التبيان في أيمان القرآنالمقدمة · ص 35 - 49

تأريخ تأليف الكتاب

تأريخ تأليف الكتاب

<رمز>تأريخ تأليف الكتاب:</رمز>

لم يذكر ابن القيم رحمه الله تأريخ تأليفه لكتابه، ولم ينقل عنه أحدٌ من تلاميذه خبرًا في ذلك؛ إلا أنَّنا يمكن أن نستفيد من إشارتين اثنتين لبيان تأريخ تأليفه على وجه التقريب لا التحديد:

أولاهما: أنه أحال في ثنايا الكتاب على كتابه الآخر "إعلام الموقعين"، فقال: "وقد بيَّنا في كتابنا "المعالم" بطلان التحليل وغيره من الحيل الربويَّة" (^1).

فهذا النقل يفيدنا أنه ألَّف كتاب "التبيان" بعد كتابه "إعلام الموقعين".

وثانيهما: أنه في كتابه "الداء والدواء" قد أحال على كتاب "التبيان" في موضعين (^2)، ممَّا يفيدنا أنَّه ألَّفه قبل كتاب "الداء والدواء".

وعليه فيكون تأليفه لكتاب "التبيان" منحصرًا بين سنة تأليفه لكتاب "إعلام الموقعين"، وسنة تأليفه لكتاب "الداء والدواء"، إلَّا أنَّ الإشكال قائمٌ من حيث إنَّنا لا نعلم - تحديدًا - سنة تأليفه لهذين الكتابين! لكن هذا غاية ما توصلنا إليه.

وثَمَّ أمرٌ يُستأنس به ههنا؛ وهو أنَّ ابن القيم رحمه الله تمنَّى أن يؤلِّف تفسيرًا للقرآن على نهجٍ سار عليه في تفسير "سورة الكافرون" في

  • (^1) "التبيان" (345).
    (^2) انظر "الداء والدواء"
  • (83) و(470).
    وقد ذكر الدكتور: أحمد ماهر البقري في كتابه "ابن القيم اللغوي"
  • (64) أنَّه ألَّف كتابه "التبيان" بعد "الجواب الكافي"! وهذا سبق قلم.
35

كتابه "بدائع الفوائد" (^1)، ثُمَّ قال: "وقد كتبتُ على مواضع متفرقة من القرآن بحسب ما يسنح من هذا النَّمَط وقتَ مقامي بمكة وبالبيت المقدَّس، والله المرجو إتمام نعمته"، فهل يكون من تلك المواضع المتفرقة التي كتبها اعتناؤه بأقسام القرآن، واستيفاؤه الكلام عليها، وإفرادها بكتابه "التبيان"، في تلك المدة، وذاك التأريخ؟ … احتمال.

  • (^1) (1/ 234 - 249).
36

موضوع الكتاب

<رمز>موضوع الكتاب:</رمز>

أنشأ ابن القيم رحمه الله هذا الكتاب للكلام عن الأيمان، وخصَّه بالأيمان والأقسام الواردة في القرآن الكريم، وتكلَّم عمَّا يلحق هذه الأيمان من لواحق وتوابع، وأفصح عن ذلك كلِّه في مقدِّمة كتابه حيث قال:

"فهذا كتابٌ صغير الحجم، كبير النفع، فيما وقع في القرآن العزيز من الأيمان والأقسام، والكلام عليها يمينًا، وارتباطها بالمقسَم عليه، وذكر أجوبة القَسَم المذكورة والمقدَّرة، وأسرار هذه الأقسام، فإنَّ لها شأنًا عظيمًا يعرفه الواقف عليه في هذا الكتاب" (^1).

فتبيَّن من خطبة المؤلِّف هذه غرضه من تأليفه، وموضوعه الذي سيدور حوله ويتحدَّث عنه، وهو عدة أمور:

أوَّلها: الأيمان والأقسام الواردة في القرآن الكريم خاصةً.

وثانيها: تحقيق كون هذه الأيمان والأقسام كذلك.

وثالثها: ارتباط هذه الأيمان بالمقسَم عليه، وبيان التناسب بينها.

ورابعها: ذكر أجوبة القَسَم سواء كانت مذكورة أو مقدَّرة.

وخامسها: ما يتعلق بهذه الأيمان من الأسرار والحِكَم والغايات.

فأمَّا الأمور الأربعة الأخيرة فاستوفاها إلى الغاية بل وأربى، وأتى فيها بكل ما يُستملح بل وأحلى، فأفاد وأجاد.

  • (^1) (ص/ 3).
37

وأمَّا الأمر الأوَّل منها فالحقُّ أنَّه لم يتتبع كل ما في القرآن من الأيمان والأقسام، بل ترك الكلام عن الأيمان التي حكاها الله عز وجل في القرآن عن خلقه، وترك - أيضًا - الأيمان المقدَّرة، مع أنَّ هذا الكتاب مظنَّةٌ لدراستها، والمعروف عن ابن القيم رحمه الله أنه يتتبع القضايا والمسائل التي تتعلَّق بموضوع الكتاب الذي يصنِّفُه، ولا أدري سببًا لتفويت هذا الشمول والاستيعاب، الأمر الذي فسح لبعضهم مدخلًا لتعقُّبه في ذلك (^1)!

إذن موضوع الكتاب يتعلَّق - فقط - بالأيمان الربَّانية الصريحة الظاهرة في القرآن الكريم، والكلام على ما يتعلق بها ممَّا أوضحه في المقدِّمة وسبق بيانه، إلا أنه فاته - أيضًا - شيءٌ يسير من هذه الأيمان الربَّانية تُعرف بتتبعها في القرآن الكريم.

  • (^1) انظر مقال الأستاذ: عبد الله بن سالم الحمود الدوسري بعنوان: "منهج ابن القيم في كتابه التبيان في أقسام القرآن؛ دراسة وتقويم"، مجلة كلية اللغة العربية بجامعة الإمام، العدد (7)، (ص/ 648).
    وراجع كلام الشيخ: عبد الرحمن حسن حبنكة في "قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله ﷿" (463).
38

منهج المؤلِّف في الكتاب

<رمز>منهج المؤلِّف في الكتاب:</رمز>

لابن القيم رحمه الله في جميع كتبه منهج عامٌّ وخاصٌّ.

فأمَّا المنهج العامُّ فطريقته التي سلكها في تآليفه حتَّى غَدَت واضحة المعالم، بيِّنة الملامح؛ من اعتماده على نصوص الكتاب والسُّنَّة الصحيحة، وتقديمه لأقوال الصحابة، واحتفائه بأقوال السلف، وقوَّةٍ في الحُجَّة، وطول نَفَسٍ في تقرير المسائل، مع مراعاة المقاصد والحِكَم، واطِّراح الشاذ والضعيف والمنكر من الآراء والأقوال والمذاهب؛ كل ذلك بأسلوبه الممتع الجذَّاب.

وأمَّا المنهج الخاصُّ فهو ما سلكه من طريقةٍ في كل كتابٍ بما يناسبه ويلائمه، فإنَّه رحمه الله قد كتب في غالب الفنون الشرعية، وكلُّ فنٍّ لمسائله ذوقها، ولأهله لغتهم.

وكتابنا "التبيان" يمكننا أن نقسمه إلى قسمين: قسمٍ نظري تأصيلي، وقسمٍ تطبيقي.

القسم النظري التأصيلي:

عمد ابنُ القيم رحمه الله في أوَّل كتابه "التبيان" إلى تقرير قواعد وأصول هذا الفنِّ وهو أيمان القرآن، وخطَّ له خطوطًا عريضةً سار عليها في باقي كتابه. وقد أحسن في ذلك أيَّما إحسان؛ لأنَّه بنى سائر كتابه على هذه الأصول والقواعد، وصار يُرجِعُ مسائله إليها، وردَّ إليها ما أشكل من تفسير آيات القَسَم، الأمرَ الذي أبعده عن الاضطراب والتذبذب الذي وقع فيه غيره.

بدأ المؤلِّف رحمه الله ببيان وجود القَسَم في القرآن وأنَّه واردٌ في

39

كلام الله عز وجل، وأنَّ الله - سبحانه - يُقسم بأمرين اثنين:

الأوَّل: بنفسه المقدَّسة الموصوفة بصفاته العليا.

والثاني: بآياته المستلزمة لذاته وصفاته (^1).

وقرَّر بأنَّ القَسَم ببعض المخلوقات دليلٌ على أنَّها من آياته، وأنَّ في ذلك إشادةً بها وتنويهًا، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يتعلق بها أمران:

الأوَّل: أن تكون هذه الآيات من الأمور المشهودة الظاهرة، فإنَّ "آيات الرَّبِّ التي يُقسِم بها لا تكون إلا ظاهرةً جليَّةً يشترك في معرفتها الخلائق" (^2).

والثاني: أنَّ هذه الآيات الظاهرة الجلية لا تأتي إلا مقسَمًا بها ولا تكون مقسَمًا عليها.

ثُمَّ بيَّن أنَّ للقَسَم إحدى فائدتين:

1 - إمَّا تحقيق القَسَم.

2 - وإمَّا تحقيق المقسَم عليه وتوكيده.

وقرَّر - أيضًا - أنَّ هذا المقسَم عليه لا بد أنَّ يكون من الأمور الغائبة التي يطالَب العبدُ بالإيمان بها (^3).

وأمَّا جواب القَسَم فلا يخلو من حالتين:

  • (^1) (ص/ 5، 26 - 27، 210).
    (^2) (ص/ 5، 187، 225).
    (^3) (ص/ 5، 225).
40

1) إمَّا أنَّ يذكر جواب القَسَم، وهو الغالب.

2) وإمَّا أن يحذف، ويكون حذفه من أحسن الكلام حينئذٍ، وفي هذه الحال لا يخلو من أحد غرضين (^1):

أ/ إمَّا أنه لا يُراد ذكره أصلًا بل المراد من القَسَم تعظيم المقسَم به.

ب/ وإمَّا أنَّه مرادٌ، فيُعرف حينئذٍ بدلالة الحال أو السياق عليه.

ثُمَّ بيَّن رحمه الله أنَّ القَسَم لمَّا كان يكثر في الكلام؛ احتيج إلى اختصاره طلبًا لخفَّة اللسان وسهولة الاستعمال، فصار يُحذَف فعل القَسَم ويكتفى بـ "الباء"، ثُمَّ عُوِّض عن "الباء":

1 - "الواو" في الأسماء الظاهرة.

2 - و"التاء" في اسم الله خاصة.

وأمَّا المقسَم عليه فقعَّد له قاعدةً كليَّةً فيما يُقسِم الله عليه، وأنَّه - سبحانه - إنَّما يُقسِم على أصول الإيمان التي يجب على جميع الخلق معرفتها والإيمان بها:

فتارةً يُقسِم على التوحيد.

وتارةً يُقسِم على أنَّ القرآن حقٌّ.

وتارةً يُقسِم على أنَّ الرسول حقٌّ.

وتارةً يُقسِم على حال الإنسان وصفته وعاقبته.

  • (^1) (ص/ 13، 14).
41

وذكر أنَّ السبب في إقسامه - تعالى - على هذه القضايا والأصول هو حاجة النفوس إلى معرفتها، وشدَّة فاقتها إلى الإيمان بها.

القسم التطبيقي:

لمَّا فرغ ابنُ القيم رحمه الله من تأصيل مسائل القَسَم في القرآن الكريم؛ أخذ بتطبيق ما أصَّله على آيات القَسَم التي فسَّرها على النحو التالي (^1):

* بيان الآية من جهة اللغة العربية، وهذا حَدَاهُ إلى:

أ/ الكشف عن معاني الكلمات، وما فيها من دقائق وأسرار حتى يتمَّ الفهم الصحيح للمعنى المراد منها في الآية، كما فعل في:

- تفسير "الطَّحْو" (ص/ 28).

- وتفسير "الكَبَد" (ص/ 51).

- وتفسير "الكَنُود" (ص/ 125).

- وتفسير "الدافق" (ص/ 160).

- وتفسير "الخُنَّس والكُنَّس" (ص/ 184).

- وتفسير "المَوْر" (ص/ 411).

- وتفسير "الحُبُك" (ص/ 434).

ب/ وهذا البيان لمعاني الكلمات حمله على توضيح الفرق بين

  • (^1) ما سأذكره فيما يأتي من أرقام الصفحات إنما هو على سبيل التمثيل لا الحصر.
42

كلمةٍ وأخرى، التماسًا منه رحمه الله لحكمة استعمال هذه اللفظة دون تلك، فمن ذلك:

- الفرق بين لفظ "السعي" و"العمل" (ص/ 11 - 12).

- والفرق بين "النسيان" و"السهو" (ص/ 438).

- والفرق بين قولك: "سبقته إليه" و"سبقته عليه" (ص/ 290).

- والفرق بين "رَبْط الشيء" و"الرَّبْط على الشيء" (ص/ 281).

ج/ كلامه على بعض وجوه الإعراب للآية إذا كان اختلاف الإعراب ينبني عليه تغاير المعنى، وانظر على سبيل المثال (ص/ 27، 174، 314، 319).

* إذا كان في الآية قراءات متعدِّدة فإنَّه يذكرها، ويوجِّه معناها، وربما رجَّح بعضها على بعض من جهة دلالتها على المعنى المراد، كما فعل في (^1):

- قراءة: "فامضوا إلى ذكر الله" (ص/ 11).

- وقراءة: "فكَّ رقبةً" (ص/ 65).

- وقراءة: "ذو العرشِ المجيدِ" بالكسر (ص/ 148).

* جمعه للنظائر والأشباه في مكانٍ واحدٍ، والتوفيق بين معانيها إذا كان ظاهرها التعارض، أو كان الفرق بينها لا يتجلَّى إلا بالإيضاح والبيان، وانظر على سبيل المثال: (ص/ 48، 106، 131، 190، 200،

  • (^1) وانظر أيضًا: (ص/ 179، 196، 323، 373، 375).
43

218، 241، 245، 251، 274، 280، 288، 297، 328، 343).

* وأمَّا الأقوال في تفسير الآية فإنَّه يقوم بالتالي:

1 - يستوفي نقلها في الغالب، حتى إنَّه ربما نقل الأقوال الضعيفة في تفسيرها طلبًا للاستيفاء، ويندر جدًّا أنَّ يفوته قولٌ مشهورٌ في تفسير الآية كما حصل معه في سورة البلد (ص/ 59).

2 - يَعْزُو هذه الأقوال إلى أصحابها؛ بدءًا بالصحابة رضي الله عنهم ثُمَّ بمن يليهم، هذا هو الأعمُّ الأغلب؛ لكن ربما ترك العَزْوَ أحيانًا كما في (ص/ 57، 237، 288، 330، 348، 372، 400، 438، 528، 637).

3 - ينقل نصوص أقوالهم بحروفها كما جاءت عنهم في التفاسير المسندة.

4 - إذا كانت في ظاهرها متعارضة وأمكن الجمع بينها فإنَّه يجمع بينها ويدفع تعارضها كما فعل في (ص/ 70، 91، 123، 157، 207، 227).

5 - وربما كانت هذه الأقوال كثيرةً ومتباينةً في باديء النظر لكنها عند التأمُّل تؤول في حقيقتها إلى قولين أو ثلاثة مثلًا؛ فيردُّها إلى ذلك كما في (ص/ 48، 141، 172، 223، 232).

6 - يذكر أدلَّة كل قول، ويرجِّح بينها، ويبرز جوانب القوَّة فيما يختاره من الأقوال، وهذا كثير في الكتاب كما في (ص/ 15، 35، 40، 68، 74، 77، 80، 105، 115، 116، 123، 133، 146، 163، 166، 175، 184، 191، 208، 211، 212، 235، 276، 292،

44

331، 363، 399، 441).

7 - ينبِّه على الأقوال الضعيفة أو الساقطة أو البعيدة والمتكلَّفة كما في (ص/ 213، 216، 225، 296، 314، 320، 360).

* ثُمَّ بعد ذلك له رحمه الله تنقيبٌ عجيبٌ في خبايا الآيات، وتفتيشٌ مذهلٌ في كنوزها التي لا تنتهي، فيستنبط منها ما هو من حاجات القاريء وإن لم يكن من حاجة المفسِّر، ولربما أرخى القلم بما هو من عَرَض الكتابة وإن لم يكن من أغراض التفسير، وهذا بحرٌ يحبُّ ابن القيم السباحة فيه ويُحسن الغَوص في أعماقه، فمن ذلك:

- مناقشته لطائفة من النظَّار والمتكلمين (ص/ 10، 27، 245) وغيرها.

- ردُّه على الطبائعيين والفلاسفة والدهرية والملاحدة (ص/ 28، 253، 409، 497).

- جوابه عن شُبَه القدريَّة والجبريَّة (ص/ 99، 152، 203) وغيرها.

- مناقشته للأطباء في قضايا الخلق والتكوين (ص/ 492، 499، 503، 538) وغيرها.

- بيان ما في الآية من مواعظ وآداب وتوجيهات.

- عنايته بذكر اللطائف والنُّكَت والفوائد العلمية (ص/ 219، 322، 439) وغيرها.

هذا قليلٌ من كثير من إبداعاته وإفاداته، ولعلَّ نظرةً إلى فهرس الفوائد العلمية يحيطك بشيء من ذلك.

45

وثَمَّ أمور تبرز لقارئ الكتاب؛ عدَّها بعضهم من المؤاخذات وهي في الحقيقة من الملحوظات (^1) التي لا تخلو من توجيهٍ حسنٍ للمنصف القادح، أو نظرةٍ سديدةٍ للمستحسن المادح، وهذا أو ذاك لا يستطيع إخفاء حاجته إلى صيد ابن القيم رحمه الله، وإلا ما قصد إلى قراءة كتابه، ومن تلك الملحوظات:

1 - أنَّ ابن القيم رحمه الله لم يبيِّن لنا سبب تسميته لكتابه بـ "أيمان القرآن" وعدوله عن التسمية بأقسام القرآن، مع أنَّه يفتتح كلامه عن آيات القَسَم - غالبًا - بقوله: ومن ذلك قَسَمُه سبحانه بكذا … ثُمَّ يذكره.

وأيضًا؛ لم يرد في القرآن الكريم لفظ "اليمين" بالنسبة لله عز وجل، وإنَّما ورد لفظ "القَسَم" كما تراه في هذا الكتاب مشروحًا، أمَّا "اليمين" في القرآن الكريم فقد جاءت في حق الخلق واستعمالهم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224]، وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225]، وقوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89]، وقوله: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]، إلى غير ذلك من الآيات.

وقد يستطيع المتأمِّل الجواب عنه بما يظهر له من مليح الاستنباط، إلا أنَّنا كنَّا في شوقٍ لجواب ابن القيم نفسه لما عُرف عنه من الدقَّة،

  • (^1) وليس كل ملحوظةٍ مؤاخذة، ومن الخطأ أن نحاكم عُرْف المتقدمين في التأليف إلى عُرْفنا المشوب بطرائق المستشرقين أو تنظير الخاملين من أصحاب الأكاديميات، وهذا - والله - من جنايات المعاصرين على تراث الأئمة، فكان القصاص في قلة بركة مؤلفاتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
46

وصاحب الدار أدرى بما فيه.

2 - إذا تكلَّم في تفسير آيات القَسَم فإنَّه يُتمُّ تفسير السورة بأكملها وإن لم يكن لها تعلُّق بالأيمان والأقسام، وهذا كثيرٌ في الكتاب إلا في آخره فإنَّه اقتصر فيه على محلِّ القَسَم وما يتبعه.

3 - استطراده رحمه الله في بعض المواطن بأمور خارجةٍ تمامًا عن التفسير وملحقاته، فمن ذلك:

- ذكره لمنافع التين والزيتون (ص/ 69 - 70).

- كلامه عن الليل والنَّهار (ص/ 255 - 260).

- ذكره لأنواع الأقلام (ص/ 303 - 310).

- كلامه عن الاعتراض بين الجُمَل وفوائده (ص/ 323 - 328).

- وأيضًا كلامه عن الاستطراد ومحاسنه (ص/ 397 - 398).

- كلامه عمَّا يُستملح من خِلْقة المرأة (ص/ 419).

- كلامه عن الرِّياح (ص/ 426 - 429).

- كلامه عن الأرض (ص/ 447 - 457).

- كلامه عن خَلْق الإنسان والتفصيل في تكوينه وما في ذلك من الآيات الباهرات (ص/ 457 - 626) (^1).

  • (^1) وهذا أطول موضع لابن القيم ﵀ على الإطلاق من بين سائر كتبه في كلامه عن خَلْق الإنسان وتفاصيل تكوينه.
47

وهذه الملحوظة والتي قبلها ممَّا تعنَّى له ابنُ القيم رحمه الله وكان يستحسنه ويرتضيه وينوِّه به، وهو ممَّا يَزِينُه ولا يَشِينُه، ويُمدح به ولا يُعاب عليه، فإنَّه من جُود العلم وكَرَم العالم، يبذله متى رامَ نفع النَّاس وإفادتهم، ومن محاسن الملاقاة ما جاء عَرَضًا لا قصدًا، وابن القيم رحمه الله خبيرٌ بنوادر العلم وفوائت العلماء، باذِلٌ لقارئيه أطيبه وأنفعه، فهو رحمه الله كيفما كتب بَرَع، كالغَيْث أينما وقعَ نَفَع، فلا لوم إذنْ.

وإنَّما تصلح المؤاخذة لمن يَحْشُو الكتاب بما لا يفيد، ويسوِّد الصفحات بما ضَرُّه أقرب من نفعه وعلى أحسن أحواله لا نفع فيه ولا ضرر، فهذا ممجوجٌ ومطَّرحٌ، كحال بعض مؤلِّفي زماننا - أصلح اللهُ أقلامهم - ممن يُحبِّرون الصُّحُف بنَادِّ اللفظ، ومستوحش المعاني، فتقل فائدتها عند العامة وتُعدَمُ لدى الخاصة، وهذا مَتْنُ الكلام وقائمه فكيف بموقوذه ومتردِّيه! اللهم صَفْحًا.

وحاشا ابن القيم أن يكون استطراده كذلك، بل فيه من الفوائد والشوارد ما لو قرأته لتمنَّيتَ أن يكون كتابه كله على هذا المنوال لعظيم عائدتها، ولربما صَلُح بعضها لإفرادها بمصنَّف مستقِلٍّ لجودتها، وحسن بسطه فيها.

وخُذْ مثلًا على ذلك كلامه عن خَلْق الإنسان وتكوينه فإنَّه أبدع فيه إلى الغاية، وأشرف فيه على النهاية، وإنني لأَجزم - وأنا على ثِقَل قدمٍ - بأنَّ قارئه متى بدأه لن يملَّه، ويمضي في قراءته حتى يتمَّه، فإنَّ له لذَّةً ومتعةً تأخذ بالألباب، وهو في أثناء ذلك لن يخلو من تعجُّبٍ وفكرة، أو من حكمةٍ وعِبرةٍ، أو من موعظةٍ وذكرى، ونحو ذلك ممَّا يهذِّب

48

النفوس، ويصلح الأحوال، فاللهم زِدْهُ نعيمًا كما زادنا تفهيمًا.

4 - كلامه في تفسير الآيات كان متَّسِقًا على نظامٍ واحدٍ في أكثر الكتاب وأغلبه، حتى جاء إلى قُبيل آخره - وتحديدًا من (ص/ 637) فما بعدها - فصار يختصر الكلام على الآيات على غير المعهود عنه، بل ربما جمع الكلام على عدَّة آياتٍ مختلفاتٍ في موضعٍ واحدٍ! وهذا طبيعة أواخر الأشياء وتاليها.

49