التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 29 - 36

الصحيح أن الضمير المرفوع في "زكاها" عائد على "من"، وله نظائر

﴿فَعَدَلَكَ (7)﴾ [الانفطار: 6، 7]، وفي قوله عز وجل: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: 29]- إيذانًا بدخول البدن في لفظ "النَّفْس"، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف: 189] وقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 61]. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 12] ونظائره، وباجتماع "الرُّوح" مع البدن تفسير "النَّفْس" فاجرةً أو تقيةً، وإلا فـ "الرُّوح" بدون البدن لا فجور لها.

الصحيح أن الضمير المرفوع في "زكاها" عائد على "من"، وله نظائر

وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾؛ الضمير المرفوع في ﴿زَكَّاهَا (9)﴾ عائدٌ على (^1) "مَنْ"، وكذلك هو في ﴿دَسَّاهَا (10)﴾، والمعنى قد أفلح من زكَّى نفسه، وقد خاب من دَسَّاها.

هذا هو القول الصحيح (^2)، وهو نظير قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾ [الأعلى: 14]، وهو - سبحانه - إذا ذكر الفلاح علَّقَهُ بفعل المُفْلِح، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)﴾ [المؤمنون: 1 - 2] إلى آخر الآيات، وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)﴾ [البقرة: 5] بعد قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 3]، وقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)﴾ [النور: 51] ونظائره.

قال الحسن: "قد أفلح من زكَّى نفسه وحملها على طاعة الله، وقد

  • (^1) بعدها في (ز) زيادة: المؤمنين، ولا مكان لها.
    (^2) وانظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 109).
29

خاب من أهلكها وحَمَلَها على معصية الله"، وقاله: قتادة (^1).

وقال ابن قتيبة: "يريد: أفلح من زكَّى نفسه أي: أَنْماها وأَعْلَاها بالطاعةِ، والبِرِّ، والصدقةِ، والكفِّ عن المعاصي، والتنافُسِ في الدرجات (^2)، واصطناع المعروف، وقد خاب من دسَّاها أي: نقصها وأخفاها بترك عمل ذلكَ البِرِّ، وركوب المعاصي.

والفاجرُ - أبدًا - خفيُّ المكانِ، زَمِرُ (^3) المُرُوءَةِ، غامضُ الشَّخْصِ، ناَكِسُ الرأسِ، فكأنَّ النَّطِفَ (^4) بارتكاب الفواحِشِ دَسَّ نفسَهُ وقمَعَها، ومُصْطَنِعَ المعروفِ شَهَر نفسَهُ ورفَعَها.

وكانت أجوادُ العرب تنزل الرُّبَا ويَفَاع (^5) الأرض لِتَشْهَرَ بها أنفسَها للمُعْتَفِين (^6)، وتوقدُ النيران في الليل للطارقين. وكانت اللئام تنزلُ

  • (^1) انظر: "معالم التنزيل" للبغوي (8/ 439)، و"الدر المنثور" (6/ 601).
    (^2) "والكف عن المعاصي، والتنافس في الدرجات" ساقط من (ح) و(م).
    (^3) في جميع النسخ: زَمِن، وما أثبته أصح كما في "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (344). ومعنى "زَمِر المروءة": قليل المروءة.
    (^4) النَّطِفُ: هو الرجل المُريب، ووقع في نَطَفٍ أي: شرٍّ وفساد، والنَّطَفُ: التلطُّخ
    بالعيب، وفلانٌ يُنْطَفُ بفجور أي: يُقذَفُ به.
    انظر: "لسان العرب" (14/ 186 - 187).
    (^5) في (ن) و(ز): بقاع.
    و"يَفَاع الأرض": المشرف منْ التَّلِّ والجبل، وكلُّ ما ارتفع من الأرض.
    و"الرُّبَا": ما ارتفع من الأرض، واحدتها: رَبْوَة، ورُبَاوَة، ورَابِية.
    انظر: "لسان العرب" (15/ 452) و(5/ 127).
    (^6) "المعتفون": واحِدُهُ: مُعْتَفٍ، وهو كل من جاءك يطلب فضلًا أو رزقًا.
    ومنه العِفَاوَة: وهي أول ما يرفع للضيف من المرق إكرامًا له.
    انظر: "لسان العرب" (9/ 295).
30

الأَوْلَاجَ، والأطرافَ، والأهضام (^1) لتُخْفِي أنفسَها وأماكنَها على الطالبين، فأولئك أعلَوا أنفُسَهم وزكَّوها، وهؤلاء أخفَوا أنفسَهم ودَسَّوها. وأنشد في ذلك:

وبَوَّأْتَ بيتكَ في مَعْلَمٍرَحيبِ المَباءَةِ والمَسْرَحِ

كَفَيْتَ العُفَاةَ طِلَابَ القِرَىونَبْحَ الكِلَابِ لِمُسْتنبِحِ" (^2)

وقال أبو العباس (^3): سألتُ ابنَ الأعرابي (^4) عن قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ فقال: "دسَّ" معناه: دسَّ نفسَه مع الصالحين وليس

  • (^1) "الأولاج": جمع وَلَجَة، وهي موضعٌ أو كهفٌ يستتر فيه المارة من المطر أو غيره.
    و"الأهضام" والهُضُوم: جمع هَضْم أو هِضْم - بفتح الهاء وكسرها -؛ وهو المطمئنُّ من الأرض، أو بطن الوادي وأسفله.
    انظر: "لسان العرب" (15/ 101) و(15/ 391).
    (^2) "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (344 - 345).
    (^3) هذا هو القول الثاني.
    وأبو العباس هو: أحمد بن يحيى بن سيَّار الشيباني بالولاء، المعروف بـ "ثعلب"، إمام الكوفيين في النحو واللغة والحديث، لازم ابن الأعرابي بضع عشرة سنة، من مصنفاته: "معاني القرآن"، و"الفصيح" الذي طبقت شهرته الآفاق، توفي ببغداد سنة (291 هـ) ﵀.
    انظر: "تاريخ بغداد" (5/ 204)، و"وفيات الأعيان" (1/ 102).
    (^4) هو أبو عبد الله محمد بن زياد النحوي، المعروف بـ "ابن الأعرابي"، كان إمامًا في اللغة والنحو والنَّسَب، كثير السماع والرواية، من تصانيفه: "النوادر"، و"معاني الشعر"، و"الأنواء"، توفي سنة (231 هـ) ﵀.
    انظر: "نزهة الألباء" (150)، و"إنباه الرواة" (3/ 128).
31

منهم" (^1).

ذهبت طائفة من السلف إلى أن الضمير يرجع إلى الله سبحانه، والجواب عنه

وعلى هذا فالمعنى (^2): أخفى نفسه في الصالحين، يُرِي النَّاسَ أنَّه منهم وهو مُنْطَوٍ على غير ما ينطوي عليه الصالحون (^3).

وقال طائفةٌ أخرى: الضمير يرجع إلى الله سبحانه وتعالى.

قال ابن عباس - في رواية عطاء -: "قد أفلَحَت نَفْسٌ زكَّاها اللهُ، فأصلَحَها" (^4).

وهذا قول: مجاهد، وعكرمة، والكلبي، وسعيد بن جبير، ومقاتل (^5)، قالوا: سَعِدَتْ نَفْسٌ وأفلَحَت نفسٌ أصلحها الله، وطهَّرها، ووفَّقَها للطاعة، حتَّى عملت (^6) بها، وخابَتْ وخَسِرَتْ نَفْسٌ أضلَّها اللهُ،

  • (^1) انظر: "تاج العروس" (16/ 74 - 75)، و"الجامع" (20/ 77)، و"المحرر
    الوجيز" لابن عطية (15/ 473) ونسبه لثعلب، وكذا السمعاني في "تفسير القرآن" (6/ 233).
    (^2) ساقط من (ز).
    (^3) هذا كلام الواحدي كما عزاه إليه المؤلف في "إغاثة اللهفان" (1/ 112)، ثم قال: "وهذا -وإن كان حقًّا في نفسه - لكن في كونه هو المراد بالآية نظر؛ وإنما يدخل في الآية بطريق العموم".
    (^4) أخرج الطبري في "تفسيره" (12/ 603)، والبيهقي في "القضاء والقدر" رقم (355)؛ من طريق: معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ بلفظ: "قد أفلح من زكَّى اللهُ نفسَه، وقد خاب من دسَّ اللهُ نفسَه، فأضله الله".
    وزاد السيوطي نسبته إلى: ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وحسين في "الاستقامة". "الدر المنثور" (6/ 602).
    (^5) "تفسيره" (3/ 488).
    (^6) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: عمل.
32

وأغواها، وأبطلَها، وأهلكَها (^1).

قال أرباب هذا القول: قد أقسم الله - تعالى - بهذه الأشياء التي ذكرها؛ لأنَّها تدلُّ على وحدانيته، وعلى فلاح مَنْ طَهَّره، وخسارة من خَذَلَهُ، حتَّى لا يظُنَّ أحدٌ أنَّه هو الذي يتولَّى تطهيرَ نفسه، وإهلاكَها بالمعصية؛ من غير قَدَرٍ سابقٍ، وقضاءٍ متقدِّمٍ (^2).

قالوا: وهذا أبلغ في التوحيد الذي سيقت له هذه السورة.

قالوا: ويدلُّ عليه قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾ [الشمس: 8].

قالوا: ويشهد له حديث نافع بن عمر (^3)، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: انتبهتُ ليلةً؛ فوجدتُ رسولَ الله ﷺ -وهو يقول: "ربِّ؛ أعْطِ نفسي تقواها، وزكِّها أنتَ خير من زكَّاها، أنت وَليُّها ومولاها" (^4).

  • (^1) انظر: "جامع البيان" (12/ 603)، و"زاد المسير" (8/ 258)، و"تفسير ابن كثير" (8/ 412).
    (^2) هذا كلام أبي الحسن الواحدي في "الوسيط" (4/ 497).
    (^3) هو نافع بن عمر بن عبد الله بن جميل الجُمَحي، القرشي المكِّي، ثقةٌ ثبتٌ، روى له الجماعة، توفي سنة (169 هـ) ﵀.
    انظر: "تهذيب الكمال" (29/ 287)، و"الثقات" لابن حبان (7/ 533).
    (^4) أخرجه بهذا الإسناد أبو الحسن الواحدي في تفسيره "الوسيط" (4/ 498).
    وقد أخرجه أحمد في "المسند" (6/ 209) رقم
  • (25757) فقال: حدثنا وكيع، عن نافع - يعني ابنَ عمر -، عن صالح بن سعيد، عن عائشة ﵂، فذكره.
    وذكر الحافظ ابن حجر في "تعجيل المنفعة" (1/ 652) أن هذا الحديث من رواية: صالح بن سعيد، عن عائشة ﵂. =
33

قالوا: فهذا الدعاء هو تأويل الآية، بدليل الحديث الآخر: أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾ وقَفَ، ثُمَّ قال: "اللهُمَّ؛ آتِ نفسي تقواها، أنت وليُّها ومولاها، وزكِّها أنت خير من زكَّاها" (^1).

قالوا: وفي هذا ما يبيِّنُ أنَّ الأمر كلَّه له سبحانه، فإنَّه هو (^2) خالق

  • = وصالح بن سعيد قد ذكره ابن حِبَّان في "الثقات" (4/ 376)، وقال الهيثمي عن الحديث: "رجاله رجال الصحيح غير صالح بن سعيد الراوي عن عائشة، وهو ثقة". "مجمع الزوائد" (2/ 127 - 128) و(10/ 110).
    وحديث ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ له لفظ آخر صحيح، وهو: "افتقدتُ النبي ﷺ ذات ليلة، فظننتُ أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسَّسْتُ، ثم رجعتُ، فإذا هو راكعٌ أو ساجدٌ يقول: "سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت"، فقلتُ: بأبي أنتَ وأمي؛ إنِّي لفي شأنٍ، وإنَّك لفي آخر".
    أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (485).
    لكن لفظ الحديث الذي أورده ابن القيم قد صحَّ من حديث زيد بن أرقم ﵁ كما في "صحيح مسلم" رقم
  • (2722) بلفظ: "اللهم آتِ نفسي تقواها. . . إلخ".
    (^1) أخرجه: الطبراني في "المعجم الكبير" (11/ 87) رقم (11191)؛ من حديث ابن عباس ﵄.
    وعزاه السيوطي إليه وإلى: ابن المنذر، وابن مردويه. "الدر المنثور" (6/ 600).
    وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ أخرجه: ابن أبي عاصم في "السنَّة" رقم (319).
    وعزاه ابن كثير إلى: ابن أبي حاتم "تفسير القرآن" (8/ 413)، وإليه وإلى ابن مردويه عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (6/ 600).
    وحسَّنه: الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7/ 138)، والألباني بشواهده كما في "ظلال الجنة" رقم (319).
    (^2) ساقط من (ز).
34

"النَّفْس"، وهو مُلْهِمُها الفجورَ والتقوى، وهو مُزَكِّيها ومُدَسِّيها، فليس للعبد في الأمر شيءٌ، ولا هو مالكٌ من أمر (^1) نفسه شيئًا.

قال أرباب القول الأوَّل: هذا القول، وإن كان جائزًا في العربية، حملًا للضمير المنصوب على معنى "مَنْ"، وإن كان لفظها (^2) مذكَّرًا؛ كما في قوله عز وجل: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: 42]، جَمَعَ الضمير وإن كان لفظ "مَنْ" مفردًا، حَمْلًا على معناها (^3) = فهذا إنَّما يحسن حيث لا يقع لَبْسٌ في مفسِّر الضمائر، وههنا قد تقدَّم لفظ "مَنْ"، والضمير المرفوع في ﴿زَكَّاهَا (9)﴾ يستحقُّه لفظًا ومعنىً، فهو أَولى به، ثُمَّ يعود الضمير المنصوب على "النَّفْس" التي هي أولى به لفظًا ومعنًى، فهذا هو النظم الطبيعي الذي يقتضيه سياق الكلام ووضعه.

وأمَّا عَوْدُ الضمير الذي يلي "مَنْ" على الموصول السابق وهو قوله: ﴿وَمَا سَوَّاهَا (7)﴾، وإخلاءُ جاره الملاصق له - وهو "مَنْ" (^4) - مِن عَوده إليه، ثُمَّ عَوْدُ الضمير المنصوب - وهو مؤنَّثٌ - على "مَنْ"، ولفظه يُذكَّر دون "النَّفْس" المؤنثة = فهذا يجوز لو لم يكن للكلام محمَلٌ غيره أحسن منه، فأمَّا إذا كان سياقُ الكلام ونظمُه يقتضي خلافه، ولم تَدْعُ الضرورة إليه؛ فالحَمْلُ عليه ممتنعٌ.

قالوا: والقول الذي ذكرناه أرجح من جهة المعنى لوجوه:

  • (^1) ساقط من (ن) و(ز).
    (^2) في (ن): لفظًا.
    (^3) في جميع النسخ: لفظها! وهو سبق قلم، والصواب ما أثبته كما يدل عليه كلام المؤلف فيما بعد.
    (^4) "وهو "من"" ساقط من (ز).
35

أحدها: أنَّ فيه إشارة إلى ما تقدَّم من تعليق الفلاح على فعل العبد واختياره كما هي طريقة القرآن.

الثاني: أنَّ فيه زيادة فائدة؛ وهي إثبات فعل العبد وكسبه، وما يثاب ويعاقب عليه، وفي قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾ إثبات القضاء والقدر السابق.

فتضمَّنَت الآيتان هذين الأصلين العظيمين، وهما كثيرًا ما يقترنان في القرآن كقوله: ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: 54 - 56] وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)﴾ [التكوير: 28، 29]، فتضمَّنت الآيتان الردَّ على "القَدَرِيَّة" و"الجَبْرِيَّة".

الثالث: أنَّ قولنا يستلزم قولكم، دون العكس؛ فإنَّ العبد إذا زكَّى نفسه ودسَّاها: فإنَّما يزكِّيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته، وإنَّما يُدَسِّيها بعد تَدْسِيَة الله لها بخذلانه، والتخلية بينه وبين نفسه. بخلاف ما إذا كان المعنى على القَدَرِ المحض، لم يبق للكسب وفعل العبد ههنا ذكرٌ أَلْبَتَّةَ.

36