل لأنه لا أكمل من الحق والصدق، وإنما قال كالحجة، ولم يقل إنه حجة لأنه لا يلزم من الحقية الكمال ولأنه فيه شائبة إثبات الشيء بنفسه فتأقله. قوله: (وتعريف الخبر وإن دل على اختصاص المنزل بكوئه حقًا (إشارة إلى رذ دليل النافين للقياس فإنهم قالوا الحكم المستنبط بالقياس غير منزل من عند الله وإلا لكان من لم يحكم به كافرآ لقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة، الآية: 44] وكل ما ليس منزلًا من عند الله ليس بحق لهذه الآية لدلالتها على أن لا حق إلا ما أنزله فأشار إلى إبطال المقدمة الثانية بأن المراد بالمنزل من عند الله ما يشمل الصريح، وغيره فيدخل فيه القياس لاندراجه في حكم المقيس عليه المنزل من عنده وأمرنا بالقياس في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ الدال على حسن اتباعه كما بين في الأصول وسكت عن إبطال المقدمة الأخرى لأنّ إبطال إحدى مقدمتي الدليل كاف في عدم صحته، واستقامة الاستدلال به مع أنه علم مما مرّ في المائدة أن المراد بعدم الحكم ليس هو الحكيم بغيره مما ذكر بل الاستهانة به وإنكاره، وقد قيل إنّ المراد من لم يحكم بشيء أصلا مما أنزله، ولا شك أنه من شأن الكفرة أو أن المراد بما أنزله الله هنا التوراة بقرينة ما قبله ونحن غير متعبدين بها فتختص باليهود، ويكون المراد الحكم بكفرهم، إذ لم يحكموا بكتابهم، ونحن نقول بموجبه كما بين في شرح المواقف، ولا قصور في كلام المصنف وحمه الله تعالى كما قيل ثم إنه قيل لمانع أن يمنع دلالة هذه الآية على القصر بل هي دالة على كمال

الحقية في المنزل لعدم الاعتداد بحقية غيره لقصوره عن مرتبة الكمال كما أشار إليه الزمخشري، وبه يندفع ما يتوهم من أنّ الحكم بكمال السورة يشعر بأنّ غيرها ليس كذلك، ولو سلم أنه حقيقيّ فهو بالإضافة إلى غيره من الكتب المنزلة لتحريفها ونسخا فقوله وغيره أي السنة والإجماع، وفيه إشارة إلى انتقاض دليلهم بهما والجواب الجواب وما نطق المنزل الخ إشارة إلى ما مر وقوله وما آتاكم الرسول فخذوه وكنتم خير أفة ونحوه مما يثبت حقية ذلك، ثم إنّ ما ذكروه من كونه إشارة إلى الدليل المذكور في شرح المواقف حتى يعتذر عن عدم تعرضه للمقدمة الأخرى بما مر غير لازم لجواز أن يريد أن حصر الحقية في المنزل من الله يقتضي عدم حقية القياس لأنه من تصزف المجتهدين فيدفع بما ذكر من غير حاجة إلى تكلف ما ذكر

215

الداعي إلى ما مرّ من القصور فتأمل. قوله: (مبتدأ وخبر الخ) رجح هذا في الكشف بأن قوله، وهو الذي مد الأرض عطف عليه على سبيل التقابل بين العلويات، والسفليات، وفي المقابل الخبرية متعينة فكذا هذا ليتوأفقا، ولدلالته على أن كونه كذلك مقصود بالحكم لا أنه ذريعة إلى تحقيق الخبر، وتعظيمه كما هو مقتضى الوجه الآتي، وهو على هذا جملة مقزرة لقوله، والذي أنزل إليك من ربك الحق، وعدل عن ضمير الرب إلى الجلالة الكريمة لترشيح التقرير كأنه قيل كيف لا يكون المنزل ممن هذه أفعاله هو الحق، وتعريف الطرفين لإفادة أنه لا مشارك له فيها لا سيما، وقد جعل صلة للموصول، وهذا أشدّ مناسبة للمقام من جعله وصفا مفيدًا لتحقيق كونه مدبرًا مفصلًا مع التعظيم لشأنهما كما في قول الفرزدق:

إنّ الذي سمك السماء بنى لنا بيتًا دعائمه أعز وأطول

ولا تنافي بين الوجهين باعتبار أن الوصفية تقتضي معلوميتها، والخبرية تقتضي خلافها

لأنها معلومة عليهما، والمقصود بالإفادة قوله لعلكم بلقاء ربكم توقنون فالمعنى أنه فعلها كلها لذلك، وعلى الثاني فعل الأخيرين لذلك مع أن الكل لذلك، وهذا مما يرجح الوجه الأوّل أيضا كما يرجحه أن ذكر تدبير الآيات، وهي الرفع والاستواء، والتسخير فإنه ذكرها ليستدلّ بها على قدرته، وعلمه ولا يستدل بها إلا إذا كانت معلومة فيقتضي كونها صفة فإن قلت لا بد في الصلة أن تكون معلومة سواء كان الموصول صفة أو خبرا قلت إذا كان صفة دل على انتساب الآيات إلى الله تعالى وإذا كان خبرًا دلّ على انتسابها إلى موجود مبهم وهو غير كاف في الاستدلال. قوله: (والخبر يدبر الآمر) ويفصل خبر بعد خبر وعلى الأوّل هما مستأنفان أو يدبر حال من فاعل سخر ويفصل حال من فاعل يدبر أو هما حالان من ضمير استوى وسخر من تتمته لأنه تقرير لمعنى الاستواء، وتبيين له أو جملة مفسرة. قوله: (أساطين) جمع أسطوانة، وهي السارية معربة أستون ووزنها أفعوالة أو فعلوانة كما في القاموس ووقع في بعض نسخة أفعوانة من غلط الكاتب والصحيح ما قاله في المصباح من أنه بضم الهمزة، والطاء السارية، والنون عند الخليل أصل فوزنها أفعوالة وعند بعضهم زائدة والواو أصل فوزنها أفعلانة، وجمعه

أساطين وأسطوانات اهـ. قوله: (جمع عماد كإهاب وأهب او عمود) بالجرّ عطف على عماد وقال ابن مالك في التسهيل إنه جمع لفاعل، وذكروا له أمثلة في كلامهم بلغت اثني عشر مثالًا كما في شرح التسهيل، والمزهر وما قيل إنه جمع العماد كأديم، وأدم واهاب وأهب وأفيق وأفق ولا خامس لها مردود، وكونه جمع عمود لأنّ فعيلًا وفعولًا يشتركان في كثير من الأحكام، وهو مخالف لما في التسهيل من وجهين لأنهم جعلوه جمعا، وهو اسم جمع ولأنه ذكر أنه اسم جمع لفاعل، وهم جعلوه لفعيل أو فعول أو فعال والأمر فيه سهل ورجح كونه اسم جمع برجوع ضمير ترونه في قراءة أبيئ إليه، وقيل إنه راجع لرفع السماوات بغير عمد. قوله: (صفة لعمد أو استئناف (على كونها صفة يصح توجه النفي للصفة فيكون لها عمد لكونها غير مرئية، والمراد بها قدرة الله فيكون العمد على هذا استعارة، ويصح أن يكون لنفي الصفة والموصوف على منوال قوله:

ولا ترى الضب بها ينحجر

لأنها لو كان لها عمد كانت مرئية، وهذا في المعنى كالاستئناف لأنها حينئذ تكون جملة مستأنفة لبيان موجب أنّ السماوات رفعت بغير عمد كأنه لما قيل رفعها بغير عمد قيل ما الدليل عليه فقيل رؤية الناس لها بغير عمد واليه أشار بقوله للاستشهاد فهو كقول القائل:

أنا بلا سيف ولا رمح تراني

ويحتمل أن يكون استئنافًا بدون تقدير سؤال وجواب، وما قيل إنّ المراد بالعمد الغير المرئية جبل قاف غير مناسب رواية ودراية. قوله: (وهو دليل على وجود الصانع الحكيم الخ (كونها متساوية في الجرمية أمر مقزر مثبت في الكلام فما قيل إنه لا دليل عليه عقلا ونقلًا ناشئ عن عدم الاطلاع، وكذا احتمال كونها مركبة من أجزاء مختلفة الحقائق بعضها يقتضي الارتفاع وبعضها يقتضي التسفل، وانّ هذا دليل ظني فتدبر، وقوله ليس بجسم، ولا جسماني أي فيه خواص الأجسام كالتحيز إذ لو لم يكن كذلك لزم التسلسل، وقوله ما ذكر من الآيات أي من تسخير الشمس واخواته، وقوله بالحفظ، والتدبير إشارة إلى أنه ليس المراد بالاستواء ظاهره بل هو استعارة تمثيلية

216

لما ذكر كما مرّ تقريره، وقوله كالحركة المستمرّة أي في هذه النشأة، وقوله ينفع أي يجري العادة على ما أراده الله فليس ذهابا إلى تأثير العلويات. قوله: المدّة معينة يتم

فيها) وفي نسخة بها أدواره أو لغاية الخ إشارة إلى أنّ الأجل كما يطلق على مدّة الشيء يطلق على غايتها كما مرّ، وأنّ التسخير لمنافع العباد في هذه الدار وعن ابن عباس رضي الله عنهما كل منهما يجري إلى وقت معين فإنّ الشمس تقطع الفلك في سنة، والقمر في شهر لا يختلف جري واحد منهما كما في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [سورة ي!، الآية: 38، قيل وهذا هو الحق في تفسير الآية، وأمّا قول المصنف رحمه الله تعالى أو لغاية مضروبة الخ فلا يناسب الفصل به بين التسخير والتدبير، ثم إنّ غايتهما المذكورة متحدة، والتعبير بكل يجري صريح في التعذد، وما للغاية إلى دون اللام وما رذ به من أنه إن أراد أنّ التعبير به صريح في تعذد ذوي الغاية فمسلم لكن لا يجديه نفعًا وان أراد صراحته في تعدد الغاية فغير مسلم واللام تجيء بمعنى إلى كما في المغني وغيره، وهو إنما يقتضي صحته لا مناسبته للظاهر ولما بعده وهو الذي ذكره المرجح لتفسير ابن عباس رضي الله عنهما على ما اختاره المصنف رحمه الله تعالى فتأمّل، ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [سورة التكوير، الآية؟ أ] عبارة عن فناء العالم، وقيام الساعة كما سيأتي، وقوله أمر ملكوته أي ما يجري في ملكه. قوله: (ينزلها ويبينها مفصلة الخ) فالمراد بالآيات آيات الكتاب المنزلة وهو المناسب لما قبله أو المراد بالآيات الدلائل لأنه المناسب لما بعده، والمراد بالدلائل رفع السماوات بغير عمد الخ، وتفصيلها بمعنى إحداثها وقال غيره بمعنى تبيينها، والمراد بالدلائل ما يدل على وجود الصانع وصفاته وألوهيته، وحكمته وقدرته، ويلزم من معرفة ذلك العلم بصحة القول بالحشر والنشر والجزاء كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى بقوله أنّ من قدر الخ. قوله: (بسطها طولًا وعرضًا (استدل به بعضهم على تسطيح الأرض وأنها غير كرية بالفعل، وأن من أثبته أراد به أنه مقتضى طبعها كما بين في محله ورد بأنه ثبت كريتها بأدلة عقلية لكنه لعظم جرمها يشاهد كل قطعة، وقطر منها كأنه مسطح، وهكذا كل دائرة عظيمة، ولا يعلم كريتها إلا الله. قوله: (جمع راسية الخ (اعترض عليه بأنّ أئمة العربية كابن مالك وابن الحاجب، وأبي حيان صرّحوا بأن فواعل يجمع عليه فاعلة مطلقا، وفاعل إذا كان صفة مؤنث كحائض أو صفة ما لا يعقل مذكرًا كجمل بازل وبوازل أو اسما جامدًا أو ما جرى مجراه كحائط وحوائط، وأمّا صفة المذكر العاقل فلا تجمع عليه إلا شذوذًا كهالك وهوالك، ومن ظن أن فاعلًا المذكر لا يجمع عليه مطلقًا فقد غلط كما صرّج به ابن مالك في كافيته وشرحها، وهو مما لا شبهة فيه، وقد تبع المصنف

رحمه الله تعالى المشهور بينهم فأورد عليه ما أورد عليهم ثم إنّ ما ذكره لا يخلو من شيء لأنّ تاء المبالغة في فاعله غير مطردة، ولأن رواسي إذا كان صفة فموصوفه إمّا جبال أو أجبل والثاني غير مراد، ولأنه جمع جبل فيلزم كون مفرد رواسي راسيا والأوّل مفرده أيضا جبل لا أجبل لأنه ليس بجمع الجمع كما صرح به أهل اللغة، وأمّا قول أبي حيان رحمه الله تعالى بأنه غلب على الجبال وصفها بالرواسي، ولما استغنوا بالصفة عن الموصوف جمع جمع الاسم كحائط، وحوائط فلا حاجة إليه، وما أورد من أن الغلبة تكون بكثرة الاستعمال، والكلام في صحته من أوّل الأمر ففيما ذكره دور فيه نظر لأنّ كثرة استعمال الرواسي غير جار على موصوف تكفي لمدّعاه فتأمّل، وكذا ما قيل إنه جمع راسية صفة جبل مؤنث باعتبار البقعة. قوله: (على أنها صفة جبل الخ (لما كانت صيغة جمع الكثرة للفظ تنتظم أضعاف عدد جمع القلة لذلك اللفظ، وان أريد بجمع القلة غاية ما يصح أن يطلق عليه فلذا قيل أجبل راسية، وجبال رواس ورد عليه ما قيل من أنه إما أن يرأد بالجبال إلا جبلات جمع الجمع فلا يخطر ببال أحد، ولا يتوقف تحقيق مراد المصنف عليه فمن أورد على المصنف أنه لا حاجة إلى جعل مفردها صفة لجمع القلة، وهو أجبل بأن يعتبر في جمع الكثرة انتظامه لطوائف من جموع القلة ينزل كل منها منزلة مفرده فقد ألزمه ما لم يلزمه وإذا صح إطلاق أجبل راسية على جبال قطر مثلأ صح إطلاق الجبال على جبال جميع الأقطار من غير إرادة جعل الجبال جمع أجبلات، وبما ذكرنا تبين أيضا فساد ما قيل إنه لا مجال

217

لما ذكر فإن جمعية كل من صيغتي الجمعين إنما هي لشمول الأفراد لا باعتبار شمول جمع القلة للأفراد وجمع الكثرة لجموع القلة فكل منهما جمع جبل لا أنّ جبالًا جمع أجبل فتدبر. قوله:) وعلق بهما فعلاَ واحدأ (من حيث إن الجبال أسباب لتولدها هذا بناء على ما ذهب إليه بعض الحكماء من أن الجبال لتركبها من أحجار صلبة إذا تصاعدت إليها الأبخرة احتبست فيها، وتكاملت فتنقلب مياها، وربما خرقتها فخرجت منها والذي تدل عليه الآثار أنها تنزل من السماء، ولما كان نزولها عليها أكثر كانت كثيرا ما يخرج منها، ويكفي هذا لتشريكهما في عامل، وجعلهما جملة واحدة. قوله: (أي وجعل فيها من جميع أنواع الثمرات الخ) يعني أنّ معنى كون الثمرات زوجين زوجين أنّ كل ثمر مختلف بما ذكر وترك تفسيره بأن حين مدّ الأرض جعل كل صنف منها زوجين لأنه كما في الكشف دعوى بلا دليل، والزوج يطلق على الشيئين المزدوجين، وعلى كل واحد منهما فإن أريد الأول فاثنين مؤكد وإن أريد الثاني فمبين. قوله: (يلبسه مكانه فيصير الجوّ مظلمًا بعدما كان مضيئا) غشيه بمعنى ستره، وغشاه بكذا جعله ساترأ له، ومنه غاشية السرج، والنهار

زمان ظهور الشمس، وانتشار الضوء، والليل زمان غيبوبتها فليس أحدهما مسئورًا بالآخر فلذا جعلوه بمعنى غشيان مكان النهار واظلاله له، وذلك بمنزلة غشيانه نفسه، فالتجوّز في الإسناد بإسناد ما لمكان الشيء إليه، ويجوز فيه أن يكون استعارة كقوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [سورة الزمر، الآية: 5] يجعله مغشيا للنهار ملفوفا عليه كاللباس على الملبوس والأوّل أوجه وأبلغ ومكانه هو الجوّ وفي جعله مكانًا له تجوز لأنّ الزمان لا مكان له، والمكان للضوء الذي هو لازمه، واكتفى بذكر تغشية الليل النهار مع تحقق عكسه للعلم به منه مع أنّ اللفظ يحتملهما لأنّ التغشية بمعنى الستر، وهي أنسب بالليل من النهار. قوله: (فإنّ تكوّنها وتخصصها بوجه دون وجه الخ) قال الإمام الأكثر في الآيات إذا ذكر فيها الدلائل الموجودة في العالم السفلي أن يجعل مقطعها إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وما يقرب منه وسببه أنّ الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية فردّه الله تعالى بقوله لقوم يتفكرون لأنّ من تفكر فيها علم أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث من الاتصالات الفلكية ولذا عقبه بقوله: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ﴾ الخ ومن تأمّل هذه اللطائف علم اشتمال القرآن على علوم الأوّلين والآخرين ثم بين كيفية الاستدلال بما لخصه منه المصنف في قوله بعضها طيبة وبعضها سبخة الخ. قوله: (لاشتراك تلك القطع الخ)، وأمّا اشتراكها في الطبيعة الأرضية فظاهر لأنها بسيطة متحدة المادّة، وما يعرض لها بالعين المهملة على الصحيح، وفي بعض النسخ يفرض بالفاء أي ما يقدر لها وبينه بالأسباب السماوية، وقوله من حيث إنها متضامّة تعليل للاشتراك، وقوله متشاركة في النسب أي في نسب العلويات، وأوضاعها في الاقترانات ونحوها. قوله: (وبساتين فيها أنواع الأشجار والزروع) بساتين جمع بستان وهو الحديقة معرب بوستان، وفي الكشاف وفي بعض المصاحف قطعا متجاورات على معنى وجعل، وقرئ وجنات بالنصب للعطف على زوجين أو بالجرّ على كل الثمرات، وقرئ وزرع ونخيل بالجز عطفًا على أعناب أو جنات اهـ وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى الظاهر أنه على رفع جنات عطفا على قطع، وقرئ بنصبه عطفا على زوجين مفعول جعل، ومن كل الثمرات حالًا مقدّما لا صلة جعل لفساد المعنى عليه أي جعلنا فيها زوجين حال كونهما من كل الثمرات، وجنات من أعناب، ولا يجب تقييد المعطوف بقيد المعطوف عليه فإن قلت إنهم قالوا في قوله:

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [سورة التوبة، الآية: 25] إنه لازم قلت قال في الكشف مرادهم ثمة إنه الظاهر الذي لا يخالف إلا لقرينة وهاهنا القرينة قائمة وقرئ بجرّه عطفا على كل الثمرات على أن يكون هو مفعولًا بزيادة من في الإثبات وزوجين اثنين حالًا منه، والتقدير وجعل فيها من كل الثمرأت حالة كونها صنفين صنفين، وقوله وتوحيد الزرع يعني لم يقل زروعًا لأنه مصدر في أصله وفي نسخة في الأصل مصدر زرع يزرع زرعا فالمصدر شامل للقليل والكثير. قوله: (وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص وزرع ونخيل صنوان بالرفع عطفًا على وجنات) فيه تسمح بذكر صنوان كما في نسخة وفي نسخة إسقاطها، وهي ظاهرة لأنه ليس معطوفا بل تابع للمعطوف، وكذا في قوله وجنات بالواو كما

218

في النسخ، فإنّ المعطوف عليه جنات، ثم إنه إذا عطف على جنات فهو واضح، وأئا إذا عطف على أعناب والزروع لا تعد حدائق فجعله في الكشف نحو متقلدًا سيفا ورمحا أو المراد إنّ في الجنات فرجا مزروعة بين الأشجار، وهو أحسن منظرًا وأنزه.

قوله: (وقرأ حفص! بالضتم وهو لغة بني تميم كقنوان في جمع قنو) على قراءة الجمهور بالكسر هو مما اتحد فيه مثناه، وجمعه قال ابن خالويه في كتابه ليس، ولم يأت منه إلا ثلاثة أسماء صنو، وصنوان، وقنو وقنوان وزيد بمعنى مثل وزيدان، وحكى سيبويه شقد وشقدان وحش وحشان للبستان، وكون هذه مروية عن حفص نقله الجعيرقي رحمه الله تعالى في شرح الشاطبية فقال روى اللؤلؤي عن أبي عمرو القواس عن حفص ضمّ صاد صنوان فسقط ما قيل إنّ المصنف رحمه الله تعالى تبع فيه الإمام، ولكن لم تقع هذه القراءة منسوبة إلى حفص في كتب القرا آت المشهورة بل عزوها إلى ابن مصرف والسلمي، وزيد بن عليّ، وسبب اختلافهم أن القرا آت السبع لها طرق متواترة، وقد ينقل عنهم من طرق أخر قراءة فتكون شاذة، وقارئها أحد السبعة فأعرفه فإنه ينبني عليه أمور يعترض بها على الناقل كما هنا. قوله: (في الثمر (الأكل بضم الهمزة، والكاف وتسكن ما يؤكل، وهو هنا الثمر، والحب ففي كلام المصنف رحمه الله تعالى تغليب، والأصول هي العناصر، والأسباب ما ينمو به كالسقي، وحز الشمس، ونحوه مما جعله الله سببا لذلك، وقوله ليطابق قوله يدبر الأمر ليس المراد أنّ القراءة بالرأي لأجل هذا كما توهم بل كان وجه نزولها كذلك في تلك، وهذا هو الظاهر، وقوله يستعملون

عقولهم إشارة إلى أنه نزل منزلة اللازم. قوله: (وإن تعجب يا محمد من إنكارهم الخ) هكذا قرّره الزمخشريّ، واعترض عليه بأنّ هذا ليس مدلول اللفظ لأنه جعل متعلق عجبه ىسييه هو قولهم في إنكار البعث وجواب الشرط هو ذلك القول فيتحد الشرط، والجزاء إذ تقديره إن تعجب من إنكارهم البعث فأعجب من قولهم في إنكار البعث وهو غير صحيح، وإنما المعنى أن يقع منك عجب فليكن من قولهم أئذا متنا الخ. وما ذكره وجه حسن بجعل تعجب منزلًا منزلة اللازم، والخطاب للنبيّ ﷺ، وأمّا اعتراضه فغير صحيح لأنّ مرادهم بعد جعل الخطاب للنبيّ رسول الله ﷺ أنّ الشرط، والجزاء متحدان صورة ومتغايران حقيقة كقوله: " من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرقه إلى الله ورسوله " وقوله من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى وهو أبلغ في الكلام لأن معناه أنه أمر لا يكتنه كنهه ولا تدرك حقيقته وأنه أمر عظيم كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله حقيق بأن يتعجب منه، وقيل الخطاب عام أي وإن تعجب يا من نظر في هذه الايات، وعلم قدرة من هذه أفعاله فازدد تعجبًا ممن ينكر مع هذا قدرته على البعث، وهو أهون شيء عليه، وقيل المعنى إن تجدد منك التعجب لإنكارهم البعث فاستمرّ عليه فإن إنكارهم ذلك من الأعاجيب كما تدل عليه الاسمية. قوله:) فإنّ من قدر على إنشاء ما قصى عليك الخ (يعني ما ذكر سابقًا من الأمور العجيبة التي تدلّ على قدرة يصغر عندها كل عظيم، ودلالة ما ذكر على المبدأ ظاهرة، وكذا قبول موادها التصرّفات بنموها، واخراجها الثمر، وغير ذلك. قوله: (بدل من قولهم (قال أبو حيان رحمه الله تعالى هذا إعراب متكلف، والوجه هو الثاني من أنه مقول القول، والقرا آت في أئذا وأئنا مسطورة في فنها، وقوله والعامل في إذا محذوف دل عليه أئنا لفي خلق جديد، وهو نبعث قال أبو البقاء رحمه الله تعالى، ولا يجوز أن يعمل فيه ما بعد أن، والاستفهام لأنّ معمول ما بعدهما لا يجوز تقدمه عليهما، ولا كنا لأنّ إذا مضافة إليه وردّ الثاني في المغني بأنّ إذا عند من يقول بأنّ العامل فيها شرطها، وهو المشهور غير مضافة كما يقوله الجميع إذا جزمت كقوله:

واذا تصبك خصاصة فتحمل

قيل فالوجه في ردّه أنّ عمله فيها موقوف على تعيين مدلولها، وتعيينه ليس إلا بشرطها فيدور، وفيه نظر لأنها عندهم بمنزلة متى، وايان غير معينة بل مبهمة كما في ذكره القائلون به،

وصرّج به في المغني. قوله: (لآنهم كفروا بقدوته على البعث) كما يدل عليه ما قبله من إنكارهم له، وهو كفر بالله لأنّ من أنكر قدرته فقد أنكره لأنّ الإله لا يكون عاجزًا، ولأنه تكذيب لله، ولرسله عليهم الصلاة والسلام المتفقون عليه. قوله: (مقيدون بالضلالة لا يرجى

219

خلاصهم الخ) يعني هذه الجملة إن نظر إلى ما قبلها، وجعلت وصفا لهم بامتناعهم من الإيمان، واصرارهم على الكفر فهي تشبيه، وتمثيل لحالهم في الدنيا في الإصرار، وعدم الالتفات إلى الحق بحال طائفة في أعناقهم أغلال لا يمكنهم الالتفات كقوله:

كيف الرشاد وقد خلفت في نفر لهم عن الرشد أغلال وأقياد

وان نظر إلى ما بعدها تكون لوصف حالهم في الآخرة إمّا حقيقة، وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى وامّا تشبيهًا لحالهم بحال من يقدم للسياسة. قوله: (وتوسيط الفصل لتخصيص! الخلود بالكفار) يعني أنّ الخلود هنا على ظاهره لا بمعنى المكث الطويل فالمراد بأصحاب النار الكفار، والخلود مقصور عليهم ولذا وسط الضمير، وأورد عليه أنه ليس ضمير فصل لأنّ شرطه أن يقع بين مبتدأ، وخبر ويكون اسما معرفة أو مثل المعرفة في أنه لا يقبل حرف التعريف كأفعل التفضيل، وهذا ليس كذلك، وقيل في جوابه مراد. بضمير الفصل الضمير المنفصل، وأنه أتى به وجعل الخبر جملة مع أنّ الأصل فيه الإفراد لقصد التخصيص، والحصر كما في هو عارف، ولا يخفى أنه من عناية القاضي، ولو قيل إنّ الزمخشريّ لا يتبع النحاة في اشتراط ما ذكر كما أنّ الجرجاني والسهيلي جوّزاه إذا كان الخبر فعلًا مضارعا واسم الفاعل مثله وقد تبعه المصنف رحمه الله تعالى لكان أقرب. قوله: (بالعقوبة قبل العافية) يعني أنّ المراد بالسيئة العقوبة التي هدّدوا بها والمراد بالحسنة السلامة منها، والخلاص منها، والمراد بكونها قبل العافية أنّ سؤالها قبل سؤالها أو أنّ سؤالها قبل انقضاء الزمان المقدر لها. قوله تعالى: (﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ﴾ الخ) الجملة حالية، ويجوز أن تكون مستأنفة، والمثلات قراءة العامّة فيها فتح الميم وضمّ الثاء جمع مثلة كسمرة وسمرات، وهي العقوبة

الفاضحة، وفسرها ابن عباس رضي الله عنهما بالعقوبة المستأصلة للعضو كقطع الأذن، ونحوه سميت بها لما بين العقاب، والمعاقب عليه من المماثلة كقوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [سورة الثررى، الآية: 40] أو هي مأخوذة من المثال بمعنى القصاص يقال أمثلته وأقصصته بمعنى واحد أو هي من المثل المضروب لعظمها، وقرأ ابن مصرف بفتح الميم وسكون الثاء، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ ابن وثاب بضم الميم وسكون الثاء، وهي لغة تميم، وقرأ الأعمش ومجاهد بفتحهما، وعيسى بن عمر وأبو بكر بضمهما إفا الضم، والإسكان فهي لغة أصلية أو مخففة من مضموم العين، وأفا ضمهما فلغة أصلية، ويحتمل أنه اتبع فيه العين للفاء، وقوله عقوبات أمثالهم العقوبات تفسير للمثلات كما مرّ، وأمثالهم مأخوذ من قوله، وقد خلت من قبلهم، وقوله المثلة بفتح الثاء، وضمها يعني كلاهما لغة فيها، وقوله لأنها مثل المعاقب عليه أي الذنب، وقوله إذا قصصته أي اقتصصت منه، وقوله وقرئ المثلات بالتخفيف أي تسكين الثاء بعد فتح الميم، وهو في الأصل مضموم العين أو مفتوحها أو هي لغة كما مز، وقوله والمثلات أي بضمتين، والثانية أصلية أو حركة اتباع، وقوله اتباع الفاء العين مصدو مضاف لفاعله أو مفعوله، وقوله والمثلات بالتخفيف بعد الاتباع أي بضم الميم، وسكون الثاء تخفيف المثلات بضمتين، ولم يجعله أصليا لأنّ قياسه بالفتح كحجرة، وحجرات، وقوله والمثلات أي بضم الميم وفتح الثاء كركبة وركبات. قوله: (مع ظلمهم أنفسهم ومحله النصب الخ) أي الجارّ والمجرور حال من الناس والعامل فيها هو العامل في صاحبه وهو المغفرة وهذه الآية ظاهرة في مذهب أهل السنة وهو جواز مغقرة الكبائر، والصغائر بدون توبة لأنه ذكر المغفرة مع الظلم أي الذنب، ولا يكون معه إلا قبل التوبة لأنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وهم يؤولونها بأنّ المراد مغفرة الصغائر لمجتنب الكبائر أو مغفرتها لمن تاب أو المراد بالمغفرة معناها اللغوي، وهو الستر بالإمهال، وتأخير عقابها إلى الآخرة، ولا يرد عليه أنه تخصيص للعام من غير دليل لأنّ الكفر خص منها بالإجماع فيسري التخصيص إلى ذلك لأنه لو حمل على ظاهره لكان حثا على ارتكابها، وفيه نظر نعم التأويل الأخير في غاية البعد لأنه كما قال الإمام! لا يسمى مثله مغفرة، هالا لصح أن يقال إنّ الكفار مغفورون يعني أنه مخالف للظاهر، ولاستعمال القرآن فلا يتوجه عليه أنّ المغفرة حقيقتها في اللغة الستر، وكونهم مغفورين بمعنى مؤخر عذابهم إلى الآخرة لا محذور فيه

220

وهو المناسب لاستعجالهم العذاب. قوله: (لشديد العقاب للكفار (التخصيص لأنّ ما قبله في شأنهم، والتعميم هو المتاسب لقوأ، للناس قبله، والحديث المذكور أحض جه ابن أبي حاتم والثعلبي، والواحدي من حديث سعي! 3بئ

المسيب مرسلا، وقوله: " لما هنأ " بالهمزة أي ما التذ وتهنأ به، وقوله: " لا تكل كل أحد " أي اعتمد على عفو الله وكرمه فترك العمل. قوله: (لعدم اعتدادهم بالآيات المنزلة الخ (يعني قولهم هذا يقتضي عدم النزول، وهو مخالف للواقع فإمّا أن يكون لعدم الاعتداد بما أنزل علي! أو المراد آية مما كان للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قبله كالعصا واحياء الموتى وتنوين آية للتعظيم، ويجوز أن يكون للوحدة، والفرق بين الوجهين في كلام المصنف رحمه الله تعالى ظاهر. قوله: (مرسل للإنذار كغيرك من الرسل عليهم الصلاة والسلام الخ) يعني لما لم يعتدوا بالآيات المنزلة، ولم يجعلوها من دلائل النبوّة بل ما اقترحوه تعنت قيل إنما أنت منذر لا منصوب لإجابتهم في مقترحاتهم، ولك أسوة بسائر الرسل المنذرين الذين لم ينتصبوا لإجابة المقترحين، وجملة الله يعلم على هذا استئنافية جواب سؤال، وهو لماذا لم يجابوا لمقترحهم فتنقطع حجتهم فلعلهم يهتدن بأنه آمر مدبر عليم نافذ القدرة فعال لما تقتضيه حكمته البالغة دون آرائهم السخيفة فهاد عبارة عن الداعي إلى الحق المرشد بالآية التي تناسب كل نبيئ، والتنكير للإبهام، والحصر إضافيّ أي إنما عليك البلاغ لا إجابة المقترحات، والوجه الثاني أنهم لما أنكروا الآيات عنادًا لكفرهم الناشئ عن التقليد، ولم يتدبروا الآيات قيل إنما أنت منذر لا هاد مثبت للإيمان في صدورهم صاذ لهم عن جحودهم فإنه إلى الله وحده فالهادي هو الله والتنكير للتعظيم، وقوله الله أعلم تفسير لقوله هاد أو جملة مقرّرة مؤكدة لذلك والحصر إضافيّ أي عليك الإنذار لا هدايتهم، وأيصالهم إلى الإيمان، وقوله نبيّ مخصوص بمعجزات تليق به وبرماته كما أن موسى عليه الصلاة والسلام لما كان في عصره السحر جعلت آياته قلب العصا، وخوها، وعيسى عليه الصلاة والسلام لما غلب على قومه الطب أبرأ ا! مه، وأتى بما أتى، ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، لما بعث بين أظهر قوم بلغاء جعل أشهر آياته، وأعظمها القرآن مع ما ضمّ إلى ذلك مما فإن معجزة كل نبيّ، وهذه جملة مستأنفة، ويجوز عطف هاد على منذور جعل المتعلق مقدّما عليه للفاصلة لكن الأولى خلافه لما فيه من الفصل بين العطف، والمعطوف بالجارّ، والمجرور المختلف فيه عند النحاة إلا أنّ هذا يدل على عموم رسالته وشمول دعوته وقد يجعل خبر مبتدأ مقدر أي وهو هاد أو وأنت هاد وعلى الأوّل فيه

التفات. قوله: (أو قادر على هدايتهم) عطف على قوله نبيّ وتنوينه للتعظيم والتفخيم كما مز، وفي الكشاف إنّ هذا ناظر إلى الوجه الآخر في تفسير قوله لولا أنزل عليه، وقوله تنبيها على أنه تعالى قادر الخ ناظر إلى قوله على كمال علمه وقدرته وجار على تفسير الهادي وقيل إنه مخصوص بتفسيره بالنبيّ رسول الله ﷺ فقط وفيه نظر. قوله: (وإنما لم ينزل لعلمه الخ) إشارة إلى أنّ قوله الله يعلم الخ جواب سؤال مقدّر كما بيناه وقوله لعلمه بأنّ اتتراحهم للعناد فلا يفيد أو يستوجب الاستئصال، وقوله وأنه قادر على هدايتهم عطف على أنه تعالى قادر وناظر إلى قوله، وشمول قضائه، وقدره، وإلى الثاني من معنى الهادي. قوله: (وإنما لم يهدهم لسبق قضائه عليهم بالكفر (قيل إنه لا يقطع السؤال فالأولى أن يقال لحكمة لا يعلمها إلا الله ورد بأنّ المراد أنه سبق قضاؤه به لعلمه بأنهم يختارون الكفر فلا يلزم الجبر وينقطع السؤال على هذا الوجه الآية جواب سؤال أي لم لم يهدهم وأقيم الظاهر فيها مقام المضمر. قوله: (أي حملها أو ما تحمله) يعني ما إمّا مصدرية أو موصولة، والعائد محذوف ويجوز أن تكون موصوفة وعلى الأوّل الحمل بمعنى المحمول، وعلم قيل إنها متعدية إلى واحط هنا فهي عرفانية ونظر فيه بأنّ المعرفة لا يصح استعمالها في علم الله، وقد مرّ الكلام فيه مفصلا، وقوله وأنه عطف تفسير وفي أكثر النسخ إنه بدون عاطف فهو بدل اشتمال لا مفعول ثان لعلم لأنه لا يجوز الاقتصار على أحد مفعولي باب علم، وفيه كلام في العربية، وجوّز في ما أن تكون استفهامية معلقة لعلم، والجملة سادة مسذ المفعولين، وما مبتدأ أو مفعول مقدم، وهو خلاف الظاهر المتبادر ففيها ثلاثة وجوه تجري فيما بعدها.

221

قوله:) وما تنقصه وما تزداده (يقال غاض الشيء وغاضه غيره كنقص، ونقصه غيره فيكون متعديا ولازما كذا ازداد، وفسر الزيادة، والنقص بأن تكون في الجثة أو في مدة الحمل أو في عدده لإطلاقه واحتماله لما ذكر، والخلاف في أكثر مدة الحمل، وأقلها مفصل في كتب الفروع، وهرم بوزن كتف وحيان بالمثناة التحتية بالصرف وعدمه وما نقله عن الشافعي رضي الله تعالى عنه من وضع خمسة أولاد في بطن واحد من

النوادر وقد وقع مثله في هذا العصر لكن ما زاد على اثنين لضعفه لا يعيش إلا نادرًا. قوله:) وقيل المراد نقصان دم الحيض الخ (فيجعل الدم في الرحم كالماء في الأرض يظهر تارة، ويغيض أخرى وتعدى هذين ولزومهما متفق عليه بين أهل اللغة، وقوله تعين ما أن تكون مصدرية، وفي نسخة تعين أن تكون ما مصدرية، وهي أحسن، وتعين المصدرية لعدم العائد، وعلى التعذي يحتمل الوجهين، وقوله واسنادهما إلى الأرحام يعني على وجهي التعدي، واللزوم، وقوله فإنهما لله يعني على التعذي أو لما فيها على اللزوم ففيه لف، ونشر تقديري. قوله:) بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه الخ) أي مما كان وما هو كائن موجودًا أو معدوما إن شملهما الشيء، والا فهو معلوم بالدلالة، وعنده صفة كل أو شيء، وقوله وهيأ له أسبابًا أي لوجوده وبقائه حسبما جرت به العادة الإلهية، وقوله وقرأ ابن كثير هاد ووال الخ أي كل منقوص غير منصوب اختلف فيه القراء في إثبات الياء وحذفها وصلا ووقفًا كما فصل في علم القرا آت. قوله:) الغائب عن الحس (مرّ تحقيقه في البقرة، والشهادة الحاضر له أي للحس، وقوله الكبير العظيم الشأن يعني أن الكبر في حقه تعالى لتنزهه عن صفات الأجسام عبارة عن عظم الشأن، وقال الطيبي أن معنى الكبير المتعال بالنظر لما وقع بعده، وهو عالم الغيب والشهادة هو العظيم الشأن الذي يكبر عن صفات المخلوقين ليضمّ مع العلم العظمة، والقدرة بالنظر إلى ما سبق من قوله ما تحماى كل أنثى الخ مع إفادته التنزيه عما يزعم النصارى، وألمشركون وعالم الغيب خبر مبتف أمحدوف أو هو مبتدأ والكبير خبره أو خبر بعد خبر، وقوله الذي لا يرج أي لا يزول، وفي نسخة لا يخرج وصفه به بقرينة ما سبقه من قوله عالم الغيب، والشها إة. قوله: (أو الذي كبر عن نعت المخلوقين وتعالى عنه (معطوف على قوله العظيم الشآن لا على قوله الذي لاب-ء لأنه تفمص جر آخر للكبير المتعال فمعناه على الأوّل العظيم الشأن المستعلب على كل شيء في ث اته، ويهلما / وسائر صفاته، وعلى هذا معناه الكبير الذي يجل عما نعته به الخلق، ويتعالى عن! ذالأوّل-خزب؟ ء له في ذاته وصفاته عن مداناة شيء منه، وعلى هذا معناه-:! يهه عما وصفه الىءصفرد به فهـ، رذ لهم كقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة

المؤمنون، الآية: 91] . قوله: (سواء منكم من اسرّ القولي ومن جهر به الخ) فيه وجهان أحدهما أنّ سواء خبر مقدم، ومن مبتدأه مؤخر، ولم يثن الخبر لأنه مصدر في الأصل، وهو الآن بمعنى مستو منكم حال من الضمير المستتر فيه لا في أسرّ، وجهر لأنّ ما في حيز الصلة، والصفة لا يتقدم على الموصول والموصوف، وقيل سواء مبتدأ لوصفه بمنكم، ونقل عن سيبويه، وفيه الأخبار عن النكرة بالمعرفة، ومعنى أسرّ القول أخفاه في نفسه، ولم يتلفظ به، وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو أبلغ، وقيل تلفظ به بحيث يسمع نفسه دون غيره، والجهر ما يقابل السرّ بالمعنيين لكن على هذا ينبغي تفسير الجهر بما لم يضمر في النفس والمصنف رحمه الله تعالى فسره بمعناه المتبادر لأنه أبلغ لدلالته على استواء الكلام النفسي والكلام الذي يسمعه الغير عنده فتنبه. قوله: (طالب للخفاء في مختبا بالليل (أي محل الاختباء، وهو الاختفاء، وينبغي أن يكون قوله في مختبأ صفة طالب ليفيد الاختفاء إذ مجرّد الطلب له غير كاف هنا والسارب اسم فاعل من سرب إذا ذهب في سربه أي طريقه، ويكون بمعنى تصرّف كيف شاء، وأريد به هنا لازم معناه، وهو بارز وظاهر لوقوعه في مقابلة مستخف والمصنف رحمه الله تعالى ذهب إلى أنّ سرب حقيقة بمعنى برز، وهو ظاهر. قوله: (وهو عطف على من أو مستخف) أي سارب يعني إن سواء بمعنى الاستواء يقتضي ذكر شيئين، وهنا إذا كان سارب معطوفا على جزء الصلة أو الصفة يكون شيئا واحدًا فدفع بوجهين أحدهما أن سارب معطوف على من هو الخ لا على ما في حيزه كأنه قيل سواء منكم إنسان هو مستخف وآخر هو سارب قال في الكشف، والنكتة في زيادة هو في الأوّل أنه الدال على كمال العلم فناسب زيادة

222

تحقيق، وهو النكتة في حذف الموصوف عن سارب أيضًا، وهو الوجه في تقديم أسرّ وأعماله في صريح القول، وأعمال جهر في ضميره، والثاني أنه متعدد المعنى كأنه قيل سواء منكم اثنان هما مستخف وسارب وعلى الوجهين من موصوفة لا موصولة فيحمل الأولان على ذلك ليتوافق الكل، وايثارها على الموصولة دلالة على أنّ المقصود الوصف فإنه متعلق العلم، ولو قيل الذي أسرّ الخ وأريد الجنس كما في قوله:

ولقد أمز على اللئيم يسبني

فهو والأوّل سواء لكن الأوّل نص وان أريد المعهود حقيقة أو تقديرًا لزم إيهام خلاف المقصود كما مز، وأمّا الحمل على حذف الموصوف بتقدير ومن هو سارب كقوله:

فليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب

وقول حسان رضي الله تعالى عنه:

ومن يهجورسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء

على ما نقل في الحواشي فضعيف جدًا لما فيه من حذف الموصول، وصدر الصلة فإنه،

وإن ذكر النحاة جواز كل منهما لكن اجتماعهما منكر بخلاف ما في البيتين، وما قيل المقصود استواء الحالتين سواء كانا لواحد أو لاثنين، والمعنى سواء استخفاؤه وسروبه بالنسبة إلى علم الله فلا حاجة إلى التوجيه بما مرّ وكذا حال ما تقدمه فعبر بأسلوبين والمقصود واحد لا تساعده العربية لأنّ من لا تكون مصدرية، ولا سابك في الكلام فكيف يتأتى ما ذكره. قوله: (كقوله الخ) هو للفرزدق من شعر مشهور ذكر فيه ذئبا لقيه بفلاة فصحبه وأضافه ومنه:

فقلت له لماتكشرضاحكا وقائم سيفي من يدي بمكان

تعش فإن عاهدتني لاتخونني نكن مثل من ياذئب يصطحبان

والشاهد فيه إطلاق من على متعدد ومراعاة معناه بتثنية الضمير، وقوله وقائم سيفي أي

وأنا قابض على سيفي متمكن منه يظهر تجلده وشجاعته وكشر بمعنى أبدى أسنانه ضاحكا لي، وهذا عكس قول المتنبي:

إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أنّ الليث مبتسم

ولكل وجهة وقوله يا ذئب معترض! ببن أجزاء الصلة. قوله: (والآية متصلة بما قبلها

مقررة لكمال علمه وشموله) أي جملة سواء الخ متصلة بقوله عالم الغيب والشهادة الخ اتصالًا معنويا لأنها مؤكدة له، ولذا لم تعطف عليه وضمير شموله للعلم، وقوله سواء منكم اثنان اثنان معنى من واسقط هو للاستغناء عنه في بيان المعنى، واعتبره في الكشأف فقال اثنان هما مستخف وسارب فإفراد الضمير للفظ من وتقسيمه لاعتبار معناه وفي البيت اعتبر معناه فقط. قوله: (لمن أسرّ أو جهر الخ) يعني أنّ الضمير المفرد المذكر لما مرّ باعتبار تأويله بالمذكور واجرائه مجرى اسم الإشارة، وكذا المذكور بعده، وجعل ضمير له لله وما بعده لمن تفكيك للضمائر من غير داع، وقيل الضمير لمن الأخير، وقيل للنبي لأنه معلوم من السياق. قوله: (ملانكة تعتقب في حفظه (يعني أنه جمع معقبة من عقب مبالغة في عقب فالتفعيل للمبالغة والزيادة في التعقيب فهو تكثير للفعل أو الفاعل لا للتعدية لأنّ ثلاثيه متعد بنفسه، وقوله إذا جاء على عقبه أصل معنى العقب مؤخر الرجل، ثم تجؤز به عن كون الفعل بغير فاصل ومهلة كان

أحدهم يطأ عقب الآخر قال الراغب عقب إذا تلاه نحو دبره وقفاه. قوله: (كان بعضهم يعقب بعضًا (أي يطأ عقبه وهو مؤخر رجله، وإنما قال كأنّ لأنه لا وطء ولا عقب ثمة وان أتى أحدهما بعد الآخر ومن لم يتنبه لمراده قال الظاهر أن يقول فإنّ ولعل وجه ما في الكتاب هو ما روي عنه عليه الصلاة والسلام إنه قال: كما في البخاري " ثتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر " يعني أنّ اجتماعهم يقتضي عدم التعاقب فلذا قال كأنّ لأنه لا تعاقب في الحقيقة، وكذا ما قيل إنه عبر به لعدم جزمه به فإنه كيف يظن بالمصنف رحمه الله تعالى عدم الجزم بما صرّح به في الصحيحين، ولك أن تقول إنما لم يجزم بأنه مراد من الآية لأنّ له ملائكة كتبة وحفظة والظاهر تغايرهما. قوله:

223

(أو لأنهم يعقبون أقواله وأفعاله) أي يتبعونها ومنه تعقب فلان كلام فلان، والمراد من التتبع الحفظ بالكتابة، ولذا عطف عليه قوله فيكتبونه وكان الظاهر فيكتبونها ولكنه أراد ما يصدر منه وما ذكر وهذا معطوف على ما قبله بحسب المعنى.

قوله: (أو اعتقب) أي هو من باب الافتعال، وقوله فأدغمت التاء في القاف تبع فيه الكشاف، وقد اتفقوا على ردّه بأنّ التاء لا تدغم في القاف من كلمة، أو كلمتين وقد قال أهل التصريف أن القاف والكاف كل منهما يدغم في الآخر، ولا يدغمان في غيرهما. قوله: (والتاء للمبالغة) أي تاء معقبة لأنّ المراد به الملائكة، وهي غير مؤنثة فتاؤه للمبالغة كما في علامة أو هي صفة جماعة، ولذا أنثت فمعقبات جمع معقبة مراد به الطائفة منهم. فوله:) وقرئ معاقيب جمع معقب أو معقبة على تعويض الياء من إحدى القافين) وفي نسخة من حذف إحدى القافين في التكسير لأنه جمع معقب أو معقبة بتشديد القاف فيهما، وقال ابن جني إنه تكسير معقب كمطعم ومطاعيم فجمع على معاقبة، ثم حذفت الهاء من الجمع وعوضت الياء عنها وهذا أظهر وأنسب بالقواعد مما تكلفوه. قوله:) من جوانبه أو من الأعمال ما قدّم وأخر) قال المعرب من بين يديه متعلق بمحذوف على أنه صفة معقبات، ويجوز أن يتعلق بمعقبات ومن لابتداء الغاية ويجوز أن يكون حالًا من الضمير في الظرف الواقع خبرا والكلام على هذه الأوجه تمّ عند قوله

ومن خلفه فإذا تعلق بمعقبات فالمعنى أنها تحفظ ما قدم وأخر من الأعمال، وهو عبارة عن حفظ جميع أعماله وهو الوجه، وان كان صفة أو حالًا فالمعنى أنّ المعقبات محيطة بجميع جوانبه. قوله: (من بأسه متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له الخ) فمن على هذا متعلقة بيحفظون صلة له، وكذا على توله يحفظونه من المضارّ، وكذا قوله بالاستمهال أو الاستغفار أي يحفظونه باستدعائهم من الله أن يمهله ويؤخر عقابه ليتوب فيغفر له أو يطلبون من الله أن يغفر له ولا يعذبه أصلا. قوله: (أو يراقبون أحواله من أجل أمر الله تعالى) إياهم، وقد قرئ به أي يحفظونه لأمر الله لهم بحفظه فمن ثعليلية والقراءة باللام لم يذكرها الزمخشري،، -انما ذكر القراءة بالباء السببية، ولا فرق بين العلة والسبب عند النحاة وان فرق بينهما أهل المعقول فقوله، وقيل من بمعنى الباء محل نظر. قوله: (وقيل من أمر الله صفة ثانية الا صلة كالوجه المتقدم، والصفة الأولى يحفظونه فإن كان من بين يديه صفة أيضا فهي ثالثة، ويجوز أن يريد بالثانية من بين يديه على أن جملة يحفظونه مستأنفة أو حالية. قوله: (وقيل المعقبات الحرس والجلاوزة) جمع جلواز وهو الشرطي من الجلوزة، وهي سرعة الذهاب والمجيء والحرس حرس السلطان والواحد حرسيّ، وهو وان كان جمع حارس لكنه صار اسم جنس لهؤلاء بالغلبة كالأنصار فلهذا نسب إليه وان كان القياس حارسيّ بردّ الجمع إلى واحدة في النسبة. قوله: (يحفظونه في توهمه من قضاء الله تعالى) يعني لا راذ لما قضى ولا حافظ منه إلا هو ومن جعله حافظا كالحفظة فجعل الحرس حفاظا إن كان على زعمه وتوهمه فهو حقيقة، وان لم يعتبر ذلك فهو استعارة تهكمية كبشرهم بعذاب أليم فهو مستعار لضده، ولذا قيل المعنى لا يحفظونه. قوله: (من الآحوال الجميلة بالآحوال القبيحة) فالمراد بما في أنفسهم ما أتصفت به ذواتهم من ذلك لا ما أضمرو. ونووه والمراد بالتغيير تبديله بخلافه لا مجرّد تركه، وليس المراد أنه لا يصيب أحد إلا بتقدم ذنب منه حتى يقال إنه قد يصاب بذنب غيره كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [سورة الأنفال، الآية: 25] وإنه قد يستدرح المذنب بتركه إذ المراد إنه عادة الله في الأكثر، وأنها جارية بهذا إذا اتفقوا عليه وأصروا فلا ينافي غيره كما توهمه، ولك أن تقول إن قوله: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ﴾ [سورة الرعد، الآية: 11] تتميم لتدارك ما ذكر. قوله: (فلا رذ له) يثير إلى أن مردّ مصدر ميمي، وقوله فالعامل في إذا ما دل عليه الجواب لأنّ ما بعد الفاء ومعمول المصدر لا يتقدم عليه على الصحيح،

والتقدير لم يرذ أو وقع ونحوه، وقوله فيدفع عنهم السوء ليس هذا مكررًا مع ما قبله، ولا قوله يدفع مصحف يرفع بالراء ليكون الأوّل دفعا، وهذا رفعا كما توهم

224

لأنّ هذا عام بعد خاص أي لا يلي جميع أمورهم غير الله من خير ونفع فلا يضر اندراج الدفع فيه ودخوله دخولًا أوليًا لأنه مقتضى السياق. قوله:) وفيه دليل على أنّ خلاف مراد الله تعالى محال (فإن قلت الآية إنما تدل على أنه إذا أراد الله بقوم سوءًا وجب وقوعه، ولا تدل على أن كل مراد له كذلك، ولا على استحالة خلافه بل على عدم وقوعه قلت لا فرق بين إرادة السوء به وإرادة غيره فإذا امتنع رد السوء فغيره كذلك، والمراد بالاستحالة عدم الإمكان الوقوعي لا الذاتي كذا قيل، وفيه تأمل. قوله: (خوفًا من أذا وطمعًا في النيث) المراد بالأذى الصواعق ونحوها والطمع في غيثه فالخائف والطامع واحد والقول الآتي بالعكس. قوله:) وانتصابهما على العلة بتقدير المضاف (إذا كان مفعولًا له وأشترط اتحاد فاعل العلة، والفعل المعلل احتاج هذا للتأويل لأن فاعل الإراءة هو الله، وفاعل الطمع والخوف غيره فأمّا أن يقدر فيه مضاف، وهو إرادة أي إراءتهم ذلك لإرادة أن يخافوا وأن يطمعوا فالمفعول له المضاف المقدر وفاعلهما واحد أو الخوف والطمع موضوع موضع الإخافة، والإطماع كما وضع النبات موضع الإنبات في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [سورة نوح، الآية: 17 م فإنّ المصادر ينوب بعضها عن بعض أو هو مصدر محذوف الزوائد كما في شرح التسهيل على أذ 4 قد ذهب جماعة من النحاة كابن خروف إلى أن اتحاد الفاعل ليس بشرط، وقيل إنه مفعول له باعتبار أن المخاطبين رائين لأن إراءتهم متضمنة لرؤيتهم والخوف والطمع من أفعالهم فهم فعلوا الفعل المعلل به، وهو الرؤية فيرجع إلى معنى قعدت عن الحرب جبنا ورد بأنه لا سبيل إليه لأنّ ما وقع في معرض! العلة الغائية لا سيما الخوف لا يصلح علة لرؤيتهم، وهو كلام واه لأن القائل صرح بأنه من قبيل قعدت عن الحرب جبنا يريد أن المفعول له حامل على الفعل وليس من قبيل ضربته تأديبا فلا وجه للرد المذكور، وقيل التعليل هنا مثله في لام العاقبة لا أن ذلك من قبيل قعدت عن الحرب جبنًا كما ظن لأنّ الجبن باعث على القعود دونهما للرؤية، وهو غير وارد لأنه باعث بلا شبهة، وما قيل عليه من أنّ اللام المقدرة في المفعول له لم يقل أحد بأنها تكون لام العاقبة ولا يساعده الاستعمال ليس بشيء كيف، وقد قال النحاة: كما في الدرّ أنه كقول النابغة الذبيا ني:

وحلت بيوتي في يفاع ممنع تخال به راعي الحمولة طائرا حذارأعلى أن لا تنال مقادتي ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا

ثم إن قوله ليس ما نحن فيه مثل قعدت عن الحرب جبنا لا! الخوف والطمع ليسا

مقدمين على الرؤية كالجبن، وإنما يحصلان في حال الرؤية إلا أن يراد بهما الملكة النفسانية فيكون إراءة الله لهم لما جبلوا عليه عند رؤيتهم من الخوف، والطمع لا يخفى ما فيه من التعسف، وقد علمت أنه غير وارد وسيأتي لهذا تتمة في سورة الروم. قوله: (أو الحال من البرق أو المخاطبين (معطوف على العلة، وقوله على إضمار ذو في نسخة ذا وفي أخرى ذوي فالمراد تقدير مضاف من هذا النوع أو جعل المصدر حالًا مبالغة أو تأويله باسم فاعل أو مفعول، وقوله بمعنى المفعول أو الفاعل، لف ونشر مرتب، وقوله وقيل الخ تقدم الفرق بينه وبين الوجه السابق وهو ظاهر، وقوله من يضره كالمسافر ونحوه وقوله المنسحب في الهواء أي المنجر فيه إشارة إلى وجه تسميته سحابا. قوله: (وهو جمع ثقيلة وإنما وصف به السحاب الخ (أي لأنه اسم جنس في معنى الجمع فكأنه جمع سحابة ثقيلة لا أنه جمع أو اسم جنس جمعيّ لإطلاقه على الواحد وغيره. قوله: (ويسبح سامعوه (فهو على حذف مضاف، أو إسناد مجازفي للحامل والسبب، وقوله ملتبسين إشارة إلى أن الباء للملابسة وأن الجار والمجرور حال، وقوله فيضجون بالضاد المعجمة والجيم وفي نسخة يصيحون من الصياج، ومعناهما متقارب يشير إلى أنه على ظاهره بمعنى قول ذلك. قوله: (أو يدل الرعد بنفسه على وحدانية الله) فالإسناد على حقيقته، والتجوّز في التسبيح والتحميد إذ شبه دلالته بنفسه على تنزيهه عن الشرك والعجز بالتسبيح والتنزيه اللفظي، ودلالته على فضله ورحمته بحمد الحامد لما فيها من الدلالة على صفات الكمال، وقيل إنه مجاز مرسل استعمل في لازمه والأوّل أولى فهو على حد قوله وإن من شيء إلا

225

يسبح بحمده. قوله:) وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الخ) أخرجه الترمذيّ وصححه النسائي والمخاريق جمع مخراق وهو ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضًا إذا لعبوا ويطلق على السيف مجازًا فالمراد أنه آلة تسوق بها الملائكة السحاب فالرعد اسم لملك، ولذلك الصوت أيضا ولا تجوّز فيه حينئذ وقوله من خوف الله إشارة إلى أنه مصدر، وليس المراد به النوع، وقوله فيصيب إما تفريع أو تفسير ومن مفعول يصيب، والباء

للتعدية ومفعول يشاء محذوف مع العائد أي من يشاء إصابته، وعن ابن عباس رضي الله عنهما من سمع صوت الرعد فقال سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير إن أصابته صاعقة فعليّ ديته، وعنه أيضا إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله فإنه لا يضرّ ذاكرا. قوله: (حيث يكذبون رسول الله ﷺ فيما يصفه به الخ) فالمراد بالمجادلة في الله المجادلة في شأنه، وما أخبر به عنه مما جاء به الرسول ﷺ إليهم، والجدال أشد الخصومة من الجدل بالسكون، وهو فتل الحبل ونحوه لأنه يقوي به ويشتد طاقاته. قوله: (والواو إمّ لعطف الجملة على الجملة) أي هم يجادلون معطوف على قوله، ويقول الذين كفروا لولا أنزل المعطوف على يستعجلونك، والعدول إلى الاسمية للدلالة على أنهم ما ازدادوا بعد الآيات إلا عنادا، وأمّا الذين كفروا فزادتهم رجسًا إلى رجسهم وجاز عطفها على قوله هو الذي يريكم، على معنى هو الذي يريكم الآيات الباهرة الدالة على القدرة والرحمة وأنتم تجادلون فيه، وهذا أقرب مأخذًا والأوّل أكثر فائدة كذا في الكشف ولا يعطف على يرسل الصواعق لعدم اتساقه، والحالية من مفعول يصيب أي يصيب بها من يشاء في حال جداله أو من مفعول يشاء، وقوله فإنه روي راجع إلى قوله فإنهم يكذبون، وبيان له بسبب النزول روى محيي السنة عن عبد الرحمن بن زيد أنه قال نزلت هذه الآيات في عامر بن الطفيل، واربد بن ربيعة وهما عامريان أقبلا على رسول الله ﷺ وهو جالس في نفر من أصحابه في المسجد فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور إلا أنه من أجمل الناس فقال رجل: يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك، فقال: " دعه إن يرد الله به خيرًا يهده (فأقبل حتى قام عنده فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت فقال: " لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم! قال: تجعل لي الأمر من بعدك قال: " ليس ذلك إليّ هو دلّه عز وجل يجعله حيث شاء! قال: تجعلني على الوبر وأنت على المدر قال: " لا "، قال: فما تجعل لي قال: " أجعلك على أعنة الخيل تغزو عليها، قال: أوليس ذلك لي اليوم، ثم قال قم معي أكلمك فقام معه رسول الله ﷺ، وكان أوصى اربد بأنه إذا خاصمه أن يضر به بالسيف فجعل يخاصم النبيّ ﷺ ويراجعه فدار اربد خلفه ليضربه فاخترط سيفه فحبسه الله ولم يقدر على سله فجعل عامر يومع إليه فالتفت رسول الله رسول الله ﷺ ورأى صنيع اربد " فقال اللهم اكفنيهما بما شئت لا فأرسل الله على اربد صاعقة في يوم صحو ياقظ فأحرقته وولى عامر هاربا، وقال: يا محمد دعوت على اربد فقتله ربك فوالله لأملأنها عليك خيلا جردا وفتيانا مردا

فقال رسول الله ﷺ: " يمنعك الله من ذلك وابنا قيلة " يعني الأنصار فنزل عامر ببيت امرأة سلولية فلما أصبح وقد تغير لونه وأصابه الطاعون جعل يركض في الصحراء بعدما ضم سلاحه عليه، ويقول واللات لئن أضحى إليّ محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذتهما برمحي فأرسل الله له ملكًا فلطمه فخرّ ميتًا " أا (والطفيل مصغر، واربد بوزن افعل بالباء الموحدة أخو لبيد العامري لأمّه، واختلف في اسم أبيه فقيل ربيعة وقيل قيس، وظاهر قوله فأرسل الله على اربد أنه كان في حين ملاقاته النبيّ رسول الله ﷺ وفي بعض الكتب أنه كان بعد انصرافه عنه، وهو الصحيح فالفاء إشارة إلى عدم تطاول الزمان، وقوله فمات في بيت سلولية يشير إلى ما تقدم في الرواية، وفي رواية أنه ركب فرسه وبرز في الصحراء فمات بها وهذه تنافيها إلا أن يراد أنه حصل له سبب الموت، وهو الطاعون. قوله: (وكان يقول غدة كغدّة البعير وموت في بيت سلولية) فأرسلها مثلًا، وهو كما قال الميداني: يضرب في خصلتين كل منهما شرّ من الأخرى، والغدة طاعون يكون في الإبل وقلما تسلم منه يقال أغد البعير فهو مغدًا إذا صار ذا غدّة، وهو مرفوع ويروى أغدّة وموتا

226

بالنصب أي أغذ غذة وأموت موتا وسلولية امرأة من سلول، وهي التي نزل عندها وسلول من أخس قبائل العرب كباهلة، وقوله فنزلت وهي إحدى الروايات في سبب النزول، وفيه روايات أخر، والذي في البخاري عن أنس بن مالك أنّ النبي ﷺ بعث خالدا رضي الله عنه في سبعين راكبًا إلى قومه " وهو مخالف لما هنا. قوله: (المماحلة والمكايدة) المماحلة بالجز عطف بيان للمحال بكسر الميم إشارة إلى أنهما مصدران كالقتال، والمقاتلة والمكايدة عطف تفسير للممالحة، ومحل بالتخقيف، وقوله تكلف لأنّ التفعيل يكون للتكلف وكونه من المحل بمعنى القحط، والميم أصلية ذكره الراغب فعذه معنى آخر في القاموس لا ينافيه كما توهم، وقوله فعال من المحل بمعنى القؤة أي اسم لا مصدر، وا) صحل بمعنى القوّة فمعناه شديد. قوله:) وقيل مفعل من الحول (بمعنى القوّة أو من الحيلة المعروفة والميم زائدة على هذا، وقوله أعل على غير قياس إذ كان القياس فيه صحة الواو كمحور ومرود ومقود، وقوله ويعضده أي يعضد زيادة الميم لكنه على هذا من الحيلة، وإنما عضده أي قوّاه لأنّ الأصل توافق القراءتين. قوله: (ويجوز أن يكون بمعنى الفقار) وهو عمود الظهر وسلسلة العظم التي فيه مركبًا بعضها ببعض، وبها قوام البدن فيكون مثلا في القوّة أي

استعارة ومجازا فيها، قال في الأساس يقال فرس قوفي المحال، وهو الفقار الواحدة محالة والميم أصلية والفقار بفتح الفاء واحده فقارة ويجمع على فقارات. قوله: (فساعد الله أشدّ وموساه أحد) هو حديث صحيح، وفي نهاية ابن الأثير رحمه الله تعالى في حديث البحيرة فساعد الله أشدّ، وموساه أحد أي لو أراد الله تحريمها بشق أذنها لخلقها كذلك فإنه تعالى يقول لما أراد كن فيكون فلذا قيل كان ينبغي للمصنف رحمه الله أن يقول كقول النبي رسول الله ﷺ وموسى بضم الميم وسكون الواو والسين المهملة وألف مقصورة آلة الحلق المعروفة، ووزنها فعلى من أوساه بمعنى حلقه وقطعه، وأما موسى علم النبي ﷺ فمعرّب. قوله: (الدعاء الحق فإنه الذي يحق أن يعبد الخ) يعني أنّ الدعوة بمعنى الدعاء أي لطلب الإقبال، والمراد به العبادة لأنه يطلق عليها لاشتمالها عليه، وكلامه بيان لحاصل المعنى وتصوير له با! إضافته إلى الحق لاختصاص عبادته به دون عبادة غيره، وقيل إنه ذهب إلى المذهب المرجوج في جواز إضافة الموصوف للصفة لعدم تكلفه هنا لكن يأباه جعل إضافته للملابسة، فإنّ المتبادر منها خلاف ما ذكر وعلى هذا تجعل الملابسة شاملة للملابسة الجارية بين الموصوف وصفته، وهو الذي صرحوا به كما ستراه. قوله: (الذي يحق أن يعبد ويدعي الخ) وفي نسخة أو بأو الفاصلة فقيل إنه يثير إلى أن المراد بالدعاء العبادة كما مر وأنّ تقديم له لإفادة الاختصاص، وقيل إنه على نسخة الواو بيان لأنّ الدعوة المتعدية بإلى بمعنى الدعاء على ظاهرها وأنّ المدعوّ إليه هو العبادة لله لا أنها بمعناها، وقوله دون غيره ناظر إلى يدعي لا إلى يحق لأنه المناسب للحصر، وعلى نسخة أو بيان لأنّ الدعوة إمّا بمعنى العبادة أو بمعنى الدعوة إليها وعليه دون غيره تنازع فيه الفعلان، وقوله الذي يحق تفسير للاستحقاق المستفاد من اللام، وبيان لأنّ الحصر ناظر إلى المعنى الأوّل لا تفسير للحق، وفي هذه النسخة بحث فإنّ الوجوه حينئذ تكون ثلاثة لأنّ الدعاء إما بمعنى العبادة أو دعوة الخلق إلى العبادة أو بمعنى التضرّع فالذي يناسب كلامه أن تجعل النسختان بمعنى، وأنّ دعوة الحق بمعنى الدعوة إلى عبادته، وإذا كانت الدعوة إلى عبادته حقًا لزم كون عبادته حقا فإذا أريد أحدهما لزم الآخر فالعطف بأو ترديد في المراد أوّلًا من اللفظ فتأمّل. قوله:) أو له الدعوة المجابة الخ (هذا وجه آخر معطوف على ما قبله فيه الدعوة بمعنى التضرع، والطلب المشهور وقوله فإن من دعاه أجابه بيان لأنّ الدعوة دعاء الخلق دته، ومعنى أن دعاء الخلق له أن له إجابته دون غيره ولم يقل فإنه المجيب لمن دعاه دون غيره بيانا للحصر المستفاد من الكلام كما في الوجه الأوّل إمّا لظهوره بالقياس إليه، أو لأنه لا حاجة إلى استفادته

من التقديم لدلالة قوله بعده لا يستجيبون على حصر الإجابة فيه لكنه بالنسبة إلى آلهتهم فقط، والذي يفيده التقديم الحصر فيه مطلقًا فلو ذكره كان أظهر، وقوله ويؤيده ما بعده فإنّ ذكر الاستجابة دليل على أنّ الدعاء بهذا المعنى، وان صح كونه بمعنى يعبدون، أو يدعون إلى

227

العبادة. قوله: (والحق على الوجهين ما يناقض الباطل) أي على وجهي تفسير الدعاء السابقين، وقوله واضافة الدعوة أي إلى الحق المقابل للباطل عليهما لما بين الدعوة بالمعنيين، وبين الحق بهذا المعنى من الملابسة لأنّ عبادة الله، والدعوة إليها ودعاء الله يتصف بالحقية، واضافة الصفة إلى الموصوف عند من لا يؤوّلها بتقدير موصوف هو المضاف إليه لأدنى ملابسة كما في شرح التسهيل، والى الوجه الثاني أشار بقوله تأويل دعوة المدعوّ الحق أي دعوة المدعوّ إليه غير الباطل، والمدعوّ إليه العبادة لا الله فحذف الموصوف وأقيصت صفته مقامه، وليس فيه ردّ على الزمخشري حيث قدر المدعوّ إذا أريد بالحق الله لأنه كلام آخر فلا منافاة بينهما كما توهم، وبهدّا التقرير اندفع ما قيل عليه إنه لو كان الحق مصدرًا كالصدق ظهر صحة ما قاله لكنه صفة يصح حمله مواطأة على الدعوة لما فسره به. قوله: (وقيل الحق هو الله وكل دعاء إليه دعوة الحق الما كان لكلام مسوقا لاختصاصه تعالى بأن يدعي، ويعبد ردًّا لمن يجادل في الله ويشرك به الأنداد فلا بدّ أن يكون في الإضافة إشعار بهذا الاختصاص، فإن جعل الحق مقابل الباطل فهو ظاهر، وان جعل اسما له تعالى فالأصل دعوة الله تأكيدًا للاختصاص باللام والإضافة، ثم زيد ذلك بإتامة الظاهر مقام الضمير معادًا بوصف ينبئ عن اختصاصها به أشذ اختصاص، فقيل له دعوة المدعوّ الحق، والحق من أسمائه تعالى يدل على أنه الثابت بالحقيقة، وما سواه باطل من حيث هو وحق بتحقيق الله له، وبهذا سقط ما قيل إن مآل الكلام على هذا لله دعوة الله فهو كما تقول لزيد دعوة زيد، وهو غير صحيح ولا حاجة إلى تأويله بأنّ المراد دلّه الدعوة التي تليق أن تنسب، وتضاف إلى ذاته فإنه قليل الجدوى. قوله: (والمراد بالجملتين) يعني وهو شديد المحال وله دعوة الحق، وهذا بيان لمناسبتهما لما قبلهما واتصالهما به فإن كان سبب نزول الأوّل قصة اربد وعامر فظاهر لأنّ إصابته بالصاعقة من حيث لا يشعر من مكر الله به ودعوة الحق دعاء النبيّ ﷺ عليه وعلى صاحبه بقوله: " احبسهما عني بما شئت " فأجيب فيهما فكانت الدعوة دعوة حق فإن لم يكن الأوّل في قصتهما فهو وعيد

للكفرة على مجادلتهم الرسول ﷺ بحلول محاله بهم، واجابة دعائه إن دعا عليهم واتصاله ظاهر أيضا، وقوله محال من الله أي كيد على طريق التمثيل، واجابة لدعوة رسوله، وهي قوله ﷺ فيهما احبسهما عني بما شئت وفيه لف ونشر للجملتين المذكورتين، وقوله: أو دلالة على أنه الحق لأنه ناظر إلى تفسير الدعوة بالعبادة، أو الدعاء إليها أي الرسول ﷺ على الحق في ذلك، وقوله وعيد الخ بيان لمعنى الجملة الأولى على معنى الدعوة الثانية، وتهديدهم معطوف عليه بيان للثانية عليه أيضًا ناظر إلى تفسير الدعوة الثاني، وقوله أو بيان ضلالهم الخ ناظر إلى تفسير الدعوة الأوّل، وضلالهم وفسادهم كونهم على الباطل في عبادة غيره تعالى. قوله: (والذين يدعون الخ) أي الذين إمّا عبارة عن المشركين ومفعول يدعون محذوف لدلالة من دونه عليه لأنّ معناه متجاوزين له، وتجاوزه بعبادتها ولاستدعاء الدعوة ومدعوّآ له أو الأصنام فعائد الموصول محذوف أي يدعونهم، وقدر ضمير العقلاء لمناسبة صيغة الذين ففيه تنزيله منزلة أولي العلم بناء على زعمهم، وقوله عليه متعلق بدلالة، وقوله من الطلبات بيان لشيء وهو جمع طلبة بمعنى مطلوب. قوله: (1 لا استجابة كاستجبابة من بسط كفيه الخ (يعني الغرض! نفي الاستجابة على القطع بتصوير أنهم أحوج ما يكونون إليها لتحصيل مباغيهم أخيب ما يكون أحد في سعيه لما هو مضطرّ إليه فضلا عن مجرّد الحاجة، والحاصل أنه شبه آلهتهم حين استكفائهم إياهم ما أهمه بلسان الاضطرار في عدم الشعور فضلا عن الاستطاعة للاستجابة، وبقائهم لذلك في الخسران بحال ماء بمر أي من عطشان باسط كفيه إليه يناديه عبارة، واشارة فهو لذلك في زيادة ظمأ وشدة خسران، والتشبيه على هذا من المركب التمثيلي في الأصل أبرز في معرض! التهكم حيث أثبت للماء استجابة زيادة في التخسير والتحسير فالاستثناء مفرغ من أعمّ عام المصدر أي لا يستجيبون شيئا من الاستجابة، وأمّا إذا شبه الداعون بمن أراد أن يغرف الماء بيديه فبسطهما ناشرًا أصابعه في أنهما لا يحصلان على طائل، وقوله في قلة جدوى

228

دعائ! أراد عدم الجدوى لكه بالغ بذكر القلة، وارادة العدم دلالة على تحقيق الحق، وايثار الصدق لإشمام طرف من التهكم فهو من تشبيه المفرد المقيد كقولك لمن لا يحصل من سعيه على شيء كالراقم على الماء فإنّ المشبه هو الساعي مقيدًا بكون سعيه كذلك، والمشبه به هو الراقم مقيدًا بكونه على الماء، وكذلك فيما نحن فيه، وليس من المركب العقلي في شيء على ما توهم نعم وجه الشبه عقلي اعتباري، والاستثناء مفرغ من أعم عام الأحوال أي لا تستجيب الآلهة لهؤلاء الكفرة الداعين إلا مشبهين، أعني الداعين بمن بسط كفيه ولم يقبضهما،

وأخرجهما كذلك فلم يحصل على شيء لأنّ الماء يحصل بالقبض لا بالبسط، وقوله يطلب منه أن يبلغه فاعل يطلب الباسط، وضمير منه ويبلغه للماء أو فاعل يبلغ للماء ومفعوله للفم، وقوله وما هو يبالغه ضمير هو للماء وبالغه للفم، وقيل الأوّل للباسط، والثاني للماء وهو لا يناسب نفي الاستجابة وفيه نظر. قوله:) فيبسط كفيه) بسط الكف نشر الأصابع ممدودة كما في قوله: تعؤد بسط الكف حتى لوأنه أراد انقباضا لم تطعه أنامله

وقوله ليشربه هو في هذا الوجه وفي الأوّل بسط يديه للدعاء والإشارة إليه كما مز وما نقل عن

عليّ رضي الله عنه من أنه في عطشان على شفير بئر بلا رشاء فلا يبلغ قعر البئر، ولا الماء يرتفع إليه راجع إلى الوجه الأوّل، وليس مغايرًا له كما قيل والاستثناء في قوله إلا كباسط على حد قوله:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

قوله:) في ضياع وخسار وباطل) قيل إمّا ضياع دعائهم لآلهتهم فظاهر لكنه فهم مما

سبق، رأمّا ضياع دعائهم لله لكفرهم وبعدهم عن حيز الإجابة فيرد عليه أنّ المصرح به في كتب الفتاوى أنّ دعاء الكافر قد يستجاب إلا أن يحمل على الأوّل ويجعل مكرّرًا للتأكيد، أو على الثاني ويقيد بما يتعلق بالآخرة، ولك أن تجعله مطلقًا شاملا لهما ولا يعتذ بما أجيب منه. قوله:) يحتمل أن يكون السجود على حقيقته الخ (ويؤيده من المخصوصة بالعقلاء لكن قيل إنه يأباه تشريك الظلال معهم والمعنى الثاني على عكس هذا كما لا يخفى، وقيل إنه يقدو له فعل أو خبر أو يكون هو مجازًا ولا يضرّ الحقيقة لكونه بالتبعية والعرض! فتأمل هذا كله من عدم تأقل كلام المصنف رحمه الله تعالى فإنّ مراده بالحقيقة ليس ما يقابل المجاز بل ما يقابل ألانقياد فيئ ألمعنى وان كان مجازيًا والحقيقة المذكورة إن كانت في مقابلته فقط فهي شاملة لما كان بال!. ض أما على مذهب المصنف رحمه الله في جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز فظاهر أو يراد به الوقوع على الأرض! بطريق عموم المجاز فيشمل سجود الظلال أيضأ وضمير ظلالهم ينبغي أن يرجع لمن في الأرض! لأنّ من في السماء لا ظل له إلا أن يحمل على التغليب أو التجوّز. قوله: (طوعا حالتي الشدّة والرخاء) فالطوع بالنسبة إلى الملائكة والمؤمنين، وهو على حقيقته، والكره بالنسبة إلى الكفار في حالة الشدّة والمراد به الاضطرار والإلجاء فيشمل المنافقين المصلين خيفة السيف، والظاهر أنه بمنزلة الكره لا كره حقيقي، وقيل إنّ قوله في حالتي الشدة والرخاء إشارة إلى أنهما مجازان عن الحالتين، والمقصود استواء حالتيهم في أمر السجود، والانقياد بخلاف الكفرة وفيه نظر، وقال أبو حيان رحمه الله الساجدون كرهاهم الذين

ضمهم السيف إلى الإسلام قال قتادة فيسجد كرهًا فإثا نفاقًا أو يكون الكره، أوّل حاله فتستمز عليه الصفة وان صح إيمانه بعد، وقوله بالعرض! أي بالتبع، وهو مقابل للحقيقة أو مندرج فيه كما مز. قوله:) وأن يراد به انقيادهم لإحداث ما أراده الخ (يعني سجود من ذكر إفا استعارة للانقياد المذكور أو مجاز مرسل لاستعماله في لازم معناه لأنّ الانقياد مطلقًا لأزم للسجود، وشاؤوا بمعنى رضوا ولم يكرهوا، وتقلص الظل ارتفاعه ونقصه. قوله. (وانتصاب طوعًا وكرهًا بالحال أو العلة (أفا الأوّل فإن قلنا بوقوع المصدر حالًا من غير تأويل فهو ظاهر هالا فهو بتأويل طائعين، وكارهين وإذا كان علة أي مفعولًا لأجله فالكره بمعنى الإكراه، وهو مصدر من المبني للمفعول ليتحد فأعلاهما كما مرّ تحقيقه، وعلى قول ابن خروف فهو على ظاهره، وما قيل عليه من أنّ اعتبار العلية في الكره غير ظاهر فإنّ الكره الذي يقابل الطوع، وهو الإباء لا يعقل كونه علة

229

للسجود قد مز دفعه في قوله خوفًا وطمعا فإنّ العلة ما يحمل على الفعل، أو ما يترتب عليه لا ما يكون غرضا له فتذكره. قوله:) ظرف ليسجد (فالباء بمعنى في وهو كثير والمراد بهما الدوام لأنه يذكر مثله للتأبيد فلا يقال لم خصا به، وإذا كان حالًا من الظلال فيصح فيه ذلك أيضا، أو يقال التخصيص لأنّ امتدادها وتقلصها فيهما أظهر، وقيل المراد إنّ الامتداد في الآصال أظهر، والتقلص في الغدوّ أظهر أمّا الأوّل فلأن في الأصيل يزيد الظل في زمان قصير كثيرًا، وأمّا الثاني فلأن نقصانه في زمان قليل كثير. قوله: (والغدوّ جمع غداة كقنى جمع قناة) بقاف، ونون وهي الرمح ومجرى الماء، والآصال جمع أصيل وأصله أأصال بهمزتين فقلبت الثانية ألفا، وقراءة الإيصال بكسر الهمزة على أنه مصدر آصلنا بالمد أي دخلنا في وقت الأصيل كما قاله ابن جني، وهي قراءة لابن مجلز شاذة، وقد اقتصر على الوجه الثاني في سورة النور وسيأتي الكلام عليه هناك، وقوله خالقهما ومتولي أمرهما لأن الرب يكون بمعنى الخالق، أو بمعنى المربي الذي يتولى أمر من رباه واليهما أشار المصنف رحمه الله. قوله: (أجب عنهم بذلك إذ لا جواب لهم سواه الخ) قد مرّ الكلام في هذا ونكتة مبادرة السائل إلى الجواب، والجواب عن الخصم، وقد وجهه المصنف رحمه الله هنا بأنه لتعينه للجواب، ولأنه لا نزاع فيه للمسؤول منه، والفرق بينهما أنه على الأوّل متعين عقلا سواء كان بينا أو لا، وعلى الثاني أنه أمر مسلم ظاهر لكل أحد بقطع النظر عن تعينه، ولهذه المغايرة عطفه فلا وجه

لما قيل الأولى ترك العطف ليكون علة للأوّل، وعلى الأخير لقنهم الجواب ليتبين لهم ما هم عليه من مخالفتهم لما علموه وقيل إنه حكاية لاعترافهم، والسياق يأباه. قوله: (ثم ألزمهم بذلك الخ) مترتب على الجواب أي أنه لقنهم الجواب ليلزمهم ويقول لهم إذا علمتم أنه الخالق المتولي للأمور فكيف اتخذتم أولياء غيره وفيه إشارة إلى أنّ الاستفهام للإنكار، وأنّ إنكار ذلك مترتب على ما قبله مسبب عنه، وإنما أتى المصنف رحمه الله بثم في التفسير إشارة إلى أنه تعكيس، وإلى أنه لا ينبغي أن يترتب على ذلك الاعتراف هذا بل عكسه، وليس إشارة إلى أنه لو عطف لكان حقه أن يعطف بثم، كما قيل وكذا كونه إشارة إلى أن الفاء للبعد فإنه لم يقله غيره، وإنما هو إشارة إلى استبعاد التعقيب كما يدل عليه إنكاره فتأمّل. قوله: (لأنّ اتخاذهم منكر بعيد عن مقتضى العقل) يعني أنه لإنكار التعقيب فالتعقيب واقع منهم وإليه الإشارة وإنكاره استبعاد لصدوره من العقلاء كما أشار إليه بقوله، ثم فتعقيبهم ذلك الاعتراف بالاتخاذ عكس قضية العقل، والسببية مقتضى أفعالهم، ولذا كان إلزاما لهم فلا وجه لما قيل إنها للتعقيب لا للسببية، ولو جعلت لسببية الجواب لإنكار الاتخاذ لم يبعد. قوله: (لا يقدرون أن يجلبوا إليها نفعًا الخ) الملك التصرّف، ويطلق على التمكن منه والقدرة كما ذكره الراغب وأشار إليه المصنف رحمه الله، وقوله يجلبوا إليها أي إلى أنفسهم. قوله: (فكيف يستطيعون إيقاع الخير ودفع الضرّ عنهم) كذا في أصح النسخ هنا، والإيقاع أفعال من الوقوع وضمير عنهم للذين يدعون، ولا إشكال على هذه النسخة، وفي نسخة أخرى إنفاع الغير ودفع الضر عنه، واعترض عليه بأن لفظ الإنفاع من النفع لم يذكر في كتب اللغة، ولم يسمع من العرب، وقد استعمله المصنف رحمه الله في غير هذا المحل كسورة الجن وهو خطأ وفي أخرى إنفاع الغير، ودفع الضرّ عنهم بضمير الجمع باعتبار معنى الغير ولا بعد فيه كما قيل وقيل إن هاتين النسختين من تصحيف الكتاب. قوله: (وهو دليل ثان على ضلالهم) قيل الدليل الأوّل هو ما يفهم من قوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ [سورة الرعد، الآية: 16] وقيل إنه ما يفهم من قوله والذين يدعون من دونه الخ وهذا أظهر، وان كان الأوّل أقرب من كلام المصنف رحمه الله، ولا خطأ فيه كما توهم. قوله:) المشرك الجاهل بحقيقة العبادة الخ) هذا المراد منه فهو استعارة تصريحية كما في القول بأنّ المراد الجاهل بمثل هذه الحجة، والعالم بها وقيل إنه تشبيه، والمعنى لا يستوي المؤمن والكافر كما لا يستوي الأعمى والبصير فهو حقيقة، وليس المراد على الأوّل بالعمى والبصر القلبيين فتأنل. قوله: (المعبود النافل عنكم الخ) هذا من إرخاء

العنان والا فلا إدراك لها أصلا حتى تتصف بالغفلة، ويصح أن يطلقه لمقابلة

230