التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 55 - 64

تفسير "الأسر"

تفسير "الأسر"

وهذا يشبه قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: 28]، قال ابن عباس: "أي: خَلْقَهُم" (^1).

وقال أبو عبيدة (^2): "الأَسْر": شِدَّةُ الخَلْق، يقال: فَرَسٌ شديدُ الأَسْر". قال: "وكُلُّ شيءٍ شَدَدْتَهُ من قَتَبٍ أو غَبِيطٍ (^3) فهو مأْسُور" (^4).

وقال المُبرِّد (^5): ""الأَسْر": القُوَى كلُّها" (^6).

  • (^1) وهو قول: مجاهد، وقتادة، والفرَّاء، وابن قتيبة، والزجَّاج، ومقاتل وغيرهم.
    وعليه أكثر المفسرين، واختاره ابن جرير الطبري وغيره.
    انظر: "جامع البيان" (12/ 375)، و"زاد المسير" (8/ 151)، و"الجامع" (19/ 149)، و"تفسير الماوردي" (6/ 173).
    (^2) تصحفت في (ن): أبو عبيد!
    وهو مَعْمَر بن المثنَّى، أبو عبيدة التيمِيّ البصري، العلامة البحر، من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها، وكان علي بن المديني يحسن ذكره ويصحح روايته، رُمي بالشعوبية، وأنه من الخوارج، وأشياء أُخَر، قارَبَتْ مصنفاته مئتي مصنَّفٍ، توفي سنة (210 هـ) ﵀.
    انظر: "إنباه الرواة" (3/ 276)، و"نزهة الألباء" (104)، و"السير" (9/ 445).
    (^3) في جميع النسخ: أو غيره، والتصحيح من "مجاز القرآن".
    قال المبرِّد: "و"الغَبِيط": مَرْكَبٌ من مراكب النساء". "الكامل" (2/ 965).
    (^4) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (2/ 280).
    (^5) هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثُّمَالي، أبو العباس المبرِّد، إمام البصريين،
    وشيخ النُّحَاة، كان كثير الحفظ، فصيح اللسان، غزير الأدب، مقدَّمًا عند الوزراء والأكابر، كتبه كثيرةٌ ونافعةٌ، من ذلك: "المقتضَب"، و"التعازي والمراثي"، و"الكامل" ومن أمثال أهل المغرب: من لم يقرأ "الكامل" فليس بكامل، توفي بالكوفة سنة (286 هـ) ﵀.
    انظر: "نزهة الألباء" (217)، و"إنباه الرواة" (3/ 241).
    (^6) قال المبرِّد: ""الأَسْرُ": الشَّدُّ بالقِدِّ حتى يُحْكَم، وإنما قيل "الأسير" مِنْ ذا؛ =
55

وقال الليث (^1): ""الأَسْر": قوَّةُ المفاصِل والأوصال، وشدَّ اللهُ أَسْر فلان، أي: قوَّى (^2) خلْقَه، وكلُّ شَيئَيْن جُمِعَ طَرَفَاهُما فشُدَّ أحدُهُما بالآخَر فقد أَسِرَ" (^3).

وقال الحسن: "شدَدْنا أوصالهم بعضَها إلى بعضٍ بالعُرُوقِ والعَصَبِ" (^4).

وقال مجاهد: "هو الشَّرْجُ (^5)؛ يعني: موضع [مَصَرَّتَي] (^6) البول

  • = لأنه كان يُشَدُّ بالقِدِّ. ثم قالت العرب لكل محكَم: شديدُ الأسْر، قال الله ﵎: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: 28] ".
    "الكامل" (2/ 964 - 965).
    (^1) هو الليث بن المظفَّر الخراساني، اللغوي النحوي، صاحب الخليل بن أحمد الفراهيدي، أملى عليه كتاب "العين"، وسدَّد الليث أماكن فيه، وقيل: بل لم يتمه الخليل وأكمله الليث فظهر الخلل لذلك، وكان رجلًا صالحًا، ولم تؤرخ وفاته.
    انظر: "إنباه الرواة" (3/ 42)، و"البلغة" للفيروزابادي (194).
    (^2) في (ك) و(ح) و(م): قوة.
    (^3) انظر: كتاب "العين" (7/ 293 - 294).
    (^4) وهو قول: أبي هريرة ﵁، وقتادة، والربيع.
    انظر: "جامع البيان" (12/ 375)، و"المحرر الوجيز" (15/ 253)، و"الجامع" (19/ 149).
    (^5) بسكون الراء وفتحها، لغتان صحيحتان، وهو من أسماء: الفَرْج، وبعضهم يخصُه بالدُّبُر على تفصيل في ضبطه، وقيل غير ذلك.
    انظر: "لسان العرب" (7/ 71).
    (^6) سقط من جميع النسخ، واستدركته من المصادر.
56

والغائط، إذا خرج الأذَى تَقَبَّضَتَا" (^1).

والمقصود أنَّه - سبحانه - أقسَمَ في "سورة البلد" على حال الإنسان، وأقسَمَ - سبحانه - بالبلد الأمين وهو "مكة" أمُّ القُرَى، ثُمَّ أقسَمَ بالوالد وما ولد، وهو آدمُ وذريته في قول جمهور المفسِّرين.

وعلى هذا فقد تضمَّن القَسَمُ: أصلَ المكان، وأصلَ السكَّان؛ فمرجع البلاد إلى "مكة"، ومرجع العباد إلى آدم.

اختلاف المفسرين في قوله تعالى: ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾

وقوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2)﴾ فيه قولان:

أحدهما: أنَّه من الإحلال، وهو ضِدُّ الإحرام (^2).

والثاني: أنَّه من الحُلُول، وهو ضِدُّ الظَّعْن (^3).

  • (^1) في (ك) و(ن): يقبضا، وسقط من (ز)، والمثبت من المصادر.
    وانظر قول مجاهد في: "تفسير البغوي" (8/ 300)، و"الوسيط" للواحدي (4/ 406)، و"تفسير السمعاني" (6/ 123)، و"الجامع" للقرطبي (19/ 149).
    وبمثله قال: ابن الأعرابي، وغلام ثعلب من أئمة اللغة.
    انظر: "ياقوتة الصراط" لغلام ثعلب (548)، و"تهذيب اللغة" (13/ 61)، و"تاج العروس" (10/ 51).
    (^2) وهو قول: الحسن، وعطاء.
    انظر: "تفسير الماوردي" (6/ 274)، و"زاد المسير" (8/ 251).
    (^3) لم يُعْزَ هذا القول لأحد من السلف، وإنما ذكره الماوردي احتمالًا، وقال موجهًا له: "لأنها نزلت عليه وهو بمكة لم يُفرض عليه الإحرام، ولم يؤذن له في القتال، وكانت حرمة مكة فيها أعظم، والقَسَم بها أفخم". "النكت والعيون" (6/ 274 - 275).
    وذكره أيضًا: السمعاني في "تفسيره" (6/ 225)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (15/ 454)، والقرطبي في "الجامع" (20/ 61).
    واختاره وانتصر له: أبو حيَّان في "البحر المحيط" (8/ 469)، والشهاب =
57

فإن أريد به المعنى الأوَّل فهو حالُ ساكِنِ البلد، بخلاف المحرم الذي يحجُّ ويعتمر ويرجع. ولأنَّ أَمْنَهُ إنَّما تظهر به النِّعمة عند الحِلِّ (^1) من الإحرام، وإلا ففي حال الإحرام هم في أَمَانٍ، والحُرْمةُ هناك للفعل لا للمكان.

والمقصود إنَّما هو ذكر حُرْمة المكان، وهي إنَّما تظهر بحال الحَلَال الذي لم يتلبَّس بما يقتضي أَمْنَهُ، ولكن على هذا ففيه تنبيهٌ؛ فإنَّه إذا أقسَمَ به، وفيه الحلال، فإذا كان فيه الحرام فهو أَوْلَى بالأمْنِ والتعظيم.

وكذلك إذا أُرِيد المعنى الثاني وهو الحلول، فهو متضمِّنٌ لهذا

  • = الخفاجي، والقاسمي في "محاسن التأويل" (7/ 324).
    قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ﵀ في "التحرير والتنوير" (15/ 348):
    "وحكى ابن عطية عن بعض المتأولين: أن معنى "وأنت حِلٌّ بهذا البلد" أنه حالٌّ، أي: ساكنٌ بهذا البلد. وجعله ابن العربي قولًا ولم يَعْزُه إلى قائل، وحكاه القرطبي والبيضاوي كذلك، وهو يقتضي أن تكون جملة "وأنتَ حِلٌّ" في موضع الحال من ضمير "أُقْسِمُ"، فيكون القَسَم بالبلد مقيدًا باعتبار كونه بلَدَ محمدٍ ﷺ، وهو تأويلٌ جميلٌ لو ساعد عليه ثبوت استعمال (حِلّ) بمعنى: حَالّ أي: مقيم في مكان، فإن هذا لم يرد في كتب اللغة: الصحاح، واللسان، والقاموس، ومفردات الراغب. ولم يعرج عليه صاحب "الكشاف"، ولا أحسِبُ إعراضه عنه إلا لعدم ثقته بصحة استعماله.
    وقال الخفاجي: "والحِلّ: صفة أو مصدر بمعنى الحال هنا على هذا الوجه، ولا عبرة بمن أنكره لعدم ثبوته في كتب اللغة"، وكيف يقال: لا عبرة بعدم ثبوته في كتب اللغة، وهل المرجع في إثبات اللغة إلا كتبُ أئمتها! ".
    (^1) في (ز): المحل.
58

التعظيم، مع تضمُّنِه لأمرٍ آخر وهو: إقسامُهُ ببلده المشتمِل على رسوله وعبده، فهو خير البِقاع وقد اشتمل على خير العباد.

فجَعَلَ بيتَهُ هدىً للناس، ونبيَّهُ إمامًا وهاديًا لهم، وذلك من أعظم نِعَمِه وإحسانِه إلى خلقه، كما هو من أعظم آياته ودلائل وحدانيتِه وربوبيتِه، فمن اعتبر حالَ بيتِهِ وحالَ نبيِّهِ وجد ذلك من أظهر أدلَّة التوحيد والربوبية.

وفي الآية قولٌ ثالثٌ (^1)؛ وهو أنَّ المعنى: وأنتَ مُسْتَحَلٌّ قَتْلُكَ

  • (^1) وفي الآية - أيضًا - قولٌ رابعٌ هو أولى الأقوال بالنقل؛ لأنه المنقول عن السلف، وعليه أكثر المفسرين، وهو: أن المراد بالآية تحليل مكة للنبيِّ ﷺ بحيث يفعل فيها ما يحرم على غيره من قتل وسَلْب وغير ذلك، وقد حصل ذلك يوم الفتح فإنه قتل: عبدَ الله بن خَطَل، ومِقْيَسَ بن صُبَابة، وغيرهما.
    وحينئذٍ تكون الآية وعدًا للنبيِّ ﷺ بفتح مكة، وتبشيرًا له بحصول ذلك في المستقبل.
    وهذا قول: ابن عباس، ومجاهد، والسُّدِّي، وابن زيد، وقتادة، وعطاء، والضحَّاك، وأبي صالح، وعطية، والحسن، وسعيد بن جبير.
    بل إن جماعة من المفسرين لم يذكروا غير هذا التفسير للآية، كما فعل: ابن جرير في "جامع البيان" (12/ 585)، والواحديُّ في "الوسيط" (4/ 488)، وابن كثير في "تفسيره" (8/ 402).
    ومما يؤكد هذا المعنى ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم افتتح مكة: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيَّةٌ، وإذا استُنفِرتُم فانفِروا، فإنَّ هذا بلدٌ حرَّمَهُ الله يوم خلق السمواتِ والأرض، وهو حرامٌ بحرمةِ اللهِ إلى يوم القيامة، وإنه لم يَحِلَّ القتالُ فيه لأحدٍ قبلي، ولم يَحِلَّ لي إلا ساعةً من نهارٍ، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة … الحديث".
    أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (1737)، ومسلم في "صحيحه" رقم =
59

وإخراجُك من هذا البلد الأمين؛ الذي يأْمَنُ فيه الطير والوحش والجاني، وقد استَحَلَّ قومُكَ فيه حُرْمتَكَ، وهم لا يَعْضِدُون به شجرةً، ولا يُنفِّرون به صيدًا. وهذا مروي عن شرحبيل بن سعد (^1).

وعلى كلِّ حالٍ فهي جملة اعتراضٍ في أثناء القَسَم، موقعها من أحسن موقعٍ وأَلْطَفه.

فهذا القَسَمُ متضمِّنٌ لتعظيم بيته ورسوله.

ثُمَّ أنكر - سبحانه - على الإنسان ظنَّه وحُسْبَانه أن لن يقدر عليه أحدٌ من خلقه في هذا الكَبَدِ والشدَّةِ والقوَّةِ التي يكابد بها الأمور، فإنَّ الذي خلقه كذلك (^2) أَوْلَى بالقدرة منه وأحقُّ، وكيف يُقْدِرُ غيرَهُ من لم يكن قادرًا في نفسه؟! فهذا برهانٌ مستقِلٌّ بنفسه، مع أنَّه متضمِّنٌ للجزاء

  • = (1353).
    وانظر - أيضًا -: "الكشاف" (4/ 757)، و"معالم التنزيل" (8/ 429)، و"زاد المسير" (8/ 250 - 251)، و"الجامع" للقرطبي (20/ 60).
    (^1) أخرجه: سعيد بن منصور، وابن المنذر، كما قال السيوطي في "الدر المنثور" (6/ 593).
    وعَزَا السمعاني هذا القول في "تفسيره" (6/ 225) إلى: القفَّال!
    وانظر: "المحرر الوجيز" (15/ 454)، و"معالم التنزيل" (8/ 429)، و"الجامع" (20/ 61).
    وشُرَحْبيل بن سعد هو: أبو سعد الخَطْمِي المدني، مولى الأنصار، تابعي أخباري، لم يكن أحدٌ أعلم بالمغازي والبَدْريين منه، لكنه ضعيف الحديث على قلةٍ في الرواية، توفي سنة (123 هـ) ﵀.
    انظر: "تهذيب الكمال" (12/ 413)، و"إكمال التهذيب" لمغلطاي (6/ 227).
    (^2) في (ز) و(ن): لذلك.
60

بيان معنى قوله تعالى: ﴿يقول أهلكت مالا﴾

الذي مناطُهُ: القدرةُ والعلمُ، فنبَّه على ذلك بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5)﴾، وبقوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7)﴾ فيُحْصِي عليه ما عَمِلَ من خيرٍ وشرٍّ، ولا يقدر عليه فيجازيه بما يستحقه؟

ثُمَّ أنكر - سبحانه - على الإنسان قوله: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6)﴾، وهو الكثير الذي يُلَبَّدُ بعضُه فوق بعضٍ، فافْتَخَر هذا الإنسان بإهلاكه وهو: إنفاقُهُ في غير وجهه، إذ لو أنفقه في وجُوهِهِ التي أُمِرَ بإنفاقه فيها، وَوَضْعِهِ مواضعه؛ لم يكن ذلك إهلاكًا له، بل تقرُّبًا به إلى الله عز وجل وتوصُّلًا به إلى رِضَاهُ وثوابِهِ، وذلك ليس بإهلاكٍ له. فأنكر - سبحانه - افتخارَه وتبجُّحَهُ بإنفاق المال في شهواته وأغراضه التي إنفاقُه فيها إهلاكٌ له.

ثُمَّ وبَّخَهُ - سبحانه - بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7)﴾، وأتى ها هنا بـ "لم" الدالَّة على المُضِيِّ (^1)، في مقابلة قوله: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6)﴾؛ فإنَّ ذلك في الماضي، أَفَيَحْسَبُ أن لم يَرَهُ أحدٌ فيما أنفقه وفيما أهلكه؟!

ثُمَّ ذكر - سبحانه - برهانًا مقرِّرًا أنَّه أحقُّ بالرؤية وأَوْلَى من هذا العبد الذي له عينان يبصر بهما، فكيف يعطيه البصر من لا يراه؟ وكيف يعطيه آلة البيان - من الشفتين واللِّسَان، فينطقُ، ويبين عمَّا في نفسه، ويأمر وينهى - من لا يتكلَّم، ولا يُكَلِّمُ، ولا يخاطِب، ولا يأمر، ولا ينهى؟! وهل كمال المخلوق مستفادٌ إلا من خالقه؟ ومن جعل غيره عالمًا بنجْدَيْ الخيرِ والشرِّ - وهما طريقاهما - أَوْلَى وأحقُّ بالعلم منه.

  • (^1) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: المعنى.
61

ومن هداهُ إلى هذين الطريقين، كيف يليق به أن يتركه سُدَىً، لا يعرِّفُه ما يضرُّهُ وما ينفعُه في معاشِهِ ومعادِهِ؟ وهل النُّبوَّةُ والرِّسَالةُ إلا لتكميل هدايته النَّجْدَين؟! فدلَّ هذا كلُّه على إثبات الخالق، وصفات كماله، وصدق رسله، ووعده، ووعيده (^1).

وهذه أصول الإيمان التي اتفقت عليها جميع الرُّسُلِ من أوَّلهم إلى آخرهم، إذا تأمَّلَ الإنسانُ حالَهُ وخَلْقَهُ وجَدَهُ من أعظم الأدلَّة على صحتها وثبوتها، فتكفي الإنسانَ فكرتُهُ في نفسه وخَلْقه.

والرُّسُلُ بُعِثُوا مذكِّرين بما في الفِطَرِ والعقول، مُكَمِّلين له؛ لتقوم على العبد حُجَّةُ الله بفطرته ورسالته.

ومع هذا (^2) فقامت عليه حُجَّتُه، ولم يقتحم العقبة التي بينه وبين ربِّه، التي لا يصل إليه حتَّى يقتحمَها:

1 - بالإحسان إلى خلقه بفَكِّ الرقبة، وهو تخليصها من الرِّقِّ، ليخلِّصَهُ الله من رِقِّ نفسه، ورِقِّ عدوِّه.

2 - وإطعامِ المسكينِ واليتيمِ في يوم المجاعة.

3 - وبالإخلاص له - سبحانه - بالإيمان الذي هو خالصُ حقِّه عليه، وهو تصديقُ خَبَره، وطاعةُ أمره ابتغاءَ وجهِهِ.

4 - وبنصيحة غيره؛ بأنْ يوصيه بالصبر والمرحمة، ويقبَل وصيةَ من أوصاه بهما، فيكون صابرًا رحيمًا في نفسه، معينًا لغيره على الصبر

  • (^1) ساقط من (ن).
    (^2) ساقط من (ن).
62

والرحمة، دالًّا لغيره عليهما (^1).

فمن لم يقتحم هذه "العقبة"؛ وهلك دونها: هلَكَ منقطِعًا عن ربِّه، غيرَ واصلٍ إليه، بل محجوبًا عنه.

والنَّاس قسمان:

1 - ناجٍ؛ وهو (^2) من قطع "العقبة"، وصار وراءها.

2 - وهالك؛ وهو من دون "العقبة"، وهم أكثر الخلق.

ولا يقتحم هذه "العقبة" إلا المُضَمِّرُون (^3)، فإنَّها عقبةٌ كَؤُودٌ شاقَّةٌ، لا يقطعها إلا خفيفُ الظَّهْر، وهم "أصحاب الميمنة".

والهالكون (^4) دون "العقبة" الذين لم يُصَدِّقُوا الخبر، ولم يطيعوا الأمر، وهم "أصحاب المَشْأمة" = ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)﴾ قد أَطْبَقَت عليهم؛ فلا يستطيعون الخروج منها؛ كما أَطْبَقَت عليهم أعمالُ الغَيِّ،

  • (^1) "دالًّا لغيره عليهما" ساقط من (ح) و(م).
    (^2) في النسخ: وهم، وما أثبته أنسب للسياق.
    (^3) جمع "مُضَمِّر"، وهو في الأصل يطلق على الذي يُضَمِّر خيلَه لغزوٍ أو سباقٍ، وتَضْمير الخيل: أن يظاهر عليها بالعَلَف حتى تَسْمَن، ثم لا تُعْلَف إلا قوتًا، حتى إذا قَرُب وقت الغزو أو السباق شُدَّت عليها سُرُوجها، وجُلِّلَت بالأجِلَّة حتى تعرق تحتها، فيذهب رَهَلُها، ويشتدُّ لحمُها، وبذلك يُؤمَنُ عليها من البُهْر الشديد عند حُضْرها ولم يقطعْها الشدُّ.
    انظر: "لسان العرب" (8/ 85)، و"تاج العروس" (12/ 403).
    ومراد المؤلف ها هنا: أنهم الذين يستعدون بالعمل الصالح لاستقبال ما أمامهم من الحساب والجزاء، كما تُضمر الخيل استعدادًا للمِضْمَار.
    (^4) في جميع النسخ بالإفراد: والهالك، والصواب ما أثبته ليستقيم الكلام.
63

والاعتقاداتُ الباطلةُ المُنَافيةُ لما أخبرت به الرُّسُل، فلم تَخْرُج قلوبُهم منها، كذلك أطبقت عليهم (^1) هذه النَّار، فلم تستطع أجسامُهم الخروجَ منها.

فتأمَّلْ هذه السورة على اختصارها، وما اشتملت عليه من مطالب العلم والإيمان، وبالله التوفيق.

وأيضًا فإنَّ طريقةَ القرآن: يذكر العلمَ والقدرةَ، تهديدًا وتخويفًا؛ لِيُرتِّبَ (^2) الجزاءَ عليهما، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ [الأنعام: 65]، وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10)﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14)﴾ [العلق: 9 - 10، 14]، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)﴾ [الزخرف: 80] وهذا كثيرٌ جدًّا في القرآن.

وليس المراد به مجرَّد الإخبار بالقدرة والعلم، لكنَّ الإخبارَ - مع ذلك - بما يترتَّبُ عليهما من الجزاء بالعدل، فإنَّه إذا كان قادرًا أمكن مجازاته، وإذا كان عالمًا أمكن ذلك بالقسط والعدل، ومن لم يكن قادرًا لم يمكن مجازاته. وإن كان قادرًا لكنه غير عالمٍ بتفاصيل الأعمال ومقادير جزائها؛ لم يُجَازِ بالعدل.

والرَّبُّ سبحانه وتعالى موصوفٌ بكمالِ القدرة، وكمالِ العلم، فالجزاء منه موقوفٌ على مجرَّدِ مشيئَتِهِ وإرادته، فحينئذٍ يجب على

  • (^1) ساقط من (ن).
    (^2) في (ن): لترتيب، وفي (ح) و(م): لترتب.
64