التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 91 - 103

تفسير "اليسرى" وإعرابها

تفسير "اليسرى" وإعرابها

وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: 28]، فضَمِنَ لهم - سبحانه - بالتقوى ثلاثةَ أمور:

أعطاهم نَصِيبَين من رحمته؛ نصيبًا في الدنيا، ونصيبًا في الآخرة، وقد يُضَاعِفُ لهم نصيبَ الآخرة فيصير نصيبين.

الثاني: أعطاهم نورًا يمشون به في الظلمات.

الثالث: مغفرة ذنوبهم.

وهذا غاية التيسير، فقد جعل - سبحانه - التقوى سببًا لكلِّ يُسْرٍ، وتَرْكَ التقوى سببًا لكلِّ عُسْرٍ.

السبب الثالث: التصديق بالحُسْنَى، وفُسِّرَت بـ "لا إله إلا الله"، وفُسِّرت بالجنَّة، وفُسِّرت بالخَلَف، وهي أقوال السلف (^1).

و"اليُسْرَى": صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، أي: الحالة والخَلَّة اليُسْرَى، وهي "فُعْلَى" من اليُسْرِ.

والأقوال الثلاثة ترجع إلى أفضل الأعمال، وأفضل الجزاء:

فمن فسَّرها بـ "لا إله إلا الله"؛ فقد فسَّرها بمفردٍ يأتي بكلِّ جمعٍ، فإنَّ التصديقَ الحقيقي بـ "لا إله إلا الله" يستلزم التصديقَ بشُعَبِها وفروعِها

  • (^1) في تفسير "الحُسْنَى" سبعة أقوال مأثورة عن السلف، قال القرطبي: "وكلُّه متقارب المعنى؛ إذ كلُّه يرجع إلى الثواب الذي هو الجنَّة". "الجامع" (20/ 83).
    وانظر: "النكت والعيون" للماوردي (6/ 287)، و"زاد المسير" (8/ 263).
91

كلِّها. وجميعُ الدِّين - أصولُه وفروعُه - من شُعَب هذه الكلمة.

فلا يكون العبد مصدِّقًا بها حقيقة التصديق حتَّى يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائه.

ولا يكون مؤمنًا بأنَّ اللهَ إلهُ العالمين حتَّى يؤمن بصفات جلاله، ونعوت كماله.

ولا يكون مؤمنًا بأنَّه (^1) "لا إله إلا هو" حتَّى يَسْلُبَ خصائصَ الإلهيَّة عن كلِّ موجودٍ سواه، ويسلبَها عن اعتقاده وإرادته، كما هي مَنْفِيَّةٌ في الحقيقة والخارج.

ولا يكون مصدِّقًا بها مَنْ نَفَى الصفات العُلَى، ولا مَنْ نَفَى كلامه وتكليمه، ولا من نَفَى استواءه على عرشه، وأنَّه يصعد (^2) إليه الكَلِمُ الطيِّبُ والعملُ الصالح، وأنَّه رفَعَ المسيحَ إليه، وأسرى برسوله ﷺ إليه، وأنَّه يُدَبِّرُ الأمرَ من السماء إلى الأرض ثُمَّ يَعْرُج إليه، إلى سائر ما وصفَ به نفسه، ووَصَفَهُ به رسولُه ﷺ.

ولا يكون مؤمنًا بهذه الكلمة مصدِّقًا بها على الحقيقة مَنْ نَفَى عمومَ خَلْقِهِ لكلِّ شيءٍ، وقدرتِهِ على كلِّ شيءٍ، وعِلْمِهِ بكلِّ شيءٍ، وبَعْثَهُ للأجسادِ من القبور ليوم النُّشور.

ولا يكون مصدِّقًا بها من زعم أنه يترك خَلْقَهُ سُدىً، لم يأمرهم ولم يَنْهَهُم على أَلْسِنَةِ رُسُلِه.

  • (^1) ساقط من (ز).
    (^2) في (ح) و(م): يرفع.
92

وكذلك التصديق بها يقتضي الإذْعَانَ والإقرارَ بحقوقها، وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة.

فالتصديقُ بجميع أخباره، وامتثالُ أوامره، واجتنابُ نواهيه، هو تفصيل "لا إله إلا الله"، فالمصدِّق بها على الحقيقة الذي يأتي بذلك كلِّه، وكذلك لم تحصل عصمة المال والدَّم - على الإطلاق - إلا بها، وبالقيام بحقِّها، وكذلك لا تحصل النَّجاة من العذاب - على الإطلاق - إلا بها وبحَقِّها، فالعقوبة في الدنيا والآخرة على تركها، أو ترك حَقِّها.

ومن فَسَّر "الحُسْنَى" بالجنَّة؛ فسَّرها بأَعْلَى أنواع الجزاء وكماله.

ومن فسَّرها بالخَلَف؛ ذكر نوعًا من الجزاء، فهذا جزاءٌ دنيويٌّ، والجنَّة الجزاء في الآخرة.

فرجع التصديق بـ "الحُسْنَى" إلى التصديق بالإيمان وجزائه.

والتحقيقُ أنَّها تتناول الأمرين.

وتأمَّلْ ما اشتملت عليه هذه الكلمات الثلاث - وهي: الإعطاءُ، والتقوى، والتصديقُ بالحُسْنَى - من العلم والعمل، وتضمَّنته من الهُدَى ودين الحق، فإنَّ "النَّفْسَ" لها ثلاثُ قوى:

1 - قوَّةُ البذل والإعطاء.

2 - وقوَّةُ الكَفِّ والامتناع (^1).

  • (^1) في (ز) و(ن): عن الامتناع.
93

3 - وقوَّةُ الفَهْم والإدراك.

ففيها: قوَّة العلم والشعور؛ وتَتبعها: قوَّةُ الحُبِّ والإرادة، وقوَّةُ البُغْضِ والنُّفْرة.

فهذه القُوى الثلاثة عليها مدارُ صلاحِها وسعادتها، وبفسادها يكون فسادُها وشقاوتُها.

ففساد قوَّة العلم والشعور يوجب له التكذيب بالحُسْنَى.

وفساد قوَّة الحبِّ والإرادة يوجب له (^1) تَرْكَ الإعطاءِ، والمنعَ (^2).

وفساد قوَّة البُغْضِ والنُّفْرة يوجب له تركَ الاتِّقاء.

فإذا كمَّلَ قوَّةَ حُبِّهِ وإرادته بإعطائه ما أُمِرَ به، وقوَّةَ بُغْضه ونُفْرَتِه باتقائه ما نُهِيَ عنه، وقوَّةَ علمه وشعوره بتصديقه بكلمة الإسلام وحقوقها وجزائها = فقد زكَّى نفسَهُ، وأعَدَّها لكلِّ حالةٍ يُسْرَى، فصارت "النَّفْسُ" بذلك ميسَّرةً لليُسْرَى.

ولمَّا كان الدِّين يدور على ثلاثِ قواعد: فعلِ المأمور، وتركِ المحظور، وتصديقِ الخبر - وإنْ شئتَ قلتَ: الدِّين: طلبٌ، وخبرٌ. والطلبُ نوعان: طلبُ فعلٍ، وطلبُ تركٍ -؛ تضمَّنَت هذه الكلماتُ الثلاثُ مراتبَ الدِّين أجمعَها؛ فالإعطاء: فعل المأمور، والتقوى: ترك المحظور؛ والتصديق بالحُسْنَى: تصديق الخبر = فانتظم ذلك الدِّينَ كلَّه.

  • (^1) ساقط من (ز).
    (^2) ساقط من (ح) و(م).
94

بيان حقيقة التيسير لليسرى

وأكملُ النَّاس من كملت له هذه القُوى (^1) الثلاث، ودخول النَّقْص بحسب نقصانها أو بعضِها (^2)، فمن النَّاس من تكون قوَّة إعطائه وبذله أتمَّ من قوَّة انكفافه وتركه، فقوَّةُ التَرْكِ فيه أضعفُ من قوَّةِ الإعطاء، ومن النَّاس من تكون قوَّةُ التَّرْكِ والانكفافِ فيه أتمَّ من قوَّة الإعطاء، ومن النَّاس من تكون قوَّةُ التصديق فيه أتمَّ من قوَّة الإعطاء والمنع، فقوَّتُه العلميَّة الشعوريَّة أتمُّ من قوَّته الإراديَّة، وبالعكس، فيدخل النَّقْص بحسب ما نقص (^3) من قوَّة هذه القُوى الثلاث، ويفوته من التيسير لليُسْرَى بحسب ما فاته منها، ومن كملت له هذه القُوى يُسِّرَ لكلِّ يُسْرَى.

قال ابن عباس ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾: "نُهَيِّئُه لعمل الخير، ونيسِّرها عليه" (^4).

وقال مقاتل، والكلبي، والفرَّاء: "نُيَسِّرُه للعَود إلى العمل الصالح" (^5).

وحقيقة "اليُسْرَى" أنَّها الخَلَّةُ والحالَةُ السَّهْلَةُ النافعةُ الواقعة (^6) له، وهي ضِدُّ العُسْرَى، وذلك يتضمَّنُ تيسيره للخير وأسبابه، فيُجْرِي الخيرَ ويُيَسِّرُه على قلبِه، ونيتِه (^7)، ولسانِه، وجوارحِه. فتصير

  • (^1) تصحفت في (ك) و(ن) إلى: التقوى.
    (^2) في (ز): وبغضها!
    (^3) بعدها في (ن) و(ك) زيادة: من نقص! وكشط عليها في (ز).
    (^4) انظر: "زاد المسير" (8/ 263)، و"تفسير ابن كثير" (8/ 417).
    والعبارة في (ح) و(م) هكذا: تُيسَّر عليه أعمال الخير.
    (^5) انظر: "تفسير مقاتل" (3/ 492)، و"معاني القرآن" للفرَّاء (3/ 270).
    (^6) في (ز) و(ط): الرافعة. وسقطت "له" من (ك).
    (^7) في (ح) و(م): بدنه.
95

المراد بالتيسير للعسرى

خصالُ الخير وأسبابُه ميسَّرةً عليه، مذلَّلةً له، مُنْقَادَةً لا تستعصي عليه، ولا تستصعب؛ لأنَّه مُهَيأٌ لها، ميسَّرٌ لفعلها، يسلك سُبُلَها ذُلُلًا، وتنقادُ له علمًا وعملًا، فإذا خالطتهُ قلتَ: هذا هو الذي قيل فيه:

مُبارَكُ الطَّلْعَةِ مَيْمُونُهايَصْلُحُ للدنيا وللدِّينِ (^1)

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ فعطَّل قوَّةَ الإرادة والإعطاء عن فعل ما أُمِرَ به، ﴿وَاسْتَغْنَى (8)﴾ بترك التقوى عن ربِّه، فعطَّل قوَّةَ الانكفافِ والتَّرْكِ عن فعل ما نُهِيَ عنه، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾ فعطَّل قوَّةَ العلم والشعور عن التصديق بالإيمان وجزائه = ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾.

قال عطاء: "سوف أَحُولُ بين قلبه وبين الإيمان بي وبرسولي" (^2).

وقال مقاتل: "يُعَسَّرُ عليه أن يُعْطَى خيرًا" (^3).

وقال عكرمة، عن ابن عباس: "نُيَسِّرُه للشَّرِّ" (^4).

  • (^1) هذا البيت لعبيد الله الفاطمي، الملقَّب بـ "المهدي"، أول ملوك بني عبيد، كان إذا رأى ابنَه أبا القاسم ونظر إليه فسُرَّ به يقوله!
    ذكره ابن الأبَّار القضاعي في "الحلَّة السِّيَراء" (1/ 194).
    (^2) ذكره السمعاني في "تفسيره" (6/ 238) من طريق أبي صالح عن ابن عباس.
    وذكره القرطبي في "الجامع" (20/ 84) من طريق الضحَّاك عن ابن عباس.
    (^3) "تفسير مقاتل" (3/ 492).
    (^4) أخرجه: ابن أبي حاتم في "تفسيره" (10/ رقم 19361)، وابن جرير في "جامع البيان" (12/ 617)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (19/ 418).
    وزاد السيوطي نسبته إلى: سعيد بن منصور، وابن المنذر، وعبد بن حميد. "الدر المنثور" (6/ 605).
96

قال الواحديُّ: "وهذا هو القول؛ لأنَّ الشَّرَّ يؤدِّي إلى العذاب، فهو الخَلَّة العُسْرَى، والخيرَ يؤدِّي إلى اليُسْرِ والراحةِ في الجنَّة، فهو الخَلَّةُ اليُسْرَى، يقول: سَنُهَيِّئُه للشَّرِّ، بأن نُجْرِيه على يديه" (^1).

قال الفرَّاء: "والعربُ تقول: قد يَسَّرَتْ غنمُ فلان؛ إذا تَهَيَّأَتْ للوِلادة، وكذلك إذا ولدت وغَزُرَتْ ألبانُها، أي: يَسَّرَتْ ذلك على أصحابها" انتهى (^2).

التيسير للعسرى يكون بأمرين

والتيسير للعُسْرَى يكون بأمرين:

أحدهما: أن يحول بينه وبين أسباب الخير، فيجري الشَّرُّ على قلبه، ونيته، ولسانه، وجوارحه.

والثاني: أن يحول بينه وبين الجزاء الأيسر، كما حال بينه وبين أسبابه.

فإن قيل: كيف قَابلَ "اتَّقَى" بـ "استغنى"؟ وهل يمكنُ العبدَ أن يستغنيَ عن ربِّه طَرْفَةَ عَينٍ؟

قيل: هذا من أحسن المقابلة (^3)، فإنَّ المتَّقِي لمَّا استشعر فَقْرَهُ وفَاقَتَهُ، وشدَّةَ حاجته إلى ربِّه = اتَّقَاهُ، ولم يتعرَّض لسخَطِه وغضبه ومَقْته؛ بارتكاب ما نهاه عنه. فإنَّ من كان فقيرًا شديدَ الحاجةِ والضرورةِ إلى شخصٍ فإنَّه يَتَّقي غضَبَهُ وسخطَهُ عليه غاية الاتِّقَاء، ويجانب ما يكرهُهُ غايةَ المجانبة، ويعتمدُ فعلَ ما يحبُّهُ ويُؤْثِرُهُ.

  • (^1) "الوسيط" (4/ 504)، وفيه اختلاف يسير في الألفاظ عما هنا.
    (^2) "معاني القرآن" (3/ 270).
    (^3) في (ن): المقالة.
97

فقابَلَ التقوى بالاستغناء تشنيعًا لحال تارك التقوى، ومبالغةً في ذمِّه؛ بأن فَعَلَ فِعْلَ المستغني عن ربِّه، لا فِعْلَ الفقيرِ المضطرِّ إليه الذي (^1) لا ملجأ له منه إلا إليه، ولا غنى له عن فضله وجُودِهِ وبِرِّهِ طَرْفَةَ عينٍ.

فَلِلَّهِ (^2) ما أَحْلَى هذه المقابلة، وما أجمع هاتين الآيتين للخيرات كلِّها وأسبابِها، وللشرورِ كلِّها وأسبابِها.

فَسُبْحَانَ من تعرَّفَ إلى خواصِّ عباده بكلامه، وتجلَّى لهم فيه، فهم لا يطلبون أثرًا بعد عَينٍ، ولا يستبدلون الحقَّ بالباطل، والصدق بالمَيْنِ.

وقد تضمَّنت هاتان الآيتان فَصْلَ الخطاب في مسألة القَدَر، وإزالة كلِّ لَبْسٍ وإشكالٍ فيها، وذلك بَيِّنٌ - بحمد الله - لمن وُفِّقَ لفهمه.

ولهذا أجاب بهما (^3) النبيُّ ﷺ لمن أورد عليه السؤالَ الذي لا يزال النَّاس يَلْهَجُون به في القَدَر، فأجاب بِفَصْل الخطاب، وأزال الإشكال.

ففي "الصحيحين" من حديث علي بن أبي طالب [ن/ 18] رضي الله عنه عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "ما منكم من أحدٍ إلَّا وقد عُلِمَ مَقْعَدُهُ من الجنَّةِ والنَّارِ" قيل: يا رسول الله، أفلا نَدَعُ العَمَلَ، ونتَّكِلُ على كتابنا (^4)؟ قال: "اعمَلُوا، فكُلٌّ ميسَّرٌ لمَا خُلِقَ له" ثُمَّ قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)﴾

  • (^1) ساقط من (ن).
    (^2) في (ز) زيادة: الحمد.
    (^3) في (ن): بها.
    (^4) في (ك) و(ح) و(ط) و(م): الكتاب.
98

﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى (10)﴾ (^1) [الليل: 5 - 10].

فقد تضمَّنَ هذا الحديث الردَّ على "القَدَريَّة" و"الجَبْرِيَّة"، وإثباتَ القَدَر والشرع، وإثباتَ الكتاب الأوَّل المتضمِّنِ لعلم الله - سبحانه - الأشياءَ قبل كونها، واثباتَ خلق الفعل الجزائي.

وهو يبطل أصول "القَدَريَّة" الذين يمنعون خَلْقَ الفعل مطلقًا، ومن أقرَّ منهم بخَلْق الفعل الجزائي دون الابتدائي = هَدَمَ أصلَهُ، ونقضَ قاعدته.

والنبيُّ ﷺ أخبر بمثل ما أخبر به الرَّبُّ - تعالى -: أنَّ العبد ميسَّرٌ لمَا خُلِق له (^2)؛ لا مَجْبُورٌ، فالجَبْر لفظٌ بدعيٌّ، والتيسير لفظ القرآن والسُّنَّة.

وفي الحديث دلالةٌ على أنَّ الصحابة كانوا أعلم النَّاس بأصول الدِّين، فإنَّهم تلقَّوها عن أعلم الخلق بالله عز وجل على الإطلاق، وكانوا إذا استشكلوا شيئًا سألوه عنه، وكان يجيبُهم بما يُزيل الإشكال، ويبيِّنُ الصوابَ. فهم العارفون بأصول الدِّين حقًا، لا أهلُ البدع والأهواء من المتكلِّمين ومن سلك سبيلهم.

وفي الحديث استدلالُ النبيِّ ﷺ على مسائل أصول الدِّين بالقرآن،

  • (^1) "إلى قوله: "للعسرى"" ساقط من (ك) و(ح) و(م) و(ط).
    والحديث أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (1296، 4661، 4666، 5863، 6231، 7113)، ومسلم في "صحيحه" رقم (2647).
    (^2) ساقط من (ن).
99

وإرشادُهُ الصحابةَ إلى استنباطِها منه، خلافًا لمن زعم أنَّ كلامَ الله ورسوله لا يفيد العلم بشيءٍ من أصول الدِّين، ولا يجوز أن تستفاد معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله منه، وعبَّرَ عن ذلك بقوله: "الأدلَّة اللفظية لا تفيد اليقين" (^1).

وفي الحديث بيان أنَّ من النَّاس من خُلِقَ للسَّعادة، ومنهم من خُلِق للشَّقَاوة، خلافًا لمن زعم أنَّهم كلُّهم خُلِقُوا للسَّعَادة، ولكن اختاروا الشَّقَاوة، ولم يُخْلَقُوا لها.

وفيه إثباتُ الأسباب، وأنَّ العبد ميسَّرٌ للأسباب الموصِلة له (^2) إلى ما خُلِق له.

وفيه دليلٌ على اشتقاق السُّنَّةِ من الكتاب، ومطابقتها له. فتأمَّلْ قوله ﷺ: "اعمَلُوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له" ومطابقته لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)﴾ إلى آخر الآيتين، كيف انتظم الشَّرْعَ والقَدَرَ، والسببَ والمسبَّب؟

وهذا الذي أرشد إليه النبيُّ ﷺ هو الذي فَطَر اللهُ عليه عباده، بل الحيوانَ البهيمَ، بل مصالحَ الدنيا وعمارتها بذلك، فلو قال كلُّ أحدٍ: إنْ كان قُدِّر لي كذا وكذا فلابدَّ أن أنَالَهُ، وإن لم يقدَّر لي فلا سبيل إلى نَيلِهِ، فلا أَسْعَى ولا أتَحَرَّكُ؛ لَعُدَّ من السفهاءِ الجُهَّالِ، ولم يمكنه طَرْدُ ذلك أبدًا، وإن أتى به في أمرٍ مُعَيَّنٍ، فهل يمكنه أن يَطْرُدَهُ في مصالحه

  • (^1) أطال ابن القيم ﵀ في تفنيد هذه القالة، وزيَّفَها من وجوهٍ عدَّةٍ في كتابه "الصواعق المرسلة" (2/ 633) فما بعدها، وسمَّاها: "الطاغوت الأوَّل"!
    (^2) ساقط من (ن).
100

جميعها، من طعامه، وشرابه، ولباسه، ومسكنه، ومَنْكَحِهِ، وهُرُوبِهِ ممَّا يُضَاد بقاءه، وينافي مصالحه، أم يجد نفسه غير منفكَّةٍ أَلْبتَّةَ عن قول النبيِّ ﷺ: "اعمَلُوا فكُلٌّ ميسَّرٌ لمَا خُلِقَ له"؟! فإذا كان هذا في مصالحِ الدنيا، وأسباب منافعها، فما المُوجِبُ لتعطيله في مصالح الآخرة، وأسبابِ السَّعَادةَ والفلاح؛ ورَبُّ الدنيا والآخرة واحدٌ؟! فكيف يُعطَّلُ ذلك في شرع الرَّبِّ وأمرِه ونهيه، ويُستَعْمَلُ في إرادةِ العبد، وأغراضِه، وشهواته؟ وهل هذا إلا مَحْضُ الظلم والجهل، والإنسان ظلومٌ جَهُولٌ، ظلومٌ لنفسه، جهولٌ بربِّه.

فهذا الذي أرشد إليه النبيُّ ﷺ، وتلا عنده هاتين الآيتين، موافقٌ لما جعله اللهُ في عقول العقلاء، وركَّب عليه فِطَرَ الخلائق حتَّى الحيوان البهيم، وأرسل به جميع رسله، وأنزل به جميع (^1) كتبه.

ولو اتَّكَلَ العبدُ على القَدَر ولم يعمل لتعطَّلت الشرائع، وتعطَّلت مصالح العالم، وفسد أمر الدنيا والدَّين، وإنَّما يَسْتَرْوِحُ إلى ذلك مُعَطِّلُو الشرائع، ومن خَلَعَ رِبْقَةَ (^2) الأوامر والنواهي من عنقه، وذلك ميراثٌ من إخوانهم المشركين الذين دفعوا أمرَ اللهِ ونَهْيَهُ، وعارَضوا شرعَهُ بقضائه وقَدَرِهِ، كما حكى اللهُ - سبحانه - ذلك عنهم في غير موضع من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية وما بعدها [الأنعام: 148].

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ﴾

  • (^1) ساقط من (ز).
    (^2) تصحفت في (ن) إلى: رقبة.
101

﴿شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: 35]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ الآية [الزخرف: 20].

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ الآية [يس: 47].

فإن قيل: فالإعطاء، والتقوى، والتصديق بالحُسْنَى (^1)، هي من اليُسْرَى - بل هي أصل اليُسْرَى - من يسَّرَها للعبد أوَّلًا؟ وكذلك أضدادها؟

قيل: الله - سبحانه - هو الذي يسَّر للعبد أسباب الخير والشَّرِّ، وخَلَقَ خَلْقَهُ قسمين:

1 - أهلَ سَعَادةٍ، فيسَّرهم لليُسْرَى.

2 - وأهلَ شَقَاوةٍ، فيسَّرهم للعُسْرَى.

واستعمل هؤلاء في الأسباب التي خُلِقُوا لغَايَاتها، لا يَصْلُحُون لِسِوَاها، وهؤلاء في الأسباب التي خُلِقُوا لغَايَاتها لا يَصْلُحُون لِسوَاها، وحكمتُهُ الباهِرةُ تأْبَى أن يضع عقوبته في موضعٍ لا تصلُح له، كما تَأْبَى أن يَضَع كرامته وثوابه في مَحَلٍّ لا يصلح له ولا يليق به، بل (^2) حكمةُ آحادِ خلقه تَأْبَى ذلك، ومَنْ جعل مَحَلَّ المِسْكِ والرَّجِيعِ واحدًا فهو من (^3) أسفه السفهاء.

  • (^1) جاء بعدها في (ن) زيادة: هو، وبدلًا من "هي" في (ز).
    (^2) ساقط من (ح) و(م).
    (^3) من (ح) و(م).
102

فإن قيل: فَلِمَ جعل هذا لا يليق به إلا الكَرَامة، وهذا لا يليق به إلا الإهَانة؟

قيل: هذا سؤال جاهلٍ، لا يستحقُّ الجواب، كأنَّه يقول: لِمَ خَلَقَ اللهُ كذا وكذا؟

فإن قيل: وعلى هذا، فهل لهذا الجاهل من جوابٍ، لعلَّهُ يَشْفَى من جهله؟

قيل: نعم؛ شأنُ الربوبية خَلْقُ الأشياءِ وأضدادِها، وخَلْقُ المَلْزُومات ولوازِمِها، وذلك هو مَحْضُ الكَمَال.

فالعُلُوُّ لازِمٌ وملزومٌ للسُّفْلِ، والليلُ لازمٌ وملزومٌ للنَّهار، وكمالُ هذا الوجود بالحَرِّ والبَرْدِ، والصَّحْوِ والغَيْم. ومن لوازم الطبيعة الحيوانية: الصحَّةُ، والمَرَضُ، واختلافُ الإرادات، والمُرَادَات.

ووجودُ المَلْزُومِ بدون لازِمِه ممتنعٌ (^1)، ولولا خَلْقُ المُضَادَّاتِ (^2) لَمَا عُرِفَ كمالُ القدرة والمشيئة والحكمة، ولَمَا ظهرت أحكامُ الأسماء والصفات، وظهورُ أحكامِها وآثارِها لابدَّ منه، إذ هو مقتضى الكمالِ المقدَّسِ، والمُلْكِ التامِّ.

وإذا أعطيتَ اسمَ "المَلِك" حقَّه - ولن تستطيع - علمتَ أنَّ الخلقَ والأمرَ، والثوابَ والعقابَ، والعَطَاءَ (^3) والحرمانَ = أمرٌ لازِمٌ لصفة المُلْكِ، وأنَّ صفة المُلْكِ تقتضي ذلك ولابدَّ، وأنَّ تَعَطُّلَ هذه الصفة أمرٌ

  • (^1) العبارة في (ح) و(م) هكذا: ووجود اللازم بدون ملزومه ممتنع.
    (^2) في (ح) و(م): المتضادَّات.
    (^3) ساقط من (ن).
103